قَالَ الْغَزَالِيُّ: والنَّظَرُ فِي طَرَفَيْن: الأَوَّلُ فِي حُكْم العَفْوِ وَهُوَ مَبنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ العَمْدِ القَوَدُ المَحْضُ وَالدِّيَةُ خَلَفٌ عِنْدَ سُقُوطِهِ، أَوْ هُوَ القَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ أَحَدُهُمَا لاَ بِعَيْنِهِ، وَفِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: الوَاجِبُ أَحَدُهُمَا فَلَوْ عَفَا عَنْهُمَا صَحَّ، وَإِنْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ فَلَهُ القِصَاصُ، وَهَلْ لَهُ مَرْجِعُ إلى الدِّيَةِ فِيهِ ثَلاثةُ أَوْجُهٍ، وَجْهُ الرُّجُوعِ أنهُ يَبْعُدُ بَقَاءُ قِصَاصٍ مَحْضِ بِلاَ دِيَةِ يُرْغَبُ بِهَا في العَفْوِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَأْثِيرَ العَفْوِ يُلْحِقُ تَفْرِيعَ هَذَا القَوْلَ بِالقَوْلِ الآخَرِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ مَرْجِعَ إلى المَالِ فَفِي جَوَازِ التَّرَاضِي وَجْهَانِ، فَإِنْ جَرَى مَعَ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالمَنْعِ وَهُو جَارٍ فِي كُلِّ قَصَاصِ يَثْبُتُ بِلاَ دِيَةٍ، وَلَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْكَ نُزِّلَ عَلَى القِصَاصِ في وَجهٍ، وَرُجِعَ إلى نِيَّتِهِ في وَجْهٍ، وَلَو قَالَ: اختَرْتُ الدِّيَةَ يَسْقُطُ القِصَاصُ، وَلَو قَالَ: اخْتَرْتُ القَوَدَ لَمْ يَسْقُطِ الدِّيَةُ عَلَى الأَظْهَرِ لأنَّه تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الباب الكلامُ في العفْو، وهو مندوبٌ إليه وإذا عفا بعْض المستحِقِّين، سقط القصاص، وإن لم يَرْضَ الآخرون، واحتُجَّ بأنه رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ وابنِ مسعُودٍ -﵄- ولا مخالِفَ لهما في الصحابة -﵃- فكان كالإجْمَاع، وبأن القصاصَ لا يَتَجَزَّأ فيُغلَّب جانبُ السقوط لحَقْن الدماغ، وكذلك نقول: لو عفا عن عُضْو من أعضاء الجانِي، سقَط القصاص كلُّه، كما أن تطليق بعْض المرأة تطليقُ كلِّها، وكذا لو أقَّتَ العفْو، تأبَّد (١)، ثم القولُ في العفْو، يقع في طرفين:
_________________
(١) قال في الخادم: الظاهر أن هذا في المعين أما لو قال عفوت عن بعض دمك فقال في البحر في باب الشهادات: إن قلنا البراءة تجوز عنه فهذا أجوز، وإن قلنا بالمنع فيحتمل أن يقال يجوز لأن العفو عن فيه كالعفو عن الكل. وقال في هذا الباب: لو قال الولي عفوت عن نصف قصاص النفس هل يصح العفو؟ فيه وجهان والأصح عندي أنه يكون عفوًا عن الكل. وقال في التتمة: إذا أضاف العفو إلى العضو فقال: عفوت عن بعضك أو أضافه لعضو من أعضائه أو إلى بعض =
[ ١٠ / ٢٨٩ ]
أحدهما: في حكْم العَفْو وأثَرِه.
والثاني: في ألفاظه وفي الصحيح منها والفاسد.
أما الأول: فهو مبنيٌّ على أن موجِبَ العمْد في النفْس والطَّرَف ماذا؟ وفيه قولان:
أحدهما: أن موجبه القَوَدُ المحْضُ، والديةُ خلَفٌ، يُعْدَل إليه عنْد (١) سقوطه؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة- ١٧٨]، وعن رسول الله -ﷺ- أنه قَالَ: "العَمْدُ قَوَدٌ" (٢) ولأنه بَدلُ متلَف، فيتعين جِنْسه كسائر المتلَفَات.
والثاني: أن موجِبَه أحدُ الأمرين، إما القصاصُ أو الديةُ؛ لما رُوِيَ عن ابن سُرَيْج الكَعْبِيِّ -﵁- "أن النبيَّ -ﷺ- قال: ثُمَّ أَنْتُم يَا خُزَاعَةُ قَتَلْتُمْ هَذَا القَتِيلَ مِنْ هُذَيْل، وَأَنَّا وَاللهِ، عَاقِلُهُ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، إِنْ أَحبُّوا، قَتَلُوا، وَإِنْ أحَبُّوا أَخَذُوا العَقْلَ" وهذا القول أرجَحُ عند الشيخ أبي حامد، والأظهر عند القاضي أبي الطيِّب والرويانيِّ وصاحب "التهذيب" وغيرهم: الأوَّلُ، وعلى القولَيْن جميعًا؛ للوليِّ أن تعفو على الدية، ولا يحتاج إلى رضا الجاني؛ لحديث ابن سُرَيْج، ولو مات أو سَقَط الطَّرَف الذي استحَقَّ قِصاصَه، وجبتِ الديةُ، كما لو سقط القصاص بعفو بعْض الورثة وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يُعْدَل إلى المال إلاَّ برضا الجاني، وإذا ماتَ الجانِي، سقطت الدية، وفي شرْح "مختصر الجُوَيْنيِّ" أن صاحب "الجامع" حكَى عن القديم قولًا مثله، وعن مالك روايتان؛ أشهرهما مساعدة أبي حنيفة والثانية: تخيير الوليِّ، قال الإِمام: إذا كنَّا نخير على القولين الوليَّ، ونرجع إلى الدية عند الموت، ففي العبارة المشهورة لترجمة القولين تكلُّفٌ، والصيغةُ التامة عَلَى الغرض، أن يقال: العَمْدُ
_________________
(١) = الزمان كقوله عفوت عنك شهرًا فالعفو صحيح والحكم فيه كالطلاق وقضيته أن يأتي فيه الخلاف أنه من باب السراية أو من باب التعبير بالبعض عن الكل.
(٢) قال في الخادم: لا حاجة إلى قوله عند سقوطه فإن الولي على القولين متمكن من مطالبته المال وإن لم يعف عن القصاص بعد وليس يمكنه موثوقًا على سقوط القصاص كما تقتضيه هذه العبارة، وقد نبه على ذلك العماد ابن يونس في شرح الوجيز. وقال في الخادم أيضًا: إن هذا ذكره الشيخ واضح فيما إذا أمكن القصاص أما حيث لا يمكن كما لو قتل الوالد ولده أو المسلم ذميًا فهل نقول الواجب الدية عينًا عكس القاعدة أو كغيره فيجب القود عينًا ويعدل إلى الدية لأن الأبوة وشرف الإِسلام مسقط لم يتعرضوا له وهو محتمل.
(٣) أخرجه الشَّافعي وأبو داود [٤٥٤٠ - ٤٥٩١] والنسائي [٨/ ٣٩ - ٤٠] وابن ماجه، من حديث ابن عباس في حديث طويل، واختلف في وصله وإرساله، وصحح الدارقطني في العلل والإرسال، ورواه الطبراني من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مرفوعًا: العمد قود، والخطأ دية، قال الحافظ في التلخيص: وفي إسناده ضعف.
[ ١٠ / ٢٩٠ ]
يقتضي ثبوت المال لا محالة، ولكنه يَثْبُتُ معارضًا وموازنًا للقصاص، أو يثبت تبعًا وبدلًا لا أصلًا ومعارضًا؟ فيه قولان:
التفريع: إن قلْنا: الواجب أحدُهما لا بعينه، فلو عَفَا عن القصاص والدية جميعًا، فلا مطالبة بواحد منهما، ولو قال: عفوْتُ عمَّا وجبَ لِي عليْكَ بهذه الجناية أو عن حَقِّي الثابت عليك، وما أشبهه، فكذلك حكاه القاضي ابن كج عن نصِّه -﵁- ولو قال: "عفَوْتُ على أن لا مَالَ لي"، فوجهان:
أحدهما: أنه كما لو عفا عنْهما.
والثاني: لا تسقط به المطالبة بالمَال؛ لأنه لم يُسْقِطْه، وإنما شرط انتفاءه، وإلى هذا مال الصيدلاني، ولو عفا عن القصاص، تعينت الديةُ، ولو عفا عن الدية، فله أن يقتص، فإن مات الجاني، فللمستحِقِّ الديةُ؛ لفوات القصاص بغير اختياره، ونقل القاضي ابن كج قولًا آخر أنَّه لا رجوعَ إلى المال بعْد إسقاطه، والظاهرُ الأولُ، وهل له أن يرجِعَ إلى الدية؛ بأن يَعْفُوَ عن القصاصِ على الدية؟ فيه ثلاثة أوجُهٍ؛ الَّذي رجِّح منْها، ونُسِبَ إلى النصِّ، وأورده صاحب "التهذيب": المنعُ، كما أنه إذا عفا عن القصاص، لا يرجع إليه؛ وعلى هذا، لو عفا مطلقًا، لم يجب شيْءٌ من المال.
والثاني: أن لَهُ أن يَعْفُوَ عن القصاصِ على الدية؛ لأن في تمكين مستحِقِّ القصاص من الرجوع إلى الدية ما يدعوه إلى العفْو، ففيه رفْق للجاني والمجني عليه، وحاصل هذا الوجه أن العَفْو عن الدية لغْوٌ والوليُّ على خِيَرَتِهِ، كما كان.
والثالث: واختاره الشيخ أبو محمَّد: أنه إذا عفَا عن الدية، كان الحكم على هذا القول كالحُكْم على القول الآخر، وهو أن الواجب القَوَد المحْضَ يجوز العفو عن الدية، وإذا عفا مطلقًا، فيجيء في وجوب الدية الخلافُ المذكورُ من بَعْدُ، فإن قلْنا: لا رجوع له إلى الدية استقلالًا، فلو رضيَ الجاني وتصالَحَا، على مال، إما مِنْ جنْس الدية أو من غيْر جنْسها بقدرها أو أَقَلَّ منها أو أكثر، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما لا تجوز المصالحةُ عن حدِّ القذف على مال.
وأصحُّهما: الجواز؛ لأن الدمَ متقوَّم شرعًا، كالبُضْع بخلاف العِرض، ولو جرى الصُّلْح مع أجنبيٍّ، فقد رُتِّب الخلافُ فيه على الخلاف في الصُّلْح مع الجاني، وجعل الصُّلْح مع الجاني أولَى بالجواز؛ لحاجته إلى الفداءِ، ومع الترتيب، فالأقوى في الأجنبيِّ الجوازُ أيضًا؛ لأن اختلاع الأجنبي جائزٌ، وإذا جاز أنْ يبذل بدَل البُضْع، فلأَنْ يجوز أن يُبْدَل الدَّمُ مع أن الشرْعَ قد رغَّب في إسقاطه، كَانَ أَوْلَى، ولو عفا أو صالح عن القَوَد على مال قَبْل أن يعفو عن الدية، فإن كان المصالَحُ عليه منْ غير جنْس الدمِ،
[ ١٠ / ٢٩١ ]
جاز، سواءٌ كانتْ قيمته بقدر الدية أو أقلَّ من قدْر الدية أو أكثر، ذكره في "التهذيب" وإن كان من جنْسه، فسيأتِي، ويجري هذا الخلافُ فيما إذا ثبت القصاصُ بلا دية، وصورتُهُ ما إذا قطَع يدَيْ إنسانٍ، فسَرَى القطْع إلى نفْسه، فقُطِعَت يد الجاني قصاصًا أو قُطِعَت يده قصاصًا؛ ثم سرت الجناية إلى نفس المجنيِّ عليه، فإنه يجوز حَزُّ رقبته، ولا يجوز العفْو على الدية؛ لاستيفاء اليدين الموازيتين للدية، وقد قدَّمنا الصورة ولو قال: عفوتُ عنك، ولم يذكر القصاص، ولا الدية، ففيه وجهان عن صاحب "التقريب" وأَلْحَقَ به أبو الفرج السرخسيُّ ما إذا قال: عفوتُ عن أحَدِهما، ولم يعيِّن، أحدَ الوجهَيْن؛ أنه ينزل على القصاص، ويحكم بسقوطه؛ لأن العفو أليقُ به، وهو السابق إلى الفَهْم منه.
وأظهرهما: وبه قطع الشيخ أبو عليٍّ: أنه يرجع إليه؛ لأن اللفظ يحتملهما جميعًا، فهذا بَيَّن ما نواه منهما رتب حكْمَه عليه، وعلى هذا، فلو قال: لم تَكُنْ نية حينئِذٍ، فوجهان:
أحدهما: أنه ينزل على القصاص.
وأقربُهما: أنه يقالَ له: اصرف الآن إلى ما شئْتَ منهما، ويخرج عند الاختصار ثلاثةُ أوجه:
أحدها: الحمْل على القصاص.
والثاني: اتِّباع نيته في الماضي أو الحال.
والثالث: إنْ نوى الدية، حُملَ عليها، وإلا حُمِلَ على القصاص، ولو قال: اخترتُ الدية، سقَطَ القصاصُ، وثَبَتَ المال، وكان ذلك كقوله: عفوتُ عن القصاص، وهذا هو المشهور المذكور في الكتاب، وعن القفَّال في حكَى أبو الفرج السرخسيُّ في "أماليه": أن اختيِار أحدهما لا يُسْقِط حقَّه من الثاني، ويبقى خياره، كما كان، وشَبَّهه بما إذا أتلف كُرَّ حنطة جيِّدة على إنسان، ولم يوجد هناك إلا عشر حنطة رديئة، فإنه يتخيَّر المُتْلَفُ عليه بَيْن أن يأخذه، وبين أن يَعْدِل إلى القيمة، فلو قال: اخترتُ أحدهما، لم يَبطُل بذلك خيارُهُ، ولو قال: اخترتُ القصاص، فعن المنقول عن "القفال": لا يخفَى الحال، وعلى المشهور، هل له الرجوعُ إلى الدية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه تركها باختياره، فأشْبَه ما إذا اختار الدِّية لا يرجع إلى القصاص، وهذا أصحُّ عند صاحبُ "التهذيب".
والثاني: نعم؛ لأنه لا يرجع من الأغلظ الأعلَى إلى الأخفِّ، بخلاف العكس، وقد يقصد بقوله: "اخترتُ القصاص" تهديدَ الجانِي، وشُبِّه الخلافُ بالخلافِ فيما إذا نكل عن اليمين مع الشاهد، فعرضت اليمين على المُدَّعَى عليه، فنَكَلَ، هل تُردُّ اليمينُ
[ ١٠ / ٢٩٢ ]
على المُدَّعِي، قال الإِمام: وينبغي أن يفرَّع ذلك على أن التصريحَ بإسقاط الدية، هل يمنع الرجوع إلى المال أو يقع لغوًا؟ فإن جعلْناه لغوًا، فلا معنى لقوله: "اخترت الدية" وإن اعتبرناها، فهل يفيد قوله: "اخترت القصاص" ما يفيده قوله: "فوت عن الدية"؟ فيه الخلاف. قوله في الكتاب: "تأثير العفو تعجيل القود المحض" لفْظ "التعجيل" محمولٌ على تعجيل تعيينه أو تعينه للاستيفاء، أو نحو ذلك، ولفظ "الوسيط" تأثيره في أن يجعل القَوَد المحْض واجبًا، ولو قال: "تأثير العَفْو أن يحلق تفربع هذا القول" لحَصَل الغَرَضُ، وقد يوجب قريب منه في بعض النُّسَخ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنْ قُلْنَا: الوَاجِبُ القَوَدُ المَحْضُ فَلَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ ثَبَتَ المَالُ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الاِقْتِصَاصِ ثَبَتَ المَالُ، وَإِنْ عَفَا مُطلَقًا فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَغْنا عن تفريعِ أحدِ القولَيْن، وهو أنَّ موجِبَ العمْد أحدُ الأمرين، أما إذا قلْنا: إن موجبه القصاصُ بعَيْنه، فلو عفا عنه على الدية، وجَبَتِ الدية، ولو عفا عنْه عَلَى مال آخر، فإن كان من جنس الدية، فسيأتي إن شاء الله تعالَى، وإن عفا أو صالَحَ على غَيْر جنْسها، وقبل الجاني، ثبت المال [وسقط] القَوَد، وإن لم يَقْبَل الجاني، لم يثبت المال، وفي سقوط القَوَدِ وجهان مذكورانِ في "التهذيب" وغيره:
أحدهما: أنَّه يسقُطُ؛ لأنه رَضِيَ به، حيث أقدَم على الصُّلْح وطلب العوض.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه رضِيَ به على عوض، ولم يحْصُل العرض، وليس هذا كالصُّلح على الأعواض الفاسدة، فإنَّ الجانيَ هناك قد قبل، والتزم، فرجعْنا إلى بدْل الدم وإذا قلْنا بسقوط القَوَدِ، فهل تثبُت الدية، قال في "التهذيب": هو كما لو عفا مطلقًا، والخلافُ في أنَّه، هل يَسْقُط القصاصُ، إذا عفا على مالٍ، ولم يقبل الجاني، يجري مثله فيما إذا عفا عن الدية على القول الأوَّل، وبقي القصاص، فعفا عنْه على الدية، وقلْنا: لا يجوزُ ذلك، ففي وجهٍ: يسقط لرضاه بالسفوط، وفي وجهٍ: لا؛ لأنه أسقطه على بدل، ولم يسلم، وشبه الخلاف بالخلاف فيما إذا عفا عن الشُّفْعة على مال، هل تسقط الشفْعة، ولو عفا عن القَوَدِ على نصْف الدية، فعن القاضي الحُسَيْن: أنَّه قال: هذه مُعضِلَة أسْهَرَتِ الأَجِلَّةَ، وعن غيره أنَّه بمنزلة ما لو عفا عن القود وعن نصف الدية، فيسقط القَوَدُ ونصْف (١) ولو عفا عن القود مطلقًا، ولم يتعرض للدية ولا إثبات، فهل يجب بالعقو المطلَقِ الديةُ؟ فيه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولَيْن أو وجهَيْن:
_________________
(١) نبه في المهمات على أن الذي نقله الرافعي عن غير القاضي الحسين هو الذي ذكره القاضي الحسين في تعليقه وقال: لا خلاف فيه ووافقه الأذرعي على ذلك.
[ ١٠ / ٢٩٣ ]
أحدهما: ويُحْكَى عن اختيار المزنيِّ: أنَّه يجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي اتباع للمال، وذلك يُشْعر بوجوب المال بالعفْو، ولأنه سقط القصاص بالعفو، فيُعْدَل إلى بدله، كما لو مات الجاني.
وأصحُّهما: المنع؛ لأن القَتْل لم يوجب الدية على هَذَا القَوْل، والعفْو إسقاطُ ثابتٍ لا إسقاطُ ما لَيْسَ بثَابتٍ، والآيةُ محمولةٌ على ما إذا عفا على الدية، فإذا قلْنا: لا تثبت الديةُ بنفْس العفْو، فلو اختار الديةَ بعْد العفو، قال القاضي ابن كج: تَثْبُتُ الدية، ويكون اختيارها بعْد العفْو كالعفو علَيْها، وحُكِيَ عن النصِّ أن هذا الاختيار ينبغي أن يكون عقيب العفْو، عن بعض الأصحاب أنَّه يجوز فيه التراخِي، ولو عفا عن الدية، فهو لغْوٌ، وعلى قوْلنا: إن الواجب القَوَدُ المحْضُ، فله بعد ذلك العفْو عن القَوَدِ على الدية، ولو عفا مطلقًا، عاد الخلاف في وجوب الدية.
وقوله في الكتاب: "فلو عفا على مال، ثبت المال" يمكن حمْلُه على الدية وغيرها، ولكن يُشْتَرَطَ في غيرها قَبُولُ الجانِي.
وقَوْلُه: "ولو مات قبل الاقتصاص ثبت المال" محمولٌ على الدية.
وقوله: "فقولان" مُعْلَمٌ بالواو؛ للطريقة القاطعة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنْ كَانَ مُفْلِسًا فَلَهُ العَفْوُ عنِ القِصَاصِ، وَلَهُ العَفْو عَنِ الدِّيَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأَنَّهُ دَفعٌ لِلوُجُوبِ لاَ إِسْقَاطٌ لِلوَاجِبِ، أَوْ سَبَبُ الوُجُوبِ عَفْوٌ مُطْلَقٌ وَلَمْ يَجْرِ، وَالمُبَذِّرَ كالبَالِغِ في اسْتِيفَاءِ القِصَاصِ وَعَفْوِهِ، وَفِي إِسْقَاطِهِ الدِّيَةَ مَعَ القِصَاصِ كَالصَّغِيرِ، وَقِيلَ: إنَّهُ كالمُفْلِسِ، وَلَوْ صَالَحَ عَلَى مِائَتَيْنِ مِنَ الإِبِلِ بَطَلَ عَلَى قَوْلِنَا: الوَاجِبُ أَحَدُهُمَا، وَعَلَى قَوْلِ الآخَرِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: إذا كان مستحِقُّ القصاص مَحْجورًا عليه، نُظِر؛ إن كان مسلوبَ العبارةِ؛ كالصبي والمجنون، فعَفْوهُ لغْوٌ، وإلا، فإن كان الحجْرُ عليه لحَقِّ غيره، كالمحجور عليه بالفَلَسِ، فله أن يقتص، ولو عفا عن القصاص، سقَطَ وأما الدية فإنْ قلْنا: موجب العمد أحدُ الأمرين، فليس له العَفْو عن المال، وإذا تعيَّن المال بالعَفْو عن القصاص صُرِفَ إلى غرمائه، ولا نكلِّفه تعجيل القِصَاص، أو العَفْو؛ يصرف المال إلَيْهِم، وإن قلْنا: موجب العمْد القَوَدُ، فإن عفا على المال، ثبَتَ المال، وإن عفا مطلقًا، فكذلك تثْبُتُ الدية، أن قُلْنَا بأن العفْو المطلَقَ يوجب الدية، وإن قلْنا: لا يوجبها، لم يثبت، وإن قال: عفوتُ على أن لا مال لي، فإن لم يوجب مطلق العفْو
[ ١٠ / ٢٩٤ ]
المال، فالمقيد بالنفي أولَى، وإن قلْنا: مطلَقُهُ يوجب المال، فَفِي المقيَّد بالنفْي من المحجور وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه لو أطلَقَ العفْو، لوجب المال، فالنَّفْي كالإسقاط لِمَا لَه حُكْمُ الوجوب.
وأصحُّهما: المنع؛ لأن العفْو مع نفي المال لا يقتضي مالًا، فلو كلَّفْنا المفْلِس أن يطلق ليثبت المال، كان ذلك تكليفًا بتكسب، وليس على المُفْلِس التكسُّب لمَا علَيْه من الديون، قال الإِمام: ويعبر عن الوجهَيْن بأنَّ العفْو مع نفْي المال إسقاطٌ للواجب أو منْعٌ ودفْعٌ للوجوب، وإلى هذا أشار في الكتاب بقوله: "أَوْ سَبَب الوجوبِ عفْوٌ مطلَقٌ، ولم يجر" أي سبب وجوب الدية العفْو المطلَقُ عن القصاص، ولم يوجَدْ، وإنما الموجود العفْو المقيَّد بالنفْي، وهو مبنيٌّ على أن الواجبَ القَوَدُ على ما بيَّنَّاه، واقتصر على ذكر وجهين مُخَرَّجان من التفْريع على أن الواجِب بالعَمْد ماذا؟ وعلَى أن العفْو المطلَقَ، هل يوجب الدية، وليس المرادُ من قوله: "وله العفْو عن الدية على أحد الوجهين" ما إذا خصص الدية بالعفْو بعد ثبوتها، فإن عفوه لا ينفذ حينئذ بلا خلاف، وإنما المراد ما إذا نفى المال مع العفْو عن القصاص، كما قال في المُبَذِّر وفي إسْقَاط الدية مع العَفْو عن القصاص، وعفو المريضِ مرَضَ الموْتِ، وعفوِ الورثةِ عن القصاص مع نَفْيِ المال، وفي التركة ديونٌ أو للقتيل وصايا -كعَفْو المُفْلِس، كذلك حكاه الرُّويانيُّ وغيره.
وأما المحجورُ عليه لسفهه وهو المُبذِّر فيصحُّ منه إسقاطُ القصاص واستيفاؤه، وفيما يرجع إلى الدية حُكْمُه حُكْمُ المفلس على أحد الوجهين، وهذا الذي أجاب به أكثرهم.
والثاني: أنه لا يصحُّ عفوه عن المال بحال؛ كالصبيِّ، ونظْم الكتاب يقتضي ترجيحه، ويُحْكَى عن القفَّال أنَّه قطَع به، وعُلِّل بأنَّا، وإن قلْنا: مطلَقُ العفْو لا يوجبُ المال، وإذا تصدى له مال، لم يجُز له ترْكُه، كما لو وُهِبَ له شيْءٌ أو وُصِّي له بشيْءٍ، فلم يقْبَلْ، فوليُّه يقبل عليه، بخلاف المفْلِس، لا يقبل الغرماء عليه ولا الحاكم، وحكى الإِمام أنَّه لوْ رَدَّ، لم يصح ردُّه، وأنَّ الوليَّ يقبل عليه، ويوقف فيه، وعفْوُ المكاتَب عن الدية تبرُّع لا ينفذ من غير إذن السيد، فإن أَذِنَ، فعلَى الخلاف في صحَّة تبرُّعاته بإذْن السيد.
الثانية: لو جَرَى الصُّلْح عن القصاص عَلَى أكثر من الديةِ من جنْسها، كما لو صالَحَه على مِائَتَيْنِ من الإبِل، يُفَرَّع ذلك على أن الواجِب أخذُ الأمرين أو القَوَدُ بعينه، فإن قلْنا: الواجب أحد الأَمرين، لم يصحَّ الصلْحُ؛ لأنه زيادة على الواجِبِ نازلٌ منزلة الصلْح من ألف على ألفين، وإن قلْنا: الواجبُ القصاصُ، فوجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأن الدية هي التي تخلُفُ القصاصَ عنْد سقوطه، فلا يزاد عليها.
[ ١٠ / ٢٩٥ ]
وأصحُّهما: الصحة وثبوتُ المصالِحَ عليه، فإنه مالٌ يتعلَّق باختيار المستحِقِّ والتزام الجاني، فلا معنى لتقديره، وصار كَبَدَلِ الخُلْع.
فرْعٌ: إذا سقط القصاص بعفو بعْض المستحِقِّين، فللآخرين الديةُ بالحصة؛ لفوات القصاص بغير اختيارهم والعافي، إن عفا على حصَّته من الدية، تنْبُتُ، وإن نفى المال، لم تثبت، وإن أطلَقَ، فعلى الخلاف في أن الواجبَ بالعمْد ماذا؟ إن قلْنا: أحد الأمرين تثبت حصته، وإن قلنا: القَوَد بعينه، فعلى الخلاف في أن مُطْلَقَ العَفْو، هل يوجب الدية؟
فائدة: قد تكرّر في الباب الكلامُ فيما إذا عفا عن القصاص أو عفا عن الدية أو عفا عنْهما جميعًا مع التفريع على أن الواجِبَ أحدُهُما، وقد يقالُ: نحْنُ في هذا القول نصرِّحُ بأن الواجبَ أحدُهما، لا بعينه وحينئذ فالعفو عن القصاص بعينه أو عن الدية بعينها أو عنهما جميعًا عفو على غير الواجب فكيف نصور ذلك؟ وقد يجاب بأنا مع القول بأن الواجب أحدهما لا بعينه نقول بالعفو عن القصاص إسقاط المطالَبةِ به، وحينئذ ينتظم إسقاطَ المطالبةِ بأحدهما على التعيين، وبهما جميعًا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَف الثَّانِي فِي العَفْوِ الصَّحِيحُ وَالفَاسِدَ وَأَحْوَالُ العَفْوِ خَمْسَةٌ الأُولَى إِذَا أُذِنَ فِي القَطْعِ وَالقَتْلِ فَلاَ دِيَةَ، وَفِيهِ قَوْلٌ أنَّهُ يَجِبُ الدِّيَة إِذَا قُلْنَا: يَثْبُتُ الدِّيَةُ لِلوَارِثِ ابْتِدَاءً لاَ تَلَقِّيا، وَفِي سُقُوطِ الكَفَّارَةِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِاللُّزُومِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرضا بالجناية وترك المؤاخذة بها قد يَتَقدَّم على الجناية، ويسمى إذْنًا وإباحةً، وقد يتأخَّر عن أوَّلها أو نهايتها، ويسمى عفْوًا وإسقاطًا وإبراءً وعده الإذْنَ من جملة أحوال العفْو، حيث قال: "وأحوال العفْو خَمْسةٌ" فيه توسُّع.
وفقْه الفصْل أنَّه لو قال لغيره: اقطَعْ يدي، والقائل مالكٌ لأمره، فقَطَع المأذونُ يده، لم يجِبْ عليه قصاصٌ ولا دية؛ لأن الإذْن في الإتلاف من مستحق البدل يتضمَّن الإهدار، ألا ترى أنَّه لو أَذِنَ في إتلاف ماله، لم يجب الضمان بإتلافه، وإن لم يقِفِ القطْع بل سَرَى، أو قال: اقتلني، فقَتَله، ففي وجُوب الدية قولاَن بناءً على أن الدية تثبت للورثة ابتداءً أو تلقيًا عن القتيل، وفي وجوب القصاص طريقان، وقد سبق ذكْر القولَيْن والطريقَيْن في "فصل الإكراه على القَتْل"، وقد ذَكَرَ في الكتاب الخلافَ في القصاص هناك، وفي الدِّيَة هاهنا، واعترض على قول التَّلَقِّي بأن الدية إذا ثبتت له، وهي عُرْضَة الانتقال إلى الورثة، وجب أَلاَّ ينفذ الأسقاط والإباحة، إلا في ثلثها، وأجيب بأنَّه لا يسقط ثانيًا في الحال، وإنما يبيح ما يتضمَّن إتلافه مالًا، لولا الإباحة واعتُرِضَ على القول الآخَر؛ بأنها ثبت للورثة ابتداءً، لَمَا قد قُضِي منها ديونُ القتيل،
[ ١٠ / ٢٩٦ ]
ولا نفذت وصاياه وأجيبَ بأن الورثَةَ ملَكُوا الدية من جهته وبدلًا عن نفْسِه، فقُدِّم حقُّه على حقُوقهم، ونظم الكتاب يقتضي ترجيح القولِ الذاهِب إلى نفْي الدية (١)، وتلقِّي الورثة من القتيل، وقد سبق أن صاحب "التهذيب" وغيره رجَّحوه، والقاضي الرويانيُّ رجَّح القول المقابلَ له وأشار ابن الصبَّاغ إلى القطْع بنفي الدية، فيمكن أن يُعْلَم لذلك قوله: "وفيه قول" بالواو، وإذا قلنا بوجوب الدية، [فتجب الكفَّارة لا محالة، وإن قلنا: لا تجب الدية،] (٢) ففي الكفَّارة وجهان:
وأصحُّهما: الوجوب؛ لأنها تجب بالجنايةِ عَلَى حقِّ الله تعالى، والإباحةُ لا تؤثِّر.
والثاني: ويُحْكَى عن تخريج ابن سُرَيْج: أنَّه لا تجب، وحقُّ الله تعالى يتبَعُ في الوجوب والسقوط حقَّ الآدميِّ [فإذا] صار الشخْصُ مُهدَرًا فلا كفارة بقَتْله.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: العَفْوُ بَعْدَ القَطْعِ وَقَبْلَ السِّرَايَةِ صَحِيحٌ عَمَّا مَضَى، وَيَسْقُطُ القِصَاصُ عَنْ السِّرَايَةَ فِي المُسْتَقْبَل عَلَى الصَّحِيحِ لأَنَّهُ تَوَلَّدَ عَنْ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، وَلاَ يَسْقُطُ الدِّيَةُ عَنِ السِّرَايَةِ لأنَّهُ تَوَلَّدَ عَنْ مَضمُونٍ وَلَمْ يَعْفُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ، وَفِيهِ وَجهٌ أنَّهُ تَسْقُطُ كَالإذْنِ المُقَارِنِ، وَلَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَمَّا سَيَجِبُ فَهُوَ عَفْوٌ قَبْلَ الوُجُوبِ وَبَعْدَ سَبَبِهِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ سَرَى إِلَى النَّفْسِ فَعَفْوُهُ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ فَلاَ يَصِحُّ إنْ لَمْ يُصَحِّحِ الوَصِيَّةَ لِلقَاتِلِ، فَإِنْ كَانَ الجَانِي عَبْدًا صَحَّ العَفْوُ لأَنَّ فَائِدَتَهُ لِلسَّيِّدِ لاَ لِلقَاتِلِ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا صَحَّ لأَنَّهُ لِلعَاقِلَةِ، وإن كَانَتِ العَاقِلَةُ مُنْكَرًا أَوْ مُخَالِفًا فِي الدِّينِ فَلاَ لأَنَّهُ عَفوٌ عَنِ القَاتِلِ، وَلَو عَفَا عَنِ الطَّرَفِ عَلَى مَالٍ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ لَمْ يَجِبِ القَصاصُ عَلَى أَضْعَفِ الوَجْهَيْنِ لأَنَّ الحَزَّ لَهُ حُكْمُ السِّرَايَةِ في اتِّحَادِ الدِّيَةِ وَلَوْ سَرَى القَطْعُ لَمَا وَجَبَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قطع عضوًا من غيره كيد وأصبع، فعفا المجنيُّ عليه عن موجِب الجناية عليه قَوَدًا أو أرْشًا، فللجناية أحوال.
أحدها: أن تقف ولا يتعدَّى محلَّها، وتندمل، فلا قصاص ولا أرْشَ؛ لأن المستحِقَّ أسقطَ الحقَّ بعْد ثبوته؛ فيسقط، وبه قال أبو حنيفة.
_________________
(١) هكذا قطعوا به، وكان يحتمل أن يقال بالضمان فإن المحرم لو حلق شخص شعره وهو ساكت فإنه يضمن لأن الشعر في يده كالعارية أو كالوديعة ولا شك أن النفس أولى بذلك، والجواب أن الحكم في الموضعين سواء فإن الكفَّارة تجب على مبيح قتل نفسه وهي حق لله تعالى وهي نظير وجوب الفدية على المحرم هناك لأنها حق الله، وإنما سقط القصاص والدية لأنه حق آدمي فسقط بإسقاطه وقد أسقطه.
(٢) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٢٩٧ ]
وقال المزنيُّ: تجب الدية؛ لأن استقرار الجناية باندمالها، فلا يعتبر العَفْو قبل الاستقرار، ولا فرق في هذه الحالة بيْن أن يقتصر على قوله عَفَوْت عن موجبها، وبين أن يزيد فيقول: "وعما يحْدُثُ منها"، فإنه لم يحدُث منها شيءٌ ولو قال: عفَوْتُ عن هذه الجناية، ولم يزد فعن نصه -﵁- في "الأم": أنَّه عفو عن القَوَدِ، وعن الأصحاب: أنَّه مفرَّع على قولنا: إن موجِبَ العمْد القَوَدُ، أما إذا قلنا: إن وجبه أحَدُ الأمرين، ففي بقاء الدية احتمالانِ للقاضِي الرويانيِّ.
الثانية: إذا سَرَى القطع إلى النْفس، فلا قصاص في النفْس، كما لا قصاص في الطَّرَف؛ لأن السراية تولَّدت عن معْفُوٍّ عنه، فصارت شبهةً دافعةً، وأيضًا، فقد عفا عن الطَّرف، فلا يمكن استيفاء النفس إلا باستيفاء الطَّرَف، وعن أبي الطيِّب بن سلمة: أنَّه يجب القصاص في النفس؛ لأن المعفُوَّ عنه قصاصُ الطَّرَف دون النفْس، وسقوط القصاص في الطَّرَف لا يوجب سقوطَهُ في النفس؛ ألا ترى أنَّه لو استوفَى قصاص الطَّرَف، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية، وجب قصاص النفْس، فليكنِ السقوطُ بالعفْو كالسقوط بالاستيفاء، ويُحْكَى هذا عن تخريج ابن سريج، وعلى هذا قال القاضي ابن كج: لو عفا عن القصاص، لم يكن له إلا نصْف الدية؛ لسقوطِ النصْف بالعفْو عن أرْش اليد، والصحيحُ الأوَّل، وأما المالُ؛ فأما أرْش اليد، فيُنْظَر؛ إن جرى لفْظ الوصية؛ بأن قال: أوصَيْتُ له بأرشِ هذه الجناية، فإذا ماتَ من الجناية، فقد صارت الوصيَّةُ وصيةً للقاتل، وقد سبَقَ الخلافُ فيها، فإنْ لم نصححها فعليه أرش العضْو المقطوع، وإن صحَّحناها، فإن خرج الأرْش من الثَّلُث، سقَطَ، وإلا، نفذَتِ الوصية في قدْر الثلث، وإنْ جرى لفْظُ العفْو أو الإبراء أو الإسقاطِ؛ بأن قال: عفَوْت عن أرْش هذه الجناية أو أبرأتُه أو أسْقَطتُه، فحُكمها حكْمُ الوصية أم لا؟ فيه طريقان:
أحدهما: نعم؛ بدليل الاعتبار من الثلُث؛ فعلَى هذا يعود الخلافُ في الوصية للقاتل.
وأصحُّهما: لا؛ لأنه إسقاط حقٍّ ناجز، والوصيةُ هي التي تتعلَّق بحال الموت؛ فعلَى هذا يسقُطُ، ولا يجيء فيه القولاَن، وأمَّا الزيادة على أرْش اليد إلى تمام الدية، فهي واجبة، إن اقتصر على العفْو عن موجب الدية، ولم يتعرَّض لِمَا يتولَّد منها، وإن تُعرَّض لِمَا يتولَّد منها أيضًا، نُظِر إن تعرَّض بلفْظ الوصية؛ بأن قال: أوصيتُ له بأرش هذه الجناية وضمان ما يَحْدُث منها أو يتولَّد أو يسري إليه، فيُبْنَى على أن الوصيَّةَ للقاتل هل تصحُّ، وَيجِيْءُ في جميع الدِّيَة ما ذكَرْنا في دية العضْو المَقْطُوع، وإنْ قال: عفوت عنه، أو أبرأته عن ضمان ما يحْدُث أو أسقطْتُه، ففي اعتبارها فيما يحْدُث قولان نقَلَهما ابن الصبَّاغ وغيره.
[ ١٠ / ٢٩٨ ]
وأصحُّهما: أن هذه الألفاظ لاغيةٌ، ويلزمه ضمان ما يَحْدُث [فإن إسقاط الشيْء قبل ثبوته غيْرُ منتظم.
والثاني: أنها تُعْتَبَر، ولا يلْزَم ضمانُ ما يَحْدُث؛] (١) لأن الجناية على الطَّرَف سببٌ لفوات النفْس، فإنَّ النفْس لا تباشر بالجناية، وهذا هو الخلاف الذي سَبَقَ في الإبراء عما لم يَجِبْ، وجرى سبب وجوبه، فإن قلْنا باعتبارها، سقَط الكلُّ وفي طريق حُكْمُ هذه الألفاظ حُكْمُ الوصية، يبنى على القولَيْن في الوصية للقاتل، قال الإِمام: وُيخرَّج مما ذكرنا في أرْش العضْو وضمانُ السراية إلى الروح تفريعًا على الأصلَيْن، وهو الاختلافُ في الوصية للقاتِل، والاختلافُ في الإبراء عمَّا لم يجبْ، وجرى سبب وجوبه ثلاثة أقوال، فإن لم نصحِّح الوصية للقاتل، فتجب الدية بكمالها، وإن صحَّحناها، وصحَّحنا الإبراء عما لم يجِبْ، سقطَتْ بكمالها، إذا وفَّي بها الثلث، وإن صحَّحناها، ولم نصحح الإبراء، سقط الأرش، ووجَب ضمان السراية، هذا إذا كان قدْر الأرش دونَ الدية فأما إذا قطَع يدَيْ إنسان، فعفا المقطُوع عن أرش الجناية، وما يحْدُث منها، فإن لم نصحِّح الوصية، وجبت الدية بكمالها، وإن صحَّحناها سقطَتْ بكمالها، إذا وفَّي بها الثلث، سواءٌ صحَّحنا الإبراء عما لم يجبْ أو لم نصحِّحه؛ لأن أرش اليدين ديةٌ كاملةٌ فلا يزيد بالسراية شيْءٌ.
الثالثة: إذا سَرَى القطْع إلى عُضْوٍ آخر، كما إذا قطع الأصبع، فتآكل باقي اليَدِ، ثم اندمل، فالمنقول: أنَّه لا قصاص [بناءً على أنَّه لا قصاص] (٢) في الأجسام بالسرَاية، وقد ذكَرْنا فيه تخريجًا، ويمكن أن يجيْء على ذلك التخريج الخلاف المذكورُ في قصاص النَّفْس في الحالة الثانية، وأما الدِّيةُ، فلا يخفَى سقوطُ دية العضْو المقطُوع بالعَفْو (٣)، وفي ضمان السراية وَجهَان:
أصحُّهما: أنَّه يجب؛ لأنه عفا عن موجِب الجناية الحاصلة في الحال، فيقتصر أثره عليه.
والثاني: المنع؛ لأنه إذا سقَطَ الضمان بالعفو، صارت الجناية غَيْرَ مضمونة، وإذا لم تكن الجنايةُ مضمونةَ، فلا تكون سرايتها مضمونةً، كما إذا قال لغيره: اقطع يَدِي، فقَطَعها، وسرى القَطْع إلى عضْو آخر، وكما إذا قطَع يد مرتدٍّ، فأسلَمَ، ثم سرَى، هذا إذا اقتصر على العفْو عن موجب الجناية، فأما إذا قال: عفوتُ عن هذه الجناية، وما
_________________
(١) سقط من: ز.
(٢) سقط من: ز.
(٣) وقضيته أنَّه لا خلاف لكن في الحاوي للماوردي إن محصنا القود. واعتبر للدية اختيارها لم يسقط بطلبه.
[ ١٠ / ٢٩٩ ]
يحدُثُ منها، فسَرَى قطعُ الأصبع إلى الكفِّ، فإن لم نوجبْ ضمان السراية عند الاقتصار، فهاهنا أولَى، وإن أوجبناه، فيُخرَّج هاهنا على الإبراء عمَّا لم يجبْ، وجرى سبب وجوبه، ثم في الفصْل صُوَرٌ:
إحداها: إذا جَنَى عبدٌ جنايةً توجب المال؛ إما لكونها خطأ أو لسبب آخرَ، وعفا المجنيُّ عليه عن أرْش الجناية، ثم مات بالسراية أو اندمل الجُرْح، ثم عفا في مرض الموت، فإما أن يطلق العفْو أو يضيفه إلى السيد أو العبْد، فإن أطلق العفْو؛ فصحته تَنْبَنِي على أن أرشَ جناية العبد يتعلَّق برقبته فحسب أم بها وبذمَّتِهِ، حتى يطالب بما فضل بعد العتق؟ وفيه قولان مذكوران في "الديات" فإن قلْنا: يتعلَّق بالرقبة فحسب، فيصحُّ العفو؛ لأنه تبرُّع على غير القاتل، وهو السيد، وإن قلْنا: يتعلق بالذمة أيضًا، ففائدة العفْو ترجع إلى العبد، فيبنى على الوصية للقاتل، إن صحَّحناها، صحَّ العفْو من الثلث، إلاَّ، لم يصحَّ، وحكَى الإِمام اختلافًا للأصحاب، إذا قلْنا: إنه يتعلَّق بالذمة في أن المجنيَّ عليه، هل يملك فك الرقبة عن التعلُّق ورد الحق إلى الذِّمة خاصَّةً كما يملك فكَّ المرهون.
قال: وعلى الوجهَيْن يُبْقَى تعلُّق الأرض بالرقبة، إذا أبطلْنا العفو؛ لكون العبد قاتلًا، أما إذا قلْنا: لا يمكن قطعُهُ، فظاهر، وأما إذا قلنا: يمكن، فِلأَنَّ ذلك إذا جرَّد مستحِقُّ الأرض القصْدَ إلى قطْعه، وهاهنا لم يجرِّد القصد إليه، وإن أضاف العفْو إلى السيد، فقال: عفوت عنك، صحَّ إن قلنا: يتعلَّق الأرش برقبة العبد فحسب، وإن قلْنا: يتعلق بذمة العبد أيضًا، لم يصحَّ العفو؛ لأنه عفْو من غير مَنْ عليه الحقُّ، وإن أضافه إلى العبد، فإن قلنا: يتعلق بالرقبة دون ذمة العبْد، لم يصحَّ، وإن قلنا: يتعلَّق بالذمة، ففيه القولان في "الوصية للقاتل"، وإن كانت الجنايةُ موجبةً للقصاص، فالعفو عن العبد صحيحٌ، فإنه عليه بكل حال.
الثانية: إذا جنى الحرُّ خطأً على إنسان فعَفَا المجنيُّ عليه، ثم سرت الجناية إلى النفْس، فقد خرجَتِ المسألةُ عن أصْل، سيأتي إن شاء الله تعالَى في أن الخاطئَ يلاقيه وجوب الدية، والعاقلةُ يتحملون عنه، أو الوجوبُ على العاقلة ابتداءً، فإن قال: عفوتُ عن العاقلة أو أسقطت الديةَ عنْهم، فهذا تبرُّع على غير [القاتل]، فينفذ، إذا وَفَّى الثلُث به ويبرؤون، سواءٌ قدروا متأصِّلين أو غير متأصلين وكذا لو قال: عفوتُ عن الدية، ولم يضف إلى الجاني ولا العاقلة، وإنْ قال للجاني: عفوتُ عنك، فإن قلنا: إنَّ الوجوب لا تلاقيه، فهو لغْوٌ، وإن قلنا: تلاقيه، وتتحمل العاقلة، فوجهان:
أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": أن الجواب كذلك؛ لأنه لا شيْء عليه عنْد العفْو، فإن الديةَ كما وجبَتْ عليه، انتقلَتْ عنه.
[ ١٠ / ٣٠٠ ]
والثاني: أنَّه ينفذ بتقديره أصيلًا وتقدير العاقلة كفيلًا، ثم إذا برئ الأصيل، برئَ الكَفِيل، ومَنْ قال بالأول، قال: هذا الانتقال يُشْبِه الحوالة لا الضمان، هذا إذا ثبتت الجناية بالبينة أو باعتراف العَوَاقِلِ. فأما إذا اعترف الجانِي وأنكرت العوامل فالدية تجب على الجاني، ويكون العفو تبرُّعًا على القاتل، ففيه الخلاف في الوصية للقاتل، ولو عفا الوارثُ بعد مَوت المجنيِّ عليه عن العاقلة أو مطلقًا، صحَّ، ولو عفا عن الجاني، لم يصحَّ لأنه لا شيْء عليه، فإن ثبتت الدية بإقراره، صَحَّ.
الثالثة: لو كان الجاني ذِمِّيًّا، وعاقلتُه مسلمونَ، أو من أهل الحَرْب، فتكون الدية في ماله، فإن عفا عنها، فهي وصيةٌ للقَاتِل، وفيه الخلاف.
واعلم، أن الصور الثلاث أوردَهَا المزنيُّ، وحكَى فيها عن النصِّ ما استشهد به لاختياره القول الذاهِب إلى إبْطَال الوصية للقاتل، فقال قائلون من الأصحاب: أجابَ الشافعيُّ -﵁- فيها على أحَد القولَيْن، وليس مِنْ شَرْط القولَيْن أن يُذْكَرَا في جميع المواضع.
وقال القاضي الطبريُّ وغيره: الاقتصارُ في بعْض المسائل على أحد القولَيْن اختيارٌ منْه لذلك القَوْل، كما ذهب إليه المزنيُّ.
الرابعة: إذا جنى جنايةً توجب القصاصَ، لو اندملت كقَطْع اليد والأصبع، فعفا المجنيُّ عليه على الدية، ثم سرَتْ إلى النفس، لم يجب قصاص النفس، وفيه الوجه المنسوب إلى أبي الطيِّب بن سلمة على ما مَرَّ ولو جنَى بما لا قصاص فيه كالجائفة، وكسر الذراع، فأخذ المجنيُّ عليه الأرْشَ، ثم سرت الجنايةُ إلى النفْس، فقد قال الإِمام: يحتمل أن يقَالَ: لا يجب القصاصُ؛ لأن الجائفةَ، وإن لم يكُنْ فيها قصاصٌ، فهي سبيلُ القصاص، وأخْذ بالعفو الأرض يُشْعِر فيما يوجب القصاص، والمنقول المشهور أنَّه يجبُ القصاصُ؛ لأنَّ الجناية لم تتولَّد عن معفوٍّ عنه، فإن عفا الوليُّ، أخذ الباقي من الديةَ، ولو كان المجنيُّ، قد قال -والصورةُ هذه-: عفَوْتُ عن القصاصِ، فهو لغْو؛ لأن هذه الجناية لا قصاصَ فيها، ولو عفا المجنيُّ عليه عن قطع اليد ونحوه؛ على الدية، ثم عاد الجاني، فحز رقبته (١)، نُظِر؛ إن حزَّ بعد الاندمال، فعليه القصاص
_________________
(١) فهم منه أن التصوير فيما إذا وقع الحز بعد جناية توجب القصاص فأما إذا جرح جرحًا لا قصاص فيه كالجائفة وأخذ الأرش ثم حز الرقبة بعده. قال في البسيط: سقط القصاص قطعًا لأن أخذه لم يكن عفوًا عن قصاص بل كان لامتناع القصاص أصلًا. قال: وهذا سلمه العراقيون أيضًا لا ينفك عن أدنى احتمال على مساق كلامهم لا سيما إذا كان الموت بسراية الجائفة التي أخذ الأرش عنها. قال صاحب الوافي: وكأنه يشعر إلى أنَّه وإن لم يكن صريح العفو عن القصاص في أخذ أرش الجائفة إلا أنَّه ينزل منزلة العفو من حيث إنه لم يبق الجرح مضمونًا بعد إحداث فأشبه العفو عنه.
[ ١٠ / ٣٠١ ]
في النَّفْس، ودية اليد، فإنْ عفا الوليُّ عن القصاص، أخذ دية النفس ودية اليد، وإنْ حزَّ قبل الأندمال، ففيه وجهان:
أحدهما: أنَّه لا قصاص علَيْه؛ لأنه عفا عن بعْض النَّفْس، وإذا سقط القصَاص في البعْض، سقَط في الكلِّ، ولأن حَزَّ الرقبة بعْد قطْع اليد كسراية الجراحة؛ ألا ترى أن دية اليد تَدْخُل في النفْس على التقْديرين، ولو سَرَى القطع، لَمَا وجَب القصاص على الصَّحيح، فكذلك إذا حَزَّ، وعلَى هذا، فله الباقي من الدِّيَة.
وأصحُّهما: أنَّه يجب القصاص؛ لأن الزهُوقَ حصَل بجناية مستحَقَّة، ولم يتولَّد عن الجنايةِ المعفُوِّ عنها؛ وعلَى هذا، فلو عفا عن القصاص، فوجهان:
أصحهما: أنه يأخُذ الباقي من الديةِ، والأطرافُ تدخل في النفس في الدِّية، وإن لم تَدْخُل في القصاص.
والثاني: وبه قال ابن سُرَيْج والاصطخري: أنَّه يأخُذ ديةً كاملةً، بنياه على أصلهما في أنَّ مَنْ قطَع يد رجُل، ثم عاد، وقتَله، وعفا، يلزمه دية النفْس ودية اليد، ولا تتداخل، ولو قطع يدَيْه ورجلَيْه، ثم عاد، فقتله، تلزمُه ديتان مع القصاص وقوله في الكتاب: "ويسقط القصاص عن السراية في المستقبل" حمل على السراية إلى النفس وقوله: "ولا تسقط الدية عن السراية" على ما إذا سَرَى إلى بعض الأعضاء، فاندمل.
وقوله: "فإن سرى إلى النفس" عود إلى الصورة الأُولَى، وهي السراية إلى النفس. ذكر حكمهما قصاصًا، ثم عاد إلَيْها؛ ليذكر حُكْم الدية، فهذه التنزيلاَتُ توافِقُ كلامه في "الوسيط".
وقوله: "ولو سرى القطْع، لَمَا وجب" توجيه أضْعف القولَيْن، والمعْنى أن الحزَّ كالسراية، ولو سرى القطْع، لم يجبِ القصاصُ، فكذلك لا يجبُ عنْد الحَزِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: عَفْوُ الوَارِثِ صَحِيحٌ، وَإنِ اسْتَحَقَّ الطَّرَفَ وَالنَّفْسَ فَعَفْوُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لاَ يُسْقِط الآخَرَ، وَلَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ فَالولِيُّ يَسْتحِقُّ قَطْعَ طَرَفِهِ وَحَزَّ رَقَبَتِهِ، فَإِنْ عَفَا عَنِ الطَّرَفِ فَفِي سقُوطِ حَزِّ الرَّقبةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كانتِ الحالةُ الثانية في عفْو المجنيِّ عليه نفْسه قبلِ السراية، وهذه في عَفْو الوارث بعْد موت المجنيِّ عليه، واستقرار الجناية، ولا تخفى صحَّتُه، وإذا استحقَّ على الجاني قصاصَ النَّفْس وقصاص الطَّرَف، نُظِرَ؛ إن كان مستحِقُّ هنا غيْرَ مستحِقِّ ذاك، فلا شك في أنَّ عفو أحدهما لا يُسْقِط حقَّ الآخر، ومن صُوَرِهِ أن يَقْطَع عبْدٌ يدَ عبْدٍ، فيعتق المجنيُّ عليه، ثم يَسْرِي القطْع إلى نفْسه، فالقصاصُ في الطَّرَف للسَّيد، وفي النفس لورثته الأحْرار، وإن استحقَّهما واحدٌ، فلو عفا عن النفْس، وأراد
[ ١٠ / ٣٠٢ ]
القصاصَ في الطَّرَف، فله ذلك؛ لأنهما حقَّان ثبتا له، فالعفْو عن أحدهما لا يُسْقِط الآخَر، كما لو كان الاسْتحقاقُ لشخصَيْن. وفي "الوسيط" حكايةُ وجه: أنَّه إذا عفا عن النفس، فقد التزم بقَاء الأطْراف، فيسقط فصاحبُ الطَّرَف، ولم ينقل الإمامُ في هذه الصورة خلافًا، وإنما حَكَى في عكسِه، وهو ما إذا عفا عنْ قصاص الطَّرَف وجهَيْن عن رواية صَاحِب "التقريب".
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أنَّه لا يَسْقُطَ فصاحب قصاص النفس؛ لِمَا مَرَّ.
والثاني: يسقط؛ لأن العفْو عن الطرَف ضامنٌ لسلامته، وفي قصاص النفْس إتلافُ الطَّرَف. قال: ولم يُحْكِ صاحبُ "التقريب" خلافًا في أن العفْو عن قصاص النفْس يُسْقِط قصاص الطَّرَف، وإن كان القَطْع قد يَسْرِي، والله أعلمُ بسبب اضطراب روايتهما.
ولو استحقَّ قصاص النَّفْس بقُطْع الطرَف؛ بأن كان الجانِي قد قطَع يد المجنيِّ عليه، ومات بالسراية، ثم عفا الوليُّ عن قصاص النفْس، فليس له قطْع الطَّرَف؛ لأن المستَحقَّ هو القتْلُ، والقطع طريقُه، وقد عفا عن المستَحقِّ، وإن عفا عن القَطْع، فهل له حَزُّ رقبته فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه استحقَّ القتل بالطريق السَّارِي، وقد تركه.
وأقواهما: نعم؛ لأنه يتمكَّن من العدول إلى حَزِّ الرقبة على ما سَبَق، فلعلَّه قصد ذلك، وأيضًا، فله أن يقطع يدَه، ثم يحزَّ رقبته، ففي العفْو عن القطْع تسهيلُ الأمر عليه، وترك لإيلام القطع، ولو قَطَع يده ثم حزَّ رقبته قبل الاندمال، فعفو الوليِّ عن القطْع لا يُسْقِط حز الرقبة، وكذا عفْوُه عن قصاص النفس لا يسقط القَطْع؛ لأن الزهوق حصَلَ بجناية مستحَقَّة، وهما حقَّان مقصودانِ في نفسهما، ليس الأول طريقًا للثاني.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ العَفْوُ بَعْدَ المُبَاشَرَةِ سَبَبُ الاسْتِيفَاءِ كَمَا إِذَا قَطَعَ يَدَ مَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفْسِ فَإنِ انْدَمَلَ صَحَّ العَفْوُ وَلَمْ يُضْمَنِ الطَّرَفَ، وَإِنْ سَرَى بَانَ أَنَّ العَفْوَ بَاطِلٌ، وَكَذَا إِذَا عَفَا بَعْدَ الرَّمْي وَقَبْلَ الإِصَابَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قتل رجلًا بالقطع الساري، فقطعه الوليُّ، ثم عفا عن النفس مجانًا، فإن سَرَى القطع، بأن بطلان العفْو، وإن وَقف، صحَّ العفو، ولم يلزمه بقطع اليد [شيء] وكذلك، لو كان. قد قَتَله بغَيْر القطع، وقطع الوليُّ يده متحديًا، ثم عفا عنه، لا ضمان عليه.
وقال أبو حنيفة: إذا عفا؛ فعَلَيْه دية اليد.
[ ١٠ / ٣٠٣ ]
وقال أحمد: عليه ديتها، عفا أو لم يَعْفُ.
وقال مالك: يلزمه القِصَاص في اليد.
لنا: أنَّه قطَع يَدَ مَنْ يباح له دمه، فلا يلزمه القصاص، إلا الضمان كما لو قَطَع يد مرتدٍّ، والعفْو إنما يؤثِّر فيما بقي لا فيما اسْتُوفِيَ، ولو رمى الوليُّ إلى الجاني، ثم عفا عنه قبل الإصابة، ففي نفوذه وجهان نقَلها الإِمام:
أحدهما: أنَّه لا ينفُذُ؛ لخروج الأمر عن اختياره.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: أنَّه كقطْع اليد، فإن لم يُصبْه السهْم، فالعفو صحيحٌ مقيَّد، وإن أصابه، وقتله، بأن أن العَفْو باطلٌ، وفي وجوب الدية على العافِي وجهان سبَقَ ذكرهما في فصْل تغيُّر الحال بين الجرْح والموت.
والأصحُّ، عند صاحب التهذيب، ويُحْكَى عن القفَّال: أنَّه يلزمه الدية؛ لأنه محقُون الدم عند الإصابة، وليُعلَمْ؛ لما حكَيْنا قوله في الكتاب: "ولم [يُضمَن] (١) الطرف" بالحَاء والميم والألف.
وقوله: "وكذلك إذا عفا بعد الرمْي وقبل الإصابة" بالواو.
فَرْعٌ: إذا قطع ذميُّ يدَ مُسْلِم فاقتص منه أو يدَ ذميِّ، فاقتص منه، وأسلم، ثم ماتَ المجْرُوحُ بالسراية فللوليِّ القصاصُ في النفس، فإن عفا على المال، فوجهان:
أحدهما: أن له نصْفَ الدية؛ لأن اليد نصْف الجملة، وقد استوفاها، فإذا استُوفيتْ يد الذميِّ بيد المسلم، لم يجب شيء آخر.
وأظهرهما: أن له خمسة أسداس دية مسلم، ويَسْقُط سدسُها باليد التي استوفاها، لأنها نصف جملة الذميِّ التي هي ثُلُث جملة المُسْلم فيما يرجع إلى الدية، ولو قطَع الذميُّ يدَ المُسْلم، فاقتص منه، ومات المُسْلِم بالسراية، فعفا الوليُّ، فعلى الوجه الأوَّل لا شيْء له؛ لأنه استوفَى يدَ الجاني، واليدان مساويتان للنفس، وإذا قوبلت نفْس الذميِّ بيد المسلم، لم يجب شيء آخر، وعلى الأظهر: له ثلثا الدية؛ لأنه استوفَى ما يقابل ثُلثَ دية المسلم، ولو قطَعَت امرأةٌ يدَ رَجُل، فاقتص منْها، ثم مات الرجُل بالسراية، وعفا الوليُّ فعلَى الوجه الأول: له نصْف الدية؛ لأن يدها تُقَابل يَدَ الرجل عند الاقتصاص، وعلى الأظهر: له ثلاثة أرباع الدية؛ لأنه استوفى ما يقابل ربع دية الرَّجُل، ولو قطَعَتْ المرأة يد الرجُلِ، فاقتص معها، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية وعفا الوليُّ، فلا شيء له على الوجه الأول، ويجبُ نصْف الدية على الوجه الثاني، ولو قَطَع عبدٌ يدَ
_________________
(١) في ز: يعتمد.
[ ١٠ / ٣٠٤ ]
حرٍّ، فاقتص منه، ثم عَتَقَ العبْدُ، ومات المجنيُّ عليه بالسراية، ففي وجهِ يسقط نصْف الدية، وعلى السيد الأقلُّ من نصْف دية الحرِّ وكمال قيمة العبد؛ لأنه صار مختارًا للفِدَاء، وفي وجه يسقُطُ من دية الحرِّ بقدر نصْف قيمة العبْد، وعلى السيد الأقلُّ من باقي الدِّيَة، وكمال قيمة العبد.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ: إذَا عَفَا المُوَكِّلُ فَحَزَّ الوَكِيلُ الرَّقَبَةَ غَافِلًا فَلاَ قِصَاصَ، وَفِي الدِّيَةِ وَالكَفَّارَةِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ تَجِبُ الكَفَّارَةُ فِي الثَّالِثِ دُونَ الدِّيَةِ، فَإنْ أَوْجَبْنَا فَعَلَى الوَكِيلِ أوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَمَنِ الْتَزَمَهُ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى العَافِي رُجُوعَ المَغْرُورِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالظَّاهِرُ أَن لِلعَافِي الرُّجُوعَ إلَى دِيَةِ قَتِيْلِهِ، وَقِيلَ إِنْ أَهْدَرْنَا دَمَ المَعْفُوِّ عَنْهُ وَكَانَ العَفْوُ لَمْ يُفِدْ فَلاَ دِيَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سَبَقَ في "كتاب الوكالة" أن [التوكيل] باستيفاء القصاص في حضْرة المُوَكِّل جائزٌ، وكذا في غيبته علَى الأصحِّ، وحدُّ القذفِ كالقصاص، وسواءٌ جوَّزنا التوكيلَ به أو لم نجوِّز، فإذا وكَّل، واستوفَى الوكيلُ، صار حقُّ الموكِّل مستوفًى، كما إذا وكَّل ببيع سلعةٍ توكيلًا فاسدًا، فباع الوكيلُ، يصح البيع.
إذا عُرِفَ ذلك، فلو وكَّل بالاستيفاء، وغاب أو تنحَّس الوكيلُ بالجاني، ليقتص منه، فعفا الموكِّل، نُظِر؛ إن لم يُدْر، كان العفْو قبل القتل أو بعْده، فلا شيء على الوكيل، وإن عفا بعْد ما قَتَل الوكيل، فهو لَغْو، وإن عفا، ثم قَتَل الوكيل، فإن كان عالَمًا بالعَفْو، فعَلَيه القصاصُ، كما لو قتله غيره، وإن كان جاهلًا، فلا قصاص، وفرق بين ما إذا قَتَل من عهده مرتدًّا أو حربيًّا، فبان أنَّه قد أسْلَمَ حيث يجب القصاص على أحد القولَيْن؛ بأن القاتل هناك مقصِّر؛ لأن المرتدَّ لا يُخْلَى بقي على الردَّة، والحربيُّ لا يجترئ على دخول دار الإِسلام بلا أمان، فكان من حقه التثبت، والوكيل معذورٌ ها هنا بَانٍ على ما يجوز البناء علَيْه، وفي "السلسلة" للشيخ أبي محمَّد: أن في وجوب القصاصِ هاهنا قولًا مخرجًا من "مسألة المُرْتدِّ" والصحيح الأول، فإن ادَّعَى على الوكيل العلْم بالعفْو، وأنكر، صُدِّق بيمينه، فإن نكَل حلَف الوارثُ، واستحق القصاصَ، وأما الديةُ، ففي وجوبها قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنه عفا بعْد خروج الأمر من يده، فوقع لغوًا؛ ولأن القتل يُبَاح له في الظاهر، فلا يَتَّجه التضمين به.
وأصحُّهما: وهو اختيار المزنيِّ: أنها تجبُ؛ لأنه بأن أنَّه قتَلَه بغير حقٍّ؛ ولأنه لو علم العفْو، وقتله، وجَب عليه القصاصُ، فإذا جهله، تجب الدية، كما لو قتل مَنْ ظنَّه مرتدًّا، فبان رجوعُه إلى الإِسلام، واختلفوا في حال هذين القولين، فقال قائلُونَ: هما
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
مبنيَّان على أنَّ الوكيل، هل ينعزِلُ قبل بلوغ خبر العَزْل إليه، فإن قلْنا: لا ينعزل، فالوكيل هاهنا قتل بحق، فلا تجب ديةٌ، وإن قلنا: ينعزل، فقد قتل بغير حق، فتجب الدية، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ والصيدلانيُّ وغيرهما، وأنكر الشيخُ أبو محمَّد هذا البناء، وساعدَه الإِمام، وقال الوكيل: وإن قلْنا: [إنه] لا ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه، فينعزل إذا تصرَّف الموكَّل بما يتضمن انعزاله، ألا تَرَى أنَّه إذا وكَّل إنسانًا يبيع عبده، ثم أعتقه، ينفذ العتق، وينعزل الوكيل، ويكون بيعه بعد إعتاق الموكّل مردودًا لا محالة، وبناهما آخرون على الخلافِ فيما إذا قتَلَ في صفِّ المشركين من حسبه كافرًا، فبان أنَّه كان مسلمًا أسيرًا، ووجه المشابهة أن الوكيل هاهنا قَتَل عَلَى ظن بقاء القصاصِ، وهو ظاهرُ الحالِ، كما أن القتل هناك مبنيٌّ على ظنٍّ ظاهرٍ، وهو كون الواقفِ في صفِّ الكفار كافرًا، وعن الشيخ أبي محمَّد وغيره أن القولَيْنِ مَتأصِّلان غير مبنيين على شيْء، ولو عزَلَه، ولِم يعْلَم الوكيل بالعزل، وقَتَله، ففي الدية القولان أيضًا، وإذا قلْنا بوجوب الدية، فلا يخفى وجوب الكفَّارة، وإن لم نوجِبِ الدية، ففي الكفَّارة وجهان.
أصحُّهما: على ما ذكر جماعة من المعتَبَرِين: الوجوب، وبه قال المزنيُّ، ويُنْسَب المنْعُ إلى ظاهر النصِّ، وهو مستمرٌّ على قولنا: إنه لا ينعزل قبل بلوغ الخبر، وإذا جمع بين الكفَّارة والدية، حصَلَتْ ثلاثة أوجهٍ أو أقوالٍ، كما ذكر في الكتاب.
ثالثُها: وجوب الكفَّارة دون الدية.
التفريعُ: إن أوجبنا الديةَ، فهي مغلَّظة؛ لأن القتل عمْدٌ أو شبْه عمْدٍ، وعن رواية أبي الحُسَيْن بن القطَّان قولٌ أنها تجب مخففةً، وعلى هذا، فهيَ على العاقلة، وعلى الصحيح؛ تكون على الوكيل أو على عاقلته؟ فيه وجهان:
أحدُهما: وبه قال ابن أبي هريرةَ: أنها على العاقِلة؛ لأنه قتل جاهلًا بالحال، فكان كالمخطِئ.
وأصحُّهما: وبه قال أبو إسحاق: أنها على الوكيل؛ لأنه متعمِّد وإنما سقَطَ القصاص للشُّبْهة، وحَكَى الإِمام وجهَيْن على قولنا: إنها على الجاني؛ أنَّها تكون حالَّة أو مؤجلةً (١)، ثم الدِّيَة الواجبةُ بقتل الوكيل، لورثة الجاني لا تعلُّق بها، للموكل بخلاف ما إذا ثبَتَ القصاص لا تبنين، وبادر أحدُهما، وقَتَله، يجبْ عليه نصف الدية للآخر في أحد القولَيْن، وفَرَق بينهما بأن القاتل هنَاك أتلَفَ حقَّ أخيه، فتعلَّق [الأخ] ببدله، والوكيلُ هاهنا قتَل بعْد سقوط حقِّ الموكِّل، ونقل القاضي ابن كج أن بعض الأصحاب جعَلَه على الخلاف في الابنين، وإذا غُرِّم الوكيلُ أو عاقلته الديةَ، فهل يرجع من غرم على العافِي؟ فيه طريقان:
_________________
(١) قال النووي: أصحهما: حالة.
[ ١٠ / ٣٠٦ ]
أحدهما: ويُحكَى عن ابن سُرَيْج: إن فيه قولين كما إذا قَدَّمَ الغاصبُ الطعامَ المغْصُوب إلى غيره، فأكَلَه في قرارِ الضَّمَان عليه قولان.
والثاني: القطع بأن لا رجوع عليه (١) لأنَّه محسنٌ بالعفوْ غير ملبس بخلاف التصرُّف في الطعام المغْصُوب.
والظاهرُ المنْع، وإن ثبت الخلافُ، وخصَّص بعضُهم الخلافَ في الرجوع بالدية، إذا غرَّمْناها للوكيل، وقَطَع فيما إذا غرَّمناها العاقلة؛ أنهم لا يرجِعُون بها، وإذا قلْنا بالرجوع بها، فهل لوليِّ الجاني أن يأخُذ الدية ابتداءً من العافِي؟ حكَى الشيخ أبو محمَّد [فيه] وجهين، [وفي الرجوع بالكفارة وجهان] (٢) والأصح المنع، كما لا تُضْرب الكفَّارة على العاقلة، بخلاف الدية، وهل للموكِّل العافي دية قتيله، يُنْظر؛ إن عفا مجَّانًا أو عفا مطلقًا، وقلْنا: مُطْلَق العفْو لا يوجب الديةَ، فلا شيْء له، وإن عفا على المال أو مطْلقًا، وقلْنا: إنه يوجب الدية، فله الديةُ في تركة الجانِي مغلَّظة، إن أوجبنا بقتل الوكيل الديةَ، وإن لم نوجبْ، وأهْدَرْنا دَمَ الجانِي، فلا ديةَ للموكّل بخروج العفْو على هذا التقدير عن الإفادة، ووقوعه لغوًا، هكذا رتَّب جماعة.
وقال الإِمام: الوجه أن يُقَال: إنْ قلنا: يقع القتْل قصاصًا، ولا ينفذ العفْو من غير علْم الوكيل، فلا دية للموكّل، وإن نفذنا العفْو، ونزَّلنا ما وجد من الوكيل منزلةَ قتل الأسير في صفِّ الكفار، فله الدية، وكأن الجاني مات حتف أنفه، وفي سياق [الكتاب] (٣) ما يشير إلى ما ذَكَره الإِمام، ونختمْ الكتابب فروع يتبع بعضُها بعضًا بلا ترتيب ولا تبويب.
إذا جنَى عبد على حرٍّ جنايةً، تعلق الأرشُ برقبته، فاشترى المجنيُّ عليه العبْدَ من سيده بالأرش، فإن جهلًا أو أحدهما عدد الإبل الواجبة أرشًا أو أسنانها، لم يصحَّ الشراء، وإنَّ عَلِمَا العددَ والسنَّ، ولم يبق إلا الجهل بأوصافِها، ففي صحة الشراء الوجهان أو القوْلان في أنَّه هل يجوز أن يُصَالَحَ المجنيُّ عليه عنْ إبل الدية على مالٍ، وقد ذكَرْناهما في "كتاب الصُّلْح"، وإن كانت الجناية موجِبةَ للقصاص، فاشتراه بالأرش، فهو اختيار للمال وإسقاط للقصاص (٤)، وإذا اطلع المجنيَّ عليه بعد الشراء، حيث صحَّحناه على عيْب بالعبْد، فله الرد، وقد يقال: إذا لم يكن للمجنيِّ عليه إلا
_________________
(١) سقط في: ز.
(٢) سقط من: أ.
(٣) في ز: الكلام.
(٤) أطلق صحة الشراء والقياس أن يكون كالحالة قبلها إن كانا جاهلين أو أحدهما بعدد الإبل وأسنانها لم يصح وإلا فالقولان، وبه صرح صاحب البيان.
[ ١٠ / ٣٠٧ ]
الرقبةُ، فأيُّ فائدة في الردِّ؟ ويُجاب بأنه إذا ردَّ، فله مطالبة العبْد، إن عتق بما يفْضُل عن قيمته على قَوْل، وأيضًا، فحق الردِّ ولاية شرعية، لا يبنى على مثل هذه الأعراض (١)، ثم إذا ردَّ، يبقى الأرش متعلقًا بالرقبة، ولا يكون السيِّدُ مختارًا للفداء، فإنه يستَبْقِهِ لنفسه، وله الخيارُ بين أن يفيده وبين أن يسلمه للبيع، ولو اشتراه بمال غَيْر الأرش، صحَّ، ولم يسْقُط القصاص، ولو صالَحَ عن القَوَد على مالٍ، جاز، وإن كانتِ الديةُ مجهولةً، فإن تلف عين المال المُصَالَحِ عليه أو استحقَّت أو ردَّها بعَيْب، فلا رجوع إلى القصاص، ويرجع بقيمة العَيْن أو بضمان الجناية؟ فيه قولان؛ بناءً على أنَّ بَدَل الصُّلْح عن الدَّمِ مضمون ضمان العقد أو ضمان اليد، وقد ذكَرْنا ذلك في البَيْع، وإذا قلْنا: يرجع بضمان الجناية، فهو على السيد؛ لاختياره الفداء، ببذل المال، ويجبُ علَيْه أرْش الجناية بالغًا ما بلغ أو الأقل من قيمة العبْد، وأرش الجناية فيه قولان مذْكُوران في مَوْضِعِهما، ولو كانت الجنايةُ موجِبةً للمال الأقل وصالَح عن الإبل علَى مال، ففي صحته الخلافُ، فإن صححَّناه، فلو هلك المَصَالِحُ عليه، قبل القبض أو خرج مستحقًّا، أو ردّه بعيب، فالرجوع إلى الأَرْش، بلا خلاف؛ لأن الصُّلْح هاهنا عن المال، ويكون السيد مختارًا للفداء، ويلزمُهُ الأرْش أم الأقَلُّ؟ فيه القولان.
ولو جَنَى حُرٌّ على حُرٍّ جنايةً تُوجِبَ القصاصَ، فصالحه المجنيُّ عليه على عيْن عبد أو ثوْب، جاز، وإن لم تكُنِ الديةُ معلومةً لهما، فإن تلِفَت العين قبْل القبض، أو ردَّها بعيب أو خرَجَت مستحقَّةً، فلا رجوع إلى القصاص، وبم يرجع؟ بقيمة العَيْن أو بأرش الجناية؟ يُبْنَى على أن بدل الصُّلْح عن الدم مضمونٌ ضمانَ العقْد أو ضمان اليد، وإن كانتِ الجناية موجبةً للدية، فصالح عنها على عَيْنٍ أو اشترَى بها عينًا إما من العاقلة في الخطأ أو من الجانِي في العَمْد، فيُنْظَر، أعلما عدَدَ الدية وأسنانها، أم لم يعلما، ويكون الحُكْم على ما بيَّنَّنا، وإذا صحَّ، فلو تَلِفَ المصالَحُ عليه، أو ردَّه بالعيب، فالرجوع إلى الأرش قولًا واحدًا؛ لأنَّه يمكن الرجُوع إلى المُصَالح عنه، [لأنه مالٌ، وفي الصلْح عن القصاص لا يمكن الرجوع إلى المُصَالح عنه] (٢) ولو جنَتِ امرأةٌ على إنسان، فتزوَّجها المجنيُّ عليه على القصاص الثابتِ عليها أو قتلت إنسانًا فتزوَّجها وارثه على القصاص، جازَ، وسقط القصاص، وإن طلَّقها قبل الدخول، فيرجع بنصْف أرش الجناية أو بنصْف مهْر المثل؟ فيه قولان:
أصحُّهما: على ما ذكَر صاحب "التهذيب": الأوَّل، وإن كانتِ الجنايةُ موجبةً للمال، فنَكَحَها على الأَرْش، صحَّ النكاح، وفي صحَّة الصَّدَاق ما سبقَ في جواز
_________________
(١) في ز: الأغراض.
(٢) سقط من: أ.
[ ١٠ / ٣٠٨ ]
الاعتياض عن إبل الدية. [إذا أوجبت الجناية مالًا معلومَ القَدْر والوصف، كما إذا أتلف مالًا أو قتل عبدًا أو وجبَت القيمة] فإذا زَجَرَتْ مُصَالَحَةُ المجنيِّ عليه على عيْنٍ، وهما يعلَمان الواجبَ، صحَّ الصلْح بلا خلاف، وإذا فرض تلَفٌ قبل القبض أو رَدَّت بالعيب، فالرجوع إلى الأرش بلا خلاف، وإن كان الجاني، والحالةُ هذه، عبدًا فيكون السيد مختارًا للفداء، فإن صالح على رقبته، ثم وجد به عيْبًا، فردَّه فلا يكون مختارًا بل الأرشُ في رقبته، كما كان، حتَّى لو مات سقَط حقُّ المجنيِّ عليه.
إذا قطع يدَيْ إنسان ورجلَيْه، فمات، فقطَع الوليُّ يد الجاني، وعفا عن الباقي على الدية، لم يكن له الدية لأنه استوفَى ما يقابلها، ولو عفا على غَيْر جنْسها، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب، كما لا تجب الدية.
والثاني: يجب، ويكون عِوَضًا عن القصاص الذي تركه، ولو قطع إحدَى يديه، وعفا عن الباقي على الدية، لم يكن له إلا نصْف الدية؛ لأنه استوفَى ما يقابِل نصْفَ الدية، وقدْ مرَّت هذه الصورة أو نحوها.
نقل القاضي الرويانيُّ. عن والده: أنَّه قال: لو قتل مسلمٌ ذميًّا، فقتل وليُّ الذميِّ القاتلَ بغيْر حكْم الحاكم، فعليه القصاصُ بخلاف الوطء في النكاح لا يوجب الحدَّ؛ لأن القصاص لا يُستوفَى إلا بإذن الحَاكِم، وإن كان متفقًا على وجوبه، ومن يبيح الوطء في النكاح لا يعتبر فيه إذنًا.
وأنه لو أكره غيره على أن يَرْمِيَ إلى صيْدٍ، فرمى، [فأصاب] آدميًّا، وقتله فهما قاتلان خطأً، فعلى كلِّ واحد منْهما كفارةٌ، وعلى عاقلة كلِّ واحدٍ منهما نصفُ الدية، وهل على العاقلة المكْره الرجوعُ بما يغرّمون على المُكْره؟ يحتمل أن يقال: لا يرجِعُون، وإن كان متعديًّا، وهو الذي أوقَعَهم فيه، كما لا يرجِعُون على القاتل في شبه العمْد، قال: ويحتمل أن يقال: لا شيْء، على المكْره وعاقلته؛ لأن الذي فعله المُكْره غير ما حمله المكره عليه.
قطع يدَيْ رجُلِ عمْدًا، فمات منْهما، فقطع الوارثُ إحْدَى يدَي الجاني، فمات قبل أن يقْطع الأخرى، لم يكن للوليِّ أن يأخذ دية الأخرَى؛ لأن كلَّ واحدٍ من قطْع الجاني وقطع الوليِّ، قد صار قتْلًا، وإذا سَرَتِ [الجراحة] (١) إلى النفْس، سقط حُكْمُ الأطراف، وقد صارت النفْس مستوفاةً بالنفس [وقد قتله فصار كحز الرقبة]، ولو لم
_________________
(١) في أ: الجناية.
[ ١٠ / ٣٠٩ ]
يمتِ المجنيُّ عليه، واندمل قطْع يده، فقطع المجنيُّ عليه إحدَى يدَي الجاني، فمات، فله أن يأْخُذ دية اليدِ الأخْرَى؛ لأنه استحقَّ قصاصها، وقد فات القصاصُ بما لا ضمان عليه فيه؛ فأشبه ما إذا سقَطَتْ بآفة.
لو قَطَعَ إحْدَى يدي الجاني، وعفا عن الأخرى على ديتها، وقبضها، ثم انتقضتْ جراحة المجنيِّ عليه، ومات بها، فلا قصاص لورثته؛ لأنه مات من جراحتين؛ إحداهما معفوٌّ عنها، ولا شيء لهم من الدية؛ لأنه قد استوفَى نصف الدية، واليد المقابلة بالنصْف.
عن ابن اللَّبَّان: رجل تحته امرأةٌ، ولهما ابنان، زيدٌ وَعَمْروٌ، قتل أحدُهما الأبَ والآخرُ الأمَّ، ولم يدر قاتل الأب أيهما، وقاتل الأم أيهما، فإن قُتِلَتِ الأم أولًا، فعلى تقدير أن يكون زيدٌ قاتلَها فللزوج رُبْع المال، وباقيها لعَمْروٍ، فإذا قتل عمروٌ الأب، ورثَ زيد جميعَ مالِ الأبِ، وورثَ ربْعَ القصاص، وربْعَ مال الأم اللَّذَيْنِ استحقَّهما الأب، فيسقط عنه القصاصُ، ويثبت له على عَمْرو قصاصُ الأبِ أو جميعُ ديته؟ وعلى تقدير أن يكون عمرو قاتلَ الأم ينعكس الأمرُ، ويسقط القصاص عن عمْرو، وله على زيْدٍ القصاصُ أو جميعُ الدية، فيُدْفَعُ إلى كلِّ واحد منهما ربع مال الأمِّ؛ لأنه يستحقُّه بيقينٍ، ويوقَفُ نصْف مالها حتى يُعْلَمَ قاتلُ الأبِ منْهما، فيُدْفَع إليه، ويوقف جميع مال [الأب] (١) حتى يُعْرَف قاتل الأمِّ، فيدفع إليه، ثم يكون لقاتل الأبِ على قاتل الأم [ثلاثةُ أرباعِ دية الأمِّ، ولقاتل الأمِّ على قاتِل الأَب] (٢) القصاصُ على دَية الأب؟ فإن تقاصَّا، بَقِيَ لقاتلِ الأمِّ خمسةُ أثمان دية الأَبِ، وإن قُتِلَ الأبُ أولًا، فيُصْرَفَ إلى كلِّ واحدٍ منهما ثمَنُ مال الأبِ، ويوقَف الباقِي حتَّى يُعْلَم قاتل الأم منْهما، فيُدْفَع إليه، ويوقَفُ جميع مال الأمِّ، حتى يُعْرَف قاتل الأب، فيُدْفَع إليه، ولو قَتَلَ أحدُهما الأبَ، والآخر الأمَّ كما صوَّرنا، وللأبوين ابنٌ ثالثٌ، فيُصْرَف إلى كلِّ واحدٍ من القاتلَين نصفُ ثمن مالِ الأبِ، إلى الثالثِ نصْفُ ماله، ويوقَفُ ثلاثة أثمانه؛ ليظهر قاتل الأم، فيصْرَف إليه، [ويصرف إلى الثالث أيضًا نصْفُ مال الأمِّ، ويوقف نصْفُه؛ ليظهر قاتل الأب، فيُصْرَفُ إليه،] (٣) وللثالث على قاتل الأب نصْف دية الأب، ويجوز أن يَدْفَع إليه ذلك من نصْف مالِ الأمِّ الموقوفِ له، وله علىَ قاتِلِ الأمِّ، إن عفا عن القصاص نصْفُ دية الأم، ويجوز أن يَدْفَع إليه ثلاثة أثمان مالِ الأب الموقُوف له، ووُجِّه بأن الحاكِمَ يَعْلَم ثبوت حقِّ الثالث على صاحب المالِ الموقوف، وإن لم يعرْفه بعينه، [فهو] كغائب وجَبَ عليه حقٌّ يباع ماله فيه.
_________________
(١) في أ: الأم.
(٢) سقط من: ز.
(٣) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٣١٠ ]
يجوز للمكره على إتلاف المال إتلافه وله ولصاحب المالِ دفْعُ المكرِهِ [بما أمكنهما، وليس لصاحِبِ المال دفْع المُكْره] (١) بل عليه أن يقي رُوحَهُ بمالِهِ، كما يناول المضْطَرُّ طعامه.
عن فتاوى صاحب "التهذيب": أن الموكَّل باستيفاء القصاصِ إذا قال: قتلتُه بشهْوة نَفسِي لا عن جهة الموكِّل، يلزمه القصاص، وينتقل حقُّ الوارث إلى التركة.
وأنه إذا قتل أحدَ عَبْدِي الرجل العَبْد الآخر، فللسيِّد أن يقتص، وأن يعْفُوَ، ولا يثبت له مالٌ على عبْده، فإن أعتقه، لم يسقُطِ القصاص، ولو عفا بعْد العتْق مطلقًا، لم يثبت المال؛ لأن القتل لم يثبته، ولا يخرج على أن العفْو المُطْلَق، هل يوجِبُ المال، وإن عفا بعْد العتق على المال ثبت المال، وأنه لو قطَع يدَيْ إنسانِ إحداهما عمْدًا، والأخْرَى خطأً، فمات منهما، لا يجب القصاص في النفْس، ويجب نصْف [ديتها] في مال الجاني، ونصْفُها على العاقلة، فإن استوفَى الوليُّ قصاصَ اليد المقطوعة عمْدًا، فمات الجاني منه، يكون مستوفيًا لحقِّه، ولا يبقى له الدية على العاقلة، كما لو قَتَل مَنْ له عليه القصاصُ خطأً يكون مستوفيًا لحقِّه وإنَّه إذا وجَب القصاصُ على مرتدٍّ، فقتله الوليُّ عن جهة الردةِ، نُظِر؛ إن كان وليُّ القصاص هو الإِمام، فله الدية في تركة المرتدِّ؛ لأن للإمام قتْلَهُ عن الجهتَيْن، وإن كان الوليُّ غير الإِمام، وقع قتله عن القصاص ولا دية له؛ لأن غير الإِمام لا يَمْلك قتله عن جهة الردَّة.
[قال: وكذلك لو اشترى عبدًا مرتدًّا، وقتله المشتري قبل القبض عن الردَّة، ينفسخ العقْد، إن كان المشتري الإمامَ، وإن كان المشترِي غيْرَه، صار قابضًا، كما لو قتله ظُلمًا محضًا.
وأنه لو ضرَبَ زوجتَهُ بالسَّوْط عشْرَ ضربات فصاعدًا على التوالي، فماتت، نُظِر؛ إن قصد في الابتداء العدَدَ المُهْلِك، وجب القصاص، وإن قَصَد تأديبَها بسوطَيْن أو ثلاثة ثم بدا له فجاوز لم يجب لأنه اختلط العمد بشبه العمد فإن اقتصر على سوطين أو ثلاثة فماتْت لا يجب القصاص، ويكون شبه عمدٍ وأنه لو ضرب سنه فزلزلها ثم سقطت بعْد ذلك، يجب القصاص، وكذا لو ضرَب على يده، فاضطربت أو تورمتْ، ثم سقَطَت بعْد أيام، وأنَّه لو أشكلَت الحادثةُ على الحاكم، وكان متوقفًا فروى إنسانٌ خبرًا عن النبي -ﷺ- وقتل الحاكم به رَجُلًا، ثم رَجَعَ الراوي، وقال كذَبْتُ وتعمَّدتُّ، ينبغي أن يجب القصاصُ كالشاهد إذا رجَع، والذي ذكره الإمامُ والقفَّال في الفتاوى: أنَّه لا يتعلَّق به القصاص بخِلاَف الشهادة والرجُوع عنهما، فإنها تتعلَّق بالواقعة، والخَبَرُ لا يتعلَّق بها
_________________
(١) سقط من: أ.
[ ١٠ / ٣١١ ]
خاصة وفي فتاوَى صاحب الكتاب: أنَّه لو اقتصد فمنَعَه رجل من أن يعصب العرق حتى مات، فعليه القصاصُ، وإن عصب، فجاء إنسان وحلَّه ومنَعَه من إعادة العصابة، فوجوب القصاص أظهر، وإذا قال المجْرُوحُ خطأً لجارحه: عَفوْتُ عنْك، هل يكون هذا العفْو عفوًا عن العاقلة؟ قال الشيخ أبو محمَّد: فيه وجهان مبنيَّان على كيفية وجوبِ الدية، إن قلْنا تَجِبُ على العاقلة ابتداءً، فهو باطلٌ، وإن قلْنا: تجب على الجاني، والعاقلةُ يتحملون، فهو صحيحٌ وفي "التتمة": أنَّه لو قتله بالدُّخَان بأن حبَسَه في البيْت، وسدَّ الباب والكوات حتى اجتمع الدخانُ، وضاق به النَفسُ، وجب عليه القصاص، وأنَّه لو رَمَى إلى شخصَيْن أو جماعةٍ، وقصد إصابةَ واحدٍ منهم أي واحدٍ كان، [فاصاب] واحدًا، ففي وجوب القصاص وجهان؛ لأنه لم يَقْصِد عينه وأن [حلمة] الرَّجُل تقطع بحلمة الرجُل، وكذا حلمة المَرْأة بحَلَمَةِ المرأة، والثدْيُ بالثدي، وفيما إذا لم يتدلَّ وجهٌ؛ لأنه لا يتميز عن لحْم الصدْر، وأن في قَطْع حلمة المرأة بحلمة الرجل وجهَيْن؛ بناءً على الخلاف في أن حلَمة الرجُل هل تكمل فيها الدية؟ وأن حَلَمَة الرجُل تُقْطَع بحلمة المرأةِ بلا خلاف، أما إذا كمَّلنا فيها الدية، فكسائر الأطراف، وأما إذا لم تَكْمُل، فلأن الناقصَ من الجنْس يُسْتوفَى بالكامل، كما تُسْتوفَى الشَّلاَّء بالصحيحة.
[ ١٠ / ٣١٢ ]