قَالَ الْغَزَالِيُّ: الأَوَّلُ فِي صِفَاتِ الحَاضِنَةِ فَنَقُولُ: الحَضَانَةُ وِلاَيَةٌ وَسَلْطَنَةٌ لَكِنَّهَا بِالإِنَاثِ أَلْيَقُ، وَالأُمُّ أَوْلَى مِنَ الأَبِ وإِنْ كَانَتِ المُؤْنَةُ عَلَى الأَبِ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ الأُمُّ مُسْلِمَةً (ح) إِذَا كَانَ الوَلَدُ مُسْلِمًا، وَعَاقِلَةً وَحُرَّةً إِذْ لاَ فَرَاغَ لِلرَّقِيقَةِ وَلاَ وِلاَيَةَ لَهَا وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ، وَأَمِينَةً إِذ لاَ يُوثَقُ بِالفَاسِقَةِ، وَفَارِغَةً فَإِذَا نَكَحَتْ بَطَلَ حَقُّهَا إِلاَّ إِذَا نَكَحَتْ عَمَّ الطِّفْلِ أَوْ مَحَارِمَهُ، وَلاَ يُؤَثِّرُ رِضَا الزَّوْجِ، وَيَرْجِعُ حَقُّهَا إِنْ طُلِّقَتْ (م) وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لِأَنَّهَا فَارِغَةٌ، وَفِيْهِ قَوْلٌ إِنْ كَانَتْ فِي مَسْكَنِ الزَّوْجِ فللزَّوْجِ أن لاَ يَرْضَى بِدُخُولِ الطِّفْلِ دَارَهُ، وَمَهْمَا امْتَنَعَ الأَوَّلُ أَوْ غَابَ انْتَقَلَ حَقُّ الحَضَانَةِ إِلَى البَعِيدِ (و) لاَ إِلَى السُّلْطَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحضانة القِيَامُ بحفظ من لا يميِّز، ولا يَسْتَقِلُّ بأمره، وتربيتُه بما يُصْلِحه، ووقايته عما يهلكه، فهي نوع ولايةٍ وسلطنةٍ، لكنها بالإناث أليقُ؛ لأنهن أشفقُ وأهْدَى إلى التربية، وأصبر على القيام بِهَا، وأشدُّ ملازمةً للأطفال، وقد روِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ -﵄-: أَنَّ امرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءٌ، وَثَدْيِيْ لَهُ سِقَاءً، وَحجْرِي لَهُ حَوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أن يَنْزَعَهُ مِنِّي،
_________________
(١) ويؤيده ظاهر النص في الأم حيث قال في باب من يجوز كتابته من المماليك وإذا كاتب العبد بالغًا صحيحًا ثم غلب العبد على غفلة لم يكن للسيد أن يعجزه حتى يحل نجم من نجومه، فإذا حل لم يكن له تعجيزه لأنه لا يعرف عن نفسه بحال حتى يأتي الحاكم ولا ينبغي للحاكم أن يعجزه حتى يسأل عن ماله، فإن وجد له مال يؤدي إلى سيده منه الكفاية أداها وأنفق عليه من فضله.
(٢) قال النووي: الأصح نفقة كاملة، لأنه الحر كما في الكفَّارة. والله أعلم. تشبيهه بالحر يفهم أنه ينفق على الزوجة نفقة الموسر وهو خلاف المرجح أنه في الكفارات ليس كالحر مطلقًا بل إلا في الإعتاق، وكان ينبغي أن يقول وكالزكاة فإنه إذا ملك ببعضه الحر نصابًا زكاة في الأصح، والجامع بين الكل أنها غرامة تتعلَّق بالمال فكان فيه كالحر.
(٣) قال النووي الراجح الوجوب، ويمكن بناؤهما على أنه هل يورث؟ والأظهر أنه يورث كالأحرار.
[ ١٠ / ٨٦ ]
فَقَال النَبيُّ -ﷺ-: "أَنْتِ أَحَقُّ به مَا لَمْ تَنْكِحِي" (١) ومؤنة الحضانة على الأب؛ لأنها من أسباب الكفاية كالنفقة، وفي "أمالي أبي الفرج" -﵀- وجْهٌ: أنه ليسَ للأمِّ طلَبُ الأجرة بعْد الفطام (٢)، وأمَّا أجْرَةُ مدة الرضاع، فقد سبق الكلامُ فيها، وفي الباب فصلان:
أحدهما: في صفات من تَحْضُنُ ويُحْضَن، والحضانة لا تخْتصُّ بالإناث، لكنَّهن الأصْلُ فيه؛ ولذلك أتت في ترجمة الفَصْل، فقال: "في صفات الحاضنة".
والثاني: في بيان المستحقِّين للحضَانَةِ وتربيتهم:
أَما الفَصْلُ الأَوَّل: فقوله في الكتاب: "فالأم أَوْلَى من الأَب" معادٌ مِنْ بَعْدُ، وليس الغرض الآن الكلام في الترتيب، لكنِ الأُمُّ أَوْلَى الأقارب بالحضَانة، فَتَكلَّم في الصفات المعتبرة فيها، ويقاس بما يعتبر فيها ما يعتبر في غيرها، واعلم أن أبوَيِ الطفل، إن كانا مجتمعَيْنِ على النكاح، فيكون الطفل معهما، يقومان بكفايته الأبُ بالإنفاق، والأُمُّ بالحَضَانَةِ والتَّرْبية، وإنْ وَقَع بينهما فراقٌ بفسخ أو طلاق، فالحضانةُ للأُمِّ، إن رغبتْ فيها كما نطق به الخَبَر، لكنَّ استحقاقها بشروط:
أحدها: أن تكون مُسْلِمَةٌ، إذا كان الولَدُ مُسلِمًا، فالكافرةُ لا حَضَانَةَ لها على الولَدِ المُسْلم، بإسلام أبيه؛ لأنه لا حظ له في تربية الكافرة؛ لأنها تفتنه، وهو ينشأ على ما يألفه منها؛ ولأنه لا ولاية للكافر على المسلم، وعن أبي سعِيدِ الإصطخريِّ: أنه يثبت للكافرة حقُّ الحضانة، احتجاجًا بما رُوِيَ أن النبيَّ -ﷺ- "خَيَّرَ غُلاَمًا بَيْنَ أَبيهِ المسْلِمِ وَأُمِّهِ المُشْرِكَةِ، فَمَالَ إلى الأُمِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ، اهدِهِ، فمال إلى الأب" (٣)، وعن
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ١٨٢) وأبو داود [٢٢٧٦] والبيهقي (٨/ ٤) والحاكم (٢/ ٢٠٧) من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده.
(٢) وظاهره أن الأم في دوام الزوجية تقدم على الأب في الحضانة وإن طلبت أجرتها. وقال الشيخ برهان الدين في تعليقه أنه يجري فيه خلاف كما في مسألة امتناعها من الإرضاع وكما في مسألة طلب أجرة المثل للرضاع مع وجود تبرعه. انتهى. وذكر الإِمام المسألة فقال: لو طلبت الأم الحضانة والأجرة فهي بمثابة طلبها الأجرة للرضاع، ولكن لو كان يتأتى من الوالد أن يتولى الحضانة بنفسه ولا حاجة إلى الإرضاع فيمكنه من تولي الحضانة هل ينزل منزلة وجدان متبرعة بالإرضاع والأم بطلب الأجرة عليه. فيه تردد بين الأصحاب يجوز أن يقال إنما يجري القولين في تقديمها مع طلب الأجرة في الإرضاع.
(٣) أخرجه أحمد [٥/ ٤٤٦] والنسائي [٦/ ١٨٥] وأبو داود [٢٢٤٤] وابن ماجه والحاكم [٢/ ٢٠٦] والدارقطني [٤/ ٤٣] من حديث رافع بن سنان، قال الحافظ في التلخيص: وفي سنده اختلاف كثير وألفاظ مختلفة، ورجح ابن القطان رواية عبد الحميد بن جعفر، وقال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل قال الحافظ في التلخيص وفي إسناده مقال.
[ ١٠ / ٨٧ ]
بعض الأصحاب فيما حُكَى عن القاضي الرويانيِّ: أن الأم الذمِّيَّةَ أحقُّ بالحضانة من الأب المسلم، إلى أن يبلغ المولودُ سَبْع سنين، ثم الأبُ بعد ذلك أوْلَى قال الأصحاب: والمذهبُ الأولُ، والخبَرُ منسوخٌ، أو محمُولٌ على أنه -ﷺ- عَرَفَ أنه يُستجابُ دعاؤهُ، وأنه يختار الأب المسلم، وقصد بالتخيير استمالة قلْبِ الأم، وعلى المذهَبَيْنِ تكون الحضانة لأقاربه المسلمين على ما يقتضيه الترتيب، فإن لم يوجد حد، فحضانته على المسلمين، والمؤنةُ في ماله، فإن لم يكن له مالٌ، فعلَى أمه، إن كانت موسرةً، وإلا، فهو من معاويج المسلمين، ووَلَدُ الذِّمِّيِّينَ في الحضانة كولد المسلمين، فالأم أحق بها، ولو وصف صبيٌّ منهم الإسْلاَمَ، نُزعَ من أهل الذمة، ولم يمكنوا من كفالته (١) صحَّحْنا إسلامه أو لم نُصَحِّحه احتياطًا للإسلام، والطفل الكافر هل يثبت لقريبه المسلم حقُّ حضانته؟ قال في "التتمة": الصحيح (٢) مِنَ المذهب ثبوتُهُ، وفيه نَظَرٌ له، فقد تصير تربية المسلِمِ سَبَبًا لإسلامه، وفيه وجْهٌ آخَرُ بناءً عَلَى أن القريب الذي لَيسَ بوارث لا حضانة له.
قال: ويجري هذا الخلاف فيما إذا جُنَّ الذميُّ، وله قريبٌ مسلمٌ، هل يثبت له حقُّ الحضانة؟
والثاني: أن تكون عاقلةً، فالمجنونة لا حضانَةَ لها؛ لأن المجنون لا يتأتى منه الحفْظُ والتعهُّدُ، بل هو في نفسه محتاجٌ إلَى مَنْ يحضنه، ولا فَرْقَ بين أن يكون الجنونُ مطبقًا أو منقطعًا، إلا إذا كان لا يقع إلا نادرًا، ولا تطول مدته، كيوم في سنين مثلًا، فلا يبطل الحقُّ، بل هو كمرض يطرأ (٣) ويزول، والمرضُ الذي لا يرجَى زواله، كالسل والفالج، إن كان بحيث يُؤْلمه ويشغله الألم عن كفالته وقد بين أمْرِهِ، يسقط حقُّ الحضانة، وإن كانَ تأثِيرُه في تعسر الحركة والتصرُّف، فكذلك في حقِّ مَنْ يباشر الكفالة بنفسه دُونَ مَنْ يدبِّر الأمور ويباشرها غيره (٤).
_________________
(١) قضيته وجوب الانتزاع وصحح النووي في باب اللقيط عدم وجوب الانتزاع وقال في الخادم: إن المذكور هنا هو الصواب واختاره الأذرعي وقال إنه ظاهر النص.
(٢) قال الشيخ البلقيني: قد يستشكل هذا بأنه لا يثبت للمسلم ولاية النكاح على قريبته الكافرة، ولعل الجواب أن القصد بالولي في النكاح طلب الكفوء وعدم دخول العار وكفرها قاطع لذلك، وهاهنا المقصود به الشفعة على الصغيرة وفيه نظر.
(٣) تعبيره بسنين بصيغة الجمع يقتضي تأثير وقوعه في سنة أو سنتين لكن عبارة الشرح الصغير كيوم في سنة، وبين العبارتين تفاوت.
(٤) قال في الخادم: وهو صريح في أن للمرأة أن تستنيب عنها من يقوم بأمر ولدها، ومن ذلك استنبط القاضي شرف الدين البارزي أن للعمياء الحضانة. قال: لأن الشرط أن يكون الحاضن قائمًا بمصالح المحضون إما بنفسه أو بمن يستعين به سواء كان أعمى أو بصيرًا. وقال ابن الرفعة =
[ ١٠ / ٨٨ ]
والثالث: أن تكون حرَّةً، فلا حضانة للرقيقة؛ لأن منفعتها للسَّيِّد، وهي مشغولة به، غير مُتَفرِّغَة للحَضَانة، ولأنها نوع ولاية واحتكامٍ بالحفظ والتربية، والرقيق لا ولاية له، وإن أذن السَّيِّد.
ثم يُنْظَرُ؛ إن كان الولَدُ حُرًّا فحضانته لِمَنْ له الحضانة بعْد الأم مِنَ الأب وغيره، وإن كان رقيقًا، فحضانته على السيِّد، وهل له نزعه مَن الأب وتسليمه إلى غيره؟ فيه وجهان بنَاءً عَلَى القولَيْنِ في جواز التفريق، ولو كانت الأمُّ حُرَّةً، والولدُ رقيقًا، كما لو سُبِيَ، الولد ثم أسْلَمَتِ الأمِّ أو قبلت: الذمة، فكذلك حضانته للسيد وفي الانتزاع منْها الخلافُ، والمدبرة والمُكَاتَبَةَ والمُعْتَقُ بعْضُها لا حَضَانَةَ لَهُنَّ كالقنة.
نعَمْ، وَلَدُ المكاتَبة، إذا قلنا: هو إنها تستعين به في الكتابة، فَيُسلَّم إليها؛ [لا] لأن لها ولايَةَ الحضانة، [لكن الحقَّ لها] (١) وولَد أُمِّ الوَلَدِ منَ الزَّوْج أو الزنا حُكْمه حكم الأم يُعْتَق بموت السيِّد، وحضانته للسيِّد مدةَ حياته، وهل لها حق الحضانة في وَلَدِها من السَّيِّد؟ فيه وجهان:
الصحبح المشهور، وهُوَ الذي أورده الشيخ أبو عليٍّ -﵀-: المنع؛ لنقصانها بالرِّقِّ، وعن الشيخ أبي حامِد: أن لها الحضانةَ إلى سَبْع سنين، ثم السيد أوْلَى بالولد بعْد السبع، قال القاضي الرويانيُّ: والمصلحة الفَتْوَى بما ذكره، وإن كان الصحيحُ الأوَّلَ، ولا حضانة لِمَنْ بعضها رقيقٌ أيضًا؛ لنقصانها، ولو كان نصْفُ الولد حرًّا، ونصفه رقيقًا، فنصف حضانته للسيد، ونصْفُها لمَنْ يلي حضانته من أقاربه الأحْرَارِ، فإن اتفقا على المهايأة، أو على استئجار من تحضنه، أو رضي أحدهما بالآخر، فذاك، وإن تمانَعَا، لم يضيع واستأجر الحاكم من تحضنه، وأوجب المؤنة على السيد وعلى من تقتضي الحال الإيجاب عليه.
والرابع: أن تكون أمينة، فلا حضانة (٢) للفاسقة؛ لأن الفاسق لا يلي، ولأنها لا يُؤْمَنُ أن تخون في حفظه، ولأنه لا حَظَّ له في حضانتها؛ لأنه ينشأ على طريقتها.
_________________
(١) = في الكفاية: إن حفظ الأم للولد الذي لا يستقل ليس مما يقبل العثرات، فإن المولود في حركاته وسكناته لو لم يكن ملحوظًا من مراقب لا يسهر ولا يغفل لأوشك أن يهلك، ومقتضى هذا أن العلماء يمنع فإن الملاحظة معه كما وصف لا يتأتى. وقد يقال في ما قيل في الفالج إذا كان لا يلهي عن الحضانة بل يمنع الحركة. انتهى. وهو مصرح بجواز الاستنابة.
(٢) سقط من: ز.
(٣) قال الشيخ البلقيني: لو ادعى أحد الأبوين فسق صاحبه لينفرد بالكفاية إما بعد التخيير أو ادعاه الأب قبله ليأخذ الولد ففي الحاوي للماوردي في الحالة الأولى أنه لا يقبل قول مدعي ذلك ولا إحلاف غريمه، وهذا جار في الثانية، وفي فتاوى المصنف أن القول قول الأب، وعليها بيان أهليتها.
[ ١٠ / ٨٩ ]
والخامس: أن تكون فارغةً خليَّةً، فلو نكحت أجنبيًّا، سقط حقُّها من الحضانة؛ لما سبق من الخبر، ورُوِيَ أنَّه -ﷺ- قال: "الأم أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ" ولأن النكاح يشْغَلُها، بحَقِّ الزوج، ويمنعها من الكفالة، ولا أثر لرضا الزوج، كما لا أثر لرضا السيد، [بحضانة الأمة] وقد يرجعان، فيشوش أحد المولود، ولو نكَحَتْ عمَّ الطفل، ففيه وجهان:
أشهرهما: أنه لا يَبْطُل حقُّها؛ لأنَّ العمَّ أيضًا صاحبُ حقٍّ في الحضانة، وشفقته تحمله على رعاية الطِّفْل، فيتعاونان على كفالته، بخلاَف الأجنبيِّ، وهذا هو المذكور في الكتاب وفي "التتمة" وبه قال القَفَّال، ويقال: إن صاحب "التلخيص" خَرَّجَه من قول الشافعيِّ -﵁- فيما إذا نَكَحت الجدَّةُ جدَّ الطفل: أنه لا يَبْطُل حقُّها من الحضانة (١)، وكذا لو كانت [في نكاحه، يثبت لها حقُّ الحضانة، بخلاف ما لو كانت] (٢) في نكاح أجنبيٍّ.
والثاني: أنه يَبْطُل حقُّهما؛ لإطلاق الخبر، وليس العمُّ كالجَدِّ؛ لأنَّ الجد ولي تام الشفقة، قائمٌ مقامَ الأبُ بخلاف العَمِّ.
وقوله في الكتاب: "عم الطفل أو محارمه" من محارمه عمُّ أبيه، وابْنُ أخيه، وابن أخته لكنْ لفظ "المحارم" إنَّمَا كان يحسن أن لو كان المحارمُ هم الملحقين بالعم، وليس كذلك، بل الخلافُ في الأمُّ والعمِّ مُطَّرِدٌ في نكاح الَّتِي لها الحضانة قريبًا للطِّفْل له حَقُّ في الحضانة، كما أنه إذا نَكَحَتْ أمه ابن عم الطفل، أو خالته، إذا صارت الحضانة لها أو عم الطفل أو عمته إذا صارت الحضانة لها خالة، هكذا ذكره الشيخ أبو علي وغيره، ثم إنَّما يبقى الحقُّ، إذا نكحت الجَدَّةُ جدَّ الطفل أو الأم عمه على أصح الوجهَيْن، إذا رضي الذي نكحته بحضانتها، فإن أبى، فله المنع، وعليها الامتناع ثم إذا اجتمعت هذه الشروطُ، فإنما تَثْبُت لها الحضانَةُ، إذا كان الأبوان مقيمَيْن في بلدٍ واحدٍ، فأما إذا سافر أحدهما، فسيأتي حكمه من بعد، وهل يُشْتَرَط؛ لاستحقاقها الحضانة، أن تُرْضِع الوَلَدَ إنْ كان رضيعًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، ولها الحضانَةُ، وإن لم يكُنْ لها لَبَنْ أو امتنعت من الإرضاع، وعلى الأب أن يستأجر مرضعةً تُرْضِعه عنْد الأم.
والثاني: نعم؛ لعسر استئجار مرضعة تخلي بيتها وتنتقل إلى مَسْكَن الأمِّ؛ وعلَى
_________________
(١) المراد بجد الطفل جده لأبيه لا جده هذا هو الصحيح، وجرى عليه الشيخ ابن الرفعة.
(٢) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٩٠ ]
هذا، فلا تُمنَعُ الأم من زيارته (١)، والأولُ أصحُّ عند صاحب "التهذيب" وأجاب الأكثرون بالثاني، ونَسَبُوا الأَوَّلَ إلى مذْهَب أبي حنيفة، [ثم] في الفصل مسألتان، نذكرهما مع ما يناسبهما: إحداهما: لو أسلمت الكافرةُ أو أفاقتِ المجنونةُ أو عَتَقَتِ الأمة أو حَسُن حال الفاسِقَةِ، تثبت لها الحضانة؛ لارتفاع المانع، ولو طُلِّقت التي سَقَطَ حقُّها بالنكاح، عاد حقُّها خلافًا لمالك.
لنا القياس على الصورة المذكورة، ولا فرْقَ بين أن يكون الطَّلاق بائنًا أو رجعيًّا؛ لحصُول الفراغ في الحالَتَيْنِ، هذا هو الظاهر المنصوص.
وقال أبو حنيفة والمزنيُّ لا يعودُ حقُّها بالطلاق الرجعيِّ، حتى تنقضي العدة، وعن ابن سُرَيْج: تخريج قول مثله لمضاهاة الرجعية المَنْكُوحة في الأحْكَام، واحتج له الشيخ أبو عليٍّ، بأن الرجعيَّة تستحق النفقة علَيْه، ولو كان لها أن تحصن ولدها منْ غَيْرِه وتُرْضِعَه، لسقطت نفقتها، كما قال الشافعيُّ -﵁-: في امرأة المفقود، إذا اعتدت بأمْرِ الحاكم، ونكَحَتْ ثم عاد الزوْج الأول، وقد ولدت من الثاني: أنه لا نفقةَ علَيْه في إرْضَاعِها وَلَدَ غيرِهِ، وعلى الأول: فإنما يعود حقُّها في [الحضانة] إذا كانت تعتد في بيْتِ الزوج، إذا رضي أن يَدْخُلَ الولد بيته، فإن لم يَرْضَ، لم يَكُنْ لها أن تُدْخِلَه بيته، وكذا في البائنة، وإذا رَضِيَ، لم يكن رضاه كالرِّضَا في صُلْب النكاح؛ لأن المنع هناك؛ لاستحقاقه الاستمتاع، واستهلاك منافعها فيه، والمنع هاهنا يَرْجع إلى المسْكَن، فإذا أذن كان كالمعير.
والثانية: إذا امتنعت الأمُّ من الحضانة، أو غابت، فهَلْ ينتقل حقُّ الحضانة إلى الجَدَّة؟ فيه وجهان:
_________________
(١) قال الأذرعي: أصل الخلاف قول التهذيب فلو جف لبن المرأة أو امتنعت من الإرضاع لا يبطل حقها من الحضانة، وعلى الأب أن يستأجر امرأة ترضعه عند الأم. وقيل: إذا امتنعت من الإرضاع بطل حقها من الحضانة، والأول أصح. وقال في الكافي: إنه المذهب فخصصا نزع الولد بما إذا امتنعت مع وجود اللبن كما اقتضاه كلام المحرر. وقضية ذلك أنه لو لم يكن لها لبن أو كانت ذات لبن وأبت إرضاعه أنه يسقط حقها على الصحيح، وبه صرح ابن الرفعة تبعًا لهما فعد من الموانع فقد الرضاع منها إما بامتناعها أو بعدم اللبن منها، وقد تتبعت المسألة في كتب الطريقين على كثرتها فلم أرها إلا في التهذيب والكافي على النمط الذي ذكرته عنهما وكلام الطريقين يقتضي الجزم بعدم اشتراط كونها ذات لبن إلى آخر ما ذكره. وقال الشيخ البلقيني: ما ذكره تبعًا لأصله من وجه الاشتراط لا يعتقد أنه محمول على الصورتين المذكررتين في عدم الاشتراط بل المراد على الأصح إذا كانت ذات لبن كما صرح به في المحرر وحاصله أنه إن لم يكن لها لبن فلا خلاف في استحقاقها وإن كان لها لبن وامتنعت فالأول يفي استحقاقها والأصح لا. انتهى. وبالغ الزركشي في الرد على الرافعي بعبارة خشنة، قاله البكري في حاشيته على الروضة.
[ ١٠ / ٩١ ]
أصحُّهما: نعم، كما لو ماتت أو جُنَّت.
والثاني: وبه قال ابن الحدَّاد: لا؛ لأن أصليتها باقية، وإنما تركت حقها، بخلاف ما إذا ماتت أو جُنَّتْ، فصار كولاية التَّزْويج، إذا مات الأقرب أو جُنَّ، يُزَوَّج الأبعد، وإذا غاب أو عضل ينوب عنْه السلطان، [ولا يزوج الأبعد، وذكروا على هذا: أن الحضانة تَكُونُ للأب ونزلوه منزلة السلطان،] (١) وهو بعيد، وحق التشبيه بولاية النكاح أن تكُونَ الحضانة للسُّلْطان؛ ولذلك حكاه في "التتمة" عن ابن الحدَّاد.
والصحيح: [أنه] مهما امتنع الأقرب عن الحضانة، تكون الحضانة لِمَنْ يليه، لا للسلطان؛ لأنَّ الحضانة لحظ الطفل، فتفويضها إلى القريب الذي هو أشفق وأشدُّ اهتمامًا به وأكْرَمُ إِعَالَة أَوْلَى، بخلاف ولاية النكاح؛ لأن الغائب يمكنه التَّزْوِيج في الغيبة، فإذا لم يفعل، ناب عنه السُّلْطَان، ولا يمْكنه الحضانة في الغَيْبَة، فصار كما إذا نَكَحَت مستحقة الحضانة لم يمكنها القيامُ بها، سَقَط حقُّها، وانتقل إلى مَنْ بعدها، والله أعلمُ.
وليُعْلَمُ قوله في الكتاب: "أن تَكُونَ الأُمُّ مُسْلِمَةً" بالواو وبالحاء؛ لأن عن أبي هريرة وغيره من الأصحاب أنَّ عند أبي حنيفة [لا] يبْطُل حق الحضانة بالكفر، وأعلم بالواو قوله: "إلا إذا نَكَحَتْ عمَّ الطفل أو مَحَارِمَه" واحتج في "التتمة" لبقاء حق الحضانة، إذا نكحت مستحقة الحضانة مَنْ له حقُّ [في] الحضانة، أو إذا كانت في نكاح مثله؛ لِمَا رُوِيَ أن عليًّا وجعفرًا وزيْدَ بْنَ حارِثَة -﵃- تنازعوا في حضانة بنت حمزة -﵁- بعْدما استشهد، فقال عليٌّ -كرم الله وجهه-: بِنْتُ عَمِّي وعندي بنت رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وقال زَيْدٌ -﵁-: بِنْتُ أَخِي، وكان رسول الله -ﷺ- قَدْ آخى بيْن زَيْدٍ وحمزةَ، وقال جعفرٌ -﵁-: الحضانة لي في بِنْتُ عَمِّي وعنْدي خالتها (٢)، فقال رسول الله -ﷺ- الخَالَةُ أُمٌّ وَسَلَّمَهَا إلى جَعْفَرٍ وجعل لها الحضانة، وهي ذات زوج (٣).
وقوله: "وإن كانت رجعية" مُعْلَم بالحاء والزاي.
_________________
(١) سقط من: أ.
(٢) قال الحافظ في التلخيص الخالة المذكورة هي أسماء بنت عميس، وفي الباب عن ابن مسعود مرفوعًا: الخالة والدة، أخرجه الطبراني، وعن أبي هريرة مرفوعًا مثله أخرجه العقيلي، وعن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله -ﷺ- قال: العم أب إذا لم يكن دونه أب، والخالة والدة إذا لم يكن دونها أم، أخرجه ابن المبارك في البر والصلة.
(٣) أخرجه البخاري [٣٧٠٤ - ٣٦٢٩ - ٣٧٤ - ٧١٠٩] في صحيحه من حديث البراء بغير لفظه، ورواه أبو داود [٢٢٧٨ - ٢٢٧٩] والحاكم والبيهقي من حديث علي بلفظ: إنما الخالة أم.
[ ١٠ / ٩٢ ]
وقوله: "إلى البعيد لا إلى السلطان" بالواو.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (أَمَّا صِفَةُ المَحْضُونِ) فَهِيَ أَنْ لاَ يَسْتَقِلَّ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالمَعْتُوهِ، وَالبِكْرُ البَالِغَةُ عَلَيْهَا وِلاَيَةُ الإِسْكَانِ لِلأَبِ وَالجَدِّ، وَالثَّيِّبُ فَلاَ، إِلاَّ عِنْدَ تُهْمَةٍ فَيَثْبُتُ حَقُّ الإِسْكَانِ لِأَوْلِيَائِهَا أَعْنِي العَصَبَاتِ، ثُمَّ الأُمُّ أَوْلَى بِالصَّغِيرِ، أمَّا إِذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا (ح م)، فإنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا سُلِّمَ إِلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ اسْتُرِدَّ، وَيَسْتَوِي (ح) فِيهِ الغُلاَمُ وَالجَارِيَةُ، وَهَلْ يَجْرِي التَّخْييرُ بَيْنَ الأُمِّ وَمَنْ عَلَى حَاشِيةِ النَّسَبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَجْرِي هَذَا الخِلاَفُ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الأَبِ وَالأُخْتِ وَالخَالَةِ، وَإذَا اخْتَارَ الأبَ لَمْ يَمْنَعِ الأُمَّ مِنَ الزِّيَارَةِ، وَإذَا اخْتَارَ الأُمَّ فَعَلَى الأَبَ مُرَاعَاتُهُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى المَكْتَبِ وَالحِرْفَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: المحْصُون مَنْ لا يستقلُّ بمراعاة نفسه، ولا يهتدي إلى مصالِحِهِ، إما الصِغَرِ أو جنونٍ أو خَبَلٍ قلَّةِ تمييز أو فَقْده، ومهما بلغ الغلام رشيدًا وَليَ أَمْرَ نفسه، واستغنى عمن تحْضُنُه، ولا يُجْبَر على أن يكون عند الأبوين أو أحدهما، إن افترقا، ولكن الأَوْلَى أن لا يفارقهما ليخدمهما، ويصل إليهما بِرُّهُ، وإن بلغ عاقلًا غيْرَ رشيدٍ، فقد أطْلَقَ مُطْلِقُون: أنه كالصبيِّ لا يفارِقُ الأبوين وتُدَام حضانته، وقال القاضي ابن كج: إن لم يكنْ مُصْلِحًا لماله، ولم يُحْسِن تدبير نفسه، فالحكم كذلك، وأما إذا كان اختلال الرشيد لعدم الصلاح في الدين، فالمَذْهَب: أنه يسكن حيث يشاء، ولا يُجْبَر على أن يكون عند الأبوين أو أحدهما، وعن أبي الحُسَيْن: أنَّ بعْض الأصحاب قال: تُدَام حضانته إلى ارتفاع الحَجْر عنه، وهذا التفصيل حَسَنٌ وأما الأنثى إذا بَلَغَتْ، وكانت ذاتَ زَوْجٍ، فَتَكُون عند زوجِها، وإلا فإنْ كانت بِكْرًا فتكون عند أبَوَيْهَا أو مع أحدهما، إن افترقا، وتختار مَنْ تشاء منهما، وهل تُجْبَر على ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: نَعَمْ، وليس لها الاستقلال؛ لأنها في معرض الآفَاتِ، وإذا كان للأبِ والجدِّ إجبارُهَا على النكاح، وهو أعظم حَبْسًا، فَلأَنْ يجوز لهما الحَبْسُ في البيت كان أَوْلَى.
والثاني: لا، ولها أن تَسْكُنَ حيث شاءت، ولكن تُكْرَه لها مفارقتهما؛ لما يخاف من الآفات، وهذا ما يوجد في كتب الأصحاب العراقيين، ورأَى الإمامُ وصاحبُ الكتابِ الأَوَّلَ (١) أظْهَرَ، وكذلك ذكر القاضي ابن كج: أنَّه ظاهر المذهب.
_________________
(١) ليس في كلامه تصريح بترجيح، والفتوى على الإجبار، فإنه المنصوص للشافعي.
[ ١٠ / ٩٣ ]
وقوله في الكتاب: "عليها ولاية الإسكان للأب والجد" يعني إسكانها عنْدهما وضمها إليهما، وقد أشار إلى تخصيص هذه الولاية بالأب والجد، كولاية الإجْبَار على النِّكَاح، وصرَّح به في "الوسيط" و"البسيط" لكن في "التهذيب": أن للأب أن يَضُمَّها إلى نَفْسِه إلى أن تُزَوَّج، وتُزَفَّ، وكذا الجَدُّ عند عدمه، وفي الأخ والعم وجْهان (١)، وإن كانت ثيِّبًَا، فالأوْلَى أن تكون عند الأبوين أو أحدهما، ولا تجبر عليه باتفاق الأصحاب -﵏-؛ لأنها صاحبة اختيار، وممارسة وبعيدة عن الخديعة، وهذا إذا لم تكن تهمة، ولم تُزَنَّ بريبةٍ فإن كان هناك شيْءٌ من ذلك، فَلِلأَب والجَدِّ ومَنْ يَلِي مِنَ العَصَبَات تزويجُها منعها من الانفراد، ثم المَحْرَم منهم يضمها إلى نفسه، إن رأَى ذلك، وغير المَحْرَم يُسْكِنُها موضعًا يليق بها، ويلاحظها صيانةً لها، ودفْعًا للعار عن النَّسَب، وهذا كما أنَّهم يعترضون على النكاح، إذا فقدت الكفاءة، وعبر في الكتاب عن هذه الجملة بقوله: "فيثبت حقُّ الاسكان لأوليائها يعني، العصبات" وقَدْ يُفْهَم [من] هذا تخصيصُ هذه الولايةِ بالعَصَبَاتِ الدين [يعترضون] على النكاح؛ لفوات الكفاءة، ولكن ذكر في "التهذيب": أن في مَوْضِع التهمة يَضمُّها إلى نفسه أحدُ الأبوين، وأي الأولياء كانَ مِنْ جَدٍّ أو أخٍ أو عَمٍّ، فأثبت ذلك للأم، كما أثبته للعَصَبَاتِ، ولو فُرِضَتِ التهمة في حقِّ البكر، فهي أوْلَى بالاحتياط، فتمنع مِن الانفراد بلا خلافٍ، وحكي في "العُدَّة" عن الأصحاب: أنهم ذَكَروا في الأمرد إذا خِيفَ من انفراده فتنةٌ، وانقدحت تهمة: أنه يُمْنَعُ من مفارقة الأبوين (٢).
إذا ادَّعَى الوليُّ ريبةً، وأنكرتْ هي، فقد ذكروا احتمالَيْن:
أحدهما: لا يقبل لأنَّ الحكم على العَاقِلَة الحرة؛ لمجرد الدعْوَى بعيدٌ.
والثاني: وهو الأقرب: أنه يُؤْخَذُ بقوله، ويحتاط بلا بينة، فإنَّ إسكانها في موضع البراءة أهون من الافتضاح، ولو أقام بينةً.
الثانية: إنَّما يحكم بأن الأم أَوْلَى بالحضانة من الأب في حَقِّ من لا تمييز له أصلًا، وهو الصغيرُ في مبدأ الأمر، والمَجْنُونُ، فأما إذا حصل للصغير التمييزُ، فيُخَيَّر بَيْن الأبوين عنْد افتراقهما، ويكون عند من اختار منهما؛ لما رُوِيَ عن أبي هريرة -﵁- أن النبيَّ -ﷺ- خَيَّرَ غُلاَمًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأمِّهِ وَعَنْهُ -﵁- أَنه اخْتَصَمَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي وَلَدِ [هِ] مِنْهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فقالت المرأَةُ: يا رسول الله، إِنَّ ابْنِي
_________________
(١) قال النووي: أرجحهما ثبوتها.
(٢) قال النووي: الجد كالأبوين في حق الأمرد، وكذا ينبغي أن يكون الأخ والعم ونحوهما لاشتراك الجميع في المعنى.
[ ١٠ / ٩٤ ]
هَذَا قَدْ نفعني، وسقاني من بئر أبي عنبة وإِن أباه يُرِيدُ أن يأخُذَه منِّي، فقال الأب: أأحد يُحَاقُّني في ابني؟ فقال رَسُولُ الله -ﷺ-: يَا غُلاَمُ، هَذِهِ أُمُّكَ، وَهَذَا أَبُوكَ، فَاتَّبعْ أيُّهُمَا شِئْتَ، فَاتَّبَعَ أُمَّهُ (١).
وقولها: "نفعني وسقاني" أي بلغ حدًا أنتفع به؛ بحَمْل ماءٍ أو متاعٍ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا وامراةً أَتَيَا أبا هُرَيْرَةَ -﵁- يختصمان في ابْنٍ لهما فقال أبو هريرة: لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِمَا شَهِدتُّ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقْضِي بِهِ؛ يَا غُلاَمُ، هَذَا أبوك وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَاخْتَرْ أَيُّهُمَا شِئْتَ (٢).
وعن عمرو -﵁- أنه خيَّر غلامًا بيْن أبوَيْهِ (٣)، ويستوي في التخيير الغلامُ والجاريةُ، كما يستويان في الانتساب، وقال أبو حنيفة ومالكٌ -﵄-: لا يُخيَّر، ثم عند أبي حنيفة: يكون الغلام مع الأمِّ حتى يستقلَّ؛ بأن يأكل ويلبس ويستنجي بنفسه، ثم يُسَلَّم إلى الأب، والجارية تَكُونُ مَعَها حتَّى تُزوَّج، أو تحيض، وعند مالكٍ -﵀-: يكون الغلامُ مع الأم حتَّى يثغر ويُرْوَى حَتَّى يَبْلُغَ، وتكون الجارية مَعَهَا حتى تزوج، ويَدْخُلَ بها الزَّوْجُ.
وقال أحمد: يُخَيَّر الغلام، ولا تُخَيَّر الجارية، بل الأم أحقُّ بها.
وسِنُّ التمييز في الغالب سَبْعٌ أو ثمانٍ على التقريب، قال الأصحاب -﵏-: وقد يَتقدَّم التمييزُ على سَبْعٍ، وقد يتأخر عن ثمان، والحُكْمُ يُدَار على نَفْس التمييز، لا على سِنِّهِ، وإنَّما يُخيَّر بين الأبوَيْنِ، إذا اجتمع فيهما شرائطُ الحضانة؛ بأن يكونا مسلمَيْنِ حُرَّيْنِ عاقِلَيْنِ عَدْلَيْنِ مقيمَيْنِ في وطَنٍ واحدٍ، على ما سيأتي الكلامُ [فيه] في هذا الشرط -إن شاء الله- وأن تكون الأمُّ خليَّةً عن النِّكَاح، فإن اخْتَلَّ في أحدِهِما بعْضُ الشروط، فلا تخيير، والحضانة للآخر، فإن زال الخَلَل أنشئ التخيير، ولو وجدت الشرائط فيهما، واختصَّ أحدهما بزيادهّ في الدِّينِ أو المالِ أو محبة الوَلَدِ، ففيه وجهان عن "الحاوي":
_________________
(١) رواه أحمد [٢/ ٢٤٦] وأبو داود [٢٢٧٧] وابن ماجة [٢٣٥١] والترمذي [١٣٥٧] من حديث هلال ابن أبي ميمونة عن أبيه عن أبي هريرة، وقال: حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه باللفظ الثاني، ورواه هو أيضًا والنسائي [٦/ ١٥٨] بنحوه مختصرًا ومطولًا، ورواه بالقصة ابن حبان أيضًا وغيره، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة إلى رسول الله -ﷺ- فقال: استهما فيه، وصححه ابن القطان].
(٢) تقدم.
(٣) رواه الشافعي في القديم، ومن طريقه البيهقي [٨/ ٤]، قال أخبرنا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الرحمن بن غنم أن عمر بن الخطاب خير غلامًا بين أبيه وأمه.
[ ١٠ / ٩٥ ]
أحدهما: أنه يرجح من اختص بتلك الزيادة، وأظهرهما التخيير ويجري التخيير بين الأم والجد عند عدم الأب كالتخيير بين الأبويين وهل يجري التخيير بين الأم وبين من على حاشية النسب؛ كالأخ والعم تفريعًا على ثبوت الحضانة لهم، وهو الظاهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل الأم أحق لقربها وولادتها، كما قبل التمييز.
وأظهرهما: نعم، ويَدل عليه ما رُوِيَ عن عِمَارةَ الجرمي -﵁- قال: خَيَّرنِي عَلِيٌّ -كرم الله وجْهَه- بَيْنَ [أمي وعمي وأنا ابن سبع سِنِينَ أو ثمان، وفي ابن العم مثْلُ هذا الخلاف، ولكن في الولد الذكر، أما الأنثى، فلا تخير، بل تكون مع الأمِّ؛ لأنه ليس بمحرم، قاله في "التهذيب" ويجري الخلاف في التخْيير بيْن الأبِ وبين الأخْتِ والخالة، إذا قدَّمْناه عليهما قَبْل التمييز [على] ما سنبينه -إن شاء الله تعالى-.
وإذا اختار أحَدَ الأبوَيْنِ ثم اختار الآخَرَ، حوَّلْناه إليه، فإن عاد، واختار الأوَّل، أعدناه إلى الأَول، وذلك لأنه قد يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه، ولأن المتبع شهوته، وقد اشتهى المقام عنْد أحدهما في وقْت، وعند الآخر في وقت آخر [كما يشتهي طعمًا في وقت، ويميل عنه في وقْت آخَر]، ولأنه قد يقصد مراقبةَ الجانبَيْنِ، فإن أكثر التردُّد بحيث غلب على الظن أن سببه نقصانه وقلة تمييزه، فيُجْعَل عند الأم، كما قبل وقت التمييز، وكذا لو بلغ، وهو على نقصانه وخَبَله، ويتعلَّق بالتخيير مسألتان أخريان:
إحداهما: إذا اختار الأَبَ، وسُلِّم إليه، فإن كان ذكرًا، لم يمنعه الأب من زيارة الأم، ولا يحوجها إلى الخروج لزيارته، وإنْ زارته، لم يمْنَعْها من الدخول (١) علَيْه وله منْع الأنثَى من زيارة الأمِّ، والأم إذا شاءت خَرَجَت إلَيْها للزيارة، فهي أولى بالخروج من البنت؛ لسنها وتجربتها، والزيارةُ تكون في الأيام مرةً على العادة لا في كلِّ يوم، وإذا دخَلَتْ، لم تُطِلِ المكث، وإذا مرض الولدُ ذكرًا كان أو أنْثَى، فالأم أولَى بتمريضه؛ لأنها أشفق وأهدى إلَيْه، فأشبه الحضانة في مبدأ الصِّغَر، فإن رَضِيَ بأن تُمَرِّض في بيته، فذاك، وإلا، فينتقل الولَدُ إلى بَيْتِ الأمِّ، ويجب الاحتراز عن الخَلْوة، إذا كانَتْ تُمَرِّض في بيته، وكذا إذا زارَتِ الولَدَ، فإن لم يكُنْ هناك ثالثٌ، فيخرج حتى تدخل، وإذا مات، لم تمنع من الحضور للغسل والتجهيز، إلى أن يدفن وإذا مرضت الأم، لم يَمْنع الأبُ الولدَ مِن عيادتها ذكرًا كان أو أُنْثَى، ولا يُمَرِّضُها.
_________________
(١) عدم المنع هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ قال ابن الرفعة: الذي صرح به البندنيجي ودل عليه الماوردي الوجوب قال في الخادم: وبه صرح الإِمام ثم نقل عن الجرجاني الاستحباب فحصل وجهان.
[ ١٠ / ٩٦ ]
قال الرويانيُّ: إلا إذا أحْسَنَتِ الأنثَى التمريض.
وإذا اختار الأمَّ فإن كان الولد ذكرًا، فيأوي إليها ليلًا، ويكون نهارًا عند الأب يؤدبه ويعلِّمه أمور الدين والمعاش، وشملمه إلى المكتب والحرفة (١)، والأنثَى تكون عند الأم ليلًا ونهارًا، والأب يَزُورُها على العادَةِ، ولا يطلب إحضارها عنده، وهكذا الحُكْم فيما إذا كان الوَلَدُ عند الأم قبل أن يبلغ سن التمييز.
وقوله في الكتاب: "فعلى الأب مراعاته بالتسليم إلى المكتب والحرفة" إشارة إلى أنه ليس للأب إهمالُهُ باختياره للأم بل عليه القيام بتأديبه وتعليمه، إما بنفسه أو بتحمل مؤناته، وكذا المجنون الذي لا يستقل الأمُّ بضبطه يجب على الأب رعايتُهُ، وإنما تُقدَّم الأم فيما يتأتى منها ويكون من شأنها (٢).
والثانية: لو خيَّرناه فاختارهما جميعًا، أُقْرعَ بينهما، وإن لم يختر واحدًا منْهما، ففيه وجهان، حكاهما القاضي الرُّويانيّ -﵀-.
أحدهما: أنه يُقْرَع بينهما؛ لأنه لا بد من كفالته إلى البلوغ، وهذا ما أورده في "التهذيب".
وأشبههما: أن الأم أحقُّ بحضانته؛ لأنه لم يختر غيرها، وكانت الحضانة لهما، فيستصحب ما كان، وهذا ما أورده في "البسيط"، وذكر الرُّويانيُّ أيضًا أنَّه لو أسْلَمَ أحد الأبوين في وقْت التخيير، كفالته للآخر، كان الآخر أحقَّ به، ولا اعتراضَ للولَدِ، فإن عاد، وطَلَب الكفالة عُدْنا إلى التخْيير، [وأنه] لو تدافَعَ الأبوان كفالته وامْتَنَعَا منْها فإن كان بعْدهما من يستحقُّ الحضانة كالجَدِّ والجَدَّة، فيُخَيَّر بينهما، وإلا، فوجهان:
أحدهما: أنه يُخَيَّر الولد، ويُجْبَرُ مَنِ اختاره على كفالته نَظَرًا له.
والثاني: يُجْبَر عليها مَنْ تلزمه نفقته (٣).
_________________
(١) أي بحسب الحال على ما يليق بالولد، ولهذا قال الماوردي ويكون في النهار مع أبيه إن كان من أهل الصناعة أو في الكتاب إن كان من أهل التعليم وعبارة الشَّافعي في المختصر والأم بالكتاب، ونازع فيها ابن داود وقال: الأفصح المكتب لأن الكتاب جمع الكاتب فيكون على حذف مضاف أي موضع فيه الكتاب. انتهى وما قاله مردود ففي الصحاح للجوهري: للكتاب والكتبة، أيضًا واحد المكاتيب. انتهى وقال المبرد: المكتب موضع التعليم.
(٢) قال النووي: تأديبه وتعليمه واجب على وليه أبًا كان أو جدًا أو وصيًا أو قيمًا، وتكون أجرة ذلك في مال الصبي، فإن لم يكن له مال، فعلى من تلزمه نفقته، وقيل: إن أجرة ما لا يلزمه تعلمه بعد البلوغ تكون في مال الولي مع يسار الولد، والأول أصح، وقد سبق بعض هذا في أول كتاب الصلاة.
(٣) قال النووى: أصحهما الثاني.
[ ١٠ / ٩٧ ]
وإن [كان] على الوجْه الأوَّل، لو امتنعا من الحضانة قبل سن التخْيير، أقرع بينهما، ويُجْبَرَ مَنْ خرجت قرعته على حضانته، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإذَا سَافَرَ الأَبُ سَفَرَ نُقْلَةٍ سَقَطَ حَقُّ الأُمِّ فَلَهُ أَخْذُ الصَّغِيرِ مِنْهَا، إلاَّ إِذَا رافَقَتْهُ فِي الطَّرِيقِ، وَلَبْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ، وَلاَ فِي التِّجَارَةِ وإنْ طَالَتِ المُدَّةُ، وَهَلْ لَهُ ذَلِكَ في النُّقْلَةِ إِلَى مَا دُونَ مَرْحَلَتَيْن؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ذكرنا [في] أن الأم أوْلَى من الأب قَبْل أن يميز الولد، وأنه يُخَيَّر بينهما بعْد تمييزه، هو فيما إذا كان الأبوان مقيمَيْن في بلَدٍ واحدٍ، فأما إذا أراد أحدُهُما أن يُسافِر، [أو أرادا سفرًا]، وكان يختلف بلَدُهُما، نُظِر؛ إن كان السفر لحاجةٍ؛ كحجٍّ [وغزوٍ] وتجارةٍ، فلا يسافر بالوَلَدِ؛ لِمَا في السفر من الخطر والضرر، بل يكون مع المقيم إلى أن يَعُود المسافر، ولا فَرْق بين أن تَطُول مدَّة السَّفَر أو تقصر، وعن الشيخ أبي محمَّدٍ وجْه: أن للأب أن يسافر به، إذا كان تَطُول مدَّة سَفَره (١)، وإن كان السفَرُ سَفَر نُقْلةٍ، فيُنْظَر؛ إن كان ينتقل إلى مسافة القَصْر، فللأب أن ينتزعه من الأم، ويستصحبه مع نفسه، سواءٌ كان المنتقل الأب أو الأم أو ينتقل أحدهما إلى بَلَد، والآخر إلى بلدٍ آخر، والمعنى فيه الاحتياط لنسبه؛ فإن النَّسَبَ يتحفظ بالآباء دون الأمهات وإذا طالتِ المفارقةُ بيْنه وبين الولد، لم يُؤْمَن اندراس نسبه وخفاؤه، فيتضرَّر به الوالد، وأيضًا، فإن مصْلَحَة التأديب والتعليم وسهولة الإنفاق علَيْه والقيام بمؤناته، تقتضي ذلك.
نعْم، لو رافقته الأمُّ في الطريق والمقصد، دام حقُّها، ولو عاد مِنْ سَفَر النُّقلة إلى بلدها، عاد حقها، وإن كان الطريق الذي يَسْلكه مخُوفًا، والبلد الذي يقْصِده غَيْرَ مأمون؛ لغارة ونحوها، لم يكُنْ له انتزاع الوَلَدِ واستصحابُه، وساعَدَنا مالك وأحمد [على] أن للأب أنْ ينتزعَ الوَلَد وينقله، ولا فَرْق بين أن يكون قَدْ نَكَحَها في بلَدِها، أو في بلدِ الغربة، وعن أبي حنيفة: أنه إن [كان] نكَحَها في بَلَدِ الغربة، فكذلك، وإن نكحها في بَلَدِها، فالأُمُّ أحق به، ويُرْوَى عنه أنه إذا كانَتِ الأمُّ تنتقلُ، والأب مقيمًا، فهو أحقُّ به، إلا إذا كانَتْ تنتقل من بلدة إلى قرية، وإن كان الانتقال إلى ما دون مسافةِ القَصْر، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يؤثر، ويكونان كالمقيمَيْنِ في محلتين من بلدة واحدة، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد، والقاضي المَاوَرْدِيُّ، وهو الذي أورده في "التهذيب".
_________________
(١) ما أطلقه من الحكاية عن الشيخ أبي محمد في طول السير تابع فيه الغزالي لكن الصواب في حكايته عنه تقييد الطول بما إذا طال على حد يظهر أثره ولا ضرورة لمطلق الطول. هذا حكاه عنه الإِمام في النهاية.
[ ١٠ / ٩٨ ]