قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهُوَ مُوجِبٌ (ح) لِلْفَسْخِ فِي أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ، وَالنَّظَرُ فِي أَطْرَافٍ (الطَّرَفُ الأَوَّلُ فِي العَجْزِ) وَنَعْنِي بِهِ أَنْ يَعْجَزَ عَنِ القُوتِ بِالفَقْر، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِالمَنْعِ مَعَ الغِنَى فَقَدْ قِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: لاَ فَسْخَ لأَنَّهُ ظُلْمٌ، وَالقَادِرُ بِالكَسْبِ كَالقَادِرِ بِالمَالِ، وَالعَجْزُ عَنِ الأُدْمِ لاَ يُؤَثِّرُ عَلَى الأَصَحِّ، وَفِي العَجْزِ عَنِ الكُسْوَةِ أَوِ المَسْكَنِ أَوْ نَفَقَةِ الخَادِمِ وَجْهَانِ، وَلاَ يؤَثِّرُ العَجْزُ عَنِ المَهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلاَ يُؤَثِّرُ العَجْزُ عَنْ نَفَقَةِ الزْمَانِ المَاضِي بَلْ ذَلِكَ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌ فِي ذِمَّتِهِ فَرَضَهُ القَاضِي أَوْ لَمْ يَفْرِضْهُ (ح)، وَلَوْ قَدَرَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى ثُلُثِ المُدِّ فَلَهَا الفَسْخُ، وَإنْ قَدَرَ عَلَى النِّصْفِ فَوَجْهَانِ إِذْ فِي الخَبَزِ أَنَّ طَعَامَ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ البَابِ الكلامُ فيما إذا أعْسَرَ الزَّوْجُ، وعَجَز عن القيام بمؤنات
[ ١٠ / ٤٨ ]
الزوْجَةِ الموظفات عليه والذي نصَّ عليه الشافعي -﵁- في كتبه قديمًا وحديثًا: أنه إذا أعْسَرَ بالنفقة، كانت المرأة بالخيار، إن شاءت، صَبَرَتْ وأنفقت من مالها، أو استقرضت ونفقتها في ذمته إلى أن يُوسِرَ، وإن شاءت، طلَبَتْ فسْخَ النكاح.
وقال في بعض الكتب بعد ذكر ذلك: وقد قيل: إنه لا خيار لها، واختلف الأصْحَابُ عَلَى طريقَيْن:
أظهرهما: أن في المسألة، قولَيْنِ:
أصحُّهما: أن لها خيارَ الفَسْخ، وبه قال مالك وأحمد؛ لِمَا رُوِيَ عن أبي هريرة -﵄-: أن النبيَّ -ﷺ- قال: في الرجل لا يجِدُ ما يُنْفِقُ على امرأته: "يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا" (١): ويروى مَنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وسئل سعيد بن المُسيِّب -﵁- عن رَجُلٍ لا يجد ما ينفق على أهْلِهِ قال: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، فقيل له: سُنَّةٌ؟ قال: نَعَمْ، سُنَّةٌ (٢) " قال الشافعيُّ -﵁-: الذي يشبه أن يكون قول ابن المسيِّب -﵁- أنَّه سُنَّةُ رسول الله -ﷺ-، وأيضًا فالعجز عن الوطء بالجبِّ والعُنَّة يُثْبِت حق الفسخ، فالعَجْز عن النفقة [أولى؛ لأنَّ الصَّبْر عن الاستمتاع أسْهَلُ من الصبر عن النفقة] وعبر عن ذلك بأن النفقة أمْرٌ مقصودٌ بكل نكاحٍ، فيَثْبُت الخِيَارُ بفَقْدِهِ، كالاستمتاع، وقَصَدَ بالقيد المذكور الاحترازَ عن الزيادة على نَفَقَةِ المُعْسِرين، وعن نفقة الخادمة.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: أنَّه لا فَسْخ لها؛ لأنَّ المُعْسِر مُنْظَرٌ، ولأنَّ الفَسْخ يُفوِّت حقه، وترك الفسخ يُؤَخِّر حقها، والتفويت أشَدُّ من التأخير، ولأنها نفقةٌ واجبةٌ، فلا يثبت بها حقُّ الفَسْخ، كالنفقة الماضية.
قال القاضِي الرُّويانيُّ: قال جَدِّي: وبهذا أفتى.
والطريق الثاني: القطْعُ بالقَوْل الأوَّل، وحمْلُ الآخر على حكايته مذْهَب الغَيْر، وهذا أظهر عند القاضيين ابن كج والرويانيِّ، وإذا قلْنا بالأصحِّ، احتجنا إلى معرفةِ ما يثبت طلَبَ التفريق، ومعرفة حقيقة هذا التفريق، ووقته ومَنْ له طلبه، فجعل صاحب الكتاب الكلامَ في أربعة أطراف:
أما الأول، ففيه مَسَائِلُ:
_________________
(١) أما حديث أبي هريرة فرواه الدارقطني والبيهقي من طريق عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، وأعله أبو حاتم.
(٢) قول سعيد بن المسيب فرواه الشافعي [١٧٢٣] عن سفيان عن أبي الزناد.
[ ١٠ / ٤٩ ]
إحداها: المُثْبِت لِحَقِّ الفَسْخ العجزُ والإعسارُ، أما إذا امتنع عن تسليم النفقة، مع وِجْدَانها، ففيه وجهان:
أحدهما: أن لها حقَّ الفسخ؛ لأنها لا تصل إلى حقِّها وتَتضرَّر، فيجعل الامتناع كالعجز.
وأظهرهُما: المَنْعُ؛ لأنها تَتَمكَّن من تَحْصِيل حقِّها بالسلطان؛ بأن يلزم بالحبس وغيره، وإن كان له مالٌ ظاهرٌ، أنفق السلطانُ منه، وليس ذلك موْضِعَ الخلاف، وكذا لو قَدَرَت المرأة على شيْءٍ من ماله (١)، ولو غاب، وهو مُوسِرٌ في غيبته، ولا يوفيها حقَّها، جرى الوجهان، فعلى الأظهر: لا فسخ، وكان المؤثر، تعيّبه بخراب الذمة وهو من الموسرين، ولكن يبعث الحاكم إلى حاكم بَلَدِهِ ليطالبه، إنْ كان موضعه معلومًا، وعلى الوجْهِ الآخر: يجوز الفسْخُ إذا تعذَّر تحْصيلُها، ولا تكلف أن تصبر وتتحمل الضرر، وهو اختيار القاضي الطبريِّ، وإليه مال ابن الصبَّاغ، وذكر القاضي الرُّوياني وابن أخته صاحب العُدَّة: أن المصْلَحَة الفتوى به، وإذا لم نُجَوِّزِ الفسخَ، والغائبُ موسرٌ، فلو لم نَعْلَمْ أنَّه موسر أو مُعْسِر، فكذلك الحُكْم؛ لأن السبب لم يَتَحقَّق، ومهْما ثبَتَ إعسار الغائِب عند حاكم بلَدِها، فيجوز الفسْخُ أو لا يَفْسَخ حتى يبعث إلَيْه، فإن لم يَحْضُرْ، ولم يبعث النفقةَ فحينئذ يَفْسَخ؟ ذُكِرَ فيه وجهان:
أصحُّهما: الأول، وهو الذي أورده في "التتمة"، ولو كان الرجل حاضرًا، وماله غائب، فإن كان على ما دون مسافة القَصْر فلا خيار، ويؤمر بتعجيل الإحضار، وإن كان على مسافة القصر فلها الخيار، ولا يلزمها الصبر، وقد يحتج بهذا لأحد الوجهَيْن، فيما إذا غابَ، وهو موسر في الغَيْبة، وفرق صاحب "التهذيب" بينهما بما لا يَقَع، فقال: إذا كان المال غائبًا، فالعجز عن جهة الزوج، وإذا كان الزوج غائبًا، وهو موسر، فقدْرَتُه حاصلةٌ، والتَّعذُّر مِنْ جهتها.
ولو كان له دَيْنٌ مُؤَجَّل على إنسانٍ، فلها الخيار، إلاَّ أنْ يَكُون الأجَلُ قريبًا، وُيشْبه أن يضبط القرب بمدَّة إحضار المال الغائب إلى ما دون مسافة القَصْر (٢)، ولو كان حالًا، فإن كان على المُعْسِر، فلها الخيار، وإن كان على مُوسِر، حاضر، فلا خيار، وإن كان غائبًا، فعن "الحاوي": أنَّه على وجْهَيْنِ، كما لو كان الزَّوْج غائبًا، وهو موسر، ولو كان له على زوجته دَيْنٌ، فأمرها بالإنفاق منه، فإن كانتْ موسرة، فلا
_________________
(١) ما ذكره من تقييد موضع الخلاف تابع فيه الإِمام فإنَّه قال: عندي أن محل الخلاف إذا لم يقدر على خلاص الحق بالسلطان ولا يأخذها طائفة من ماله فإن قدرت على ذلك لم يثبت لها الفسخ قطعًا.
(٢) ويؤيده قول الماوردي والروياني في الصانع كالبحار والجمال إذا مرض فإن كان يرجو الزوال بعد يوم أو يومين فلا خيار وإن كان بعيد الزوال ثبت الخيار. انتهى.
[ ١٠ / ٥٠ ]
خيار، وإن كانت معْسِرةً، فلها الخِيَار؛ لأنَّها لا تَصِلُ إلَى حقِّها من ماله، والمُعْسِر مُنْظَرٌ، وعلَى قياس هذه الصُّوَر، لو كان له عقار ونحْوهُ، لا يُرْغَب في شرائه، ينبغي أن يكون لها الخيارُ، ومَنْ عليه دُيُونٌ تسْتغرق مالَهُ، لا خيار لزوجته، حتى يُصْرَف ماله إلى الدُّيُون، ولو تَبرَّع متبرِّع بأداء النفقة عن المُعْسِر، لم يلزمُها القبول، ولها الخيار، كما لو كان له ديْنٌ على إنسانٍ، فَتَبَرَّع غيره بقضائه، لا يلزمُهُ قَبُولُه؛ وهذا لأنَّ فيه تحمُّل مِنَّةٍ من المتبرِّع، وحكَى القاضي ابن كج: أنه لا خيار لها والظاهر الأوَّل، ويجُوز أن يُوَجَّه الخلاف؛ بأن الفسخ لنُقْصان الزوج وتعيبه بخراب ذمته أو لتضرُّرها بتَعذُّر النفقة، كما وُجِّه بالمعنَيَيْنِ الخلاف فيما إذا كان الزوْجُ غائبًا، وهو موسر وفي "التَّتمة": أنه لو كان بالنفقة ضامِن، ولم نُصحِّح ضمان النفقة فالضامن كالمتبرِّع، وإن صحَّحناه، فإن ضَمِن بإذْن الزوج، فلا خيار لها، والضامن في أداء النفقة ينزل منزلة الزوج، وإنْ ضَمِن بغير إذْنِهِ، فوجهان؛ لأنه كالمتبرِّع، لكن الحق ثابتٌ، والمطالبة متوجِّهة.
ولو أن المُوسِر كان لا يعطيها إلا نفقةَ المُعْسِر، فلا خيار لها؛ لأنَّهُ يكفي قوامًا، والباقي يصير دَيْنًا في ذمته.
الثانية: القُدْرة بالكسب كالقُدْرة بالمال، فلو كان يكسب كلَّ يومٍ قَدْر النفقة، فلا خيار؛ لأنَّ النفقة هكذا تجب، وليس علَيْه أن يَدَّخِر للمستقبل، ولو كان يَكْسِب في يوم ما يكفي لثلاثة أيام، ثم لا يكْتَسِب يومَيْنِ أو ثلاثًا، ثم يكتسب في يوم ما يَكْفِي للأيام الماضية، فلا خيار؛ لأنه ليس بمعسر، ولا تشق الاستدانة؛ لما ينفق من التأخير السِيَر، وكذلك الحُكْم في النساج الذي ينسج في الأسبوع ثوبًا تَفِي أجرته بنفقة الأسبوع، حكاه صاحب "الحاوي" عن أبي إسْحَاقَ، وأورده كذلك صاحب "المهذب" و"التهذيب" لكن ذكَرْنا في المال الغائِب على مسافة القَصْر: أن لها الخِيَارَ، وقد يمكن إحْضَاره فيما دون أسبوع، والوجه التَّسْوِية (١).
_________________
(١) فيه أمران: أحدهما: مراده بالاستدانة في الصورة الأولى أنها هي تستدين للإمام الثلاثة كلما صرح به البغوي فإنه قال في التهذيب: أما إعسار التأخير لا يثبت الفسخ مثل أن يكتسب في يوم ما يكسبه لثلاثة أيام بعده ثم يبقى يومين أو ثلاثة لا يكتسب ثم يكتسب للأيام الماضية أو كان نساجًا ينسج في كل أسبوع يومًا يكفيه أجرته للأسبوع فلا خيار لها لأنه ليس بإعسار بل هو تأخير للحق من وقت ويستدين يوم التأخير. الثاني: أن النووي ﵀ نازع الرافعي في التسوية وقال في زوائده: المختار أنه لا خيار كما ذكره هؤلاء الأئمة. واعلم أن الرافعي عسر عليه الفرق بين المسألتين فسوى بينهما مع اعترافه بأنه خلاف المنقول والنووي صحح التعاكس وفق النقل ولم يبد فارقًا. فنقول: الموجب لاعتقاد الرافعي التسوية ظنه أن المراد بالاستدانة والاستقراض للمرأة. وهذا شيء تابع فيه البغوي.
[ ١٠ / ٥١ ]
وإذا عَجَز العامل عن العمل لمرض، فلا فَسْخ، إن كان يُرْجَى زواله يومين أو ثلاثةً، وإن كان تَطُول مدته، فلها الخيار، وحكى في "التتمة" وجهَيْنِ فيما إذا كان يكسب في بعض الأسبوع ما يكفي لجميعه، فتعذَّر عليه العَمَل في بعض الأسابيع، لِعَارِضٍ، وقال: الصحيح ثبوتُ الخيار، وإذا لم يستعمل البَنَّاء والنَّجَّار أحد، وتعذَّرَت النفقةُ كذلك، فعن الماوَرْدِيِّ: أنَّه لا خيار، إن كان ذلك يَقَع نادرًا، وإن كان يقع غالبًا، فلها الخيار.
والقادِرُ عَلَى الكسب إذا لم يكْتَسِبْ، كالموسر الممتنع، إن أوجبنا عليه الاكتسابَ، لنفقة الزوجة، وفيه خلافٌ سنذكره.
الثانية: النفقة التي تُثْبت الفسْخَ بالعجز عَنْها نفقةُ المعسرين دون نفقة المتوسطين والموسرين، وهذا شخْصٌ قد عاد من حَدِّ اليسار إلى حَدِّ الإعسار، ولو قَدَرَ كلَّ يوم على دُونَ نصْفِ المُدِّ، فلها الفسخ؛ لأنه لا يَكْفِي، ولو قَدَرَ عَلَى النِّصْف، فوجهان:
أصحُّهما: الجواز كذلك.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنه يصلح بلاغًا، وقد ورد في الخبر أنَّ طعامَ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ (١) ويجْرِيان فيما لو كان يجد يومًا مدًّا، ويومًا نصْفَ مُدٍّ، وأجريا أيضًا فيما إذا كان يجد يومًا مدًّا، ويومًا لا يجد شيئًا، ولو كان يجد بالغداة ما يُغَديها، وبالعَشِيِّ ما يُعَشِّيها، فوجهان:
أحدهما: أن لها الخِيَارَ؛ لأنَّ نفقة اليَوم لا تبعَّض، وأصحُّهما على ما قال في "التهذيب" (٢): لا خيار لَهَا؛ لوصول وظيفة الَيوم إلَيْها، وهل يثبت الخيار بالإعسار [بالأُدْم] (٣) فيه وجهان:
أحدهما: نَعَم؛ لعسر الصبْر على الخُبْز البحت دائمًا، وبه قال الداركيُّ، ورجَّحه الرويانيُّ.
والثاني: لا؛ لأنَّه تابعٌ، والنفس تقوم بدونه، وهذا أصحُّ عند الإمامين أبي حامد والقَفَّال وغيرهما -﵏- وتابَعَهُمُ الإِمام وصاحب الكتاب والفرَّاء -﵏- وعن "الحاوي" تَوَسُّطٌ وهو أن القُوتَ إنْ كان بحيث ينساغ للفقراء بلا أُدْم، فلا خيار لفقد الأُدْم، وإلاَّ، فيثبت الخيار.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٠٥٩) والترمذي وابن ماجة عن جابر أتم منه، وله طرق.
(٢) سكت عما إذا قدر على زيادة على نصف مد لكنه ذكر في كتاب الإيمان ما يقتضي أنها لا تنفسخ.
(٣) في ز: بالمد.
[ ١٠ / ٥٢ ]
ويثبت الخيار بالإعسار بالكُسْوة؛ لأنه لا بُدَّ منها، ولا تَبْقَى النفس بدُونها، وفيها وجْهٌ آخَرُ: لأنها ليست من ضرورات الخِلْفة، ويقال: إن من الناس صنْفًا لا يلبَسُون الثِّيَاب، والظاهر: الأول. ومنهم مَنْ قطع به، وفي الإعْسَار بالمسكن وجهان:
وجه المنع: أن النفس تَقُوم بدُونِه، فإنها لا تَعْدَمُ مسجدًا أو موْضِعًا مباحًا، وبهذا قال الشيخ أبو حامِدٍ فيما حكاه عن الشيخ أبي عَلِيٍّ سماعًا، ورجَّحه صاحب "التهذيب"، والأصحُّ: ثبوت الخيار؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له من مسكن يأْوِيهِ من الحَرِّ والبَرْدِ يقيه، والحِوَالَةُ على المسجد كالحِوَالَة في النفقة على السؤال والْتِقَاطِ السنابل، وهذا أوجه، واختاره الشيخ أبو عليٍّ وابن الصبَّاغ والرُّويانيُّ، والإعسار بنفقة الخادمة لا يَثْبُت الخيار؛ على الظاهر المنصوص؛ لسهولة الصَبر عنْها، وأكثر الناس يقومون بأمرهم بلا خادم وذكر وجه: أنه يُثْبِت الخيار؛ لأنها نفقة مستحَقَّة بالنكاح، فأشبَهَتْ نفقة المخدومة.
الرابعة: في الإعسار بالمَهْر طرقٌ:
أحدها: وبه قال أبو عليٍّ وابن أبي هُرَيرَةَ والطبريُّ وأبو حفْصٍ ابن الوَكِيلِ والقاضي أبو حامِدٍ: أنه إن كان قَبْل الدخول، ففي ثبوت الخيار به قولان:
أحدهما: المنع؛ لأن النفْس تقوم بدون الصداق، فأشبه نفقة الخادمة.
والثاني: يثبت؛ لأنه عَجْزٌ عن تسليم العوضِ، والمُعَوَّضُ باقٍ بحاله، فأشبه ما إذا أفْلَسَ المشتري بالثمن، وإن كان بعد الدخول، فلا فسخ بلا خلاف؛ لأنه تلف المُعَوَّض، وصار العِوَض دَيْنًا في ذمَّته، ولأن تسليمها يُشْعِر برضاها بذمته، وإذا مَنَعْنَاها مِنَ الامتناع بعد ما سَلَّمَت نفْسَها، فَلأَنَّ لا تُسلِّطَهَا على الفَسْخ كانَ أَوْلَى، وأظهرهما عند الشيخ أبي حامِدٍ والقاضي الرُّويانيِّ وغيرهما: أنه يَثْبُت الخيار قبل الدخول بلا خلاف، وفيما بعده قولان:
أحدهما: لا يثبت؛ لما ذكرنا.
والثاني، ويحكى عن نَصِّه -﵁- في "الإملاء" أنه يثبت؛ لأنَّ البُضْع لا يتْلَفُ حقيقةً بوطأةٍ واحدةٍ، وقد أشير إلى بناء القولَيْن على تردد في أن المقابل بالمهر الوطاة الأُولَى فيكون المُعوَّض تالِفًا، ويمتنع الفَسْخ أو في مقابلة جميع الوطآت، فيكون بعض المعوَّض تالفًا، فيشبه بقاء بعْض المبيع في يدِ المُفْلِس.
والثالث: طرد القولَيْنِ في الحالَيْنِ.
والرابع: القطْعُ بثبوته قبل الدخول، وبالنفي بعْده وبه قال أبو إسحاق.
والخامس: القطْع بأنه لا يثبت في الحالتين، وهو الأصحُّ عند الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله-؛ لأنه ليس في فوات المَهْر وتأخيره مثْلُ ضَرَرِ فوات النفقة، وليس هو على قياسِ الأعواض، حتى ينفسخ العَقْد بتَعذُّره، ورتَّب مُرتِّبون المَهْر عَلَى
[ ١٠ / ٥٣ ]
النفقة، ثم اختلفوا، فقال قائلون: إن لم يثبت الخيار بالإعسار في النفقة، فالإعسار بالمَهْرِ أوْلَى، فإن أثبتناه فَفِي المَهر قوْلاَن، وعكس آخرون، فقَالُوا: إن أثبتا الخيار في النفقة، ففي المَهْرِ أوْلَى، وإلاَّ فقولان، والفرق على هذا أن النفقة في مقابَلَةِ التمْكِين والاستمتاع، فإذا أعسر بها، فحقها أن تقطع التمكين والطاعة؛ لأن الفسخ والمَهْر في مقابَلَةِ مِلْك البُضْع، فإذا أعْسَرَ به، كان لها أن تَقْطَع الملك، وتخرج من هذا الترتيب الثاني: طريقةٌ قاطعةٌ بثبوت الخيار بالإعسار وبالمهر، فإذا أخذت حاصل الطرق ورمت الاختصار، قلت: في المسألة ثلاثةُ أقوالٍ ذكره في التهذيب.
أحدها: ثبوت الخيار قبل الدُّخُول أو بعده.
والثاني: المنع في الحالَيْنِ.
والثالثْ الفرق بين ما قَبْلَ الدُّخُول وَبَعْده، والأصَحُّ منها الأول عنْد صاحب "التهذيب" وغيره.
والرابعة: الفارق عند أكثرهم، ولا خيار للمفوضة بعَجْزه عن المَهْر؛ لأَنَّها لم تستَحِقَّ المَهْرَ بالعَقْد على الصحيح، ولكنْ لها المطالبة بالفرض، فإذا فرض، كان كالمُسمَّى في العَقْد.
الخامسة: إذا لم يَنفِقْ على زوجته مدَّةً، وعَجَز عن أدائها، لم يكن لها الفَسْخ بسبب ما مَضَى حتَّى لو لم تفسخ في اليوم الَّذِي يَجُوز لها الفسخ ثم وجد النفقة فيما بعده عن الأيام لم يكن لها الفسخ بنفقة الأمس وما قبله، وينزل ذلك منزلة دَيْنٍ آخَرَ لها عليه، وفي "التتمة" ذكر وجْه أنَّ الإعسار بنَفَقَةِ الزمان الماضي كالإعسار بالصَّدَاق بَعْد الدخول، والمَشْهُور الأوَّل، ثمَّ نفقَةُ الزَّمَانِ الماضِي لا تسقط، بل تَصِير دَيْنًا في الذمة، إذا كانت مقيمةً على طاعته، سواء ترك الإنفاق متعديًا أو لعَجْزه وسواء قَضَى القاضي بنفقتها، وفَرَضَ، أوْ لَمْ يَفْرِض، وبه قال مالك وعند أبي حنيفة: لا تَصير دَيْنًا إلا بِفَرْض القاضي وعن أحمد -﵀- روايتان كالمذهبَيْن.
لنا: أن النفقة عِوَضٌ عن الطاعة والتمكين، فإذا بَذَلَتْ ما عليها، وَجَب أن ما يستقر لها، وليست كنفقة القريب؛ لأنها تجب على سبيل المواساة؛ صيانة له على الهلاك، ونفقة الزوجة تجب عوضًا، ولذلك تجب على الموسر والمعسر بخلاف نفقة القريب، والإدَامُ ونفقةُ الخادِمَةِ يَثْبُتَان في الذمة كنفقة (١) الزوجة: وثبوت الكسوة في
_________________
(١) وما جزم به في الأدم هو أحد الوجهين، والثاني: لا يثبت لأنه تابع ولم يذكر الجرجاني في الشَّافعي غيره.
[ ١٠ / ٥٤ ]
الذِّمَّة ينبني على أن الواجب فيها التمليك أو الإمتاع، إن أوجبنا التَّمْليك، تثبت في الذمة، وإلا، لم تثبت كمؤنة السُّكْنَى وخُرِّجَ من النفقة في [مؤنة] السكنى أنها تثبت أيضًا وفي كتاب القاضي ابن كج: أن أبا الحُسَيْن حكَى عن القديم قولًا أن نفقة الخادِمِ لا تَصير دَيْنًا، وهذا ما أورده في "التتمة" ويعود إلى لفظة الكتاب قوله: "وهو موجب للفسخ" مُعْلَم بالحاء، ويجوز أن يعلم قوله: "في أظهر القولين" بالواو؛ للطريقة القاطعة.
وقوله: "فإن تَعذَّر بالمنع مع الغِنَى، فقد قيل بطَرْدِ القولَيْن، وقيل: لا فَسْخَ" إطلاق الطريقين في سياق الكتاب غَيْرُ مُسْتَحْسَن؛ لأن قوله: "والنظر في أطراف" إلى آخرها مفرَّعٌ على أظهر القولَيْن، وهو ثبوت الفسخ بالإعسار؛ ألا تراه يقول في آخر الباب "وإن قلْنا: إن الإعسار لا يُوجِب الفَسْخَ أصلًا"، وإذا كان التفريعُ عليه لم يحسن التعرُّض فيه للقول الآخر. بل الحسن الاقتصارُ على ذِكر الوجهَيْن أعني فيما إذا امْتَنَع مَعَ الغِنَى.
وقوله: "لأنه ظُلْمٌ" يعني أن العجز هو المحوج إلى الفسخ، فأما الظلم، فأما الظلم، فيدفعه السلطان وقوله: "وفي العجز عن الكسوة أو المسكن أو نفقة الخادم وجهان: يجوز أن يُعْلَم لفظ "الوجهان" منه بالواو؛ لما حكينا من القطْع في نفقتها، وقوله: "ولا يؤَثِّر العَجْز عن المهر على الصحيح" الذي أورده صاحب الكتاب في "الوسيط" طريقان: أحدهما: القطْع بأنه لا خيار بالإعْسَار بالمَهْر.
والثاني: أن فيه قولَيْنِ كما في النفقة، ويشبه أن يريد بقوله: "على الصحيح" الأول من هذين الطريقين، والراجِحُ عند الأكثرين خلافُهُ، كما عرفته، وقوله: "ولا يؤثر العجز عن الزمان الماضي" ليعلم بالواو وقوله "أو لم يفرضه" بالحاء والألف؛ لما مَرَّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي حَقِيقَةِ هَذَا الرَّفْعَ فَالرَّفْعُ بِالجَبِّ فَسْخٌ، وَبِالإِيلاَءِ طَلاَقٌ، وَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ خِلاَفٌ، فإن قُلْنَا: طَلاَقٌ رَفَعَتَ الأَمْرَ إِلَى القَاضِي حَتَّى يَحْبِسَهُ لِيُنْفِقَ أَوْ يُطَلِّقَ، فَإِنْ أَبِى طَلَّقَ القَاضِي طَلاَقًا رَجْعِيًّا، فَإِنْ رَاجَعَ طَلَّقَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ فلاَ بُدَّ مِنَ الرَّفْع لإِثْبَاتِ الإِعْسَارِ، ثُمَّ لَهَا الفَسْخُ إذَا أَقَامَتِ البَيِّنَةَ أَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ، فَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ الرَّفْعِ عِنْدَ عِلْمِهَا بِالعَجْزِ فَفِي الانْفِسَاخِ بَاطِنًا تَرَدُّدٌ وَلاَ يَنْفَسِخُ ظَاهِرًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ثبَتَ حقُّ التفريق [بسبب] الإعسار، فقد حكى أبو سعيدٍ المتولِّي وغيره [وجهين] أن لِلْمَرْأةِ أن تَتَولَّى الفَسْخَ بنَفْسِها، وأنَّ هذا الخيار يُشْبه خيار الردِّ بالعَيْب، والمشتري يستقل بالفسْخِ هناك، فكذلك المرأة هاهنا، والصحيح المشهور أنها لا تستقل به، بل لا بُدَّ من الرفْع إلى القاضي، كما في العُنَّة، فإنه في محل النَّظَر والاجتهاد، وعلى هذا، فما حقيقة هذه الفُرْقَة؟ فيه قولان:
أحدُهما: وهو مُخرَّج: أنَّها فُرْقة طلاَقٍ، كما في "الإملاء" واستدل له أبو يعقوب
[ ١٠ / ٥٥ ]
الأبيوردي بما روي أن عُمَر بْن الخطَّاب -﵁- كَتَبَ إلَى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، وأمرهم أن يامروهم، إمَّا أن يُنْفِقُوا وإما أن يُطَلِّقوا، فإن طَلَّقوا، بَعَثوا بنفقة ما حَبَسُوا (١)، فعلَى هذا، إذا ثبت الإعسار عند الحاكم، أمره أن يتحملى وينفق، فإن أبى، فيُطلِّق الحاكم بنَفْسه أو يَحْبِسْه لِيُطلِّق؟ فيه الخلافُ المذكورُ في الإيلاء، والظاهر أن القاضي يُطلِّق، وإذا طلق طلقَ طلقة رجعيةً، فإن راجَعَ، طلَّق ثانيةً وثالثةً.
وأصحُّهما: وهو المنصوصُ: أن هذه الفُرْقة فرقَةُ فَسْخٍ لا يَنْقُص بها عدد الطلاق، كالفسخ بالجَبِّ والعُنَّة، ويخالف الإيلاء لأنَّ المُولِي لا عيْب فيه، وإنما قَصَد الإضْرار بها، فمُنِع منه، وأمره بأن يفيء أو يطلِّق، والعجز عن الإنفاق عيب فالحق بالعجز عن الوطء فعلى هذا إذا [شكت الإعسار، تولَّى القاضي الفسْخَ بنفسه، أو أذن لها بالفَسْخ، ومنهم من قال: إنَّها تستقل بالفَسْخ بَعْد] (٢) ثبوت الإعسار عنْده وإذا قُلْنا بظاهِر المَذْهَب، وهو أنه لا بُدَّ من رفْع الأمر إلى القَاضِي فلو لم يرفع وفَسَخَتْ بنَفْسها بعلْمِها بعَجْزه، لم ينفذ في الظاهر، وهل ينفذ باطنًا، حتى إذا ثبت إعْسَاره متقدِّمًا على الفَسْخ إما باعتراف الزوج أو البينة، يكتفي به، ويحتسب العدَّة منه؟ فيه تردُّد وَجْهٍ، قال في "البسيط": ولعل هذا فيما إذا قَدَرَتْ على الرفع إلى القاضي، فإن لم يكن في الصقع حاكمٌ ولا مُحَكَّمٌ، فالوجْه إثباتُ الاستقلال بالفَسْخ.
وقوله في الكتاب: "في حقيقة هذا الرفع" يعني رفْع النكاح بسبب الإعسار، وذكر صورتي الجب والإيلاء أوَّلًا ثم ذَكَرَ الخِلاَف إشارةً إلى أن هذَا الرَّفْع يلحق على رأْيٍ بهذا، وعلى رأي بهذا، وقد ذكر في "التتمة" أن الخلاف في أنه فسْخٌ أو طلاقٌ مبنيٌّ على القولَيْنِ فيَ أن القاضِيَ يُطَلِّق على المُولِي أو يَحْبِسه؛ ليطلِّق أو يفيء إن قلْنا: فيطلِّق هاهنا أيْضًا؛ لأنها لا تصل إلى حقها، وإن قلْنا بالثاني: فهاهنا لا يمكن الحَبْس؛ لأنه عاجزٌ، فلا يبقى للخلاص طريق إلا الفسخ، ولك أن تَقُولَ: العاجِزُ عن الإنفاق لا يجوز حَبْسه؛ لينفق، ولكن لا يَبْعُدُ أن يُحْبَس ليكلَّف الإنفاق أو يُطَلِّق عَلَى ما ذكر في الكتاب حتى يحسبه؛ لينفِقَ أو يطلِّق.
وقوله: "طلق القاضي طلاقًا رجعيًّا" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للقول الآخر في أن
_________________
(١) رواه الشافعيُّ [١٧٢٢] عن مسلم بن خالد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به، ورواه ابن المنذر من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر به وأتم سياقًا، وهو في مصنف عبد الرزاق، وذكره أبو حاتم في العلل عن حماد بن سلمة عن عبيد الله به، وقال: وبه نأخذ، وقال ابن حزم: صح عن عمر إسقاط طلب المرأة للنفقة إذا أعسر بها الزوج.
(٢) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٥٦ ]
القاضي لا يطلِّق على المُولِي، بل يحبسه، ليُطلِّق وقد ذكرهما جميعًا أبو الفرج السرخسي تفريعًا على أن هذه الفُرْقَةَ طَلاَقٌ.
وقوله: "وإن قلنا: فسْخٌ، فلا بُدَّ من الرفْع؛ لإثبات الاعسار" هذَا لا يَخْتَصُّ بقولنا: "إنه فَسْخٌ، بل الرفع وإثبات الإعسار لا بُدَّ منْه، سواء جعَلْنا هذه الفُرْقة فسخًا أو طلاقًا، لكن لَمَّا ذكر من بَعدُ أن لها أنْ تَفْسِخَ بعْد ما ثَبَت الإعْسَار، أشار إلى أن الرَّفْع على هذَا القَوْل؛ لإثبات الإعْسَار والطَّلاَقِ [أما الفَسْخ بعد ذلك، فهو بيدها، وأمَّا على قول الطلاق، فيرفع الأمْر لإثبات الإِعْسَار]؛ فإنها لا تُمَكَّنُ من التطليق.
وقوله: "ثم لَهَا الفَسْخُ، إذَا أَقَامَتِ الْبَيِّنَة أو أقرَّ الزوج" يشبه أن يكون جوابًا على الوجْه الذي قِيل: إنها تستقل بالفَسْخَ بعد ثبوت الإعْسَار، وجْه يُشْعِر إيراد "البسيط" و"الوسيط"، والأشهر أن القاضِيَ يَفْسَخ أو يأذن لها في الفسخ على ما بَيَّنَّاه، والله أعلم بالصواب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي وَقْتِ الفَسْخِ وَلَهَا المُطَالَبَةُ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ بِالنَّفَقَةِ، وَلَكِنَّ المُعْسِرَ هَلْ يُمْهَلُ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ لِيَتَحَقَّقِ عَجْزُهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا: لاَ يُمْهَلُ وَلَكِنْ لاَ يُفْسَخُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بَلْ آخِرِ النَّهَارِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِيَسْتَقِرَّ الحَقُّ، نَعَمْ لَوْ كَانَ يَعْتَادُ الإِتْيَانَ بِالطَّعَامِ لَيْلًا فَلَهَا الفَسْخُ، وَلَوْ قَالَ صَبِيحَةَ النَّهَارِ: أَنَا اليَوْمَ عَاجِزٌ فَيُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ: لاَ يُفْسَخ فِي الحَالِ إِلَى انْقِضَاءِ اليَوْمِ وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُمْهَلُ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ، وَهوَ الأَحْسَنُ، وَلَهَا الفَسخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ النَّفَقَةَ، فَإِنْ سَلَّمَ لِلرَّابعِ لَمْ يَكنْ لَهَا الفَسْخُ لِلمَاضِي، وَإِنْ سَلَّمَ لِلثَّالِثِ صَبِيحَةَ الثَّالِثِ وَعَادَ إلى العَجْزِ فِي الرَّابع يَسْتَأْنِفُ المُدَّةَ عَلَى وَجْهٍ، وَيبْنِى عَلَى المُدَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى وَجْهٍ فَيَصِيرُ يَوْمًَا آخَرَ، وإنْ رَضِيَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ فَلَهَا الفَسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ كَزَوْجَةِ المُوْلي لاَ كَزَوْجَةِ العِنِّينِ، وَقَوْلُهَا: "رَضِيتُ بِإِعْسَارِهِ أَبدًا" وَعْدٌ لاَ يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد تَقدَّم أن النفقة تَجِبُ صبيحةِ كلَّ يوم، وإنَّما تُسلَّمُ كلَّما طلع الفَجْر، فإذا عَجَز عن تسليمها، فينجز الفسخ أو تُمْهَل ثلاثة أيام فيه قولان:
أحَدُهما: أنها لا تُمْهل؛ لأن السبب الإعسار، وقد حَصَل، ولأنه فَسخ؛ لتعذر الرسول إلى الغَرَض، فأشبه فسخ البيع بإفلاس المشتري بالثَّمَن، ويُنْسب هذا إلى القَدِيم.
وأصحُّهما: أنه تُمْهَل ثلاثة أيامٍ؛ ليتحقق عجزه، فإنَّ الإنسان قد يَتعسر عليه وجْه الإنفاق؛ لعوارض ثم نزول، وهذه مدَّةٌ قريبةٌ لا يَصْعُب تزجيتها باستقراض وغيره، وقيد بعْضُهم التصوير بما إذا اسْتَمْهَلَ الزوجُ، والظاهر أنه لا حاجَةَ إليه، والقولان كالقولين في أن المُولِيَ والمرتَدَّ يُمْهَلاَن هذه المدة، وفي المسألة طريقةٌ قاطعةٌ بالإمْهَال، وادعى
[ ١٠ / ٥٧ ]
القاضي ابن كَجٍّ: أن جمهور الأصحاب عليها، والمشهور طريقةُ القولَيْنِ.
التفريعُ: إنْ قلنا: لا يمهل ثلاثًا، فمتى يفسخ؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ لها المبادرةَ إلَى الفَسْخ من أول النهار بعَجْزه عن توفية الواجب وقْت وجوبه وأقر بهما، وهو المذكور في الكتاب: المنع؛ ليرتفع النهار، ويتردَّد ويكْتَسِب وكثير من الناس يَكْتَسِبون نفقة اليوم في اليوم، والتسليمُ في أوَّل النهار إنما يجب على الوَاجِد، وعلى هذا فقد ذكرت احتمالات: أحدهما أنها تؤَخِّر الفَسْخ إلى شَطْر النهار؛ فإنه لا يؤخر الأكل عنه غالبًا.
والثاني: إلى آخره، وهو وقت إفطار الصائمين.
والثالث: إلى انْقِضَاءِ اليوم والليلة بعْده؛ لأن النفقة لها وبِمُضِيِّهما يستقر العجز عن الحَقِّ يتحقَّق بعد استقراره، وفي هذا التوجيه توقُّفٌ؛ لأن الاستقرار غير موقوف على مُضِيِّهِمَا؛ ألا تَرَى أنه لو سَلَّم النفقة، فماتَتْ في أثناء النهار، لا يسترد ورأَى صاحبِ الكتاب مع ذلك الاحتمال الثالث أوجه، وذكر في "الوسيط" أن حاصِلَهُ الإمهالُ يَومًا وليلةً واعْلَم أنه قد نَقَلَ عن "الإملاء" أنه يمهل المعسر بالنفقة يَومًا، وجعله أبو الفرج السرخسيُّ قولًا ثالثًا، والأكثرون امتنعوا منْه، وقالوا: المراد منه أنه لو أمْهَلَه يومًا، جَازَ؛ لأنه لا يزيد عليه.
ثم هذا إذا لم يتَّخِذْه عادةً، فأما إذا كان يعتاد الإتْيانَ بالطعام لَيْلًا، لم يحتمل وكان لها الفسخ؛ لأن فيه تكليفَ صِيَامِ الدَّهْر، وهو سياق، وليس ما يُحْتَمَل نادرًا يُحْتَمَلُ، إذا تكرَّر ويَقْرُب منْ هذه الصورةِ ما ذكر في "العُدَّة" أنه لو لم يجد النفقة في أول النهار، وكان يجِدُها في آخِرِ النَّهَار، فلها حق الفسْخ في أصحُّ الوجهين، أو هي؟ وإذا قلْنا: لا فَسخ في أول النهار، فلو قال صبيحة اليوم: أنا عاجزٌ لاَ أتوقَّع شيئًا، فقد ذُكِرَ فيه احتمالان:
أحدهما: أن لها الفَسْخَ في الحال؛ لتصريحه بالعَجْز وعدم التوقُّع.
وأقربهما: التأخير فقد يرزق الإنسان من حَيْثُ لا يحتسب، وأما إذا فرَّعنا على الأصحِّ، وقلنا: إنَّه يُمْهل ثلاثَةَ أيَّامٍ، ففيه مسائل:
إحْدَاها: إذا مَضَتِ الأيام الثلاثة، فلها الفَسْخ صبيحة اليوم الرابع، إن لم يُسلِّم النفقة (١)، وإن سلَّمها، لم يجُزِ الفسخ لما مضى وليس لها أن تَقُول: آخذ هذا عن نفقة
_________________
(١) أحدهما: تقييده الوجوب بصبيحة اليوم الرابع يشعر بأن حق الفسخ على هذا القول إنما يثبت عند كمال الأيام والليالي. الثاني: ظاهره تمكنها من الفسخ بطلوع فجر الرابع بلا مهلة وبه صرح الغزالي والإمام.
[ ١٠ / ٥٨ ]
بعْض الأيَّام الثلاثة، وأفْسَخُ بعَجْزه اليوم؛ لأن الاعتبار في الأداء بقَصْد المؤدِّي، فلو توافقا على جعْلها عما مَضَى، فيمكن أن يقال: لها الفَسْخُ، ويمكن أن تُجْعَل القدرة عليها مُبْطِلةً للمُهْلَة، ولو مَضَى يومان بلا نفقة، ووجد نفقة اليوم الثالث، وسلَّمها، وعجز في اليوم الرابع، فيستأنف المُدَّةَ أو يَبْنِي؟ فيه وجهان:
أحدهما: يَسْتَأْنِف؛ لأن العجْز الأوَّل قد زال، وأظهرهما البناء؛ لأنها تَتضرَّر بطول المدة للاستئناف، فعلَى هذا تصبر يومًا آخر، ليَنْضَمَّ إلى اليومَيْن، وتَفْسَخ في اليوم الذي يَلِيه ولو لم يَجِدْ نَفقَة يَوْم، ثم وَجَد في اليوم الثاني، ولم يجد في الثالث، ووجد في الرابع فينفق أيام العجز فإذا تمت مدَّة المهلة، كان لها الفسخ، ولو قضت ثلاثة أيَّام على العَجْز، ووجد نفقة اليوم الرابع، وعجز في الخامس، فالأظهر، وبه قال الداركيُّ: أن لها الفسْخَ، ويكتفي بالإمهال السابق، وذكر القاضي الرويانيُّ وجهًا أنه يُمْهَل مرة أخْرَى.
قال: وهذا إذا لم يتكرَّر، فإن تكرَّر، لم يُمْهل إمْهالًا بَعْد إمهال.
الثانية: يجوز لها في مدَّةَ الإمْهال أن تَخرج لتُحَصِّل النفقة بالكسب والتجارة، أو بالسُّؤَال، وليس له مَنْعُها، وإن قدَرَتْ على الإنفاق من مالها أو كانت تكتسب بما لا يُحْوجها إلى الخروج؛ كالغزل والخياطة، ففي هذه الحالة وجْه: أن له المنع، وذُكِرَ وجْهٌ مطلَقٌ أنه يُدَامُ حقُّ الحبس في المدة، والظاهر المنصوصُ (١) الأوَّل، فإن التمكين والطاعة عَلَيْهَا في مقابلة النفقة، فإذا لم يوف ما عليه، لم يستحق الحَجْر.
قال القاضي الرويانيُّ في "البحر": عليها أن ترجع باللَّيْل إلى منزل الزوْج؛ لأنه وقْت الدعة، ولو أراد الاستمتاع بها، لَمْ يُمْنع، وقضيَّةُ التوجيه المذكور أن لها المَنْع، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" ولا كلام أنها إذا منعت نفسها منه لم تستحق النفقة لمدة الامتناع ولم يصر ذلك دينًا عليه.
الثالثة: إذا قلنا بالإمهال، فمضت المدة فرضيت المرأة بإعساره، والمقام معه، أو لم نقل بالإمْهال، فرضِيَتْ ثم بَدَا لها أن تفسخ، فتُمَكَّن منه؛ لأن النفقة يَوْمًا فيومًا تجب والضرر يَتَجدَّد وقد تقدر له يسارًا وسَعَةً، فالمال غادٍ ورائحٌ، ولا أثر لقَوْلها: رضيت بإعساره أبدًا فإنه وَعْدٌ لا يلزم الوفاء به، وليس كما إذا أبرأته عن نفقة سَنَةٍ مثلًا، حيث يصح على رأْي؛ لأن فيه تصريحًا بالإسْقَاط، وهذا وعْدٌ بِتَرْك الفَسْخ، ولو نكحَتْه عالمةً بإعْسَاره ثم طلَبَتِ الفسخ، مكنت منه، أيضًا إذا عادت إلى طَلَبِ الفَسْخ بعْد الرضا،
_________________
(١) وهذا الوجه المفصل جزم به البغوي وهو قضية كلام الرافعي في المحرر وأفهم إطلاقه على الصحيح أنه لا فرق بين أن تكون معسرة أو موسرة. كما في الصداق.
[ ١٠ / ٥٩ ]
فيتجدد الإمْهَال على قولنا: إنَّه يُمْهَل ولا يعتد بما (١) مضى، وفيه احتمال للإمام والقاضي الرويانيِّ، والظاهر الأول، بخلاف امرأة المُولِي، إذا رَضِيَتْ، ثم عادَتْ إلى المطالبة لا تستأنف مدة الإيلاء، وفرق بأن المدة هناك منْصوصٌ عليها غير موقوفةٍ على طلَبِها، وهاهنا مدَّةُ الإمهال يَقَع بعد طلبها، وإذا تَعلَّقت بطلبها، سَقَطَ أثرها برضاها، وإذا اختارَتِ المُقَام معه، لم يَلْزَمْها التمكين من الاستمتاع، وكان لها الخروج من المنزل، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، وإذا لم تمنع نفسها [منه]، ثبت في ذمته ما يجب على المُعْسِر من الطعام والإدام وغيرهما، وخروجها بالنهار للاكتساب لا يوجب نقصانًا، فيما يثبت دَيْنًا في ذمته، بخلاف ما إذا سَلَّمت الأمة ليلًا، ومَنَعَت نهارًا؛ لأنَّ المُحْوِج إلى الخروج المُنْقِص للاستمتاع هاهنا إعسارُه حُكِي هذا عن "الحاوي" وهذا في النفقة، أما إذا أعْسَرَ بالصَّداق، وتَرافَعَا إلى الحاكم، فَمَكَّنَها من الفسخ، فرضيت بإعساره، ثم بدا لها أن تفسخ، لم تُمَكَّن؛ لأنَّ الضَّرَر فيه لا يَتجدَّد، والحاصِلُ مَرْضِيٌّ به، هذا ما أطلقه الجمهور.
وعن أقْضَى القضاة: المَاوَرْدِيُّ: أن ذلك فيما إذا كانت المحاكمتان مَعًا قبل الدُّخُول أو بَعْدَه، فأما إذا كانتِ المحاكَمَةُ الأُولَى قبل الدخول، والأخرى بَعْدَه، فوجهان:
وجْهُ تجويز الفَسْخ أن بالدخول يستقر ما لم يكن مستقرًا قبله، فالإعسار به يجوز أن يُجَدِّد خيارًا، ولو نكَحته وهي تَعْلَم إعساره بالصداق، فهل لها الفسخ؟ فيه وجْهان نقلهما القاضي الرويانيُّ (٢).
أشهرهما: المنع كما لو رضيت به في النِّكاح، ثم بدا لها بِخِلاَف النفقة، وليس لها الامتناع بعد الدخول إذا مكَّنَّاها من الفسخ، واختارت المُقَام معه، ولا بد في الإعسار بالصَّدَاق مِنَ المرافَعَة إلى القَاضِي كما في النفقةِ، والخيار فيه بعْد المرافعة على الفور، فلو أخَّرت الفَسْخ، سقَط، ولو علمت إعساره، وأمسكت عن المرافعة والمحاكمة، نُظِرَ؛ إن كان ذلك بَعد ما طالَبَتْهُ بالصَّداق، كان الإمساك عن المحاكمة والمرافعة رضًا بالإعسار، وسَقَطَ خيارها، وإن كان قبل المطالبة، لم يَسْقُط، وقد تُؤخِّر المطالبة على توقُّع اليسار، ذكر ذلك القاضي الرُّويانيُّ.
_________________
(١) قضيته أنه لا بد من الإمهال أيضًا فيما إذا كانت عالمة بإعساره وهو ظاهر ولكن صرح ابن عصرون في فوائد المهذب بخلافه.
(٢) جعل المتولي موضع الخلاف ما إذا لم يشترط في الصداق أجلًا، وقضيته أنه لو كان مؤجلًا ثم حل وأعسر به قبل الدخول أنها تختار بلا خلاف.
[ ١٠ / ٦٠ ]
وقوله في الكتاب: "فيه قولان" يجوز إعلامه بالواو؛ للطريقة القاطعة، وكذا قوله: "لا يُفْسَخ في أول النهار".
وقوله: "بل آخِر النهارِ، أو بَعْدَ انقضاءِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ" لا يخفى أنه ليس على التخيير، بل هو إشارةٌ إلى احتمالَيْن من الاحتمالات المَذْكُورة، وقوله: "فيحتمل أن يقال لا يفسخ في الحال إلى انقضاء اليوم" فيه تنبيه على الاحتمال الآخر، وإن لم يُصرِّح به، وقوله: "وإن رضيت بعْد انقضاء المدة، فلها الفسخ" يجوز أن يعلم بالواو؛ لما حكيناه عن الماوَرْدِيُّ.
وقوله: "كزوجة المُولِي لا كزوجة الْعنِّين" قد ذَكَرَ حُكْمَ العُنَّةِ في بابها، مع ذِكْر مخالفة الإيلاء لها، وذكَرَهُما مع حكم الرِّضَى بالإعْسَار في الإيلاء مرَّةً أخْرَى، وأعاد الصور الثلاث هاهنا مرَّةً ثالثةً، فكان من شرط الإيجاز أن يذكر كل صورة في بابها، أو يقتصر على إيرادها مجموعةً مرةً واحدةً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابعُ فِيمَنْ لَهُ حَقُّ الفَسْخِ وَذَلِكَ لِلزَّوْجَةِ خَاصَّةً، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ المَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ طَلَبُ الفَسْخِ بَلِ الفَسْخُ كَالطَّلاَقِ لاَ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، وَفِي سَيِّدِ الأمَةِ الصَّغِيرَةِ وَالمَجْنُونَةِ المُزَوَّجَةِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَتِ الأَمَةُ بَالِغَةً فَحَقُّ الفَسْخِ لَهَا، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ الفَسْخُ عَلَى الأَصَحِّ لَكِنْ لاَ نَفَقَةَ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَصْبِرَ الأمَةُ عَلَى الجُوعِ أَوْ تَفْسَخَ، وَالنَّفَقَةُ تَدْخُلُ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ وَلَكِنْ لَهَا حَقُّ الوَثِيقَةِ حَتَّى لاَ يَجُوزَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهَا إِلاَّ ببَدَلٍ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْلَ الإِبْدَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ثبت حقُّ الفسخ بإعسار [الزوج] بالنفقة، تخيَّرت الزوجة بين أن تَفْسَخ وبين أن تَصْبِر على الإعسار، ولا اعتراض للوَلِيِّ عليها، وليس له الفَسْخ نيابةً عنها، كما لا ينوب في الطلاق، وذلك؛ لأن الأمر فيهما يتعلَّق بالطبع والشهوة، فلا يفوَّض إلى غير صاحب الحَقِّ، وهذه مقدمة تتدَرَّج منها إلى مسأَلَتَيْنِ:
إحداهما: وَليُّ الصغيرة والمجنونة ليس لهما الفسْخُ بإعسار الزوج بالنفقة، وإن كانت المصلحة [تقتضيه، كما لا يُطلّق على الصغير والمجنون، وإن كانت المصلحة] (١) فيه، وينفق على الصغيرة والمجنونة مِنْ مالهما، فإن لم يكن لَهُما مالٌ، فنفقتهما على مَنْ عليه نفقتها، لو كانَتَا خَلِيَّتَيْن، وتصير نفقة الزوجة دَيْنًا عليه يُطَالَبُ به إن أيسر، وكذلك لا يفسخ الوليُّ بالإعسار بالمهر، إن جعلْناه مثبتًا للخيار، وأشار في "التتمة" إلى أنه لا مصْلَحة لهما فيه؛ لأنه إن فسَخَ قبل للدخول، يسقط نصْفُ المهر، وإن فَسَخَ
_________________
(١) سقط من: أ.
[ ١٠ / ٦١ ]
بعده، فالمهر في ذمته، كما كان، وبطل رفق النفقة.
الثانية: إذا أعسر زوْج الأمة بالنفقة، ثَبَتَ لها حقُّ الفسخ، كما أنها تَفْسَخ بِجَبِّ الزوج وَعُنَّتِهِ، وهذا؛ لأنها صاحبةُ حقٍّ في تناول النفقة، فإن أرادَتِ الفَسخ، لم يكُنْ للسيِّد منْعُها، فإن ضمن النفقة، فهو كالأجنبي (١) يضمنها، وللإمام احتمالُ أن للسَّيد منْعَها؛ لأنَّ المِلْك في النفقة له، وإن رَضِيَتْ، فهل للسيد الفَسْخ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نَعَمْ؛ لأنَّ المِلْك في النفقة له، وضرر فواتها يعود إليه.
والثاني: لا؛ لأنها تستحق النفقة، فَهِيَ في الأصل لها، ثم يتلَقَّاها السيد؛ لأنها لا تَمْلِك، فيكون الفسخ إليها، كما أنه إذا أوصى للعَبْد أو وهب منه يكون القَبُول إليه، وإن كان يَحْصُل المِلْك للسيد، وعلى هذا لا يجب على السيد نفقتُها، بل يقول لها: افْسَخِي أو اصْبِرِي على الجوع، وهذه طريق يلجئها السيد بها إلى الفَسْخ، فإذا فسَخَتْ أنفق عليها، واستمتع بها أو زَوَّجها من غَيْره، وكَفَى نفسه مؤنتها، ويجري الوجهان في أن السيِّد، هل يفسخ إذا كانتِ الأمةُ صغيرةً أو مجنونة؟ وقد يرتبان على الوجهَيْن فيما إذا كانت مستقلَّةً، ويقال: هذه الصورةُ أوْلَى بجواز الفَسْخ؛ لأنَّ النفقة تلزمه، ولا يمكن الجاؤها إلَى الفسخ، فإنه لا اعتبار بقَوْلِها، وسع هذا الترتيب، فالأظْهَرُ عنْد أكثرِهِمْ: أنه لا فَسْخَ له، وجْه أجاب ابن الحدَّاد، ولم يورد صاحب "التهذيب" وجماعةٌ غَيْرُه، وأما إذا أعسر زوجها بالمَهْرِ، وأثبتنا به الخيار، فيكون الفَسْخ للسيد؛ لأنه محض حقه، لا تعلَّق للأمة به، ولا ضرر عليها في فواته، ولأنه في مقابلة البُضْع، فكان المِلْك فيه للسيد وشبه، ذلك بما إذا بَاعَ عبْدًا، وأفلس المشتري بالثمن، يكون حقُّ الفسخ للبائع لا للعبد، وأشار صاحب "التتمة" إلى وجْهٍ آخَر: أن السيد لا يَفْسَخ بالإعسار بالمَهْر، ولا وجه له، ثم هاهنا مسألة نشأَتْ من توجيه الخلافِ، في أن السيد هل يَفْسَخ؟ وهي النظر في حال النفقة، قال الإِمام، وحكاه صاحب الكتاب: هي متعلَّق حقِّ السيدِ والأمةِ جميعًا، أما السيد؛ فلأنها تدْخُل في ملكه؛ لأن الأمة لا تَمْلِك، لكنَّها بحُكْم النكاح مأذونةٌ في الأخذْ والقَبُول، وبحكم العرف في تَنَاوُل المأْخُوذ، وأمَّا الأَمَةُ، فلها أن تُطَالِب الزَّوْج، كما كانَتْ تُطَالِب السيِّدَ، وإذا أخَذَتْ، فلها أن تتعلَّق بالمأخوذ، ولا تسلمه إلى السيد، حتى تأخذ بَدَلَه وله الإبدال بحق الملك، والحاصل أن له حقَّ الملك، ولها حقُّ التوثُّق، كما أن نفقة زوجة العبد تتعلَّق باكتسابهِ، والملكُ فيها للسيد ويُبْنَى على هذا أنه لا يجوز للسَّيِّد الإبراء عن نفقتها ولا بيع المَأخوذ قبل تسليم البَدَل
_________________
(١) ما ذكره في الضمان عجيب إذ كيف يضمن رب الدين دينه، فإن ضمان نفقة اليوم بعد طلوع فجره صححه من الأجنبي بشرطه، وما مضى واستقر دين السيد وما لا يستقر ضمانه باطل من كل أحد على المذهب.
[ ١٠ / ٦٢ ]
إليها وفي "التتمة": ما يخالف بَعْض هذه الجملة، فإنه قال: حَقُّ الاستيفاء للسيِّد حتى لو صَرَفَ الزوْجُ النفقة إليها، بدون إذن السيد، لم يبرأ عن العهدة، ولهذا لو استوفَى النفقة، وأنفق عليها من ماله جاز، والأشبه الأوَّل، وذَكَرَ في "التهذيب": أنها لو أبرأت الزوج عن نفقةِ اليَوْم، جاز، وما صار من النفقة دَيْنًا في الذمة، ليس لها الإبراء عنه كما في الصداق وقد تنازع قياس الملك في الإبراء عن نفقة اليوم إلا أن نفقة اليَوْم للحاجَةِ الناجزة وكأنا لا نثبت المِلْكَ للسيد إلا بَعد الأخْذِ، وقبله تمحض الحقِّ لها، ولذلك نقول: ليس له الفسْخُ على الأظهر، ولو اختلفتِ الأمة وزوجُها في تسليم نفقة اليوم أو نفقة أيام مستقبلة، فالقول قَوْلُها مع يمينها، ولا أثر لتصديق السيد الزوج ولو اختلفا في النفقة الماضية فقد حكَى القاضي الرويانيُّ فيه وجهَيْن:
أحدهما: أن السَّيِّدَ يكون شاهدًا له، ولا يثبت المُدَّعَى بتصديقه.
وأصحُّهما: أنه يثبت للمُدَّعَى بتصديقه، والخصومة في النفقة الماضية للسيِّد لا لها كالصداق، وحقُّها فيما يتعلَّق بالمستقبل، وهذا ما أوردها في التتمة (١)، وشبه بما إذا أقر السيِّدُ على عبده بأنه جَنَى خَطَأَ، وأنكر العبدُ، لا يُلْتَفَتُ إلى إنكاره، قال: ولو أقرَّت الأمة بالقَبْض، وأنكر السيد، فالمنصوص في كتاب "عِشْرة النساء" وذكره المزنيُّ -﵀- في "الجامع الكبير": أن القول قولُها؛ لأنَّ القبض إليها، إمَّا بحُكْم النكاح، أو بتصريحه بالإذْن، وفيه صُوَرُ المسألة، وحكى أبو يعقوب الأبيوردي عن بعضهم أن القَوْلَ قَوْلُ السيِّدِ؛ لأن المِلْكَ له.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وإنْ قلْنَا: إِنَّ الإِعْسَارُ لاَ يُوجِبُ الفَسْخَ أصْلًا فالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ الحَبْسِ في المَنْزِلِ، وَلَهَا مَنْعُة مِنَ الوَطْءِ إنْ لَمْ تَكُنْ قَد أَبْطَلَتْ حَقَّهَا بِالتَّمكِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميع ما ذكَرْنا مفرَّعٌ على أن الإعْسار بالنفقة يُثْبِتُ حقَّ الفسخ، أما إذا قلْنا: إنَّه لا يُثْبِتُه، فلها الخروج من المسكن؛ لطَلَب النفقة، إن كانَتْ تحتاج إلى الخروج لتحصيلها، وإن أمكن أن تُنْفِقَ من مالها، أو أن تكتسب بغَزْلٍ ونحوه في المسكن، فوجهان:
أحدهما: أنَّها لا تخرج إلا بإذنه، لأنها قادرةٌ على توفية حقِّه وإن كان هو عاجزًا عن توفية حقِّها.
_________________
(١) ما رجحه جعله ابن الصباغ احتمالًا له فقال بعد أن حكى الأول عن الأصحاب: ولهذا قال في البيان لو صدقه السيد أنه قد سلمها نفقة مدة ماضية. قال أكثر أصحابنا: لا يقل إقرار السيد عليها، وإنما يكون شاهدًا للزوج لأنه مقر في حقها فلم يقبل كما لو أقر عليها بما يوجب القود. وقال ابن الصباغ: يقبل لأن النفقة للمدة الماضية حق له للأمة. انتهى والصواب ما قاله ابن الصباغ.
[ ١٠ / ٦٣ ]
وأظهرهما: أن لها الخُرُوجَ، وليس له الحَبْس، إلا إذا كَفَى مؤنتها وقوله في الكتاب: "ولها منعه من الوطء إن لم تكن قد أبطلت حقها بالتمكين" هذا اللفظ إنما يَحْسُن موقعه حيث نقول: إن لها الامتناع لتقبض الصداق، فإذا مكنت مرةً، بطل حقُّها من الامتناع، وأراد أنَّ لها المَنْعَ، إن لم تكن قد مكَّنَتْ مِنْ قبل، وهذا لفْظُه في "الوَسِيط"، وأطلق مُطْلِقُون في جواز الامتناع لَهَا، ولم يشترطوا هذا الشَّرْط، ويجيء فيه ما حَكَيْنَاه عن القاضي الرُّويانيِّ في مدَّة الإمهال على القول الأصحِّ، والله أعلم.