قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ في أَمْرَيْنِ: (الأَوَّلُ في المُسْتَحِقَّةِ) وَهِيَ المُعْتَدَّةُ عَنْ طَلاَقٍ بَائِنَةً كَانَتْ أَوْ رَجْعِيَّةً* وَفِي المُعْتَدَّةِ عَنِ الوَفَاةِ قَوْلاَنِ* وَفِي المُعْتَدَّةِ عَنِ الفَسْخِ طَرِيقَانِ* وَقِيل: قَوْلاَنِ * وَقِيْلَ: لاَ سُكْنَى لَهَا قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ الفَسْخ تَعَلَّقَ باختِيَارِهَا أوْ عَيْبِهَا* وَإِنْ كَانَ بِرِدَّةِ الزَّوْج فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ضمن الكلام في السكنى طرفين:
أحدهما: فيمن تستحق السكْنَى.
والثاني: فيما يتعلَّق بتوفية هذا الحَقِّ، ولكل واحدٍ من الطرفين أصولٌ ومسائلُ أُخَرُ تتعلَّق بالسكنى لا تُنْبِئ عنها الترجمتان، أما الطَّرَف الأول، فالمعتدات أنواع:
منها: المعتدة عن طلاق رجْعِيِّ أو بائن؛ لكونه على عوض، أو لاستيفاء الثلاث، فلها السكْنَى حاملًا كانت أو حائلًا، قال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [وَلَا يَخْرُجْنَ]﴾ [الآية] (١) [الطلاق: ١] وذهب أحمد إلى أنه لا سُكْنَى للبائنة، و[قد] روى أبو سليمان الخَطَّابِيُّ عنه موافقة الجمهور.
ومنْها: المعتدَّة عن الوفاة في استحقاقها السُّكْنَى قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزنيُّ: المنع؛ لأنه لا نفقة لَهَا، وإن كانت حاملًا، فلا سُكْنَى لها كالموطوءة بالشبهة، وُيرْوَى أن عليًّا -﵇- نقل ابنته أم كلثوم بعدما استشهد عمر -﵁- بسبع ليالٍ.
والثاني: تستحق، وبه قال مالك وأحمد؛ لما رُوِيَ أن فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخُدْرَيُّ قُتِلَ زوجها، فسألَتْ رسول الله -ﷺ- أن ترجع إلى أهْلِها، وقالت: إنَّ زَوْجي لم يَتْرُكْني في منْزِلٍ يملكه، فأَذِنَ لها في الرجوع، قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرة أو في المسجد دعاني، فقال: "امكثي في بَيْتِك، حتى يبلغ الكتابُ أجَلَه، قالت فاعتددتُّ فيه أربعة أشْهُرٍ وعشْرًا" ومَنْ قال بالأوَّل، قال: قوله "امكثي في بيتك" ندْبٌ لها إلى الاعتداد في ذلك البيت، والمذكرر أوَّلًا بيان أنه لا سكْنَى لها، وذَهَب كثيرٌ من الأصحاب إلى بناء القولَيْن على التردُّد في أن حديث فريعة مُنزَّلٌ على هذا التنزيل أو الأول حكم بأنه لا سكنى لها، والذي ذكره آخرًا ينسخ الأول، وربما
_________________
(١) سقط في ز.
[ ٩ / ٤٩٧ ]
أشير إلى حَمْل الأول على السهو، والثاني: على التدارك، وقد يسهو النبي -ﷺ- لكنه لا يُقرّ على الخطأ، والأصحُّ من القولَيْن، على ما ذكره منصور التميمي في "المستعمل"، وصاحب الكتاب في "الخلاصة": أنه لا سكنى لها ومقابله عند الشيخ أبي حامد والعراقيين، وتابعهم القاضي الروياني وغيره.
ومنها: المعتدَّة عن النكاح بما سوى الطلاق من أسباب الفراق في الحياة، كالتي فُسِخَ نكاحها بالردة أو الإِسلام أو الرضاع، ففيها طرق:
أحدها: إطلاق قولَيْن في استحقاقها السكنى، كما في عدة الوفاة، في قول: تستحق؛ كالمطلقة؛ تحصينًا للماء.
وفي قول: لا تستحق؛ لان إيجاب السُّكنَى بعْد زوال لنكاح؛ كالمستبعد؛ ولذلك لم تجِبِ النفقة، ونص السكنى إنما ورد في المطلَّقة، فيبقى حُكْم غيرها على الأصلْ.
والثاني: إن كان لها مَدْخَلٌ في ارتفاع النِّكاح، بأن فسخت بخيار العِتْق أو بعيب (١) الزوج أو فسخ هو بعيبها، فلا سُكْنى لها قَطعًا، وإن لم يكن لها مدْخَل في ارتفاع النكاح، كما إذا انفسخ بإسلام الزوْج أو ردَّته أو الرِّضاع من الأجنبي، ففي استحقاقها السكْنَى القولان، وهذان الطريقان هما المذكوران في الكتاب (٢) والثالث: في تعليقه إبراهيم المروروذي التفصيل المذكور في الطريق الثاني مع القطع باستحقاق السُّكْنَى في القِسْم الأوَّل.
والرابع: في "التهذيب": أن الفُرْقة، إن كانت بالعيب أو الغرور، فلا سُكْنَى لها، وإن كانت بسبب رضاع أو صهرية، أو خيار عِتْقٍ وجهان:
أحدهما: أن الجَوَاب كذلك.
والمذهب أنها كالمُطَلَّقة، وفُرِّق بأن الفُرْقة بالرَّضَاع والصهرية وخيار العتق لم تكُنْ بسبب موجودٍ يوْمَ العَقْد، ولا [بسبب] يستند إليه الفسخ، فيجعل مفسوخًا مِنْ أصْله بدليلِ وجوبِ المسمَّى، وفي العيب، والغرور كانت بسبب في العقد، ولذلك يُوجَب مَهْر المِثْل، هَذا لفْظُه في الفرق، قال: والملاعنة كالمُطلَّقة ثلاثًا.
والخامس: القطْع بأنها تستَحِقُّ السكنى؛ لأنَّها معتدَّةٌ عن (٣) فراق النكاح في حياة الزوج، فأشبهت المُطلَّقة قال في "التتمة": وهذا هو المذهب (٤)، وقد يؤيد ذلك بأن
_________________
(١) في ز: تغيب
(٢) في ز: الطريق الثاني.
(٣) في أ: من.
(٤) قال الشيخ البلقيني ما نقله عن المتولي هنا يخالف ما قاله إنه المذهب، وبه قطع الجمهور في =
[ ٩ / ٤٩٨ ]
الفسخ كالطَّلاق في إيجاب العدة، فكذلك في كيفيتها وحُقُوقها، ولذلك قلْنا: إن الأشبه التسويةُ بينهما في الإحْدَاد.
ومنْهَا: المعتدة عن الوطء بالشبهة، وعن النكاح الفاسد، وأم الولد، إذا أعتقها سيدها لا سُكْنَى لهن؛ لأن أسباب التربُّص فيهنَّ لا تتأكَّد حُرْمَتُها، فلا تُلْحق بالنكاح الصَّحيح، وأيضًا، فإنه لا سُكْنَى لها في النكاح الفاسد، فكذلك في التربُّص الذي هو من آثاره، بخلاف النكاح الصحيح؛ هذا هو الكلام لِمَنْ تستحق السكْنَى، ومن لا تستحق، وأما القول في النفقة والكسوة فمؤخَّر إلى كتاب النفقات.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَنْ لاَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي النِّكَاحِ فَلاَ سُكْنَى لَهَا كَالصَّغِيرَةِ وَالأَمَةِ عَلَى وَجْهٍ وَالنَّاشِزَةِ* وَفِي وُجُوبِ لُزُوم المَسْكَنِ عَلَى الأَمَةِ إِذَا كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الَّذِي عَيَّنَ المَسْكَنَ وَقُلْنَا: لَيْسَ لِلزَّوْجِ ذَلِكَ تَرَدُّدٌ* وَالظَّاهِرُ أنَّهُ لاَ يَجِبُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور:
إحداها: الصغيرة الَّتي لا تحتمل الجِمَاعَ، هل تستحق السكنى؟ يُبْنَى ذلك عَلَى أنه هل تستحق النفقة في النكاح؟ وفيه خلافٌ يُذْكر في موضعه، فإن استحقت النفقة في النكاح، استحقت السُّكْنَى في العدَّة، وإلا، فلا.
الثانية: الأمة المزوَّجة قد مَرَّ أنَّه ليس على السيِّد أن يسلمها ليلًا ونهارًا بل [له أن] (١) يستخدمها نهارًا، وكذلك الحال في زَمَان العدة، فإن سلَّمها ليلًا ونَهَارًا ورفع اليد عنها، فلها السكنى، كما تستحق النفقة، والحالة هذه، في صُلْب النكاح، وإن كان يستخدمها نَهارًا، فيبنى استحقاق السُّكْنَى في العدة على النفقة في صُلْب النكاح إن استحقتها [استحقت] (٢) السكنى، وإلا، فلا، ولكن للزوج أن يسكنها حالة فراغها من خدْمة السَّيِّد؛ ليْحْصنها. هذا ما ذكره الأصحاب، وزاد الإِمام: فبنى استحقاقها السكْنَى على أنَّه هل يجب عليها ملازمة المسكن في العدة؟ وبنَى وجوب الملازمة على أنها في صُلْب النكاح تكون في المسكن الذي يعينه الزوج أم للسيد أن يُبَوِّئ لها بيتًا، وفيه خلاف، فإن قلْنا: تكون في المسكن الذي عيَّنه الزوج، فعليها ملازمة المسكن، وإلا، فإذا طلَّقها، وهي في البيت الذي عينه السيد، ففي وجوب ملازمته وجهان:
_________________
(١) = باب مثبتات الخيار في النكاح حيث قال: لا تجب السكنى، ونقل هناك عن ابن سلمة طريقة في العيب لم يذكرها هنا وهو أنه إن كان بعيب حادث وجبت وإلا فلا، ثم قال وإذا لم توجب السكنى فأراد أن يسكنها لما به فله ذلك، وعليها الموافقة. قاله أبو الفرج السرخسي. انتهى.
(٢) سقط في ز.
(٣) سقط في ز.
[ ٩ / ٤٩٩ ]
وجه الوجوب: أنه المسكن الذي تراضَوْا به، وكانت في صُلْب النكاح فيه.
وأظهرهما: المنع؛ لأن العدة فرْع النكاح، وأثره، فإذا لم تستحق إسكانها في صُلْب النكاح لم يستحقَّه في العدة.
الثالثة: إذا طلَّقها، وهي ناشزة، لم تستحق السكنى في العدة؛ لأنَّها لا تَسْتحِقُّ النفقة والسكنى في صلْب النكاح؛ لتعدِّيها؛ فَلأَنْ لا تستحق بَعْدَ البينونة كان أوْلَى. هكذا حكي عن القاضي حُسَيْن، وزاد صاحب "التتمة" فقال: وكذا لو نَشَزَتْ في العدة، تسقط سكناها، ولو عادت إلى الطاعة، عاد حق السكنى، قال الإِمام: إذا طُلِّقت في مسْكن النكاح، فعليها ملازمة المَسْكن؛ لِحَقِّ الشرع، فإذا أطاعت، [فتستحق السكنى، فيتجه] أن يقال: لا يلزمه مؤنة السكنى، وعبَّر بعضهم عن كلام الإِمام -﵀- بأنها إن نَشَزت على الزوج، وهي في بيته، فلها السكنى في العدَّة، وإن خرجت من بيته، واستعصت عليه مطلقًا، فلا سكنى لها، ويجوز أن يُعْلَم لهذا قوله في الكتاب "والنَّاشِزَةِ" لأنه مُطْلَق موافق لما حكي عن القاضي.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإنَّمَا يَجبُ مُلاَزَمَةُ مَسْكَنِ النِّكَاحِ* فَلَوْ طُلِّقَتْ بَعْدَ الاِنْتِقَالِ لاَزَمَتِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ* فَإنْ أَذِنَ في الاِنْتِقَالِ وَطَلَّقَهَا فِي الطَّرَيقِ فَالمَسْكَنُ هُوَ الأَوَّلُ عَلَى وجْهٍ* وَالثَّانِي عَلَى وَجْهٍ* وَالعِبْرَةُ في الاِنْتِقَالِ بِالبَدَنِ لاَ بِالأَمْتِعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من استحقت السكنى من المعتدات، تَسْكن في المسكن الذي كانت فيه عنْد الفراق، إلا أن يَمْنع منه مانع، على ما سيأتي (١)، فلَيْس للزوج ولا أهْلِه إخراجُها منْه، ولا لها أن تخْرُج؛ على ما ورد به الخبر، فلو اتفق الزوجان على أن تنتقل إلَى مسكن آخر منْ غير حاجة، لم يَجُزْ، وكان للحاكم المَنْع؛ لأن في العدة حقَّ الله تعالى، وقدْ وجَب في ذلك المَسْكَنُ، فكما لا يجوز إبطال أصل العدة، باتفاقهما لا يجوز إبْطال صفاته وتوابعه، وليس كما في صُلْب النِّكَاح يسكنان، وينتقلان كيف شاءا لأن هناك الحقَّ لهما على الخُلُوص، ولو تركا المكث والاستقرار، وأداما على السيْر والسفر، جاز، وهاهنا بخلافه.
إذا عَرَفْتَ ذلك، فلو انتقلت مِنْ مَسْكن إلى مسكنٍ بغير إذن الزوج، ثم طلَّقها أو
_________________
(١) هذا في المطلقة البائن، أما المطلقة الرجعية فإن سكناها حيث يختار الزوج في موضع يليق بها، نبه على ذلك جماعة من المتأخرين تبعًا ونقله في المهمات عن الحاوي والمهذب وغيرهما من العراقيين كما نقله ابن الرفعة نعم في النهاية أنه يتعين عليها ملازمة المسكن. انتهى. قال في الخادم: والصواب ما قاله الإِمام فقد نص عليه الشَّافعي في الأم موضعين صريحًا وفي المختصر إشارة، وقد حكى النصوص ابن الرفعة في المطلب إلى آخر ما ذكره.
[ ٩ / ٥٠٠ ]
مات عنها، فعليها أن تعود إلى الأَوَّل، وتعتد فيه، ولو أذِنَ لها بعْد الانتقال في أن تقيم، فيه، كان كما لو انتقلت بالإذْن، وإذا انتقلَتْ بالإذن، ثم طَلَّق أو مات، فتَعْتَدُّ في المنْتَقَل إليه؛ لأنه المسْكِن عند الفراق، وإن خرَجَتْ مِنَ المَسْكن الأول، ولم تصل إلى الثاني، فطَلَّقها في الطريق، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدُها: أنها تعتد في المسْكَن الأوَّل؛ لأنَّها لم تحْصُل في مسكن آخر قبْل الفراق.
وأصحَّهما، ويحكى عن نصِّه -﵁- في "الأم" وبه قال أبو إسحاق: أنها تعتد في المسكن الثاني؛ لأنَّها مأمورةٌ بالمقام فيه ممنوعةٌ من غيره.
والثالث: تتخيَّر بينهما؛ لأنَّها غير مستقرةٌ في واحد منهما، ولها تعلُّق بكل واحدٍ منهما، وفي "البحر" بدل الوجه الأول وجه آخر؛ وهو أن يعتبر القُرْب، فإن كانت إلى المسكن الأول أقرب. [عادت إلَيْه، واعتدت فيه، وإن كانت إلى الثاني أقرْب،] مضَتْ إليه، والاعتبار في الانتقال بالبَدَن لا بالأمتعة والخدم حتَّى لو كانت قد انتقلت إلى المسكن الثاني بنفسها، ولم تنْقل الرحلُ [و] الأمتعة، فمسكنها الثاني، ولو نقلت الأمتعة، ولم تنتقل هي، فالمسكن الأول كما أن حاضر المسجد الحرام مَنْ هو بمكة لا مَنْ رحله، وأمتعته بمكة، وعند أبي حنيفة: الاعتبار بالأمتعة لا بالبدن، والحكم على العَكْس، ولو أَذِنَ لها في الانتقال إلى المَسْكن الثاني، فانتقلت، ثم عادت إلى الأوَّل؛ لنقل متاع وغيره، وطلَّقَها، فالمسكن الثاني فتعتد فيه وهو كما لو خرجت عن المسكن لحاجة، فطلقها، وهي خارجة، قال الإِمام -﵀-: وهذا إذا كانَتْ قد دخَلَتِ الثاني دُخُولَ قَرَارٍ، فأما إذا لم تدْخُلْه على قَصْد القرار، بل كانت تتردَّد بينهما، وتنقل أمتعتها، فإن طلَّقها، وهي في المسكن الثاني، فتعتد فيه، وإن طلَّقها، وهي في الأول، ففيه احتمالان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي سَفَرٍ وَطَلَّقَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ عُمْرَانِ البَلَدِ فَلَهَا الانْصِرَافُ* وَلَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَيْلاَ يُبْطِلَ عَلَيْهَا أُهْبَةَ السَّفَرِ* وَإِنْ كَانَ في الطَّرِيقِ لَمْ يَلْزَمْهَا (وح) الانْصِرَافُ وَكَانَ لَهَا إِتْمَامُ حَاجَتِهَا، وَيجِبُ الرُّجُوعُ اِلَى المَسْكَنِ بَعْدَهُ لِبَقِيَّةِ المُدَّةِ* وَإِنِ انْقَضَتِ المُدَّةُ فَلاَ يَجِبُ* وَإِنْ كَانَ سَفَرَ نُزْهَةٍ وَأَذِنَ الزَّوْجُ مُدَّة فَفِي جَوَازِ اسْتِيفَاءِ المُدَّةِ قَوْلاَنِ* وَكَذَلِكَ في وُجُوبِ الاِنْصِرَافِ عَنِ الطَّرِيقِ* وَفِي وُجُوبِ ترْكِ الاِعتكاف المَأْذُونِ فِيهِ خِلاَفٌ* وَلَوْ خَرَجَتْ مَعَ الزَّوْجِ فَطَلَّقَهَا وَجَبَ عَليْهَا الاِنْصِرَافُ إِذْ لَيْسَ يُبْطلُ أهْبَتَهَا إِذَا خَرَجَتْ بِأُهْبَةِ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو أذِنَ لها في الانتقال إلى بَلَدٍ آخر، ثم طلَّقها أو مات عنْها،
[ ٩ / ٥٠١ ]
فالحُكْم كما ذكرنا فيما لو أذن في الانتقال من مَسْكن إلى مَسْكن، فإن وُجِدَ سببُ الفراق بغد الانتقال إلى البلد الآخر، اعتدَّتْ في المنتقل إلَيْه، وإن وُجِدَ قبْل مفارقة عمْران البلد المنتقل عنه، لم تخرج بل تَعُود إلى المَسْكن، وتعتد فيه وإن كان في الطريق، فعَلَى الخلاف، وإن أذن في غير سفر النَّقْلة، نُظِر؛ إن تعلَّق بغرض مهمٍّ، كالتجازة أو حج وعمرة والاستحلال عن مظلمة ونحوها، ثم وُجِدَ سببُ الفراق، فيُنظر؛ إن حدث قبل أن تخرج من المسكن، فلا خلاف أنها لا تخرج بل تعْتد هناك، وإن خرجت منْه على قصْد السَّفَر ولم تفارق بعد عمران البلد، فوجهان:
أحدهما: وهو ظاهرُ النَّصِّ، واختيار الاصطخريِّ عن ابن أبي هريرة: أنه يلزمها الانصراف والاعتداد في المسكن؛ لأنَّها لم تشْرَع في السفر بعْد، فأشبه ما إذا لم تخرج من المنزل.
[والثاني: تتخير بين العود والمضى في السفر لأن عليها ضرر في إبطال سفرها وفوات غرضها] وحكي وجهٌ غريبٌ فارقٌ بين أن يكُون السفر سَفَر الحج، فلا يلزمها الانصراف وبين أن يكون غيره، فيلزم، وإنْ وُجِد سبَبُ الفراق في الطَّريق، فلا يجب الانصراف بل تتخير بين أن تمضِيَ، وهي معتدة في سيرها [وبين أن تعود] وذلك؛ لأن قطْع السفر مشقَّة ظاهرة بلحوق التعب من غير الوصول إلى المقصد وبالانقطاع عن الرُّفْقَة وغيرهما، وعن رواية ابن أبي هريرة وجهٌ ضعيف: أنه إن حدث قبل أن تقطع مسافة يوم وليلة، يلزمُها الانصراف، وإن استقر السفر، بقطع هذه المسافة لم يلزم وتخيرت، وعن أبي حنيفة -﵀- أنه إذا طلَّقها أو مات عنْها وبيْنها وبيْن المسْكن ثلاثة أيام، لزمها المضيُّ إليه والاعتداد فيه، وإن كان بيْنهما مسيرة ثلاثة أيام، فإن كان ذلك الموضع موضِعَ إقامة، فتقيم فيه، وتعتدُّ [و] (١) إلا فلها المضيُّ إلى المقصد، ويجوز أن يُعْلَم؛ لذلك قوله في الكتاب: "وإن كان في الطريق، لم يلزمْها الانصراف" بالحاء والواو، وإذا خيَّرناها، فإن اختارت العَوْد إلى المسكن والاعتداد به، فذاك، وفي تعليق الشيخ أبي حامد أنه الأوْلَى، وإن اختارت المضيَّ إلى المقصد، فمضت إليه أو حدث سبَبُ الفراق بعْدما دخَلَتِ المقصد، فلها أن تقيم إلى قضَاء حاجتها، فإن زادَتْ إقامتها على مدة إقامة المسافرين، فإن قضَت الحاجة قبْل تمام هذه المدة المذكورة، ففي "التهذيب" و"الوسيط" وغيرهما: أن لَهَا أن تقيم إلى تَمَام مُدَّة المسافرين (٢)، وهذا
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) وحكى الروياني هذا عن بعضهم ثم غلط قائله وقال: نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غير. قال النووي من زيادته: الأصح أنه لا يجوز أن يقيم بعد قضاء الحاجة وبه قطع صاحب المهذب والجرجاني والرافعي في المحرر وآخرون نوزع الشيخ في ذلك، أما المهذب فإنه أطلق أنها لا =
[ ٩ / ٥٠٢ ]
حكاه (١) القاضي الرويانيُّ عن بعضهم، وغلط قائله، وقال: نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غَيْر، وإن كان الزوج أَذِنَ لها في سفر النزهة، وبلغت المقصد، ثم حدث ما يوجب العدة، فإن لم يقدر مدة، لم تقم أكثر من مدة المسافرين، وإن قدر لها مدة، فهل الحُكْم كذلك أم لها استيفاء تلْك المدَّة؟ فيه قولان:
أحدهما: أن الحُكْم كذلك؛ لأنَّها ليْسَتْ منتقلة إلَيْه، وقد بَطَل حكْم إذنه بزوال ملكه عنها.
وأصحُّهما، وهو اختيار المزنيُّ: أن لها استيفاءَ تلْك المدَّة [منه،] (٢) كما يجوز في سفر الحاجة الإقامةُ إلى قضاء الحاجَة؛ للإذن فيه، وكما أنَّه إذا أذِنَ في سفَر النقلة تقيم وتعتد هناك، ولا يقال: زال (٣) الإذن بزوال الملك، وأجْرى القولان فيما إذا قَدَّر مدة في سفر الحاجة زائدةً على قدْر الحاجة، فإن المكْث الزائد على قَدْر الحاجة كسفر النزهة، فعلى قول: يجب الانصرافُ إذا قضَتِ الحاجة، وعلى قول: تجوز الإقامة إلى تمام المدة المقدَّرة، ويجريان فيما إذا أمَرَها بالانتقال إلى مسكن آخر في البلدة مدة قدَّرها، ثم طلقها، أو مات. كذلك حكاه الرويانيُّ عن نصه في "الأم"، وفي "البسيط" و"الوسيط": أن الطلاق يُبْطِل تلك المدَّة، ولم يجعله على الخلاف، وقد يفرق بينهما بأن الضرر فيه لا يُضَاهي ضَرَر قطْع السفر، ويجريان فيما إذا أذن لامرأته في الاعتكاف
_________________
(١) = تقيم إلا بعد قضاء الحاجة والظاهر أن مراده ما إذا قضتها بعد الثلاث وصرح العراقي في شرحه وصاحب الاستقصاء بان لها استيفاء الثلاث ولم يقولا إن كلامه يقتضي خلاف ذلك وهو الذي فهمه صاحب البيان أيضًا فقال وإن كان سفرها الزيارة أو النزهة ولم يقدر لها مدة فلها أن تقيم ثلاثة أيام لا غير لأنه إنما أذن في السفر دون الإقامة وإن كان سفرها لحاجة أو تجارة، فقال الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ لها أن تقيم حتى تقضي حاجتها، وقال الشيخ أبو حامد: لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام. انتهى. وهو صريح في أن مراد صاحب المهذب ما فوق الثلاث. وأما الجرجاني فعبارة النسك ولم تعم بعد قضاء شافية وتحذيره، فإن مضت في سفرها لم تقم بعد قضاء الوطء من التجارة ولم يقم في النزهة أكثر من ثلاثة أيام. انتهى، وهو موافق للجمهور أن النسك والتجارة لا تقضيان غالبًا من دون الثلاث، والنزهة قد تحصل في يوم أو بعضه. وأما الرافعي في المحرر فإن عبارته توهم ذلك فإنه عبر بأنها تقيم لقضاء حاجتها لكن كلامه في الشرح الصغير يقتضي أن المذهب المنقول الجواز فإنه قال: فإذا قضت الحاجة فهل لها أن تقيم مدة مقام المسافرين ففي التهذيب وغيره أن لها إتمام هذه المدة، ونهم من نازع فيه فقال نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غير. انتهى. وقال في الخادم: إن هذا ظاهر نص الأم والمختصر وأطال النقل بذلك عن جماعة.
(٢) في ز: حكاية.
(٣) سقط في ز.
(٤) في أ: يبطل.
[ ٩ / ٥٠٣ ]
مدَّة، ولزمتها العدَّة قبل تمام المدة، هل لها إدامة الاعتكاف إلى تَمَام المدَّة، أو يلزمها الخروج، لتعتد في المَسْكن؟ فإن لم يلزمْها الخُرُوج، فخرَجَت، بَطَل اعتكافها، ولم يكن لها البناء عليْه، إذا كان منذورًا، وإن ألزمناها، فيبطل بالخروج أو يجوز البناء عليه؟ فيه خلاف مذكور في الاعتكاف، والظاهر جواز البناء، ومنْهم مَنْ يبنى الخلاَف على جواز البناء، إن جاز، فعليها الخروج، وإلا، فإبطال العبادة علَيْها كإبطال أهبة السفر، وإن حدَثَ سببُ وجوب العدَّة في سفر النزهةِ قبْل البلوغ إلى المقصد، فحيث قلْنا في سفر الحاجة: يجب الانصراف، فهاهنا أوْلَى، وإذا قلنا: لا يجب، فهاهنا وجْهان وعن القَفَّال؛ بناؤهما على القولَيْن في أنه هل يجوز استيفاء المدَّة المقدَّرة؟ إن جوَّزناه، لم يجب الانصراف من الطريق، وإلاَّ، وجب، [و] هذه الطريقة هي التي أوردها في الكتاب، ويجوز أن يُعْلَم قوله "وكذلك في وجوب الانصراف عن الطريق" بالواو؛ لأن منهم مَنْ يقطع بأنه لا يجب كما في سَفَر الحاجة، وكذلك أورده صاحب "الشامل" ثم سفر الزيارة كسفر النزهة في ظاهر النَّصِّ، ومنْهم مَنْ يُلْحقه بسفر الحاجة، ثم إذا انتهت مدة جواز الإقامة، فعليها الانصراف في الحال، إن لم تنْقَض مدة العدَّة، بتمامها؛ لتعتد بقيَّة العدَّة في المسكن، فإن كان الطريق مخوفًا أو لم تجدْ رفقة، فتعذر في التأخر، وإذا علمت أن البقيَّة تنْقَضِي في الطريق، ففي لزوم العَوْد وجهان:
أحدهما، ويُحْكى عن أبي إسحاق، واختيار القَفَّال: [المنع؛] (١) لأنَّها لا تَقْدِر على العدَّة في المسكن، والاعتدادُ وهي مقيمة، أوْلَى من الاعتداد، وهي سائرة.
وأظهرهما، وهو نصه -﵁- في "الأم": أنه يلزمها العَوْد؛ لتكون أقرب إلى المسكن، وأيضًا، فتلك الإقامة غير مأذونٍ فيها، والعَوْدُ مأذونٌ فيه، وهذا كلُّه فيما إذا أذِنَ لها في السفر، فأما إذا خرَجَت مع الزوج، ثم طلَّقها أو مات، فعَلَيها الانصراف، ولا تقيم أكثر من مدة المسافرين (٢)، إلا إذا كان الطريق مخوفًا أو لم تَجِدْ رُفْقة، وعلَّله في الكتاب بأنَّها إذا خرَجَتْ مع الزوج، خَرَجَت بأهبته، فلا يبطل عليها أهبة السفَرِ، وآخرون منْهم صاحب "التتمة": بأن سفرها كان بسفره، وقد انقطع سفَرُها بانقطاع سفَرِه أو زال سلطانه عنها، فيلزمها العَوْد إلى المسكن. هذا إذا كان سفره لغرض نفسه واستصحبها ليستمتع بها فأما إذا كان السفر لغرضها وخرج الزوج بها، فليكن الحُكْم كما ذكرنا فيما إذا أذِنَ لها، فخرجَتْ، وفي نَظْم "المختصر" ما يشعر بذلك والله أعلم.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) وصرح جماعة من المراوزة بأن لا خلاف فيه، وما جزم به الرافعي من جواز إقامة مدة السفر صرح الشيخ أبو حامد بخلافه.
[ ٩ / ٥٠٤ ]
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الإِحْرَامِ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ لَمْ تُحْرِمْ* وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحِجٍّ* وَهِيَ فِي البَلَدِ وَقَبْلَ تَأْخِيرِ الْحَجِّ فَفِي وُجُوبِ التَّأْخِيرِ تَرَدُّدٌ لِمَا في مُصَابَرَةِ الإِحْرَامِ مِنَ العُسْرِ* وَمَنْزِلُ البَدَوِيَّةِ مَسْكَنُهَا فَلاَ تُفَارِقُ إلاَّ إِذَا رَحَلُوا* فَإِنْ رَحَلَ أَهْلُهَا وَهِيَ فِي أَمْنٍ لَوْ أَقَامَتْ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ إِذ مُفَارَقَةُ الأَهْل تَعْسُرُ* وَلَوْ رَحَلَتْ مَعَهُمْ وَأَرَادَتِ المُقَامَ بِقَرْيَةٍ جَازَ بِخِلاَفِ البَلَدِيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: السفر فيه مسألتان:
إحداهما: لو أذِنَ لامرأته في الإحرام بحَجِّ أو عمرة، ثم طلَّقها قبْل الإحرام، فلا تُحْرِم، ولا تنشئ السفر بعْد لزوم العدَّة، ولو أحرمتْ، فهو كما لو أحرمَتْ بعْد الطلاق من غير تقدُّم الإذن، وحكمه: أن لا يجوز لها الخُرُوج في الحال، وإن كان الحجُّ فرضًا بل تقيم وتعتدُّ؛ لأن لزوم العدة سبق الإحرام، فإذا انقضت العدَّة، أتمت عمرتها، إن كان الإحرام بعمرة، وكذا حكْم الحج، لو بقي وقته، وإن فات، تحلَّلت بعمل عمرة، وأراقت دمًا، وقفت ولو أحرمت أوَّلًا، إما بإذن الزوج أو غير إذنه، ثم طلَّقها، فإن كانت لا تخْشَى فوات الحج، لو أقامت، اعتدت أولًا أو كان الإحرام بعمرة، فوجهان، وهو المذكور في "المهذب" أنه يلزمها أن تعتدَّ هناك أوَّلًا [و] (١) تؤخِّر الخروج لأداء النسك؛ لأنه أمكن رعايةُ الحَقَّيْن، فلا يجوز إسقاط أحدهما.
وأظهرهما، وهو الذي أورده الشيخ أبو حامد والأكثرون: تتخير بين أن تعتد أولًا وبين أن تخْرُج في الحال؛ لأداء النسك؛ لأن مصابرة الإحرام عَسِرَةٌ، وقد تزداد مشقة الانصراف من الطريق، وإن كانت (٢) تخشى فوات الحج؛ لضيق الوقْت فتخرج إلى الحج معتدةً؛ لأن الإحرام سَبَقَ وجُوب العدة؛ ولأنها إذا خرجَتْ، حَصَل الحج، وانقضت العدة، وإن أخلت صفة الوقوع في المسكن، ولو اشتغلت بالاعتداد هناك فات، أصل الحج.
وعن أبي حنيفة: أنَّها تقيم وتعتدُّ ولا تخرج للنسك بحال.
الثانية: منزل البدوِيَّة وبيتها من صوف أو شعر كمنزل الحضرية من طين وحجر، فإذا لزمتها العدَّة فيه فعليها ملازمته ثم إن كانت البدويَّة مِنْ حيٍّ نازلين على ما لا ينتقلون عنه، ولا يظعنون إِلاَّ لحاجة، فهي كالحضرية منْ كلِّ وجه، وإن كانَتْ من حيّ ينتقلون عنْه شتاءً أو صيفًا، فإن ارتحلوا جميعًا، ارتحلت معهم؛ للضرورة وإنِ ارتحل بعْضُهم، نُظِر؛ إن كان أهلها ممن لم يرتحل، وفي الذين لم يرتحلوا قوةٌ وعددٌ، فليس
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: كان.
[ ٩ / ٥٠٥ ]
لها الارتحال، وإن كان أهْلُها ممن يرتحل، وفي الباقين قوةٌ وعددٌ، فوجهان:
أحدهما: أنه ليس لها الارتحال، وتعتد هناك لتيسره (١).
وأصحهما: أنها تخيَّر بيْن أن تقيم وبيْن أن ترتحل؛ لأن مفارقة الأهل عَسِرة موحِشَةٌ، ولو هرب أهْلُها، خوفًا من عدوٍّ ولم ينتقلوا، ولم يكُنْ لها خوفٌ، لم يجز لها الارتحال، وسيعود المرتحلون عن قريب إذا أمنوا، ولو ارتحلتْ حيث يجُوز بها الارتحال، ثم أرادت المقام بقَرْية في الطريق والاعتداد فيها، جاز؛ فإنه أحسن من السَّيْر والانتقال، وأليق بحال المعتدة، وتخالِفُ البلديةُ المأذونةَ في السفر لا يجوز لها الإقامة ببعض القرى في الطريق؛ لأنَّها ساكنة متوطِّنة، والسفر طارئٌ عليها، فتعتد في الوطَن أو المقصد، وليس لأهل البادية مقْصد، ولا إقامة محقَّقة؛ [و]، (٢) لذلك لم تُوظَّفْ عليهم الجمعة.
فرْع: لو طلَّق زوجته أو مات عنها، وهْي في سفينة، فإن ركبتها مسافرةً، فحُكْم السفر ما مرَّ؛ وإن كان الرجل ملًاحًا، ولا منزل له سوى السفينة، فإن كانت السفينة كبيرةً فيها بيوتٌ متميزةُ المرافق، اعتدَّت في بيْت منها معتزلةً عن الزوج، ويسكن الزوج بيتًا آخَرَ، وكانَتْ هذه السفينةُ كدارٍ فيها حُجَرٌ مفردةُ المرافق، وإن كانت صغيرةً، نُظِر؛ إن كان معها مَحْرَمٌ لها يمكنه أن يعالج السفينة، خرج الزوج واعتدت هي فيها، وإلا، فتخرج وتعتد في أقرب المواضع إلى الشَّطِّ، فإذا (٣) تعذَّر خروجها أو خروجه، فعليها أن تتستر، وتبعد عنه بحسب الإمكان، هذا ما أورده صاحب "التهذيب" و"الشامل" وغيرهما -﵀-، وفيه إشْعَار بأنه لا يجوز لها ابخروج من السفينة، إذا أمكن الاعتِدَاد فيها، وقد نصَّ عليه ناصُّون، ونقل القاضي الرُّويانيُّ: أنها تتخيَّر بين أن تعتدَّ في السفينة وبين أن تخْرُج، فتعتد خارِجَها، فإن اختارت الاعتداد في السفينة، فحينئذ يُنْظَر في السفينة، أهِيَ كبيرةٌ أم صغيرةٌ؟ ويراعى التفصيل (٤) المذكور، وذكر فيما إذا اختارت الخروج وجهَيْن، في أنها أين تعتد؟ وأظهرهما، وبه قال الماسرجسي: أنَّها تعْتدُّ في اْقرب القُرَى إلى الشطِّ. والثاني عن أبي إسحاق: أنها تعتدُّ في أي موضع شاءت، والله أعْلَم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ فِي دَارٍ أُخْرَى فَقَالَتْ: لاَ أَنْتَقِلُ فإِنِّي انْتَقَلْتُ بالإِذْنِ فَأَنْكَرَ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ* وَإِنْ جَرَى الخِلاَفُ مَعَ الوَرَثَةِ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا إِذْ وُجُود الانْتِقَالِ يُقَوِّي جَانِبَهَا
_________________
(١) ما أطلقه هنا من منع الارتحال فيما إذا كان أهلها ممن لم يرتحل يشمل ما إذا انتقل أهل الزوج وأقام أهلها لكن الماوردي جزم في هذه الصورة بالتخيير بين النقلة مع أهل الزوج لاختلاط بيتها ببيوتهم وبين الإقامة مع أهلها لإقامتهم في مكان الطلاق، وهذا أوجه مما قاله الرافعي.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: وإذا.
(٤) في ز: الفصل.
[ ٩ / ٥٠٦ ]
* وَقِيلَ فِي المَسْأَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا خرجت الزوجة إلى غَيْر الدار المألوفة أو غير البلد المألوف، ثم طلَّقها زوْجُها، واختلفا، فقال الزوج: أذِنْتُ لك في الخروح؛ للنزعة أو بغرض كذا، فعودي إلى المنزل الأوَّل، واعتدي فيه، فقالت الزوجة: بَلْ، أذنْتَ للنقلة، وإنما أعتد في المنزل الثانيِ، فَفِي مَنْ يُصدق منْهما اختلافُ نصِّ وفي كيفيَّة النصيْن طريقان للأصحاب: أحدهما، وهو الذي أورده الشيخان صاحب "التهذيب" وإبراهيم المروروذي، وحكاه الصيدلانيُّ عن القَفَّال: أن النَّصِّ في صورة اختلاف الزوجين أن القول قوْلُها، وهو ظاهر كلامه في "المختصر" ونصَّ فيما إذا خرجَتْ بالإذن، ومات الزوج، وجرى هذا الخلاف بيْن وارثه وبينها: أن القول قول الوارث، وربَّما نسب ذلك إلى رواية المزنيِّ، في "الجامع الكبير"، واختلفوا فيهما على طريقَيْن:
أحدهما: أن في الصورتَيْن قولَيْن، بالنقل والتخريج.
وجهُ تصديقِ الزوجِ والوارثِ: أنَّ الأصل عدم الإذْن في النقلة، وأيضًا، لو جرى الخلاف في أصْل الإذْنَ في الخروج كان القوْل قوْلَ الزوجِ أو وارثِهِ، فكذلك، إذا اختلفا في كيفية الإذْن، ووجْه تصديق الزوجة أنها في الحال في المنْزِل الثاني، فالظاهر يشهد لها، وهي كشَيْء في يد إنسان يدَّعيه غيره، وخرَّج مُخَرِّجون على تقابُل الأصل، والظاهر، وقالوا: الأصْل مع الزوْج، والظاهر معها.
والثاني: تنزيلهما على حالَيْن، وهؤلاء اختلفوا على طريقَيْن:
أحدهما: أن موضع تصديقها ما إذا اتفقا على أنَّه أذِنَ في الخروج مطلقًا، وقال الزوج: أردتُّ النزهة، فقالت: بل النقلة، فيكون القول قولها؛ لأن الإذْن في الخروج إلى موضع آخر في الانتقال، وفي هذه الحالة، لو كان الاختلافُ مع الوارث، فهِيَ المصدَّقة أيضًا، وموضع تصديق الزوج أو الوارث ما إذا كان الاخْتِلافُ في اللَّفْظ، فقال الزوج قلْتُ: اخرجي للنزعة، أو قال وارثه ذلك، وقالت المرأة: بل قال: اخرجي للنقلة؛ لأن الأصل أنَّه لم يقل ذلك.
والثاني: أنه، إنّ تحوَّل الزوج معها إلى المنزل الثاني، فهي المُصدَّقة، سواءٌ جرى الخلاف مع الزوج أو وارثه، وإن انفردتْ بالتحوُّل، فالمُصدَّق الزوج أو وارثه؛ للقرينة.
والطريق الثاني في الأصل، وهو الذي أورده صاحب الكتاب، وأبو الفرج السرخسيُّ: أن النص فيما إذا كان الاختلافُ بيْن الزوجين أن القول قول الزوج، وفيما إذا كان الاختلاف بينها وبين الوارث: أن القول قولُها، واختلف ناقلو النَّصَّيْن هكذا على ثلاثة طرق:
[ ٩ / ٥٠٧ ]
أحدها: الأخْذ بهما، والفرق أن كونها في المنزل الثاني يشهد بصِدْقها، ويرجِّح جانبها على جانِب الورثة، وإن لم يترجَّح على جانِبِ الزَّوْج؛ لأن الواقعة تتعلَّق بهما، والوارث أجنبيٌّ عنها، فتكون الزوجة أعرف بما جرى.
والثاني: جعْلهما على قولَيْن نقلًا وتخريجًا.
والثالث: تنزيلهما على حالين، كما ذكرنا في الطريقة الأولى، والأولان من الطرق الثلاثة مذكوران في الكتاب، فهذان الطريقان في كيفية اختلاف النَّصِّ في المسألة، وفيها طريقة ثالثةٌ؛ وهي أنهما، إن اتفقا على جريان لفظ الانْتِقَال لغير الإقامة بأن قال: انتقلي إلى موضع كذا، أو قال اخرجي إلَيْه، وأقيمي به، وقال الزوج: ضمَمْت إليه للنُّزْهة أو شهرًا أو نحوهما، فأنكرت الزوجة هذه الضميمة، فالقول قولها؛ لأن الأصل في هذه الضميمة العَدَمُ، وإن كان المتفق عليه الإذن في الخروج لا غير، وقال الزوج: أردتُّ النزهة، وقالت: بل أردتَّ النقلة؛ فالظاهر أن القول قولُه؛ لأنه أعْرَفُ بقصْده ونيته، وفيه وجْه أو قولٌ: أن القول قولها، والإذن في الخروج مطلقًا محمولٌ على الانتقال، وإن كان الاختِلافُ مع الوارث، فإن اتفقا على جريان لفْظِ الانتقال والإقامة، فهي المصدَّقة بطريق الأوْلَى وإن لم يتفقا إلا على الإذْن في الخروج، فكذلك تُصدَّق المرأة؛ لأنهما مختلفان في إرادة الزوْج وقصْدِه، وكل منهما أجنبيّ عن ضميره ويرجح (١) جانبها بأنها شاهدت الحال؛ فكان الخطاب مهمًا، وكان أوْلَى بالتصديق، ومن قال بهذه (٢) الطريقة، حمل نص "المختصر" على ما إذا كان الخلاف بينها وبين الورثة، أو على ما إذا كان بيْن الزوجين واتَّفقَا على جرَيَان لفْظ الانتقال، وادَّعَى الزوج زيادة (٣) قيد.
ومنْهم مَنْ نسب المزنيَّ إلى السهو، والذي يميل الأصحاب على طبقاتهم إلى ترجيحه: تصْدِيقُ الزَّوْج، إذا كان الاختلاف بين الزوجين، وتصديقُها، إذا كان الاختلافُ بينها وبيْن وارثه، ويُحكَى ذلك عن أبي حنيفة، وابن سُرَيْج -رحمهما الله-، والحكم فيما إذا اتفقا على تلفظه بالانتقال كما بيَّنَّا في الطريقة الثالثة، ولم يذكر فيه خلافًا، لكن لفظ الانتقال ليس صريحًا في المعْنَى الذي يريده كسفر النقلة بل يقع موقع الذَّهَاب والسفر والخروج، فقضيَّته أن يقال: إذا ادَّعى أنه أراد به النزهة ونحوها، جاز، كما إذا ادعاها في لفظ الخُرُوج، وإن صدَّقناها في أنه لم يتلفَّظ بالزيادة التي يدعيها.
وقوله في الكتاب "ولو كانت في دار أخرى، فقالت: لا أنتقل؛ فإني انتقلْتُ
_________________
(١) في ز: يوضح.
(٢) في ز: هذه.
(٣) في أ: فيه.
[ ٩ / ٥٠٨ ]
بالإذن" المراد منه الصورة التي شرحناها، والمعنى: طلَّقها وهي في دار غير الدار المعهودة، فقال لها ارجعي إلَيْها، فقالت: لا أرجع، فإني انتقلت إلى هذه الدار، [بإذنك؛ ليكون المسكن هذه] وليس المراد ما يسبق إلى الفَهْم من ظاهره القول [قول] (١) الزوج بلا خلاف على أن الإِمام قال: يحتمل أن يجعل القولُ قوْلَها، كوجه ذُكِرَ فيما لو قال صاحب اليد: أعَرْتَني هذه الدار، وقال المالك: ما أَعَرْتُكَ، أنه يجعل القول قول صاحب اليد، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيجُوزُ لَهَا مُفَارَقَةُ المَسْكَنِ بِعُذْرٍ ظَاهِرٍ لِحَاجَةِ الطَّعَامِ أَوْ خَوْفِ المَالِ وَالنَّفْسِ وَالهِجْرَةِ وَإِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهَا* وَلاَ يَجُوزُ في طَلَب زِيَادَةٍ كَتِجَارَةٍ وَكَتَعْجيلِ حَجَّةِ الإسْلاَمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هي يجب على المرأة ملازمة السكن الذي تعتد فيه؛ فلا تَخْرج إلا لضرورة أو عذر، إن خرجت غصبًا، وقد روي عن ابن عمر (٢) -﵄- قال: "لاَ يَصْلْحُ لِلْمَرْأَةِ أنْ تَبِيتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً إِذَا كَانَتْ فِي عِدَّةِ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ إِلاَّ في بَيْتِهَا، وَللزَّوْج أنْ يمنَعَها من الخروج؛ حفظًا لمائه، ولورثته المنعُ أيضًا عند موته، وتُعْذر في الخروج في مواضع:
منها: إذا خافَتْ على نفسها أو مالها من هدم أو حربق أو غَرَق، فلها الخُرُوج، وشحتوي فيه عدة الطلاق (٣) والوفاة، وكذا لو لم تكن الدار حصينة، وكانت تخاف اللصوص، أو كانت بين قوم فسقة تخاف منْهم على نفسها، أو كانت تَتأذى من الجيران أو من الأحماءَ تَأَذِّيًا شديدًا، وكذا لو كانت تبْذُو وتستطيل بلسانها على أحمائها، يجوز إخراجها من المسكن، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] الفاحشة مفسَّرة بذلك فيما روي عن ابن عباس وغيره -﵃- وإضافة البيوت إليْهنَّ من جهة أنَّها سكناهن، وليس المراد به ملكهن، فإن البذاءة لا تسلط على إخراج المالك من ملكه، ويروى (٤) أن فاطمة بنت أبي حُبَيْش بَتَّ زوجها طلاقَها، فأمرها رسولُ الله -ﷺ- أن تَعْتَدَّ في بَيْت ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ،
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) أخرجه البيهقي (٧/ ٤٣٥).
(٣) قضيته التسوية بينهما في الجواز وأنه لا يجب، وقال الماوردي: إن خافت على نفسها إما في تلف مهجة أو إتيان فاحشة وجب عليها النقلة وأحدث بها خير التحصين نفسها وفرجها، وإن خافت على مالها من لص أو أذية جارٍ في شتم أو سفه كانت بالخيار بين المقام والنقلة ولا تجبر على أحدهما مع الأمن على النفس والفرج. انتهى.
(٤) تقدم.
[ ٩ / ٥٠٩ ]
قال سعيد بن المسيِّب: في لسانها ذراية، فاستطالت على أحمائها، ثم في "التهذيب" أنها إذا بذت على أحمائها، سقط سُكْناها، وعليها أن (١) تعتد في بيت أهلها، والذي ذكره العراقيون والقاضي الرُّويانيُّ والجمهور: أنه ينقلها الزوْج إلى مسكن آخر، ويتحرى القرب من مسكن العدَّة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في نظائره، وموضع النقل بالبذاءة ما إذا كانت الأحْماء معَها في دار واحدة تتسع لجميعهم (٢) وإن كان ضيِّقة لا تسع جميعهم، فينقل الزوج الأحماء، ويترك الدار لها، وإن كانت الأحْماء في دارٍ أخْرَى، لم تنقل المعتدة عن دارها بالبذاءة، [ونقل المتولي أنها تنقل لإيذاء الجيران كما تنقل لإيذاء الأحماء هذا إذا كانت في دار والأحماء في القرى فإنها لا تنقل للإيذاء] إذا لم تكن الداران متجاورَيْن، ولو كانت البذاءة من الأحْماء دُونَها، فينقل الأحماء دونها، ولو كانت في دار أبَوَيْها؛ لأن الزوج كان يسكن دارهما، فبذت على الأبوين أو بد الأبوان عليها، لم ينقل واحد منهم؛ لأن الشر والوحشة لا تطول بينهم، كما يكون بينها وبين الأحماء (٣)، فلو كانت أحماؤها في دار أبوَيْها أيضًا، وبذت عليهنَّ، فينقلْن دونها؛ لأنها أحقُّ بدار الأبوين.
ومنها: إذا احتاجت إلى شراء الطعام أو (٤) القُطْن أو بيع الغزل أو ما أشبه ذلك، فيُنْظَر؛ وإن كانت رجعيَّةً، فهي كالزوجات، وعليه القيام بكفياتها، ولا تخْرُج إلا بإذنه، قال في "التتمة"، وكذلك الحكم في الجارية المشتراة أو المسبية في زمان الاستبراء، وأما سائر المعتدات، فيجوز (٥) للمعتدَّة عن الوفاة أن تخرج لهذه الحاجات نَهارًا، وكذلك لها أن تخرج بالليل إلى دار بعْض الجيران؛ للغزل والحديث، لكن لا تبيتُ معهم، وتعود للنوم إلى مسكنها، روي عن (٦) مجاهد أن رجالًا استشهدوا بأُحُدٍ، فقال نساؤهم: يا رسول الله، إنا نستوحش في بيوتنا، أقبيت عند إحدانا، فأذن لهن رسول
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: لجميعهم.
(٣) في ز: حماها.
(٤) وكذلك قال القاضي الحسين وزاد المستولدة، ومقتضى الإلحاق بالرجعية الجواز عند إذن السيد وهذا لا خصوصية له بزمن الاستبراء فإنه ليس لها الخروج إلا بإذن بعد الاستبراء وقبله ويحتمل أن يكون المراد لا يجوز وإن أذن السيد وأن يريد بالمستولدة من مات عنها سيدها.
(٥) في ز: فيخفف.
(٦) أخرجه الشَّافعي عن عبد المجيد عن ابن جريج أخبرني إسماعيل بن كثير عن مجاهد به، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد نحوه، ووقع في نسخة: إسماعيل بن كثير على الصواب، وفي نسخة بين عبد الرزاق وابن جريج، محمد بن عمرو، وهو اليافعي، وروى البيهقي [٧/ ٤٣٦] عن علقمة أن نساء من همدان نعى لهن أزواجهن، فسألن ابن مسعود، فذكر نحو هذه القصة.
[ ٩ / ٥١٠ ]
الله -ﷺ- "أن يتحدَّثْن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم، تأوي كل امرأة إلى بيتها"، وحكم الموطوءة بالشبهة وفي النكاح الفاسد في عدتهما حكم المتوفَّى عنها زوجُها، قال في "التتمة": إلا أن تكون حاملًا، وقلْنا: إنها تستحق النفقة، فلا يباح لها الخروج، وفي المعتدَّة عن الطلاق البائن، وفي معناها المفسوخ نكاحُها قولان:
القديم: أنه ليس لها الخروج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وهذا قول أبي حنيفة -﵀-.
والجديد: أنها كالمعتدة عن الوفاة؛ لما روي عن جابر -﵁ (١) - قال: طُلَّقَت خَالَتِي ثلاثًا، فخرجَتْ تجذ نخلًا فنهاها رجُلٌ، فأتتْ رسول الله -ﷺ- وذكَرَتْ له، فقال: "اخرجي فجُذِّي نخلَك، لعلك أن تصدقي منْه أو تفعلي خيرًا"، قال في "التتمة": وهذا في الحائل أما الحامل، إذا قلْنا: تُعَجَّل نفقتها، فهي مكفية بها، فلا تخرج إلا لضَرُورة (٢).
ومنها: لو لزمتها العدَّة، وهي في دار الحرب فعليها أن تهاجر وتخرج إلى دار الإِسلام، ولا تقيم هنا لتعتد، قال المتولِّي: إلا أن تكون في موْضع لا تخاف على دِينها، ولا على نَفْسها، فلا تخرج حتى تعتدَّ.
ومنها: إذا وجب عليها حقٌّ احتيج إلى استيفائه، فإن أمكن استيفاؤه في مسْكنها كالدَّيْن والوديعة، فَعَل، وإن لم يمكن، واحتيج. فيه إلى الحاكم كما إذا وجب عليها الحد، أو توجه يمين في دعوى، فإن كانت برزة، أخرجت، واْقيم عليها الحد أو حلفت ثم تعود إلى المسكن، وإن كانت مخدرةً، بعث الحاكم إليها نائبًا أو يحضر بنفسه، واحتج للفَرْق بين البرزة والمخدرة بأن الغامدية (٣) لما أتت النبي -ﷺ- واعترفت بالزنا، رحَمَها بعد وضْع الحمل، وقال في قصية العسيف (٤): "وَاَغْدُ، يَا أَنيسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِن اَعْتَرَفَتْ، فَارْجُمْهَا" ولم يأمر بإحضارها، وتمام الكلام في التحذير يأتي في موضعه -إن
_________________
(١) رواه أبو داود [٢٢٩٧] وابن حبان والحاكم [٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨] وأصله في صحيح مسلم [٣/ ٣٢١] (تنبيه) خالة جابر ذكرها أبو موسى في ذيل الصحابة في المبهمات.
(٢) قيل وهذا مفروض فيما إذا حصل لها النفقة فلا تخرج بعده لأجل النفقة لكن لها الخروج لقضاء حوائجها من شراء القطن وبيع الغزل لاحتياجها إليه في غير النفقة وكذلك إذا أعطيت النفقة دراهم واحتاجت إلى الخروج لشراء الأدم بها. قال: والضابط أن الخلاف عند الحاجة وعند عدم الحاجة يجوز الخروج قطعًا وعند الضرورة يجوز قطعًا، ولم أر من جوز الخروج بلا حاجة إلا ابن المنذر. قال في الخادم.
(٣) رواه مسلم [١٦٩٥] من حديث بريدة، وسيأتي في الحدود.
(٤) تقدم.
[ ٩ / ٥١١ ]
شاء الله تعالى-. ومنها: إذا كان المسكن مستعارًا، فرجع المُعْير أو مستأجرًا، ومضت المدة، وطلبه المالك، فلابد من الخُرُوج، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: البدوية تفارق المنزل، وترْتَحل مع الحيِّ إذا ارتحلوا، وقد سَبَق ذلك، ولا تُعذَر في الخروج؛ لأغراض تُعدُّ من الزيادات دون المهمات؛ كالزيارة والعمارة واستنماء المال بالتجارة، وتعجيل حَجَّة الإسلام وأمثالها. والله أعلم.
فرْعٌ عن أبي إسحاق: زنَتِ المعتدَّة عن الوفاة، وهي بكر في عدَّتها، فعلى السلطان تقريبها، ولا تُؤَخَّر إلى انقضاء العِدَّة لا كتأخير الحد؛ لشدة الحر والبرد؛ لأنهما، يؤثِّران في الحد، ويعينان على الهلاك، والعِدَّة لا تُؤَثِّر في الحد، وعن "الحاوي" وجْه أنها لا تَغْرِب لحقِّ الزوج (١).
قَالَ الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ) وَعَلَيْهِ أَلاَّ يُخْرِجَهَا من مِلْكِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ نَفِيسًا لاَ يَلِيقُ بِحَالِهَا فَلَهُ أنْ يَنْقُلَهَا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ* وَلْيَطلُبْ مَوْضِعًا قَرِيبًا حَتَّى لاَ يَبْعُدَ اَلاِنَتِقَالُ* وَإِنْ كَانَتْ قَدْ رَضِيَتْ بِدَارٍ خَسِيسَةٍ فَلَهَا الانْتِقَالُ إِلَى أُخْرَى وَعَلَيْهِ الإِبْدَالُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفت أن مستحِقَّة السكنى من المعتدَّات لا تخرج من المسكن إلا لعُذْر، وعلى الزَّوْج أن يسكنها مسكنًا يليق بحالها، ويصلح لمثلها عنْد حصول الفراق، فإن كان مسكن النكاح كذلك، فلا تعدل عنه، وحيث قلنا بأنه تجب ملازمة مسْكن النكاح، فهو المراد، وإن أطلق الكلام إطلاقًا، فإن كان قد أسكنها في النكاح دارًا نفيسةً، هي فوق سُكْنَى مثلها، وطلَّقها، وهي فيها، فله أن لا يرضى الآن، وينقلها إلى دار كما تستحقه، ولو كانت قد رضِيَتْ بدار خسيسة، فطلقها، وهي فيها، فلها أن لا ترضى الآن، وتطلب النقل إلى ما يليق بها، وعليه الإبدال، وفي الصورتين احتمال (٢) محكيٌّ في "البسيط" عن إشارة المراوزة؛ [والمعروف للأصحاب ما سبق] وينبغي أن تطلب مسكنًا قريبًا، ولا ينقلها إلى الأبعد مع وجود الأقرب كيلا يطول ترددها، حتى لو أمكنه أن يضم حجرةً إلى الدار الخسيسة، لتصير الجملة سكْنَى مثلها، فيضم ولا يخرجها، ويشبه ذلك أن مستحِقَّ الزَّكَاة، إذا لم يوجد في بلد الوجوب، تنقل الزكاةُ إلى أقرب البلاد إليه، ثم ظاهِرُ كلام الأصحاب -﵏- أن رعاية القُرْب هكذا
_________________
(١) صرح النووي بتصحيح التعريب وقال الشيخ البلقيني: تقييده بعدة الوفاة إن كان لمدرك أنه لا يتصور عدة دون دخول إلا فيها فلا نسلم من جهة أن الدخول يفرض بالوطء في الدبر، فكان ينبغي أن نقول زنت المعتدة وهي بكر وإن كان التقييد لأمر آخر فهو تحكم، انتهى.
(٢) في ز: أحمال.
[ ٩ / ٥١٢ ]
واجبةٌ، واستبعد صاحبُ الكتاب الوجوب، وتردَّد في الاستحباب، والصورتان ملحقتان بما تقدَّم من أعذار الخروج.
وقولُهُ في الكتاب "وعليه ألا يخرجها من مِلْكه" أشار بقوله: "مِنْ مِلْكِهِ إلى أن المنزل قد يَكُون ملكًا للزوج، وقد يكون مستعارًا أو مستأجرًا، وقد تكلم فيها من بعد، لكن الحُكم المذكور، وهو أن عليه أن لا يخرجها، لا تَخْتص بالمِلْك، بل لو كان مستأجرًا، ولم تنقص مدة الإجارة، فكذلك لا يخرجها.
وقوله "إلا إذا كان نفيسًا" يقتضي حصر الإخراج فيه، ومعلوم أن له أن يخرجها بسائر الأعذار، كما سبق، وَيحْسُن أن تحمل "إلا" على "لكن". ويجعلى هذا استثناء منقطعًا، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُ مُدَاخَلَةُ الدَّارُ لِأَجْلِ الخَلْوَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ أَوِ امْرَأَةٌ يُحْتَشَمُ جَانِبُهَا* أَوْ مَعَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى* أَوْ جَارَيةٌ أَوْ مَحْرَمٌ لَهُ* وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ رَجُلاَنِ بِامْرَأَةٍ* وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ رَجُلٌ بِنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ* وَلَهُ الدُّخُولُ إِنْ كَانَتْ في حُجْرَةٍ مُنْفَرِدَةِ المَرَافِقِ وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ مَعَ مَحْرَمٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يجوز مساكنة المعتدَّة في الدَّار التي تعتدُّ فيها، ولا المداخلة لما يَقَع فيهما من الخَلْوةِ، والخَلوةُ بالمعتدة كهي بالأجنبية، فقد اشتهر عن رسولِ الله -ﷺ- قال: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ" ويستثنى موضعان؛ لفقدان المحرم فيهما:
أحدهما: أن يكون في الدار مَحْرَمٌ لها من الرجال، أو مَحْرَمٌ له من النساء (١)، أو زوجةٌ أخْرَى أو جاريةٌ، ولا بد من المَحْرَم، ومَنْ في معناه من التمييز، ولا عبرة بالمجنون والصغير الذي لا يميز، واشترط الشافعيُّ -﵁- البلوغَ، قال القاضي أبو الطيِّب: لأنَّ مَنْ لم يبْلُغ لا تكليف عليه، فلا يلزمه إنكار الفاحشة، وقال الشيخ أبو حامد: يكْفِي عنْدي حضُور المُرَاهِق والنِّسْوة الثقات، كالمحرم، وفيه وجْه آخر؛ وهو كالخلاف في أن المرأة إذا وجدت نسوةً ثقاتٍ يخْرجْن للحج، هل عليها أن تخرج مَعَهُنَّ؟ والظاهر وجوبه، وفي "البسيط" وغيره ذُكِر تردَّدٌ في أنه إذا كان في الدار أجنبيةٌ أو معتدَّة أخْرَى، هل يمنع حضورها الخَلْوة، وهو كخلاف سبَقَ في أن المرأة هل
_________________
(١) قال الشيخ البلقيني: كلامه يوهم أن محرمها من النساء لا يكفي، وليس كذلك فقد صرح بأن المرأة الواحدة الأجنبية الثقة كافية على الأصح، وحينئذ فمحرمها من النساء إذا كانت ثقة أولى بالجواز، وذكره في الخادم.
[ ٩ / ٥١٣ ]
يلزمها الخُروجُ للحج مع المرأة الواحدة، والظاهر هناك أنه لا يلزم، والجواب في "الشامل" وغيره هاهنا: أنه يكفي حضُور المرأة الواحدة، إذا كانت ثقةً، ويجوز أن يُفَرَّق بينهما بالسفر وما فيه من الأخطار، والحكاية عن الأصحاب: أنَّه لا يجوز أن يخلو رجلان بامرأة واحدة، ويجوز أن يخلُوَ رجل بامرأتين أو نسوة، إذا كنَّ ثقاتٍ، وقد يفرق في الاكتفاء بالمرأة الأجنبية دون الرجل الأجنبي بان استحياء المرأة من المرأة أكثر من استحياء الرجُل من الرجل (١) وضبطت هذه الصورة بأنه إذا كان هناك من يُحْتَشَم جانبُه أو يُخَاف بأن يَمْنَع فيما يكاد يَجُرِي، إما بنفسه وإما بالاستعانة بغيره، فيؤمن محذور الخلوة ظاهرًا، فلا يحرم؛ وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب "أو امرأة يحتشم جانبها"، وهو جواب على الاكتفاء بالمرأة الواحدة، ثم لا يخفى أن مساكنة الزوْج والمَحْرَمِ وَمنْ في معناهُ إنَّما يُفْرض فيما إذا كان في الدار ما يَفْصُل عن سكنى مثلها، فإن لمَ يكن كذلك، فعلى الزوج تخليتها للمعتدة، والانتقال عنها إلى أن تفرغ من العدة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ثم المساكنة، وإن جازت بسبب المَحْرم، فتبقى الكراهية؛ لأنه لا يُؤمَن النَّظَر.
والموضع الثاني: إذا كان في الدار حُجْرة، وقد أراد أن يَسْكُن في إحداهما، ويُسْكِنها الأخرى، فإن كانَتْ مرافق الحجْرة كالمطبخ المستراح، والبئر (٢) والمرقى إلى السطح في الدار، لم يجُزْ إلا بشرط المَحْرَم؛ لأنَّ التوارد على المرافق يُفْضِي إلى الخَلْوة، وإن كانت المرافق في الحُجْرة، جاز كالحجرتَيْن والدارَيْن المتجاورَتَيْن (٣)، وحكم السفل والعلو حُكم الدار والحجرة، ثم ذكر صاحب "التهذيب" و"التتمة" وغيرهما: أنه يُشْترط أن لا يكون ممر إحداهما على الأخرى، ويغلق ما بينهما من الباب أو يسده، وهو أحسن، ويشهد له ما ذكر الأئمة أنه لو كانت الدارُ واسعةً، ولكن لم يكن فيها إلا بيت واحدٌ، وكان الباقي صفف لم يجز أن يساكنها، وإن كان معها مَحْرمٌ؛ لأنَّها لا تتميز من السُّكُنَى بموضع، فلو قال: أبني بيني وبينها حائلًا، وكان ما يبقى لها سكنى، فله ذلك، ثم إن جَعَل باب ما يسكنه خارجًا عن مسكنها، فلا حاجة إلى المَحْرَم، وإن جعله في مسكنهلالم يجز أن يسكنه إلا بشرط المَحْرَم، أو مَنْ في معناه، ومنهم مَنْ لم يشترط ألا أن تكون ممر إحداهما في الأخرى، واكتفى بأن يكون
_________________
(١) قال في الخادم ما حكاه عن الأصحاب من عدم جواز خلوة الرجلين لا يخالف ما ذكره في كتاب الحج وكتاب الصلاة لأن الذي ذكره في الصلاة أن إمامة الرجال هو أولى من إمامة النساء وليس فيه تعرض للخلوة.
(٢) في ز: أكبر.
(٣) ما ذكره في الجواز في الصورتين واشتراط المحرم في الأولى دون الثانية مشكل جدًا، أما الأول فلأن المحرم لا يلازمها على الدوام ولا يكون معها في أوقات الحاجات.
[ ٩ / ٥١٤ ]
على الحجرة بابٌ يُغْلَق، ويشهد له ما ذكر أن البيتين من الدار الكبيرة، إذا انفرد كل واحد منهما بباب (١) يُغْلَق، يجوز أن يسكُنَ الزوجُ إحداهما، ويُسْكِنَها الآخر، كالبيتين من الخان، ووفى القاضي الرويانيّ بالقضية الأولى، فقال: لا يجوز ذلك في البيتين من الدار؛ لأنه تحْصُل الخَلْوة في المدخل والمخرج من باب الدار، وفي الخان لا تحْصُل الخَلْوة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الدَّارِ إِلاَّ أن تَكُونَ عِدَّتُهَا بِالأَشْهُرِ فَيُخَرَّجُ عَلَى بَيْعِ الدَّارِ المُكْرَاةِ لِأَنَّ آخِرَ الأَقْرَاءِ وَالْحَمْلِ مَجْهُولٌ* وَذَاتُ الأَشْهُرِ إِذَا تُوُقِّعَ طَرَيَانُ حَيْضِهَا فَفِي البَيْعِ خِلاَفٌ* فَإنْ صَحَّحْنَا فَحَاضَتْ خُرَّجَ عَلَى اخْتِلاَطِ الثَّمَارِ بِالمَبِيْعِ* وَإِنْ كَانَ المَنْزِلُ مُسْتَعَارًا أَوْ مُسْتَأْجَرًَا فعَلَى الزَّوْجِ الاِبْدَالُ عِنْدَ رُجُوعِ الْمُعِيرِ وَانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ* فَإنِ احْتَاجَ إِلَى الأُجْرَةِ وَأَفْلَسَ ضَارَبَتْ بِاُجْرَةِ مُدَّةِ الأَقْراء إنْ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةَ العَادَةِ* أَوُ الأَقَلِّ إن لَمْ تَسْتَقِمْ* وَلِلْحَمْلِ إِتْمَامُ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى الزِّيَادَةِ* وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا اسْتَقْرَضَ القَاضِيَ عَلَيْهِ* فَإِنِ اسْتَقَلَّتْ بِذَلِكَ فَفِي رُجُوعِهَا خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
إحداها: إذا كانت تعتدُّ بالأقراء أو وضع الحمل، لم يَصِحَّ بيع الدار التي تستحق سكناها، ما لم تنْقَض العدة؛ لأن مدَّة الأقراء والحَمْل مجهولةٌ، ولو كانَتْ لها عادة مستقيمة في الأقراء (٢) والحمل، فلا يبْعُد تغيُّر العادة، فهو كما لو باع دارًا، واستثنى منفعتها مدَّة مجهولة، وإن كانَتْ تعتدُّ بالأشهر، ففي البيع طريقان:
أشهرهما، وهو المذكور في الكتاب وفي "التهذيب" واختاره السرخسيُّ: أنه على القولَيْن في بيع الدار المكراة؛ لتعلُّق حق الغير بالمنفعة مدةً معلومةً.
والثاني: القطْع بالمنع، وبه قال صاحب "الإفصاح" والفرق أن منفعة الدار المكراة للمستأجر؛ ألا ترى أنه لو مَاتَ، كانت لورثته، والمعتدَّة لا تملك منفعة الدار؛ ألا ترى أنه لو ماتَتْ كانت الدار بمنافعها للزوج، فإذا بَاعَها، كان كمن باع دارًا، واستثنى منفعتها لنفسه مدةً معلومةً، والظاهر فيه البطلان، هذا إذا لم يتوقع أن يطرأ الحيض في الأشهر؛ بأن كانت المرأة آيسةً أو صغيرةً، لم تبْلُغ سنَّ احتمال الحيض، أما إذا توقع بأن كانت بنْت تسع فصاعدًا، فإن قلنا: لا يجوز البيعُ هناك، فهاهنا أوْلَى، وإن جوَّزنا هناك، فهاهنا وجهان:
_________________
(١) في ز: بيان.
(٢) قال ابن الرفعة: وهذا ظاهر في الحمل، أما في الأقراء ففيه نظر لأن العادة فيها تدوم وإن اضطربت بزيادة أو نقص.
[ ٩ / ٥١٥ ]
أحدهما: لا يجوز، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأنَّها قد تَحِيضُ فتصير مدة الاستحقاق مجهولةً، والظاهر التسويةُ؛ نَظرًا إلى الحال، ولو نَظَر إلى ما يحتمل في المستقبل، لزم أن يقول إذا كانت رجعيَّة، وهي آيسة أو صغيرةٌ لا تحيض، لا يجوز بَيْع الدارِ في عدَّتها؛ لاحتمال أن يموت الزَّوْج، وتنتقل إلى عدة الوفاة، وتزيد المدة، وإذا جوَّزْنا البيع، فلو (١) طرأ الحيض، وانتقلت إلى الأقراء، فيخرَّج ذلك على اختلاف الثمار المبيعة بالثمار الجارية بعْد البيع فيما لا تَغْلِب فيه التَّلاحُق، وفيه قولان مذكوران في موضِعِهما.
والظاهر: أنه لا يَنْفَسِخ البيع، ولكن يثبت الخيار للمشتري (٢).
وقوله في الكتاب "ففي البيع خلاف" فإن قلْنا بالصحة فيما إذا لم يتوقع أن تحيض (٣)، وإلاَّ، فأصْل الخلاف لا يختص بما إذا توقع.
الثانية: إذا كان المنزل مستعارًا لزمَتْه ما لم يَرْجِع المُعير، وليس للزوج نقْلُها إلى منزل آخر، وحكي وجه أن له نقْلَها في البلد الَّذي لا يعتاد أهْلُه إعارة (٤) المنازل؛ كيلا تحتاج إلى تحمل منه، وإذا رجع فيه، قال صاحب "التتمة" وغيره: على الزوج أن يطلبه منه بأجرة، فإن امتنع أو طلب أكثر من أجرة المِثْل، فحينئذ ينقلها إلى مسْكَن آخر، وإذا نقَلَها، ثم بذل المنزل الأول مالكه (٥) ففي البذل للقاضي الرُّويانيُّ: أنه إن بذل (٦) بالإعارة، لم يلزمْ ردُّها إليه، وإن بذل بالإجارة؛ فإن كان المنقول إليه مستعارًا، وجب ردُّها إلى الأول، وإن كان مستأجرًا، فوجهان، وإن كان المنزل الذي تعتد فيه مستأجرًا، فانقضت مدة الإجارة، ولم يجدِّد المالك إجارةً، فلا بُدَّ من نقلها، وإذا احتاج إلى النقل، فالقول في تَحرِّي (٧) أقرب المواضع على ما سَبَق، وإذا كانت المرأة تسكني منزل نفْسها، ففي "المهذب" و"التهذيب": أنه يلزمها أن تعتدَّ فيه، لكن لها أن تطالِبَه بأُجْرة المسكن؛ لأن
_________________
(١) في أ: ولو.
(٢) وما أطلقه من ثبوت الخيار للمشتري لا ينبغي أن يكون على إطلاقه، والقياس تخصيصه بما إذا كانت المدة الأقراء أكثر من بقية الاعتداد بالأشهر وإلا فلا خيار له، واعلم أن هذا التخريج ذكره الإِمام من تصرفه ونازعه فيه ابن الرفعة.
(٣) في ز: يختص.
(٤) في ز: إعادة.
(٥) ما نقله عن المتولي أنه إذا رضي المعير بالأجرة لزم الزوج بذلها يقتضي أنه لا فرق بين أن يقدر على مسكن بلا أجرة أو لا، ويشبه أنه إذا قدر على مسكن مجانًا أو بإعادة أو وصية أو حدث له دار بشراء أو إرث وغيره ألا يلزم له بدل الأجرة، وكلام الوسيط يدل على أنه لا يلزمه بدل الأجرة إذا وجد دارًا لائقة مجانًا.
(٦) في ز: يدل.
(٧) في ز: يجري.
[ ٩ / ٥١٦ ]
السُّكْنَى عليه، والأوْلَى ما ذكره صاحب "الشامل" وغيره، وهو أنها إن رَضِيَتْ بالإقامة فيه بإجَارة أو إعارة، جاز، وهو الأوْلَى، وإن طلبت أن ينقلها، فلها ذلك وليس عليها بذل مسكنها بالإعارة ولا بالإجارة.
الثالثة: إذا طلَّق امرأته، وهي في منْزِلٍ مملوكٍ للزوج، ثم أفلس وحُجِر عليه، فيبقى لها حقُّ السكنى، وتتقدم به على الغرماء، وكذا لو مات، وعليه ديون، تتقدم به على الورثة؛ لأن حقَّها متعلِّق بعَيْن المسكن (١) كحق المكتري والمرتهن، وهل يجوز للحاكم أن يبيع رقبته فيه الخلاف الذي تقدَّم، ولو أفلس وحُجِر عليه أولًا ثم طلَّقها، فتضارب الغرماء بالسُّكْنى، وليس ذلك كدَيْن يَحْدُث (٢) بعد الحَجْر لا يُزَاحِمُ صاحبُهُ الغرماء؛ لأن حقَّها، وإن كان حارثًا، فهُو مستندٌ إلى سبب متقدِّم، وهو النكاح والوطء فيه، وأيضًا؛ فإنه حق ثبت لها بالطَّلاق من غير اختيارها، فأشبه ما إذا أتْلَف المُفْلِس مالًا على إنسان، فإنَّه يزاحم الغرماء، ولو طلَّقها، وليسَتْ هي في مسكن الزوج، فتضاربهم بالأجرة، سواء كان الطَّلاق قبل الحَجْر أو بعده؛ لأن حقَّها هاهنا مرسَلٌ غير متعلِّق بعين، ومتى وقَعَت الحاجة إلى المضاربة بالحِصَّة، فإن كانت ممَّن تعتد بالأشْهُر، فتضارب بأجْرة المثل لمدة ثلاثة أشهر، وإن كانت ممَّن تعتد بالأقراء أو وضع الحمل، نُظِرَ؛ إن لم تكُن لها عادةٌ في الأقراء، وفي مدَّة الحمل، فوجهان:
أشهرهما: أنه يُؤْخَذ باليقين، فتضارب بأجرة أقل مدَّة يمكن انقضاء الأقراء فيها، والحامل تُضَارب بأجرة ما بَقِيَ من أقل مدة الحَمْل، وهي ستة أشْهُر من يوم العلوق؛ لأنَّ استحقاقَ الزِّيادة مشكُوكٌ فيه.
والثاني: أنه توجد بالعادة الغالبة؛ لأن الظَّاهر كوْنُها من جُمْلة الغَالِب، فتضارب ذات الأقراء بالغالب من مدَّة الأقراء، وهي ثلاثة أشْهُر، وفي الحامل بما بقي من مدة عادَةِ الحَمْل، وهي تسعة أشهر، وهذا ما اختاره صاحب "الحاوي"، والوجهان كالقولَيْن في أن المبتدأة الَّتي لا تتميز لها ترد إلى اليقين أو [إلى] (٣) الغَالِب، وإن كانَت لها عادةٌ سابقةٌ في الأقراء أو مدَّة الحمل، فتضارب بالأُجْرة لعادتها المعْهُودة، إن كانت مستقيمةً مطَّرِدةً، وفيه وجْه: أنها لا تضارب إلا بالأَقلِّ، والظاهر الأوَّل؛ لأن الأصْل والظاهر استمرارُ عادَتِها [و] (٤) إن كانت لها عاداتٌ مختلفةٌ، فإن راعينا العادَةَ المستقيمةَ، فالنَّظَر في المُضَاربة إلى الأقلِّ من عادتها، وإلاَّ، فالنظر إلى أقل مدة الإمكان، وفرَّق الشيخ أبو حامد وغيره بيْن ما نَحْن فيه؛ حيث بنينا المفماربة على الأخْذ بالأقل أو بعَادَتِها أو
_________________
(١) في أ: السكنى.
(٢) في ز: يجرب.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
[ ٩ / ٥١٧ ]
بغالب عادَاتِ النِّساء، ولم نَبْنِ الأمر في بيْع المَسْكن على ذلك، بل قطَعْنا بالبطلان، إذا كانَتْ تعْتدُّ بالأقراء أو بِوَضْع الحمل، بأنا وإن أخَذْنا بالظاهر، فاحتمال الزيادة والنُّقْصان قائمٌ، وذلك يطرق الجهل إلى المبيع؛ إذْ (١) لا يَدْرِي. المشتري متى يستحق المنفعة، والجهالةُ تمنع صحَّة البيع، وهاهنا الجهالةُ تقع في [صحة] (٢) القسمة، فلا تدري أن ما أخَذَه، كلُّ واحد هو قَدْرُ حِصَّته أم لا، وأنها لا تمنع صحة القسمة؛ ولذلك لو قُسِّم مال المُفْلِس بيْن غرمائه، فظَهَر غريمٌ آخرٌ، تستأنف القسمة بَلْ يرجع على كلِّ بالحصة، وإذا تضارَبَتْ بأجرةٍ مدَّة، وانقضَتِ العدَّة على وفْق تلْك المضاربة، فهَلْ يُرْجَع على المُفْلِس بالباقي (٣) من الأجرة عنْد يَسَاره؟ حكى الشيخ أبو عليٍّ -﵀- فيه طريقَيْنِ:
أحدهما: أنه علَى وجهين؛ بناء على أنَّ المرأة إذا لم تطالِبْ بالسكنى مدَّة، إما في النكاح أو فِي العِدَّة، هل تصير سكْنَى المدة الماضية دَيْنًا في ذمته؟ وهل لها مطالَبَتُه بذلك فيه خلاف نذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
وأصحُّهما: القطْع بالرجوع، كلما في الباقي من ديون الغرماء بعْد المضاربة، وليس كصورة الوجهَيْن، فإنها طلبت الكلَّ إلا أن زحْمة الدُّيون، مُنِعَت من التوفية، ولو انقضت العدَّة قَبْل تمام المُدَّة التي بُنيت عليْها المُضَاربة، رَدَّت الفضْل على الغرماء، وفي رجُوعها على الزَّوْج المفْلِس بما تقتضيه المحاصَّة للمدة التي انقضت العدَّة فيها -الطريقان، ولو امتدَّتِ العدَّة، وزادَتْ على مدة المضاربة، ففي رجوعها بحِصَّة المدةِ الزائدةِ وجْهان:
أصحُّهما: أن لها أن ترجِع بها علَى الغرماء؛ لأنَّه يتبين استحقاقُها الزيادة، فأشْبه ما إذا ظَهَر غريم آخَرُ، ولها أن تَرْجع به عَلَى المُفْلِس إذا أيسر.
والثاني: لا ترجع على الغرماء؛ لأنا قدَّزنا حقَّها بما أعطيناها مع تجويز استحقاق الزيادة، فلا (٤) يغير الحكم، وتخالف الغريم الذي ظَهَر، فإنَّا لم نشعر بحاله أصلًا، ويُنْسب هذا إلى النص وهو الذي صحَّحه القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة".
والثالث: يُفَرِّق بين الحامل والتي تعْتدُّ بالأقراء، فالحامل تَرْجِع علَيْهم بالزيادة، ولا ترجع ذات الأقراء، والفَرْق أن الحمل محسوسٌ تقُوم البينة علَيْه، والأقراء لا تُعْرف إلا مِنْ قولها، فلو مكَّنَّاها من الرجوع، لم يأمن أن تدَّعِي تباعد الحيْض؛ طلبًا للزيادة، وإن قلنا: لا ترجع على الغرماء، فهل ترجع على الزوْج المُفْلِس إذا أيسر؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم.
_________________
(١) في ز: أو.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: الباقي.
(٤) في أ: ولا يعتبر.
[ ٩ / ٥١٨ ]
والثاني: لا، وقد انفصل الأمْر بما جرى، قال الإِمام: والخِلاَفُ في أنها هل تَرْجِع على الغرماء فيما لم يصدِّقُوها أمَّا إذا صدقوها، فترجع عليهم لا مَحَالَة، قال: وفي غير صورة الإفْلاس إذا مَضَى زمان العادة، فادَّعت مزيدًا وتغيُّرًا في العَادة، فالذي يَدُلُّ عليه كلامُ الأصْحاب أنها تُصدَّق، وجهًا واحدًا، وعلى الزوج الإسكان، والفرق أنَّا، إذا قَسَّمنا المال، وبنينا المضاربة على اْقدار معْلُومة، جرى ذلك مناقصة يعسر نقضها، وهذا المعنى لاَ يتحقَّق في حقِّ الزوج، ثم أبدى فيه احتمالًا أيضًا؛ لأنَّا، لو صدَّقناها، فربما تتمادى في دعْواها إلى سن اليأس، وفيه إجْحَاف بالزوج.
وإذا ضارَبَتْ بالأُجْرة، فتستأجر بحِصَّتها المَنْزل الذي وجبت فيه العِدَّة، فإن تَعذَّر، فيجري القُرْب على ما تقدَّم، فقال ابن الصَّبَّاغ: وتسكن حيث شاءت فيما جاوز ما أَخَذَتْ أجرته. وقوله في الكتاب "فإن احتاج إلى الأُجْرة" لو كان بدله، فإن احتيج، كان أحسن أي مَسَّت الحاجة في الواقعة إلى طَلَب الأجرة، ويدخل فيها ما إذا طلَّقها، وهو محجور علَيْه، وما إذا طلَّق المحجور أو غير المحجور زوجته، وليست هي في مسْكنه، [على ما بيَّناه، وكذلك إذا ماتَ، وليست في مسْكنه]، وعليه ديْون لا تَفِي التركةُ بها، فيضارب أيضًا بالأجرة، وقوله "بأُجْرَةِ مدَّة الأقراء، إن كانت مستقيمة العادة" يعني مدة أقرائها، ويجوز إعلامه بالواو؛ للوجه الذاهب إلى أنه تُبْنَى المضارَبَةُ على أقلِّ مدة الإمكان.
وقوله "أو الأقلِّ، إنْ لم تَسْتقم" يعني الأقلَّ من عادتها، إن كانَتْ عادتها مختلفةً، ويجوز إعلامه أيضًا، وكذا إعلام قوله "تسعة أشهر".
فرْعٌ: ولو كانَتِ المطلَّقة رجعيةً أو حاملًا، فتستحق النَّفَقة مع السُّكْنَى، وتضارب الغرماء عندي إفلاس الزَّوْج بالنفقة والسُّكْنَى جميعًا، والقول في كيفية المضاربة والرجوع (١) على ما مضَى، [و] (٢) يزيد هاهنا النَّظَر إلى أن نفَقَة الحَامِل هلْ تُعَجَّل قبل الوضع، فإن قلنا: لا تُعَجَّل، فلا يدفع إليها حصة النفقة في الحال.
الرابعة: إذا كان الزوْجُ غائبًا، فطلَّقها، وهي في دار بِمِلْك أو إجَارَة، اعتدَّت فيه، فإنْ لم يكن له مسْكَن، وكان له مالٌ، فيكتري الحاكم من ماله مسكنًا، تعتدُّ فيه إن لم يجد من يتَطَوَّع به، وإن لم يكن له مالٌ، فيستقرض عليه، ويكتري به، فإذا رجع قضاه، فإن أذن لها، أن تستقرض علَيْه، أو تكتري المسكن من مالها، ففعلَتْ، جاز، وترجع وإن اكْتَرَتْ من مالها أو استقرضَتْ على قصْد الرجوع، ولم تستأذن الحاكم، نُظِر، إن قَدَرَت على الاستئذان، لم ترجع، وإن لم تَقْدِر، ولم تُشْهد، فكذلك، وإن أشْهَدت، فاصحُّ الوجْهَيْن الرُّجوع، وكلُّ ذلك على ما مَرَّ في مسألة "هرب الجمال" ونظائرها.
_________________
(١) في ز: فالرجوع.
(٢) سقط في ز.
[ ٩ / ٥١٩ ]
وإذا مضَتْ مدة العدَّة أو بعضها، ولم تَطْلُب حقَّ السكنَى، سقط، ولم يصر دينًا في الذمة، نص عليه، ونص في نفقة الزوجة: أنها لا تَسْقُط بمضي الزمان وتصير دَيْنًا، وللأصحاب فيهما طريقان:
أحدُهما: أنَّ فيهما قولين نقلًا وتخريجًا [لترددهما بين الديون ونفقة] القريب.
والثاني: المَنْع، كنفقة الأقارب.
وأظهرهما تقرير النَّصَّيْن، وفرقوا بان النفقة في مقابلة التمكين، وقد وُجِد، فلا يسقط بتَرْك الطلب والسكنى؛ لتحصين مائه على موجب نظره واحتياطه، ولم يتحقَّق، وعن القفَّال الفَرْق بأن السكْنَى؛ لكفاية الوقت، وقد مضي الوقْت، والمرأة لا تَمْلِك المسكن، وإنما تَمْلك الانتفاع به والنفقة عين تملك، وتثبت في الذمة، وذكر أن حكْم الكسوة حكم السكنى، فإن الزوج لا يملكها الثوب، وإنما يمنعها به [وفي] هذا خلاف يأْتي في النفقات -إن شاء الله تعالى-، وحكم السكنى في صلب النكاح على ما ذكرنا في العدَّة، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ أَلْزَمْنَا السُّكْنَى فِي عدَّةِ الوَفَاةِ فَهُوَ مِنَ التّرِكَةِ* فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِركَةٌ وَرَضِيَ الوَارِثُ بِمُقَامِهَا لَزِمَهَا المُلاَزَمَةُ* وَقِيلَ: إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا كَانَ الشُّغْلُ مَوْهُومًا* فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ تَعْيِينُ المَسْكَنِ عَلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا مات الزوج في خِلاَل العِدَّة، لم يَسْقط ما استحقته المبتوتة من السُّكْنَى، وفي كلام ابن الحدَّاد ما يُوهِم جعْلَه على الخلاف في أن المتوفَّى عنها زوجُها، هل تستحق السكنى؟ ولم يصحِّحه الأئمة -﵏- وإذا لم يَسْقُط، أو قلنا بوجوب السكنى في عدة الوفاة، فإن كانت في مسكن مملوكٍ للزوج، لم يقتسمه الورثة، حتى تنقضي العدَّة، كالدار الَّتِي أجرها جماعته من إنْسان، ولو أرادوا التمييز بخطوط ترسم من غير نقض وبناء، جاز، إن جعلنا القسمة إفراز حق، وإن جعلناه بيعًا، فالحكم في بيع مسكن العدَّة على ما مَرَّ، وذكر وجه أنا: إذا قلْنا القسمة إفراز حق، فلهم أن يَقْتسموا كيف شاؤوا، وإن كانت في مسكن مستأجر أو مستعار ومست الحاجة إلى الانتقال، فعلى الوارث أن يستأجر لها من التَّرِكة؛ فإن [لم] ينقل [أو] لم يكن وارث، فعلى السلطان أن يستأجر من التَّرِكة، فإن لم تَكُنْ تركه، فليس على الوارث إسكانُها، لكن لو تبرَّع به، فعليها الإجابة، وإذا لم يتبرَّع ففي "التهذيب": أنه يُستحبُّ للسلطان أن يهيئ (١) لها مسكنًا من بيت المال [لا سيَّما]، إذا كانت تُزَنُّ بربيَةٍ، ولفظ
_________________
(١) في أ: يبني.
[ ٩ / ٥٢٠ ]
الرويانيِّ في "البحر": أن السلطان لا يلزمه أن يَكْترِيَ لها إلا عنْد الريبة، فيلزم، وإن قلْنا: لا تجب السكنى في عدة الوفاة، فالمشهور أن للورثة أن يسكنوها حيْث شاؤوا، وليس لها الامتناع، وحكى صاحب الكتاب في "الوسيط" وغيره وجهَيْن فيما إذا رضي الوارث بأن تلازم مسكن النكاح:
أظهرهما: أنه تلزمها الإجابة مُطْلقًا.
والثاني: أنَّ ذلك إنَّما يلزم إذا توقع شغْل الماء بالرحم، أما إذا لم يتوقَّع، فإن لم يَكُنْ مدخولًا بها، فليس للوارث تعيين المسكن علَيْها.
وقوله في الكتاب "فإن لم تَكُنْ تركة، ورضي الوارث بمقامها، لَزِمها الملازمة" إلى آخره، ذكره تفريعًا على وجوب السُّكُنَى [في عدة الوفاة، ونقل الوجهين على القول بوجوب السكنى] (١) يكاد يكونُ مِنْ تفرُّدات الكتاب إن لم تكن سهْو؛ وذلك لأن إلاكثرين سكَتُوا عن الخلاف فيما إذا تبرع الوارث بإسْكانها، وأطْلَقوا القول بأنَّ عليها الإجابَةَ على القَوْلين، وصاحب الكتاب إنما حَكَى الوجهين في "البسيط" و"الوسيط" تفريعًا على قول عدم الوجوب، ولم يذكر خلافًا في أن للوارث أن يُسْكنها على قوْل وجوب السكنى، ولو لم يتبرَّع الوارثُ بإسكانها، ملك السلطان أن يحصنها (٢) بالإسكان احتياطًا لمن تعتد منه، وفي "البسيط" و"الوسيط": أنه ليس للسلطان أن يعين (٣) المسكن بخلاف الوارث؛ فإنه ذو حظ في صون الماء، [و] (٤) هذا خلافُ المنْصُوص والمشهور، وإذا لم يُسْكِنْها الوارث والسلطان، سكَنَتْ حيث شارت، ولو أسكنها أجنبيٌّ متبرعًا، ففي "البحر" للقاضي الرُّويانيِّ: أنه إذا لم تكن [المتبرع] ذا ريبة، كان تبرعه كتبرُّع الوارث، فعليها أن تَسْكُن حيث (٥) يسكنها، وللزوج في النكاحِ الفاسِدِ وللواطئ بالشبهة إسكانُ المعتدَّة والله أعلم.
فَرْعٌ ومسائل من باب العدَّة: إذا طَلَّق الزوْجُ الغائبُ أو مات، فالعدة من وقْت
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في أ: يخصها.
(٣) في ز: تعتبر.
(٤) سقط في ز.
(٥) قال النووي: وفي هذا نظر. والله أعلم. اعلم أن هذا الذي نقله عن الروياني سبقه إليه الماوردي في الحاوي والنظر الذي أشار إليه ضعيف، والفرق بينه وبين تبرع الأجنبي بأداء الدين أن حفظ الأنساب مطلوب فهو من ناب الحسية العامة بخلاف أداء الدين ويشهد لذلك نص الشافعي في الأم حيث قال: ولو كان المنزل لها أو لقوم فلم يخرجوها منه لم يجز أن يخرج منه حتى تنقضى عدتها فقد منع الخروج في المسكن الذي لغير الزوج، ولم ينظر للمنة في ذلك بل ألزمها المقام فيه. نعم لا يبعد تخريج خلاف من الخلاف فيما لو كان المنزل مستعارًا أن للمطلق نقلها في البلد الذى لا يعتاد أهله اعتبار المنزل على وجه ضعيف فلا يحتاج إلى تحمل المنة.
[ ٩ / ٥٢١ ]
الطلاق أو الموت، لا من وقْت بلوغ الخبر، وعن بعْض الصحابة خلافُهُ.
وفي فتاوى القفَّال: أن المعتدة بِعِدَّة الطلاق لو نكحت بعد مضيِّ قرءٍ من عدتها، ووطئها الزوج الثاني، ثم جاء الأول ووطئها بشبهة، وفرق بينها وبين الثاني، فكما فرق يشتغل بالباقي من عدة الطلاق، وهي قرءان، ويدخل فيه قرءان من عدة وطء الشبهة، ثم تعتد عن الثاني بثلاثة أقراء، ثم بقرء لما بقي من عدة الوطء بالشبهة.
وأنَّه لو مات زوج المعتدة، فقالت: قد انقضتْ عدتي قبل موته، لم يقبل قولها في: أنه لا تلزمها عدَّة الوفاة، ولا ترث بإقرارها.
وأن المعتدَّة، لو أسقطت مؤنة السُّكْنى عن الزَّوْج، لم يصحَّ الإسقاط؛ لأن السُّكْنى تجب يومًا يومًا، ولا يصح إسقاط ما لم يَجِبْ بعد.
وأن المنكوحة، إذا وطئت بالشُّبْهة، وصارت في العدَّة، فوطئها الزوج، لم يقطع وطؤه عدة الشبهة؛ لأن وطء الزوج لا يوجب العدَّة، فلا يقْطع العدَّة، كما لو وزنت المعتدَّة.
وذكر صاحب "التهذيب" في فتاويه أن التي لم تحض قط، إذا ولدت، تعتد بالأشهر، ولا يجعلُها النفاس من ذوات الأقراء بخلاف ما لو حاضت.
[ ٩ / ٥٢٢ ]