قَالَ الْغَزَالِيُّ: الأوَّلُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ فُأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ أَوْ زَوْجَتُهُ بِلِبَانِهِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَيَجِبُ عَلَى المُرْضِعَةِ تَمَامِ مَهْرِ المِثْلِ (ح) عَلَى قَوْلٍ، وَنِصْفُهُ عَلَى قَوْلٍ، وَتَمَامُ المُسَمَّى عَلَى قَوْلٍ، وَنِصْفُهُ عَلَى قَوْلٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَصَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ حَتَّى صارَتَا أُخْتَيْنِ انْدَفَعَتَا جَمِيعًَا وَغُرِّمَتِ المُرْضِعَةُ مَهْرَ الكَبِيرَةِ المَمْسُوسَةِ عَلَى القَوْلِ الصَّحِيحِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ تُغَرَّمُ شَيْئًَا كَمَا لَوِ ارْتَدَّتِ الزَّوجَةُ، وَالغُرْمُ يَجِبُ بِفِعْلِهَا، فَلَوْ نَامَتْ فَدَبَّتْ إِلَيْهَا الصَّغِيرَةُ وَارْتَضَعَتْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهَا (و)، وَيَسْقُطُ مَهْرُ الصَّغِيرَةِ بِفِعْلِهَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: لَهَا نِصْفُ المُسَمَّى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقْصُود الباب كما بَيَّنا مِنْ قَبْلُ الكَلاَمُ في الرَّضاع الَّذي يَطْرَأُ على النكاح فيقطعه، وفي الغرم المتعلِّق به، وقد رتَّبَه على أصلَيْن وفروع يَتَشعَّب عَنْها أَحَدُ الأصْلَيْنِ عند انقطاع النكاح، واعْلَمْ أولًا أن الرضاع الطارئ (١) قد يَقْطَع النكاح، وإن لم يقتض حُرْمَةٌ مؤبَّدةٌ، وسيأتي أمثلته -[إن شاء الله تعالى] وقد تَقْطَعه لاقتضائه الحرمة المؤيَّدة فكل امرأة يَحْرم عليه أن ينْكِح ابنتها، فإذا أرضعت تلْك المرأةُ زوجَتَهُ الصغيرةَ خمْسَ رضعات، تثبت الحرمة المؤبَّدة، وانقطع النكاح، فإِذا كانَتْ تحته صغيرةٌ،
_________________
(١) في ز: الثاني.
[ ٩ / ٥٨٣ ]
فأرضعَتْها أُمُّه من الرضاع أو النسب خمْسَ رضعات، انفسخ النكاح؛ لأنها [صارت بنْتًا لها، وكذا لو أرضعتها جَدَّتُه من الرضاع أو النسب؛ لأنها] (١) صارت خالةً له إن أرضعَتْها أم أُمِّه أو عمة [له] إن أرضعتها أُمُّ أبيه، وكذا لو أرضعتها بنته من الرضاع أو النسب؛ لأنها تَصِير حافدته، ولو أرضعتها زوجة أبيه بلَبَنِ أبيه، أو زوجة ابنه أو زوجة اْخيه بلبن أخيه، فكذلك؛ لأنها تصير أختًا له في الصورة الأُولى وحافدة في الثانية، وبنت أخٍ في الثالثة، وإن كان اللبن من غير الأب أو الابن أو الأخ [لَمْ يُؤَثِّر؛ لأن غايته أن تفسير ربيبة الأوَّل أو الابن أو الأخ] (٢) ولا يَحْرُم على الرجل أن ينكح ربيبة أبيه أو ابنه أو أخيه، ولو أرضعتْها زوجة أُخْرَى له كبيرة بلبنه، فكذلك ينفسخ النكاح، وتثبت الحُرْمة؛ لأنها صارت بنتًا له، وإن كان اللَّبَن مِنْ غيره، فسيأتي، وإِنما كان الرضاع في هذه الصورة قاطعًا للنكاح؛ لأن ما يُوجب الحُرْمَةَ المُؤَبَّدة، كما يمنع ابتداء النِّكَاح يمنع استدامته؛ ألا ترى أنَّه إذا وَطِئَ الابْنُ زوجةَ أبيه بشبهة، ينفسخ النكاح، وتَحْرُم عليه، وتخرج على هذا العدَّةُ والردَّةُ الطارئتان فإنهما لا يوجبان التحريم المؤبَّد.
إذا تقرَّر ذلك، فالصغيرة التي انفسخ نِكَاحُها تَسْتحق على الزَّوجْ نصْفَ المسمَّى، إن كان صحيحًا، ونصْفَ مهْرِ المثل، إنَّ كان فاسدًا نعم، لو جاء الانفساخ مِنْ قِبَلِها؛ بأن دَبَّتْ إلى صاحبة اللبن، وهي نائمةٌ، فارتضعت، فالظاهر أنَّهَا لا تستحقُّ شيئًا، وسنذكره على الأثر إن شاء الله تعالى، ويجب على المُرْضِعة الغُرْم للزَّوْج؛ لأن البُضْعَ مضمون بالعَقْد في الخُلْع، فكذلك يضمن بالإتلاف كالأموال، ولا فَرْق بين أن تَقْصِد بالإرْضَاع فسْخَ النكاح أوْ لا تقصده، ولا بأنْ يجب عليها الإرْضاع بأنْ لا يكونَ هناك مرضِعَةٌ أُخرَى أَوْ لاَ يجب؛ لأن غرامة الإتلاف لاَ تَخْتَلِف بهذه الأَسباب، وبهذا قال أَحْمَدُ، وعَنْ مالك: لا يجب الغُرْم على المرضِعَة، وعند أَبي حنيفة: لا غرم عليها، إن لم تقصد فَسْخ النكاح، وعَنِ الشَّيْخ أَبِي حامدٍ: احْتمالُ أَنَّهُ لا غرم عليها، إِذا لزمها الإرضاع، وما الغُرْم الواجب على المُرضِعَة؟ نَصَّ هاهنا عَلَى أن الوَاجِب نصْفُ مَهْر الَمِثْل، وإِذا رجع شهود الطَّلاق قَبْل الدخول، فالنصُّ أَنَّه يجِب عليهم جميعُ مَهْر المثل، وللأَصْحَاب فيه طريقان:
أحدهما: وبه قال الإِصطخري: أَنهما على قولَيْن نقلًا وتخريجًا:
وجه وجوب الجميع: أنَّ قيمةَ الْبضَعْ مهْرُ المِثْل، وإِتْلاف الشَّيْء المتقوَّم يوجب قيمته، ووجْه الآخر: أن الزوج لا يُغَرَّم إلا النِّصْف، فلا يُغرم إلا النِّصْف؛ وهذا لأن الفرقة إِذا حصَلَتْ قبل الدخول، جُعِلَ كأن الزوج لا يَمْلِك إلا نصْف المعقود عليه،
_________________
(١) سقط من: ز.
(٢) سقط من: أ.
[ ٩ / ٥٨٤ ]
ولذلك لا يلزمْهُ إلا نصْفُ المسمَّى، وإذا لم يملك إلا النصْف، لم يُغَرَّم له إلا النِّصْف.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق: القطْع بتقرير النصَّيْن، والفَرْق أن الرِّضَاع يوجب الفُرْقة حقيقةً، وحقيقةُ المفارقة قبْل الدخول لا توجب إلا النصف كالمفارقة بالطلاق، وفي الشهادة؛ النِّكاحُ باقٍ في الحقيقة بزعم الزوج والشاهدَيْن، لكنهما بالشهادة حَالاَ بينه وبين البُضْع، فيُغرَّمان قيمته، كالغاصب يحول بين المالك والمغصوب، وحكى الشيخ أبو عليٍّ -﵀- وآخرون على طريقة إثبات الخلاف قولَيْن:
أَحدهما: أنَّه يَرْجِع بنِصْف المسمَّى؛ لأنَّه الذي يُفَوَّت على الزوج، وينسب هذا إِلى رواية القَفَّال، وفي شرح "مختصر الجوينيِّ": أن القفَّال خَرَّجه من الضمان، إذا ضمن ألْفًا، وأدى خَمْسَمَائة، لا يرجِعِ إِلا بما ضَمِنَ، والرابع: أنَّه يرجع بتمام المُسمَّى؛ لأنه قد التزمه، والتشطير أمر ثَبَتَ على خلاف القياس، فيختص بالزوجين، وقد أورد صاحب الكتاب أربعتها والصحيح منْها عند الشيخ أبي عليٍّ والإمام وجماعة: أنَّه يَرْجِع بتمام مهْر المثل، وعند الأكثرين: يرجع بنِصْفِه، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "ويجب على المرضعة" بالميم، وقوله: "تمام مهر المثل" بالحاء والألف، وكذا قوله: "ونصفه"، وقوله: "وتمام المسمى على قول، ونصفه وعلى قولٍ" بالواو؛ للطريقة القاطعة، والقول في غُرْم شهود الطَّلاق يَعُود في كتاب الشَّهَادات، ورُبَّما تكرَّر بعْض ما ذكَرْناه هناك.