قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَتَجِبُ النَّفَقَةُ بِالعَقْدِ بِشَرْطِ عَدَمِ النُّشُوزِ، وَعَلَى قَوْلٍ تَجِبُ بِالتَّمْكِين، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَنَازَعَا فِي النُّشُوزِ فَعَلَيْهَا بَيِّنَةُ التَّمْكِينِ، وَعَلَى القَوْلِ الأَوَّلِ عَلَيْهِ بَيِّنَةُ النُّشُوزِ، وَتَسْتَحِقُّ الَّتِي لَمْ تُزَفَّ عَلَى القَوْلِ الأَوَّلِ إِذَا كَانَتْ سَاكِنَةً إِذْ لاَ نُشُوزَ، وَلاَ تَسْتَحِقُّ عَلَى الثَّاني إِذْ لاَ تَمْكِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقدِّمة الباب أنَّ النفقة تَجِبُ بالعَقْدِ أو بالتمكين.
اعلم أن الشيْءَ قد يَثْبُت في الذِّمَّة ويتأخَّر وجوب تسليمه كالدَّيْن المؤجَّل، ولا خلاف في أن وقْت وجوبِ التَّسْليم في النفقة صبيحةُ كلِّ يوم، وفي الكُسْوة أول كُلُّ صيف وشتاء على ما مَرَّ، وذلك بعد حصول التمكين.
وأما وقْت ثبوتها في الذِّمَّة فلا شك أن للنفقة تعلُّقًا بالعقد والتمكين جميعًا، فإنها لا تجب قبل العقد، ولو نشزت بعد العقد، لم تُطَالِبْ بالنفقة، واختلف القول في أنها بم تَجِبُ؟ فالقديم أنها تجب بالعَقْد، كالمَهْر، ولا تجبُ بالتمكين؛ بدليل وجوبها للمريضة والرتقاء، لكن لو نَشَزَتْ، سقَطَتِ النفقة، فالعقد مُثْبِت، والنشوزُ مُسْقِطٌ، فإذا حصل التمكين، استقر الواجب يومًا فيومًا، كالأجرة المعجَّلة، إلا أن الأجرة يَجِبُ
_________________
(١) نقل الشيخ في المهذب عن الماوردي تفصيلًا في المسألة فقال: إن أرادت بيعها بما دونها في الحال لم يجز لأن للزوج حقًا في جمالها وعليه ضرر في نقصانه ونازعه صاحب الوافي بأن صاحب الحاوي لم يضفه إلى نفسه.
[ ١٠ / ٢٦ ]
تسليمها بالعَقْد جملةً؛ للعلم بها، وجملةُ النفقة غَيْرُ معلومةٍ؛ لأن نهاية النكاح غيْر معلومة.
والجديد: أنَّها لا تجب بالعقد؛ لأن المهر يجب به، والعقد لا يوجب عوضَيْن مختلفين، ولأن النفقة مجهولة الجملة، والعَقْد لا يوجب مالًا مجهولًا وإذا لم تجب بالعقد فتجب بالتمكين يومًا فيومًا (١).
وما حال القَوْلَيْن؟ قال أبو الفرج السرخسيُّ: هما مذكوران في "الإملاء".
وقال قائلون: هما مستخْرَجَان من معانِي كلام الشافعيِّ -﵁- غير منصوص عليه، ويدل عليه شيئان:
أحدهما: أن أبا نصر بْنَ الصَّبَّاغ في آخرين: ذكروا أن القديم مأخوذٌ من تجويزه في القديم ضمانَ نفقة المدة المستقبلة، فإن الشافعيَّ -﵁- لا يُجَوِّز ضمان ما لِمِ يجب، لكن قد مر في "كتاب الضَّمان" نَقْلُ قول عن القديم: أنه يجوز ضمان ما لم يَجِبْ.
والثاني: عن صاحب "الحاوي"، ونقل اختلاف الأصحاب في تجويزه عن سبب النفقة، فالبغداديون علَّقوها بالتمكين، وجعلوا سبْق العقد شرطًا، فقالوا: تجب بالتمكين المستند إلى العَقْد، والبصريون قالوا: تجب بالعقد؛ بشرط التمكين، فَرَدَّ الأمر إلى كلام الأصحاب، وتصرُّفِهِم، ثم ذكر في الكتاب من فوائد القولَيْن صورَتيْن:
إحداهما: لو اختلفا في التمكين، فقالت المرأة: مكنَتَ وسلمت نفسي إليك [منْ] وقْت كذا، وأنكر ولا بينة، فإنْ قلْنا: إن النفقة تجب بالتمكين، فالقول قول الزوج، وعليها البيِّنة؛ لأن الأصل عدم التمكين، وهو الأصح، وإن قلْنا؛ تجب بالعقد، فالقول قولها؛ لأن الأصل استمرارُ ما وَجَبَ بالعَقْد، وهو يدَّعي السقوط، فعليه بيِّنة النشوز المُسْقِط. هذا هو المشهور، وأشار الرُّويانيُّ إلى طريقةٍ قاطعةٍ بأن القول قوْلُ الزوج.
ولو تَوَافَقَا على تسليمها نَفْسَها، وقال الزوج: قد أدَّيت نفقة المُدَّة الماضية، وأنكرتِ الزوجة، فالقول قولُها، سواءٌ كان الزوج حاضرًا عنْدها أو غائبًا، وعن مالك -﵀-: أنه إذا كان حاضرًا عنْدها، فالقول قولُهُ؛ لأن معاشرتها إياه تَدُلُّ على أخذها النفقة.
_________________
(١) مقابل الجديد ليس قديمًا محضًا ففيه قول في الجديد نص عليه في البويطي وأنه أحب القول للشافعي وقال الشيخ البلقيني: البائن الحامل من الزوج لو عقد عليها فهل يقول يستمر وجوب النفقة من غير احتياج إلى التمكين على مقتضى الجديد لأنها كانت واجبة قبل العقد أم يقول لا بد من تمكين جديد لإيجاب نفقة الزوجة سئلت عن هذه واستقر جوابي والظاهر الوجوب.
[ ١٠ / ٢٧ ]
الثانية: إذا لم يطالبها الزَّوْج بالزفاف، ولم تمتنع هي منه، ولا عَرَضَتْ نفسها علَيْه، وَمَضَتْ على ذلك مدَّة، فتجب نفقة تلك المدة، إن أوجبنا النفقة بالعَقْد لوجودِ المُوجِبِ وعَدَمِ المُسْقِط، وهو النشوز، وإن أوجبنا بالتمكين، لم تجب؛ إذْ لا تَمْكِينَ.
وقوله في الكتاب: "وتجب النفقة بالعَقْد بشرط عدم النشوز" ليس المرادُ أنَّ عدم النشوز شرطُ الوجوب، وإلا، لم يكن العَقْد موجبًا بِمُجرَّده، ولم يَسْتَمِرَّ قَوْلُنَا في الصورة الأولى: "إن الأصل استمرار ما أوجب بالعقد"، وإنما المعنى أنها تَبْقَى بشرط عدم النشوز، فالعَقْد على هذا القول مُوجِبٌ، والنشوز مُسْقِط.
وقوله: "فعلى هذا، لو تنازعا في النشوز" كذلك ذَكَرهَا هنا، وفي "الوسيط"، ولفظ الأكثرين: "لو تنازعا في التمكين" كما ذكرنا، وكذلك هو في "البسيط"، ويُشْبِه أن يكون الذي ذَكَره هاهنا مَحْمُولًا عليه، فأما إذا توافَقَا على حُصُول التمكين، واختلفا في أنَّها هل نَشَزَتْ، وخَرَجَتْ عن طاعته؟ فينبغي أن يُقْطَع بتصديقها؛ فإن الأصل عدم النشوز واستمرار الواجِب، وهكذا ذكره القاضي ابن كج -﵀- بَعْدما أجاب فيما إذا اختلفا في أصل التمكين بأن القول قوله. وحكي مع ذلك وجهًا ضعيفًا: أن القول قولها؛ لأن الأصل براءة الذِّمَّة.
وقوله في الكتاب: "إذا كانت ساكتة" يجوز أن تقرأ بالتاء أي "سَاكِتَةً" عن العرض، وطلب الزفاف، ويجوز أن تقرأ "سَاكِنَةً" بالنون أي لم يكن منها امتناع وعصيان، قال الأصحاب: وإذا سلَّمت المرأةُ نفْسَها إلى الزوج، فعليه النفقة من وقْت التسليم، ولو بعَثَتْ إليه؛ أنِّي مسلِّمةٌ نفْسي إليك، فعليه النفقة من وقت ما بَلَغَه الخبر فإن كان غائبًا، فترفع الأمر إلى الحاكم، وتُظْهِر له التسليم والطَّاعة، ليكتب إلى حاكم بلَدِ الزوج؛ ليحضره ويُعْلِمَه الحال، فإن شاء، سار إليها كما أعلمه، وتَسلَّمها، أو بعث وكيلًا فتسلمها، وجبت النفقة من وقْت التسليم (١)، فإن لم يفعل، ومضى زمانُ، إمكان الرسول إليها فرض القاضي نفقتها في ماله وجُعلَ كالمتسلِّم لها؛ لأنَّ الامتناع (٢) منْه. قال في "التتمة": ولو لم يعرف موضعه، فالحاكم يَكْتُب إلى حكام البِلاد الذي تَتَوجَّه
_________________
(١) ما جزم به فيما لو بعث وكيلًا يتسلمها أن النفقة تجب من التسليم. قال في المطلب: لا نزاع فيه، وفي الكافي: أنها لو أرسلت إليه رسولًا على أن يسلم نفقتها إليه لزمه النفقة منِ حين وصول الخبر إليه، ولعله محمول على ما إذا كان في البلد كما يدل عليه كلام التهذيب.
(٢) وما جزم به من فرض القاضي النفقة من حين إمكان وصوله هو المشهور وعليه نص في الأم في كتاب القسم والنشوز، ونسبه الماوردي للبغداديين. وقضية كلام الكافي وجوبها بالعرض على القاضي، وفي الحاوي أنه على قول البصريين تجب نفقتها من حين الشروع في التسليم أي وهو من وقت الرفع إلى القاضي.
[ ١٠ / ٢٨ ]
إلَيْها القوافل من تلْك البلدة في العادة؛ ليُطْلَب، وينادى باسمه، فإن لَمْ يَظْهَر، فَرَضَ الحاكِمُ نفَقَتَها من مَالِهِ الحاضر وأخذ منْها كَفيلًا (١) بما يُصْرَف إلَيْها؛ لأنَّه لا يُؤْمَن أن تظهر وفاته أو طَلاَقُه، ومن الأصحاب من لم يتَعرَّض للرَّفْع إلى القاضي، ولا لكتابه، وقال: تجب النفقة من حين يصل الخبر إليه، ويمضي زمان إمكان القدوم عليها وهكذا أورده صاحب "التهذيب"، ولو لم تَعْرِضِ المرأةُ نفْسَها على الزوج الحاضر أو الغائب، ولا بَعَثَت إليه فلا نَفَقَةَ لها، وإن طالت المدة، إذا فرَّعْنا على أن النفقة تجب بالتمكين.
وغَيْبَةُ الزوْج بعد التسليم، لا تُؤَثِّر ما دامت مقيمة على طاعته وإن طالت المدة، [وهذا] كله فيما إذا كانت المرأة عاقلةً بالغةً، فأما المراهِقَةُ والمجنونة، فلا اعتبار بعَرْضِها وبذلها الطاعة، وإنَّما الاعتبار في حقِّهما بعرض الوَليِّ وبذله ولَو سلَّمت المراهِقَةُ نفْسَها، وتسلَّمها الزَّوْج، وَنَقَلَها إلى دَارِهِ، وجَبَت النفقَةُ وكذا لو سَلَّمت المرأة نفْسَها إلى الزَّوْج المراهِقِ بغير إذْن الوَليِّ وجبت النفقة بخلاف تسليم المبيع إلى المراهق؛ لأن المقصود هناك أن تصير اليد للمشتري، واليد في عقد المراهق للوَلِيِّ لا لَهُ، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَوَانِعُ النَّفَقَةِ أَرْبَعَةٌ: المَانِعُ الأَوَّلُ: النُّشُوزُ وَمَنْعُ الوَطْءِ وَالاسْتِمْتَاعِ نُشُوزٌ، وَالخُرُوجُ بِغَيرِ إِذْنِهِ نُشُوزٌ، وَالخُرُوجُ فِي بَعْضِ اليَوْمِ يُسْقِطُ بَعْضَ النَّفَقَةَ عَلَى وَجْهٍ، وَجَمِيعَهَا عَلَى وَجْهٍ، وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِلرَّتْقَاءِ وَالمَرِيضَةِ وَالمَجْنُونَةِ فَإِنَّ هَذِهِ أَعْذَارٌ دَائِمَةٌ، وَتَسْقُطُ بِنُشُوزِ المَجْنُونَةِ، وَلَوْ خَرَجَتْ فِي حَاجَةِ الزَّوْجِ بِإِذْنِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ خَرَجَتْ فِي حَاجَةِ نَفْسِهَا فَقَوْلاَنِ، وَإذَا امْتَنَعَتْ عَنِ الزِّفَافِ بِغَيْرِ عُذْر فَنَاشِزَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةَ يَضُرُّ بِهَا الوَطْءُ فَمَعْذُورَةٌ، وَلاَ يؤْتَمَنُ الرَّجُلُ فِي قَوْلِهِ: لاَ أَطَؤُهَا، وَإِنْ أَنْكَرَ كَوْنَ الوَطْءِ مُضِرًّا ثَبَتَ بِقَوْلِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَهَلْ يَثْبُتُ بِقَوْلِ وَاحِدَةٍ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ نَشَزَتْ بِالخُرُوجِ عَنِ المَسْكَنِ فَنَابَ الزَّوْجُ فَعَادَتْ لَمْ تَعُدُ النَّفَقَةُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ حَتَّى يَقْضِيَ القَاضِي بِطَاعَتِهَا أَوْ يَرْجِعَ الزَّوْجُ أَوْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ اِمْكَانِ الرُّجُوعِ، وَإذَا سَقَطَ نَفَقَتُهَا بِرِدَّتِهَا عَادَتْ بِمُجَرَّد إِسْلاَمِهَا دُونَ قَضَاءِ القَاضِي عَلَى أَفْقَهِ الطَّريقَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا نفقة للزوجة الناشز لأن النفقة وجَبَت لكَوْنها معطلة المنافع؛
_________________
(١) استشكل أخذ الحاكم الكفيل فإن المذكور في باب القضاء على الغائب أنه لا يؤخذ من المدعي كفيل، وأجاب الشيخ جلال الدين البلقيني فقال: هذا لا يخالف المذكور في القضاء على الغائب من أن الأصح أنه لا يأخذ من صاحب الدين كفيلًا لأن الدين هناك ثابت، وإنما يحتمل الدافع، وأما هنا فالدين معرض للسقوط، وقضيته أن يجري في كل دين يكون كذلك كثمن مبيع ادعى به على غائب في زمن خيار شرط ونحو ذلك.
[ ١٠ / ٢٩ ]
بسبب الزَّوْج محبوسةً عنده ولهَذَا لو امتنع مِنَ الإنفاق، كان لها أن تمتنع من التمكين، فإذا نَشَزَتْ عليه، سقط ما يقابل التمكين، ولو نشزت في بَعْض النهار، فهل لها بعض النفقة؛ فيه وجْهَان يَقْرُبان من الخلاف، فيما إذا سَلَّم السيد الأَمَةَ لَيْلًا لا نهارًا:
أحدهما: أنه لا شَيْءَ لها؛ فإن نفقة اليوم لا تتبعَّض؛ ألا ترى أنَّها تُسلَّم دفعةً واحدةً، ولا تفرق غداء وعشاء.
والثاني: أنَّها توزَّع بحَسَب زمان الطَّاعة والنشوز، واستثنى عن التوزيع هكذا ما إذا اْطاعت نهارًا ونشزت ليلًا أو بالعكس، وحكم بشطر النفقة، كما مر في مسألة الأَمَةُ، ولم يُنْظَر في الليل والنهار إلى الطُّول والقِصَر، وبالوجه الثاني أجاب أبو الفرج السرخسيُّ.
ومنهم: مَنْ رجَّح الأول، وهو أوفق لما سَبَق مِنْ مسألة الأَمةَ.
ونشوز المجنونة والمراهقة كنشوز العاقلة البالغة؛ لاستواء الفعلَيْن في التفويت على الزَّوْج.
ثم فيه مسائل:
إحداها: الامتناعُ عن الوطءِ والاستمتاعِ وعن الزِّفَافِ من غير عذر نشوزٌ، فلو قالت: سَلِّم المَهْر لأسَلِّم نفسي، فإنْ جرى الدخول أو كان الصَّداق مُؤَجَّلًا، فهي ناشزة؛ إذ ليس لها حَبْس نفسَهَا، والحالة هذه، وإذا لم يجر دخولٌ، والصَّداق حَالٌّ، فلها النفقة من حينئذ. هذا هو الأظْهَر، وفيه خلافٌ مذكورٌ في الصَّدَاق، والمُؤجَّل إذا حَلَّ كالحَالِّ أو كالمُؤَجَّل، فيه خلاف، وبالثاني أجاب في "التهذيب" لأن العَقْد لم يُثبِتْ هذا الجنس، ولو كانت مريضةً أو كان بها قرح يضرها الوطء، فهي معذورة في الامتناع عن الوطء وعليه النفقة إذا كانت عنده، وكذا لو كان الرجل عَبْلًا لا يحتمله، فإن أنكر القرح المَانِعَ من الوطء، فلها إثباته بقول النسوة، وتكفي امرأةٌ واحدةٌ سُلوكًا بها مَسْلَك الأخبار، أم لا بد من أربع نسوةٍ؛ لأنها شهادةٌ مُسْقِطَةٌ لحق الزوج؟ فيه وجهان:
وبالأول، قال (١) أبو إسحاق، والأظهر: الثاني، وكذا لو أنكر الضَّررَ من جهة العبالة وكبر الآلة يُرْجَع فيه إلى النسوة، ولا بأس أن ينظرن إليها عند اجتماعهما؛ ليَشْهَدْنَ، وليس لها الامتناع من الزِّفَاف بعُذْر عبالة الزوج على ما مَرَّ في أول الصداق، ولكن لها الامتناع بعذر المرض، فإنَّه متوَقَّع الزوال.
فإن قال الزوج: لا أطؤها حتى تبرأ الألم، لم يؤتمن فيه. هكذا أطلقه في الكتاب، وقد سبق هناك في الكتاب ما يَقْتَضي إعلامه بالواو.
_________________
(١) في ز: أجاب.
[ ١٠ / ٣٠ ]
ولو قالت المرأة، لا أُمَكِّنُ إلا في بَيْتِي أو في بيت كذا أو بلد كذا، فهي ناشزة؛ لأن التمكين التامَّ لم يُوجَدْ، وهكذا لو سَلَّم البائعُ المَبِيعَ، وشَرَط أن لا ينقله إلا إلى موضع كذا.
وهَرَبُ المرأة وخروجُها من بيت الزَّوْج والسفر بغير إذْنِهِ (١) نُشوزٌ أيضًا، ويستثنى عن الخروج ما إذا أشرف المنزل على الانهدام، أو كان المنزل لغَيْرِ الزوج، فأُزْعِجت.
ولو سافرت بإذنه، فإن كان الزوج معها، أو لم يكن، وكان السفر في حاجته؛ بأن بعثها لبَعْضِ أشغاله، وجبت النفقة، وإن كانت في حاجَتِها، فظاهر نصِّه -﵁- هاهنا أنه تَجِبُ النفقة، وفي غير هذا الباب أنَّها لا تجب، وللأصحاب طريقان:
أحدهما: ويُحْكَى عن أبي إسحاق: القطع بعَدَمِ الوجوب؛ لخروجها عن قبضته، وإقبالها على شأنها، وحمل النص الأوَّل الدالُّ علىَ الوجوب على ما إذا كان الزوج مَعَها.
وأظهرهما: أن المسألة على قولَيْنِ:
أحدهما، أنَّها تجِبُ؛ لأنها سافَرَتْ بإذنه، فصار كما لو سافرت في حاجَتِهِ.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفةَ وأحمد: المنع؛ لأنها غير ممكِّنة، وقد يبنيان على أن النفقة تَجِب بالعقد أو التَّمْكِين، إن قلْنا بالعقد بشرط عدم النشوز، وجَبَتْ؛ لأنه لا نُشُوز، وإن قلْنا بالتمكين، لم تَجِبْ؛ إذ لا تمكين.
الثانية: تجبُ النَّفَقَةُ للمريضة والمجنونة والرتقاء والمُضْناة الَّتي لا تَحْتَمِل الجماع، سواءٌ حدَثَتْ هذه الأحوالُ بَعْد ما سَلَّمَتْ نفسها، وما إذا سلَّمت كذلك؛ لأنَّ هذه الأعذار دائمةٌ وهي معذورةٌ فيها، وقد سلَّمت التسليمَ المُمَكِّن، وتَمَكَّنَ من الاستمتاعِ بها من بعض الوجوه، وكذا الحُكْم في أيام الحَيْض والنِّفاس، وألحق في "التهذيب" ما إذا غُصبت المرأة بما إذا هربت لا بما إذا مَرِضَتْ، وإن كانت معذورةً؛ لخروجها من قبضته فوات الاستمتاع بالكلِّيّة.
الثالثة: لو نَشَزَتِ المرأةُ، فغاب الزوج، فعادت إلى الطاعة، كما إذا خرجَتْ عن مَسْكَنِه بغير إذنه، ثم عادَتْ، وهو غائب، فهل يعود الاستحقاق للنفقة؟ فيه وجهان، وفي "التتمة" قولان:
_________________
(١) قال الشيخ البلقيني: هذا إذا لم يكن مع زوجها والتحقيق فيه أنه إنما منعها من الخروج فخرجت ولم يقدر على ردها سقطت نفقتها وإلا فلا. انتهى. وأشار في الخادم إلى ما ذكره الشيخ من التحقيق فقال: وقال بعض المتأخرين هو محمول على ما إذا لم يمنعها الزوج من السفر بل سكت وصارت معه متمكنًا من الاستمتاع بها غير آمر بها بالرجوع مع تمكنة من رجوعها إلى آخر ما ذكره.
[ ١٠ / ٣١ ]
أحدُهما: نَعَمْ؛ لأنَّ الاستحقاق زالَ بِعَارِضٍ من الخروج، فإذا زال العارض، عاد الاستحقاق.
وأظهرهما (١): لأنها خرجَتْ عن قبضته، فلا بد من تسليم وتسلم مستأنفَيْنِ، وهما لا يَحْصُلان بمجرَّد عَوْدِها إلى مسكنه؛ فعلى هذا يرفع الأمر إلى القاضي؛ ليقضي بطاعتها، ويُخْبِر الزوج بذلك، فإذا عاد إليها أو بَعَثَ إليها وكيله، واستأنف تسليمها، عادَتِ النفقة، وإن مضى زمانُ إمكَانِ العَوْد، ولم تَعُدْ، ولا بَعَثَ وكيله، تعود النفقة، وهذا كما ذكرنا في ابتداء التسليم في غيبة الزوج، ولو عاد الزَّوْج إليها أو بَعَثَ وكيله، واستأنف التَّسْلِيم، حَصَل الاستغناء عن الرَّفْع إلى القاضي وحكمه، ولو ارتدَّتِ المرأة، وسقطت نفقتها على ما بَيَّنَّا في آخر باب "نكاح المشركات"، فغاب الزوج، وعادت في العدة إلى الإِسلام، وهو غائب، فتعود النفقة بمجرَّد الإِسلام، وإن فُرِضَ، فيه خلاف، والفرق أن نفقة المرتدة قد سقطت؛ لردتها، فإذا عادت إلى الإِسلام، ارتفع المُسْقِط، فعمل الموجب عمله، والناشِزَة سَقَطَتْ نفقتها؛ لخروجها عن يد الزوج وطاعته، فإنما تَعُود، إذا عادت إلى قَبْضَته، وذلك لا يَحْصُل في غيبته، ولو خرَجَتِ المرأة: في غيبة الزوْج إلى بيت أبيها؛ لزيارةٍ أو عيادةٍ، لا على وجه النشوز، لم تَسْقُط نفقتها، قاله في "التهذيب" (٢).
وقوله: "ولو خرجَت في حاجة الزوج" إلى قوله: "فقولان" يشمل من جهة اللفظ ما إذا كان الزَّوْج معها، وإذا لم يَكُنْ وقضيته إجراء القولين فيما إذا خَرَجَتْ في حاجة نَفْسِها، وإن كان الزَّوْج مَعَها، وكذلك رواه القاضي ابن كج عن أبي حَفْصِ ابْنِ الوَكِيلِ، والأكثرون قد فَصَّلوا كما سَبَقَ، وخصَّصوا القولَيْنِ بما إذا لم يكن الزَّوْج معها، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَانَعُ الثَّانِي: الصِّغَرُ وإذَا زُوِّجَتْ صَغِيرَةٌ مِنْ بَالِغٍ فَلَهَا النَّفَقَةُ إنْ قلنَا: تَجِبُ بِالعَقْدِ، وَإِنْ قُلْنا: تَجِبُ بِالتَّمْكِين فَلاَ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَالِغَةً مِنْ صَغِيرٍ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبانِ، وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ لِأَنَّ المَانِعَ مِنْ جَانِبِهِ، وَقِيلَ: إنْ كانَتْ جَاهِلَةً بِصِغَرِهِ اسْتَحَقَّتْ
_________________
(١) قال في الخادم: ما عزاه للتتمة من حكايته قولين فيه نظر، والذي رأيته في التتمة حكايته وجهين كما قال غيره ولم يفرض المسألة فيما إذا نشزت فغاب الزوج بل فرضها فيما إذا خرجت من المسكن بغير إذنه من غير حاجة ولعل مراده إذا انتقلت لحاجتها وقلنا تسقط نفقتها بذلك.
(٢) عبارة المنهاج: ولو خرجت في غيبته لزيارة ونحوها لم يسقط فظاهرها أن الأم وغيرها من المحارم كذلك، وعن تعليق البغوي التعبير بالأبوين قال في الخادم: الظاهر أن بيت الأب مثال. قال الأذرعي وصاحب الخادم أيضًا: إن الشيخ إبراهيم المروذي قيد ذلك بما إذا رجعت إلى بيت الزوج ليلًا وهو يقتضي أنها لو باتت خارجه سقطت وإطلاق الشيخ تبعًا لأصله يتناول ما إذا علمت عدم رضي الزوج. قال في الخادم، والظاهر السقوط.
[ ١٠ / ٣٢ ]
وَإِلاَّ فَلاَ، وَإِنْ زُوِّجَتْ صَغِيرَةٌ مِنْ صَغِيرٍ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ تَجِبَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث صور:
الأُولَى: إذا كانت المرأةُ صغيرةً، فسُلِّمَتْ إلى الزوجِ البالِغِ، أو عُرِضَتْ عليه، فقولان:
أحدهما: أنَّها تستحِقُّ النفقة؛ لأنها محبوسةٌ عليه، وفوات الاستمتاع بسَبَبٍ هي معذورة فيه، فأشبهت المريضة والرتقاء.
وأصحُّهما: المنع، وهو المنصوص عليه في الأم، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -﵏-؛ لأنَّه تعذر الاستمتاع بها؛ لمعنى فيها، فأشْبَهَت ما إذا نَشَزَتْ، وليست كالمريضة، فإن المرض يطرأ ويزول، ولا يفوت الأنس وجميع الاستمتاعات، ولا كالرتقاء؛ فإن الرتق مانعٌ دائمٌ، ولا يمكن إدامة الحَبْس عليها مع نفْي النفقة، وقد يبنى القولَيْن على أن النفقة تَجِبُ بالعَقدْ أو بالتمكين، فعَلَى الأَوَّل: تَجِبُ، وعلى الثاني: لا؛ وعلى هذا جرى في الكتاب.
الثانية: لو كانت المرأة بالغةً، والزوجُ صغيرًا، فقولان في النفقة أيضًا:
أحدهما: لا تجب؛ لأنه لا يستمتع بِهَا؛ بسبب هو معذورٌ فيه، فلا يُلْزَمُ غُرْمًا.
وأصحُّهما: وهو المنصوص في "الأم": أنها تَجِبُ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لا مَنْعَ من جهتها، والتعذُّر جاء من جهته، فصار كما لو سلَّمت نفسها إلى الزوج، فَهَرَبَ، وقد تَرتَّب القولان في هذه الصورة على القولَيْن في الأُولَى، ويقال: هي أَوْلَى بالوجوب، وكذلك فَعَل في الكتاب، وَيتولَّد من الترتيب طريقان.
أحدهما: طَرْدُ القولَيْن. والثاني: القطع بالوجوب، وقد حَكَى القطْعَ هكذا القاضي ابن كج عن أبي إسحاق وغيره، ولك أن تقول: إنه قضية القولَيْنِ في أنه تَجِبُ النفقة بالعَقْد أو بالتمكين معًا، وفي الصورة طريقة ثالثة؛ وهي القَطْع بالوجوب، إذا كانَتِ المرأةُ جاهلة بصغره وتخصيص القولَيْن، بما إذا كانت عالمة، وعن أحمد -﵀- في الصورة الثانية: [روايتان كالقولين] (١).
الثالثة: إذا كانا معًا صغيرَيْنِ، ففي النفقة قولانِ أيضًا، وقد يترتبان على القولَيْن في الصورة الثانية، وهذه أوْلَى بعَدَم الوجوب؛ لوجود المانع من الطرفَيْنِ، واختصاصه بطرف الزَّوْج هناك، وهو الأصحُّ المنصوص، وقيام المانع فيها يكْفِي لِمَنْع النفقة، وعن القَفَّال: أنه جمع بين الصور الثلاث، وقال: هل يَمْنَعُ صِغَرُ الزوجَيْنِ النفَقَةَ؟ فيه ثلاثة أقوال:
_________________
(١) في أ: قولان.
[ ١٠ / ٣٣ ]
أحدها: أن صغر كل واحد منهما يَمْنَعُ.
والثاني: لا يَمْنَعَ صِغَرُ كلِّ واحِدٍ منهما.
والثالث: يَمْنَعُ صِغَرُها، ولا يمنع صِغَرُه.
واعلم: أن التصوير فيما إذا سُلِّمت إلى الزوج، أو عرَضَتْ نفسها علَيْهِ، كما بيَّنَّا في الصورة الأُولَى، ما بيَّنه على أنه إذا لم يُوجَد تسليمٌ ولا عَرْضٌ، كان الحُكْم كما في حقِّ الكبيرة، وفي "البسيط" و"الوسيط" ما يقتضي خلافَهُ، والظاهِرُ الأَوَّل، وإذا كان الزوْجُ صغيرًا، فيكون العَرْضُ على وَلِيِّه لا عليه، وليس المراد من الصِّغَر والبُلُوغ في الصور ما يتعلَّق به التكليف وعدمه، بل يُعْنَى بالصغير من يتأتى منه الجماع، ولا يَلْتَذُّ به وبالبالغ من يَتأَتَّى [منه]، ويدخل فيه المُرَاهِقُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَانِعُ الثَّالِثُ: الْعِبَادَاتُ: وَإذَا أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ فَقَد سَافَرَتْ فِي غَرَضِ نَفْسِهَا، وَهَلْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا قَبْلَ الخُرُوجِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَقُلْنَا: لَهُ تَحْلِيلُهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَتْ مُقِيمَةً عَلَى أَشْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وإِنْ قُلْنَا: لاَ يُحَلِّلُهَا فَهِيَ نَاشِزَةٌ مِنْ وَقْتِ الإحْرَامِ، وَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِصَوْم رَمَضَانَ، وَلَهُ مَنْعُهَا عَنْ نَوَافِلِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، وَفِي الرَّوَاتِبِ وَجْهَانِ، وَصَوْمُ عَاشَورَاءَ وَعَرَفَةَ كَالرَّوَاتِبِ لاَ كَصَوْمِ الاثْنَينِ وَالخَمِيسِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِي مَنْعِهَا مِنَ الفَرْضِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، وَفِي البِدَارِ إِلَى القَضَاءِ الَّذِي هُوَ عَلَى التَّراخِي، وَلَوْ مَنَعَهَا مِنْ صَوْمِ نَذْرٍ بَعْدَ النِّكَاحِ فَإِنْ لَمْ يُحَلِّلْهَا فَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ كَمَا فِي الإِحْرَام.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مِنَ العباداتِ ما يُفَوِّت الاشتغالُ به استمتاعَ الزَّوْج، فيسْقُط النفقة، وفي تفصيله مسائل:
إحداها: إذا أحرمَتْ بحجٍّ أو عمرة، فلها حالتان:
إحداهما: أن تُحْرِم بإذنه، فإذا أحرمت، فقد سافرت في غرض نفسها، فإنْ كان الزَّوْج معَها، لم تَسْقُط نفقتها، وإلا، فقولان قدَّمْنَاهما، ولا فرق بين أن تخرج بإذنه أو لا تخرج بإذنه [إذا كان الإحرام بإذنه] (١) فلا أثر لنهيه عن الخُرُوج، وعن القَفَّال: أنه إذا نهاها، فخَرَجَتْ، سقَطَتِ النفقة قطْعًا، وأما قبل الخروج، فوجهان:
أحدهما: أنَّه لا نفقةَ لها؛ لفوات الاستمتاع.
_________________
(١) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٣٤ ]
وأظهرهما: وقطع به قاطعون: أنها تَجِب؛ لأنها في قَبْضَته، والفوات جاء من سَبَبِ مأذونِ فيه، ومَنْ قال بالأول، فلا بد من أن يَطْرُدَه فيما إذا خَرَج معها.
الحالة الثانية: إذا أحرمَتْ بغير إذنه، فيبنى عَلَى أنه هلْ للزوج تَحْليلها؟ وقد ذكرنا في الحَجِّ أن له أن يُحَلِّلها في حج التَّطَوُّع، وكذا في حَجِّ الفرض على أصح القولَيْن، فإن جوَّزْنا [له] التحليل، فلمْ يَحَلِّلها، فلها النفقة ما لم تخْرُجْ؛ لأنها تحْت يده، وهو قادِرٌ على التحْليل والاستمتاع، وإذا لم يَفْعَلْ، فهو المفوِّت على نفسه، وفيه وجْه: أنها لا تستحِقُّ؛ لأنها ناشزة بالإحرام، والناشزة لا تَسْتَحِقُّ النفَقَة، وإن قدر الزَّوْج على ردِّها إلى الطاعة قهْرًا، والظاهر الأول، فإذا خرَجَتْ بغير إذْنه، فلا نفقة لها، فإن خَرَج معها، فعلَى ما تقدَّم، وإن أذن لها في الخروج، فليكن كما لو أنشأت سفَرًا بإذنه، وإن قلْنا: ليس له التحليل، فهي ناشزةٌ من وقت الإحرام، مانعةٌ من الاستمتاع، وفيه وجه: أنَّ لها النفَقَةَ ما دَامَتْ مقيمةً؛ لأنها في قبضته، وقد خرج الأمر من يدها بعد الإحرام، بخلاف النُّشُوز الذي تَقْدِر على تركه، وشُبِّهَ ذلك بالخلاف فيما إذا رمى نفسه من شاهق، وتَعذَّر عليه القيام، هل يلزمه القضاء؟ وحكى وجه آخر أو قول مُطْلِقٌ: أن الإحرام لا يؤثِّر في النفقة؛ لأنها تَسْقُط، فرضًا عن نفسها.
الثانية: الصوم أنواعٌ منها صوْمُ رمضان، فلا تُمْنَعَ منه، ولا تَسْقُط به النفقة بحالٍ؛ لوجوبه [على الفور شرعًا] (١) وقد يُراوِدُها [الزوج]، إذا كان قد أفْطَرَ لمرض أو قَدِمَ من سفر [هـ] مُفْطِرًا. ومنها قضاءُ رمَضَان، فإن تعجَّل لتعديها بالإفطار في رمضان، فلا تُمْنَع منه، وفي النفقة وجهان: المذكور منهما في "التهذيب": أنها لا تسقط ورجَّحه غيره أيضًا.
وفي "التتمة": أنها تَسْقُط؛ لأن فوات حَقِّ الزوج جَاءَ مِن تَعدِّيها، وشبه الخلاف بالخلاف فيما إذا سَلَّم السيد الأمة إلى الزوْج ليلًا لا نهارًا، وإن فات الأداء بعذر وتضيق وقْت القضاء، بأن لم يَبْقَ من شعبان إلا قَدْرُ أيام القضاء، فهو كالأداء، وإن كان الوقْتُ واسعًا، فقد حَكَى صاحب الكتاب وغيره وجهَيْن في أنه: هل يجوز للزوْجِ منْعُها من المُبَادرة إليه؟ وجواب الأكثرين منهم جوازُ المَنْعِ وتنزيله منزلةَ صَوْم التطوُّع، وَيقْرُب من الوجهَيْن وجهان مرويَّان عن "الحاوي" في أنه هل يُمَكَّن من إلزامها الإفطار، إذا شَرَعَت إليه أو هما وذكر صاحبه أنهما مُخرَّجان من القولَيْنِ في جواز التحليل من الحج، وأنه إذا لم يتمكَّن منه، ففي سُقُوط النفقة وجهان:
أحدهما: تَسْقُط، كما في الحج.
_________________
(١) في ز: شرعًا على الفور.
[ ١٠ / ٣٥ ]
والثاني: لا؛ لقصر زمان الصوم وقدرته على الاستمتاع (١) بالليل.
ومِنْها صوم التطَوُّع، فإذا كان بإذن الزوج، لم يُؤَثِّر في النفقة، ولا ينبغي أن تشتغل به بغَيْر إذن (٢) الزَّوْج، فإن شَرَعَتْ فيه، فله قَطْعُه، وأمرها بالإفطار، فإن أفطرْت، فالنفقةُ واجبةٌ، وإن أبت، سقَطَتِ النفقة في أصَحِّ الوجهَيْنِ؛ لامتناعها من التمكين وإعراضها عنه بما ليس بواجب عليها.
والثاني: لا تَسْقُط؛ لأنها في دارِهِ وقَبْضَتِهِ، ولها الخروج عما شَرَعَتْ فيه، متى شاءَت وحاصِلُ هذا الوجْه أنَّ صَومَ التطَوُّع لا يُؤَثِّر في النفقة، وفي العِدة وجه فارقٌ بيْن أن يدْعُوها إلى الأكل فتأبى، فلا تَسْقُط النفقة؛ لأنه لا ضرر عليه في ذلك، وبين أن يدعوها إلى الوطء، فتأبى فتسقُطُ النفقة لامتناعها مِنْ توفية حقه، وإذا قلْنا: بسقوط النفقة بإبائها، فعن "الحاوي" أن ذلك فيما إذا أمرها بالإفطار في صَدْر النهار، أما إذا أَنْفَقَ في آخره فلا تسقط ولفوت زمان التمكين ومشابهة تلْك البقية لزمان الأكل والطهارة، واستحسنه القاضي الرُّويانيُّ، والأكثرون سَكنُوا عن هذا التفْصِيل، ولو نكحها، وهي صائمة، ففي تعليق إبراهيم المروروذي: أنَّه لا يجبُرها على الإفطار، وأن في نفقتها وجهَيْن.
ومنْها: صوم النذر، فإن كان النذرُ مطلقًا، فللزوج منْعُها منه؛ لأنَّه لا يتضيَّق وقته وإن نذرت صوم أيام معينة، فيُنْظَر؛ إن نذَرَتْ قبل النكاحِ، لم يكن له (٣) المنع لتعين الوقْت، وتقدَّم وجوبه على حقِّ الزوج، وإن نذرتْ بعده فإن أَذِنَ الزوْج، لم يكن له المنع، وإن لم يأذن، فله ذلك؛ لأنها بالنَّذْر منَعَتْ حقه السابق، وحيث قلْنا: له المنع، فلو شَرَعَتْ فيه وأبت أن تُفْطِر، فعلَى ما ذكرنا في صوم التَّطَوُّع.
ومنها: صوم الكفَّارة، وهو على التراخي، فللزوج المَنْع، وعن أقْضَى القضاة المَاوَرْدِيِّ: أنه إذا لم يمنعها حتى شرعت فيه، فهل له إجبارها على الخروج منه؟ فيه وجهان، وحيث قلنا بسقوط النفقة بالصوم، يسقط جميعها أو نصفها؛ للتمكن من الاستمتاع بالليل؟ فيه وجهان مذكوران في "التهذيب" (٤).
_________________
(١) قال النووي: الأصح السقوط.
(٢) ظاهره التحريم، وبه صرح الشيخ في آخر صوم التطوع نقلًا عن الأصحاب قال في المهمات: نعم لو كان الزوج حاضرًا ولكن حرم عليه الجماع لتلبسه بواجب من صوم أو إحرام أو اعتكاف ففي التحريم نظر والمتجه الإباحة. قال في الخادم: صرح النووي في شرع المهذب هناك بأن يوضع التحريم إذا كان حاضرًا مهيأ للوطء وأشار إليه الإِمام أيضًا إلى آخر ما ذكره.
(٣) كذا قطع به الأصحاب وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق بين طول المدة وقصرها وهو مشكل فيما إذا استغرق العمر لما في ذلك من الضرر عليه.
(٤) قال النووي: أرجحهما سقوط الجميع وقد سبق قريبًا نظيره فيمن سلمت ليلًا فقط، أو عكسه.
[ ١٠ / ٣٦ ]
الثالثة: فرائض الصلوات الخَمْس لا منع منْها ولا تتأثَّر النفقة بالقيام بها بحَالٍ وهل للزوج المنع من المبادرة إليها في أَول الوقْت؟ فيه وجهان:
الأصح: عدَم المنع، ويحكى عن نص الشَّافعي -﵀- لتجوز فضيلته أول الوقت، ويخالف الحج، حيث جوزنا له المنع من المبادرة إليه؛ لأن زمان الصلاة لا يمتد، ولأن الصلاة في أول الوقت مخصوصة بزيادةِ الفضيلة، والحج في السَّنَة التي تبادر إليها، كالحج في غيرهما في الفضيلة.
والتطَوُّعات المُطْلَقَة كصوم التطوُّع، وفي السنن الرواتِبِ وجهان:
أصحُّهما: أنَّه ليس للزوج منْعُها؛ لتأكدها وتقررها بخلاف النوافل المُطْلقة، وله منعها من تطويلها، وصومُ يومِ عرفةَ وعاشوراءَ في الصيام كرواتب الصلاة، وصومُ يومِ الاثنين والخميس كالتطوُّعات المُطْلَقة، فله المنْع بلا خلاف، وله منْعُها من الخروج لصلاة العيدين والخسوفَيْن، وليس له المَنْعُ من فعلها في المنزل، وقضاءُ الصلواتِ والصلاةِ المنذورةِ كمثلهما في الصوم.
الرابعة: الاعتكاف والخروج له إلى المسجد، إن كان بإذنه، وهو معها، لم تَسْقُطِ النفقة، وإن لم يكن معها، فعلَى الخلاف المذكور للخروج في الحج، وفي كتاب القاضي ابن كج -﵀- وجهٌ: أنه إن قصرت مدته، بأن لم يَزِدْ على يوم، لم يؤَثِّر، ولم يُجْعَلْ ذلك على الخلاف وإن لم يكن بإذْنِه، فإن كان عن تطوُّع أو نَذْرًا مطلقًا في الذمةَ سَقَطَت نفقتها وإن كان عن نَذْرِ معيَّن من صوم نذر فإن تأخَّر عن النكاح، فكذلك الجواب، وإن تقدَّم عليه، فلا منع منه، ولا تسقط النفقة به.
وقوله في الكتاب: "ولو منعها من صوم نذرٍ بعد النكاح" التقييد بما بعد النكاح يبين أنَّه لا مَنْع فيما نذرته قبل النكاح، وهذا الفَرْقُ فيما إذا نَذَرتْ أيَّامًا معينة على ما بيَّنَّا، فأما عند الإطلاق، فله المنع في الحالَتَيْن، هذا هو الظاهر المشهور، ونقل إبراهيم المروروذي فيه وجهَيْنِ، سواء نَذَرَتْ قبل النكاح أو بعده.
وقوله: "فإن لم يُحَلِّلْها، فَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ، كما في الإحْرَام" يعني في الصوم المعيَّن المنذور بعد النكاح، وكذلك الحُكْم في صوم التطَوُّع، وفي "البسيط" وغيره: أن الوجهَيْنِ في الصَّوْم مُرَتَّبان على الوجهَيْن في الإحْرام، وأن صورة الصوم أَوْلَى بالاستحقاق؛ لأن الاستمتاع هاهنا جائزٌ من غير أن يُقَدِّم تحليلًا، ويكون الجِمَاع تحليلًا، وفي الإحرام لا بد، وأن يحلِّلها أولًا ثم يجامع.
فرع: قال في "التتمة": لو كانَتْ قد أجَّرتْ نفْسَها قبل النكاح إجارةَ عَيْنِ، لم يكن للزوج منْعُها من العَمَل، ولا تستحقُّ النفقةَ عليه، وعن "الحاوي": أن له الخيارَ إنْ كان
[ ١٠ / ٣٧ ]
جاهلًا بالحال؛ لفوات الاستمتاع عليه بالنهار، وأنَّه لا يَسْقُطْ خِيَاره، بأن يرضى المستأجر بالاستمتاع نهارًا، فإنه متبرع بذلك، وقد يرجع فيه، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَانِعُ الرَّابعُ: العِدَّةُ، وَالمُعْتَدَّةُ المُطَلَّقَةُ إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَلَهَا النَّفَقَةُ إلاَّ إِذَا أُحْبِلَتْ مِنَ الشُّبْهَةِ وَتَأخَّرَتْ عِدَّةُ الزَّوْج وَقُلْنَا: لاَ رَجْعَةَ لَهُ فِي الحَالِ فَلاَ نَفَقَةَ، وَإِنْ قلنَا: لَهُ الرَّجْعَةُ فَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ وَقِيلَ بِعَكسِ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المعتدَّة الرجعيَّةُ تستحِقُّ النفقة والكُسْوة وسائر المؤنات؛ لِبَقَاءِ حبْس الزوج وسُلْطَته، ويستثنى من المؤنات آلةُ التنْظِيف، فإن الزوج مُمْتَنِعٌ عنها، ذكره في "البسيط" وغيره، ولا فَرْقَ بين أن تكون الرجعية حُرَّةً أو أمة، حائلًا أو حاملًا، ولا تسقط نفقتها إلا بما تسقط به نفقة الزوجات (١) وتستمر إلى انقضاء العدَّة بِوَضْع الحمل أو غيره، ولو ظَهَر [ت] بها أماراتُ الحمل بَعْد الطلاق، فعلى الزَّوْجِ الإنفاق علَيْها، وإذا أنْفَقَ، ثم بأن أنه لم يكن حَمْلٌ، فله استرداد ما دَفَعَ إليها بعْد انقضاء العِدَّة، وتُسْأَل عن قَدر الأقراء، فإن عَيَّنَت قدْرَها، صدَّقْناها باليمين، إن كَذَّبها الزوج، ولا يمين إن صدَّقَها، وإن قالتْ: لا أعلم متى انقضت عدتي، سألْنَاها عن عادة حَيْضها وطُهْرها، فإن ذَكَرَتْ عادةً مضبوطةً، بنينا الأمر على قَوْلِها، وإن قالت: عادتي مختلفة، أخذنا بأقلِّ عاداتها، ورجع الزَّوْج فيما زاد فإنه المستيقن، وهي لا تَدَّعي زيادةً عليه، وإن قالت: نسيت عادَتِي، فعن نص الشافعيِّ -﵁-: أنه يرجع في نفقة ما زاد على نفقة ثلاثة أشهرٍ، ويأخذ بغالب العادات، وقال الشيخ أبو حامد: يُكتب الأمْرُ عَلَى أقلِّ ما يمكن انقضاء العدَّة فيه، وهذا ما أورده أبو الفَرَجِ السرخسيُّ، والخلاف قريب من الخلاف في مَرَدِّ المبتدأة، وإن انقطع الولد الذي أتت به عنه، بأن ولَدَتْ لأكثر من أربع سنين، إما مِنْ وقْت الطلاق أو مِنْ وقْتِ انقضاء العدة على اختلافٍ سَبَق، سئِلَتْ عن حال الولَدِ، فإن قالت: هذا الولد من زوج نكحته، أو من وطء شبهة، وقع بعد إنقضاء ثلاثة أقراءٍ، فعليها رَدُّ المأخوذ بعد الثلاث؛ لاعترافها بانقضاء العدة بها، وإن قالَتْ: وقع ذلك في أثناء الأقراء فقد انقطعت عدَّتها بوطء، الثاني وإحباله، فتعود بعد الوضع إلى ما بَقِيَ منْها، وعليه النفقة في البقيَّة، وأَما في مدَّة الحَمْل، فيبنى على أنه هل للزَّوْج الرجْعة فيها؟ وفيه وجهان قد سَبَقَ ذكرهما في "كتاب الرجعة" و"العِدة" وفي كيفية البناء طريقان:
_________________
(١) وفي الإطلاق نظر، وقد قال الإِمام في باب الحضانة إذا حضنت يعني الرجعية ولدها من غيره من غير رضاه وكان المسكن لها فالمذهب أن نفقتها لا تسقط إذ ليست ناشزة، فإن الناشزة المانعة حق زوجها. وقال الشيخ أبو علي: الظاهر عندنا السقوط كما لو كانت في صلب النكاح، فإن الرجعية تستحق نفقة الزوجة فتسقط نفقتها بما يسقط نفقة الزوجات.
[ ١٠ / ٣٨ ]
أظهرهما: أنَّا إنْ قلنا: لا رجعة في الحال، فلا نفقة، وإن أثبتنا الرجعة، ففي النفقة وجْهان:
وجه المنع: أنها صارت في حَبْس الغير.
والثاني: أنا إنْ قلنا: لا رجعة، ففي النفقة وجهانِ، وإن قلنا: له الرجعةُ، فعليه النفقة، والظاهر مِنْ ذلك الذي أجابَ به أكثرهم: أنه لا نفقة ولها [في مدة الحمل، فيَسْتَرْجِعُ ما أخذت لها، ولو قالت: واطأني الزوج، وأنكر، فهو المصدَّق بيمينه، وتُسْأَلُ] (١) عَنْ وقَتْ وطئه، فإن قالت بَعْد انقضاء الأقراء، رَدَّتْ ما زاد، وإن قالَتْ: عقيب الطلاق، فقد بأن أنَّها ما قضت عدته، فترد ما أَخَذَتْ، وتعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء ولها النفقة فيها. هكذا ذكره صاحب "الشامل" وغيره، وإنما يستمر ذلك على قَوْلنا إن العدتَيْنِ المُخْتَلِفَتَي الجِنْسِ من شخصٍ واحدٍ لا تتداخلان.
فرْعٌ: لو ادعت الرجعيَّةَ تباعد الحَيْضُ وامتداد الظهر، فظاهر المذهب: أنَّها تُصدَّق في وجوب النفقة، كما تُصدَّق في بقاء العدة، وثبوتِ الرجعةِ، وتستمر النفقة إلى أن تعترف بمُضِيِّها، وعن بَعْضِ الأصحاب فيما حكاه القاضيان ابن كج وأبو الطيِّب: أنَّها لا تُصدَّق في النفقة، فإنه حقٌّ لها بخلاف العِدَّة والرجْعة، فهما عليها، وهذا ما توهمه المُزنيُّ من لفظ الشافعيُّ -﵁- واعترض عليه.
فرْعٌ: لابن الحدَّاد: وضعَتِ امرأةٌ حَمْلًا وطلَّقَها، واختلف الزَّوْجَان، فقال الزوج: طلَّقْتكِ قبل الوضع، وانقضت عدتك بالوضع، فلا نفقة لك الآن، وقالت: بل طلَّقْتَنِي بعد الوضع، وطلبت النفقة، فعليها العدة مِنَ الوقت الذي يزعم أنَّه طَلَّقها فيه، ولها النفقة؛ لأن الأصل بقاء النكاح إلى الوَقْت الذي يَقُولُه وبقاءُ العدَّة والنَّفَقَةِ، وليس له الرجعة؛ لأنها قد بانت بزعمه، ومَنْ أقرَّ بشَيْءٍ قُبِلَ فيما يَضُرُّه ولم يُقْبَل فيما يَضُرُّ غيره؛ ألا ترى أنه لو أَقَرَّ ببَيْعِ عبده، ممن يُعْتَقُ العَبْدُ عليه يُحْكَم عليه بِعِتْق العبد، ولم يُقْبَل قولُه في لزوم الثَّمَنَ على زعم أنه اشترى، ولو كان الزَّوْج قَدْ أصابها قَبْل الوضع في الوَقْت الذي زَعَمَ أنَّها مُطَلَّقة فيه، لم يلزمه مهْر المِثْل؛ لأنها تقول: إنَّما طَلَّقَنِي بعْد الولادة، فتكون الإصابة في النكاح، ولو اختلفا على العَكْس، فقال الزوج: طَلَّقْتُكِ بعد الولادة، وأنْتِ في العدةِ، والرجعةُ لي، وقالت: بل قَبْلَها، وقد انقضت عدَّتِي، فالقول قول الزوج في بقاءِ العدَّةِ وثُبُوتِ الرجْعةِ، ولا نفقة لها (٢) في العِدَّة.
_________________
(١) سقط من: ز.
(٢) قال ابن الرفعة: ولتعرف أن مقتضى القاعدة من ما ذكره ابن الحداد وغيره أنها لا تستحق النفقة وإن راجعها وكذا لو كان الاختلاف قد وقع بينهما في أصل الطلاق المبين فادعت أنه طلقها ثلاثًا =
[ ١٠ / ٣٩ ]
وقوله في الكتاب: "والمعتدة المُطَلَّقة إن كانت رجعيَّةً" لفظ المُطلَّقة مستغنًى عنه؛ فإن المُعتدَّةَ لا تكون رجعيَّةً إلا إذا كانَتْ مُطَلَّقة.
وقوله: "فلها النفقة، إذا إذا أُحْبلَتْ من الشبهة" لا شك أن المراد: فلها النفقة في العدَّة، لا على الدوام، وحينئذ، ففي ظاهر الاستثناء نَظَرٌ؛ لأنها إذا أُحْبلَتْ من الشبهة، وتأخَّرت عدة الزوْج، فلا تكون في عدة، حتى تَسْتَثْنَى من الحكم؛ بأنَّ لها النفقةَ في عدته.
وقوله: "وقيل بعكس ذلك" المراد منه الطريقة الثانية، وقد بيَّنَّاها.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا البَائِنَةُ فَلَهَا السُّكْنَى وَلَيْسَ لَهَا النَّفَقَةَ (ح) إلاَّ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، وَالفَسْخُ كَالطَّلاَقِ إنْ حَصَلَ بِردَّتِهِ، وإِنِ اسْتَنَدَ إلى اخْتِيَارِهَا أَوْ إِلَى عَيْبِهَا سَقَطَ جَمِيعُ المَهْرِ وَسَقَطَتِ النَّفَقَةُ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلحَمْلِ، وَفِرَاقُ اللِّعَانِ يُضَافُ إِلَيْهَا كَالفَسْخِ، أَوْ يُحَالُ عَلَى فِعْلِ الزَّوْجِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ أَنْفَقَتْ عَلَى الوَلَدِ المَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ ثُمَّ كَذَّبَ نَفْسَهُ فَلَهَا الرُّجُوعُ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ وِلاَيَةَ الاسْتِقْرَاضِ بِدَلِيلِ قِصَّةِ هِنْدَ، وَأَمَّا المُعْتَدَّةَ عَنْ شُبْهَة إِنْ كَانَ فِي نِكَاحٍ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى أَفْقَهِ الوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كانَتْ خَلِيَّةً عَنِ النِّكَاحِ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الوَاطِئِ إِلاَّ إِذَا كانَتْ حَامِلًا فَفِيهِ قَوْلاَنِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى أَنَّ النَّفَقَة لِلحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ، فَإِنْ قلنَا لِلحَمْلِ اعْتُبِرَ كِفَايَتُهُ وَلَمْ تَتَقَدَّرْ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الوَضْعِ سَقَطَتْ إِذْ لاَ نَفَقَةَ لِلْقَرِيبِ بَعْدَ المَوْتِ، وَإِنْ قُلْنَا لِلحَامِل فَهِيَ فِي التَّقْدِير كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَلاَ تَسْقُطُ بِالمَوْتِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ عُلْقَةَ الحَبْسِ دَائِمَةٌ وَكَأَنَّ الطَّلاَقَ أَوْجَبَهَا دَفْعَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: البائنة بالخُلْع أو بالطَّلاق الثلاثِ لا نَفَقَةَ لها، ولا كسوة إن كانت حائلًا وإن كانت حاملًا، فعلى الزوج النفقة والكُسْوة، وبهذا قال مالك وأحمد.
وعن أبي حنيفة: تستحق النفقة كلَّها، حائلًا كانت أو حاملًا، لنا: ما روِيَ في خبر فاطمة بنت قَيْسٍ أن النبي -ﷺ- قال لها: "لا نَفَقَةَ لَكِ عَلَيْهِ" (١) وكانت مبتوتة حائلًا، والتقييد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] بعد الإطلاق من قَبْلُ في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ إشعار بأنَّ الحائل لا يُنْفَق عليهن، والنفقة الواجبة إذا كانت حاملًا للحَمْل أو للحَامِل فيه قولان:
_________________
(١) = وأنكرت حلف، وهو ما أورده الرافعي في كتاب القسم والنشوز حيث جعل ذلك أصلًا مقيسًا عليه أي فيما إذا ادعت عليه الطلاق فإنه لا قسم لها كما لا نفقة.
(٢) رواه مسلم [١٤٨٠] عنها وقد تقدم.
[ ١٠ / ٤٠ ]
أحدهما: أنَّها للحَمْل، والحامل طريق وصول إليه، وربما يُنْسب هذا إلى القديم و"الإملاء"، ووُجِّه بأنها لا تجب لَوْلا الحَمْل، وتسقط إذا وضَعَت، وذلك يُشْعِر بأنها للحمل، وبأن الحمل يَسْتَحِقُّ النفقة والتربية بَعْد الانفصال، فكذلك قبله، بل هو قبل الانفصال أضْعَفُ، وأصحُّهما: أنها للحَامِلِ بسبب الحمل، ووُجِّه بأنها لو كانَتْ للحمل، لتقدرت بقَدْر كفايته، وبأنَّهَا تجب على المُوسِر والمُعْسِر، ولو كانت للحَمْل، لَمَا وجبت على المُعْسِر، وبأنها مختلفة القدر بيسار الزوج وإعساره، كما هو شأن نفقات الزَّوْجات، وبأن الولد بعْد الانفصال، إذا احتاج إلى حاضِنَةٍ، تجب النفقة للحاضنة، والحامل لا تَتَقاعَدُ عن الحاضنة، وهذا التوجيه الآخر ذكره الإِمام وغيره.
ثم الكلام في مسائل تَتَعلَّق أكثرها بهذَيْنِ القولَيْنِ.
إحداها: المعتدَّة عن فراق الفَسْخ، هل تستحق النفقة إذا كانت حاملًا؟ الذي حكاه الإمام وصاحب الكتاب: أنه، إن حَصَل الانفساخ بما لا مَدْخَل لها فيه، كرِدَّة الزوج فهو كالطلاق في استحقاق النفقة، كما أنه كالطلاق في تَشْطِير المَهْر، وإن كان لها فيه مَدْخَلٌ، كما إذا فسَخَتْ بخيار العتق أو بعَيْبٍ فيه أو فَسَخَ الزوج بعيب فيها؟ ففي النفقة قولان، والقولان عنْد أكثرهم مبنيَّان على أن النَّفقةَ للحَمْل أو للحَامِلِ؟ إن قلنا: للحمل، وجبت، وإلا، لم تجب، كما يسقط المهر بهذه الفسوخ قَبْل الدخول، ولم يرتَضِ الإمامُ هذا البِنَاء، وقال: إنَّما تُوجَبُ النفقةُ للحامل؛ لأنها كالحاضنة ومؤنة الحاضنة على الأب، ولا فَرْق في ذلك بين المُطلَّقة والمفسوخ نكاحُها، فلنوجه أحَدَ القولَيْنِ بالقياس على المُطَلَّقة.
والثاني: بأن القياس أن لا نَفَقَةَ بَعْد البينونة، والخروج عن مظنة الاستمتاع، وإنما خالفنا في المُطلَّقة؛ للنص، ووراء هذه الطريقة طريقتان، حكاهما الشيخ أبو عليٍّ.
إحداهما: طرد القولين في المعتدَّات عن جميع الفسوخ، بناءً على أنَّها للحمل أو للحامل؟ إن قلْنا للحامل، لم تجب؛ لأنها معتدَّةٌ لاَ عَنِ طلاق، فأشبهت المعتدَّة عن الشبهة، وهذا ما أورده صاحب "الشامل".
والثانية: وهي التي أوردها في "التهذيب" ونسبها الشيخ أبو عليٍّ إلى عامة الأصحاب؛ بأنه إن كان الفراق بسبب عارِضٍ، كالرضاع والرِّدَّة، فهو كالطلاق؛ لأنه قاطعٌ للنكاح، وإن استند إلى سبب قارِنُ العَقْد؛ كالعيب والغرور، ففيه قولان؛ لأن مثل ذلك يَرْفَعُ العقد من أصله، ولذلك لا يجب المَهْر، إذا لم يكن دُخُولٌ، وفي "التتمة" أن المفسوخ نكاحها تَسْتَحِقُّ النفقة، حيث قلْنا: إنها تستحق السكْنَى، وحيث قلنا: إنها لا تَسْتَحِقُّ السكْنَى، فتكون كالمعتدَّة عن وطء الشبهة، ففي نفقتها قولاَنِ، والكلام في السُّكْنَى قد تَقدَّم.
[ ١٠ / ٤١ ]
وأمَّا المفارقة باللعان، إذا كانت حاملًا، ولم ينف حمْلَها، فهل تستحقُّ النفقة، أما على الطريقة المذكورة في الكتاب [فقد اختلفوا:] (١) قال بعضُهم: اللعانِ مِنَ الفراق الذي لها مدْخَلٌ فيه؛ لأنها أحوجته إليه على ما يزعمه.
والأصح أنَّه كالطَّلاَقِ، وهي مُنْكِرةٌ لما يزعمه، فتستحق النفقة، وَتَجْري فيه الطريقتان الأخريان، ولا يَخْفَى على الطريقة المرجَّحة أن اللعان من قبيل العَوَارِضِ، والفراق به ليس مستندًا إلى حال العقد، وإن نفى حمْلها باللعان، لم تجب النفقة سواءٌ جِعلْنَاها للحَمْل أو للحَامِلِ؛ لأنه قد انقطع الحَمْل عنه، وصارت في حق الزَّوْج كالحائل، وحكى القاضي أبو الطيِّب وجهَيْن في أنها هل تستحق السُّكْنَى والحالةُ هذه، والأظْهَرُ الاستحقاقُ، وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامِد.
ولو أبان امرأته بالطَّلاَقِ، ثم ظَهَرَ بها حَمْلٌ، وقلْنا: له أن يلاعن لِنَفْيِهِ، فلاعن، سقَطَتِ النفقة، وعن القاضي أبي الطيِّب: أنا إن أثبتنا للملاعنة السكْنَى فههنا أَوْلَى لأنها معتدة عن الطلاق وإلا فيحمل على وجهين، وإذا لاعن عنها، وهي حامل، ونفى الحمل، ثم عاد وكذَّب نفسه، واستلحق الولد، طولب بنفقة ما مضى، نصَّ عليه واختلف الأصحاب:
فعَنْ بعضهم: أن هذا الجواب على أن النفقة للحَامِلِ، أمَّا إذا جعلْنَاها للحَمْل، فلا مطالبة؛ لأن نفقة القريب تسقط بِمُضيِّ المدة، ولا تصير دَيْنًا في الذمة.
وقال الأكثرون: تثبت المطالبة على القولَيْنِ؛ لأنها، وإن كانت للحَمْل، فهي مصروفةٌ إلى الحامل، وهي صاحبة حقٍّ فيها، فتصير دَيْنًا، كنفقة الزوجة، ولو أكْذَبَ نفْسَه بعْد ما ولَدَتْ، وأرضعت الولَدَ، رجَعَت عليه بأجرة الرَّضَاع، نصَّ عليه في "الأم". وحكى أبو عليٍّ -﵀- وجْهًا أنها لا ترجع.
ولو أنفقت عليه مدَّة، ثم رجع، رجعَتْ عليه بما أنفقَت، في الظاهر، الوجْهُ الآخر، ووجْهُ المذهب الظاهر أنها أنفقت عليه وفيه على ظن أنه واجِبٌ عليها، لا على سبيل التبرُّع، فإذا بانَ خلافه، ثبت الرجوع، وشبه ذلك بما إذا ظَنَّ أن عليه دَيْنًا، فقضاه، ثمَ تبيَّنَ خلافَهُ، يرجع به، بخلاف ما إذا تَبرَّع على غيره بمال، وبما إذا أنفق على أبيه على ظن إعساره، فبان يسَارُهُ، يرجع بما أنفق ولو تبرَّع عالمًا بإيساره، لا يرجع.
المسألة الثانية: في وجوب نفقة المعتدَّة عن النكاح الفاسد، وعن وطء الشبهة، إذا كانت حاملًا وجهان، بناهما الجمهور على أن النفقة للحَمْل أو للحَامِلِ، وقالوا: إن
_________________
(١) سقط في: ز.
[ ١٠ / ٤٢ ]
قلْنا: إنها للحمل، وجبت النفقة على الواطئ كما لزمه نفقته بعد الانفصال، وإن قلنا: للحامل، لم تجب، فإن النكاح الفاسِدَ، لا يوجب النفقة، فعدَّته أَوْلَى بأن لا توجب، والإمام ما رضي بهذا البناء، وقال إنَّما توجب النفقة للحامل من جِهَة قيامها بتربية الولَدِ، فنزلناها منزلة مؤنة الحاضنة، وهذا المعنى يَقْتَضِي الوجوب على الواطئ أيضًا، ولكن مأخذ الخلاف أن الوَلَد إذا كان مجْتَنًْا هل تجب مُؤنَتُه؟ فَعَلَى قولٍ: تجب كالمنفصل، وعلى قولٍ: لا؛ لأنَّ الولد جزء من الأمِّ، ما دام مُجْتَنًّا لا استقلال له، واعلم أن تنزيل نفقةِ الحامل منزلة مُؤْنَة الحاضنة بعد الانفصال، لا اتجاه له، وإن ردَّده الإِمام مرارًا لأَنَّ الواجب هناك كفايةُ أمْرِ مَنْ يحضنه إمَّا تبرعًا، وإما بأُجْرة مِنْ غير تقْدِير، وهذه النفقةُ مقدَّرةٌ كنفقة الزوْجَاتِ.
هذا إذا كانت الموطوءة بالشبهة غير منكوحة، فإن كانت منكوحةً وحمَلَتْ من الوطء بالشبهة، فإن أوجبنا النفقة على الواطئ بالشبهة، سقطت عن الزوْج، ولم نَجمع بين نفقتين، وإن لم نوجبها على الواطئ، ففي سقوطها عن الزَّوْج وجهان:
أَفْقَههما: السقوط؛ لفوات الاستمتاع عليه.
والثاني: لا يسقط؛ لأنها معذُورةٌ فيه، وهذا ما أورده في "البسيط" واستحسن في "الوسيط" توسُّطًا، وهو أنها إن كانَتْ نائمةً: أو مكرهةً، فلها النفقة، وإن مكَنَتْ على ظَنِّ أنَّه زوجُها، فلا نفقة؛ لأنَّ الظن لا يؤثر في الغرامات (١).
الثالثة: المعتدَّة عن الوفاة، لا نفقة لَهَا حائلًا كانت أو حاملًا أمَّا إذا كانت حائلًا؛ فلأن البائنة الحائلة لا نفقة لها على الزوج في حياته، فبعد الموت أَوْلَى، وأما إذا كانت حاملًا، فلأَنَّ النفقة للحَمْل أو للحَامِلِ، إن كانت للحَمْلِ، فنفقة الأقارب تَسْقط بالمَوْت وإن كانت للحامل فبسبب استحقاقها الحَمْل، فإذا كانت نفقته في نفْسِهِ بعد الانفصال، لا تجب بَعْد المَوْت (٢)، فكذلك النفقةُ الواجبة بسببه.
الرابعة: تَتَقَدَّر النفقة الواجبة كنفقة الزَّوْجة في صُلْب النكاح، أو تعتبر كِفَايَتُها ويزاد وينقص بحَسَب الحاجة؟ فيه طريقان نقلهما الإِمام ومَنْ تابَعَه.
أحدُهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنا إن قلْنا: إن النفقة للحَمْل؟ ففيه وجهان: وجه اعتبار الكفاية النظر للحَمْل؛ حتى لا يتأثر إذا لم يَكْفِها المقدور، وعَدَّه أقيس
_________________
(١) قال في المطلب: إن وطئت في حال نومها أو كرهًا فالوجه القاطع بثبوت نفقتها، وإن مكنت على ظن أن الواطئ زوجها ففيه التردد.
(٢) ما جزم به من عدم الوجوب على القولين سواء قلنا إنها للحمل أو للحامل تابع فيه الإِمام والقياس البناء على القولين وقولها في المنع على أنها للحمل أن نفقة القريب تسقط بالموت.
[ ١٠ / ٤٣ ]
الوجهين، وإن قلْنا: للحامل، فلا زيادة كما في صلب النكاح، والثاني أنا إذا قلْنا: إنها للحمْل فتعتبر الكفاية، وإن قلنا: للحامل، فوجهان احتياطًا للحَمْل، ولا بد للتفريعِ عَلَى كلِّ واحدٍ من القولَيْن مِنَ النَّظَرِ إلى معنى القَوْل الآخر، لتعلق الواجِب بالعمل والعامل جميعًا. والذي أورده أكثرهم: أن هذه النفقة مُقَدَّرة كما في صُلب النكاح، ولا زيادةَ ولا نُقْصَان، وَقَدْ يرونه مُتَّفِقًَا عليه.
الخامسة: إذا مات الزوج قَبْل أن تضع الحَمْلَ، فإن قلنا: إن النفقة للحَمْل، سَقَطَت؛ لأنَّ نفقة القريب تَسقُط بالمَوْت، وإن قلْنا: إنها للحامل، فوجهان:
عن ابن الحَدَّاد: أنها تسقط أيضًا لأنها كالحاضنة للولد، ولا تجب نفقة الحاضنة للولد بعد الموت.
وعن الشيخ أبي عليٍّ: أنها لا تَسْقط؛ لأنها لا تنتقل إلى عدة الوَفَاة بخلاف الرجعيَّة بل تعتدُّ عن الطلاق، والطلاق كأنَّه (١) يوجِبُ هذه النفقة دفْعَةً واحدةً فتكون كدَيْنٍ عليه؛ ولهذا يبقى لها حقُّ السكْنَى، ولا يجيءْ فيه القولان في أن المتوفَّى عنها زوجُها، هل تستحق السكْنَى، ورأَى صاحب الكتاب هذا أقْيَسَ، [وقال] كأن الشرع جعل عُلْقة الحَمْل كعُلْقة الرجْعة في إيجَابِ النفقة، وعُلْقة الحمل باقيةٌ، والأصحُّ عند الإِمام ما نُقِلَ عن ابن الحدَّاد وقال: النفقة تجب يومًا فيومًا، ولا تصير الجملة دَيْنًا كما في صُلْب النكاح، وأمَّا لفظ الكتاب فقوله: "فلها السكْنَى" لا حاجة إلى ذكْره في هذا الموضع، وقد سَبَقَ ذكْره في باب السُكْنَى في العدة.
وقوله: "والفسخ كالطلاق إن حصل بردته" يجوز أن يُعْلَم بالواو، كسائر الطرق المذكورة.
وقوله: "سَقَطَ جمِيعُ المَهْر" مذكور في موضعه وليس إلى ذكره هاهنا كبير حاجة إلا أنه أشار، به إلى أنه كما يسقط المَهْر، تَسْقط النَّفَقَةُ.
وقوله: "لأن للزوجة ولاية الاستقراض" يشتمل على مسألة مقصودة، نَذْكرْها مع أخواتٍ لها في الباب الأول من "نفقات الأقارب"، ولْيُعْلَم بالواو؛ لما نبينه هناك، ووُجِّه وجْه الرجوع بما إذا أنفقت على الولَدِ المنْفِيِّ باللعان، أنه إذا كانَتْ متمكِّنة من الاستدانة، لم تُجْعَل متبرِّعة بالإنفاق ولا شك أنها إنما ترجع إذا قَصَدَتِ الرجوع، ولا ترجع إذا قصَدَتِ التبرُّع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ): الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُ النَّفَقَةِ قَبْلَ الوَضْعِ بِنَفْسِ الحَمْلِ
_________________
(١) قال في الخادم: والمتجه السقوط لأنا وإن قلنا للحامل فهي تسبب الحمل ولا يمكن أن يستحق على ميت مؤنة. وقد قال الإِمام: إن كان ما قاله أبو علي في كلامه فهو بعيد من الصواب، والصواب ما قاله ابن الحداد وإن نقله عن الأصحاب فالأوجه ما ذكره ابن الحداد إلى آخر ما ذكره.
[ ١٠ / ٤٤ ]
لِظَاهِرِ الآيَةِ، فَإِنْ بَانَ أَنْ لاَ حَمْلَ اسْتَرَدَّ، وَإِنْ تَأخَّرَ وَظَهَرَ الحَمْلُ وَجَبَ التَّسْلِيمُ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لِلْحَمْلِ فَإنَّهُ يُسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الرَّقِيقِ وَلاَ عَلَى الحُرِّ فِي المَوْلُودِ الرَّقِيقِ، وَإِنْ قُلْنَا لِلحَامِلِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ولا يجب تسليمُ النفقة قَبْل أن يَظْهر الحَمْل سواءٌ جعَلْنَاها للحَمْلِ أو للحَامِلِ، وإذا ظَهَر، فيَجِبُ التسليم يومًا بيومِ أو تُؤَخَّر إلى أن تضع، فيُسلَّم الكلُّ دفعةً، واحدةً؟ فيه قولان:
أحدهما: تُؤَخَّر؛ لأن البينونَة مُسْقِطة للنَّفقَةَ، والحَمْلُ غير مستيقَنٍ. وقد يُظَنَّ، فيتبين خلاف المظنون، فلا يوجب التسليم إلا بيقين، وأصحُّهما، وهو اختيار المزنيِّ أنه يعجل التسليم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، والقولان يبنيان على الخِلاَفِ المعرُوفِ في أن الحَمْل هل يُعْرف، والأصحُّ أنه يعرف، ولذلك نقول: لو خرجَتِ الجارية المشتراةَ حاملًا يَردُّها، ولا تُؤْخَذ الحامل في الزكاة، وتجب الخلفات في الدية وقال -ﷺ-: "أَلاَ لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ" (١).
التفريع: إن قلْنَا: يُؤخَّر التسليم، فلو قالت: وضعْتُ الحمل، وأنكر الزوجْ فعليها البيِّنةُ على الوضْع، وإن قلْنا: يعجل، وادعت ظهور الحَمْل، وأنكر، فكذلك، وتُقبل فيهما شهادة النساءِ، وذكر القاضي ابن كج أنَّ أبا الحُسَيْنِ حكَى عن بعض الأصحاب أنه لا يُعْتَمد قولُهُن، إلا بعد مضي ستة أشهر، وأن الجمهور لم يشْتَرِطوا ذلك، ولو كان ينفق على ظَنِّ الحملْ، ثم بأن أنه لا حَمْلَ، فإن أوجَبْنا التعجيل قبل الوضع، فله الاسترداد؛ لأنه سلَّم عن جهة الواجب، وقد تَبيَّن خلافُه، فأشبه ما إذا ظن أن عليه دَيْنًَا، فأداه، ثم بأن خلافُهُ، وما إذا أنْفَقَ على أبيه على ظَنِّ إعساره، وبان يساره، وعن القاضي الحُسَيْن أنه احتجَّ لذلك بما رُوِيَ أن أبَيَّ بن كعْب -﵁- عَلَّمَ رَجُلًا القُرآنَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، فَأَهْدَى لَهُ قَوْسًا، فقال له النَّبِيُّ -ﷺ- "إنْ أَخَذْتَهَا، أَخَذْتَ قَوْسًا مِنَ النَّارِ" (٢) ويقال: إن ذلك الرجل ظَنَّ وجوب الأجرة عليه مِنْ غَيْر شرط، وكان يُعْطِي
_________________
(١) تقدم في الاستبراء.
(٢) رواه ابن ماجة [٢١٥٨] والروياني في مسنده، والبيهقي كلهم من رواية عبد الرحمن بن سلم، عن عطية الكلاعي، عن أبي بن كعب، قال البيهقي وابن عبد البر: هو منقطع، يعني بين عطية وأبي، وقال المزي: أرسل عن أبي، وكأنه تبع في ذلك البيهقي، وإلا فقد قال أبو مسهر: إن عطية ولد في زمن النبي -ﷺ-، فكيف لا يلحق أبيًا، وأعله ابن القطان وابن الجوزي بالجهل بحال عبد الرحمن، وله طرق عن أبي، قال ابن القطان: لا يثبت منها شيء، وفيما قال نظر، وذكر المزي في الأطراف له طرقًا، منها ما بين أن الذي أقرأه أبي، هو الطفيل بن عمرو، وفي الباب عن عبادة =
[ ١٠ / ٤٥ ]
القوس على ظَنِّ أنه يعطي عن الواجب عليه، فمنع النبيُّ -ﷺ- مِنْ أخذه، وإن قلْنا: لا يجب التسليم قَبْل الوضْع، فإن أمر الحاكم به، فيسترد أيضًا، وإلا فإنْ لم يَذْكُر أن المدفوع نفقةٌ معجَّلةٌ، لم يسترد، وجُعِلَ متطوعًا، وإن ذَكَرَ أنه نفقة معجَّلَة، فإن شرط مع ذلك الرجُوعَ، رَجَعَ، وإلا فوجهان:
أصحُّهما: أنه يرجع، وقد يُرتَّبان على الخلافِ في مثل هذه الصُّورة في تعجيل الزكاة، وهذه أوْلَى بالرجوع؛ لأنه تَبيَّن بالأجرة حُصُول الوجوب عند التسليم، وفي الزكاة بخلافه، وخرج القفَّال مما نحن فيه أن الدَّلاَّل إذا باع متَاعًا لرجل، فأعطاه المشتري شيئًا، وقال: وهَبْته منك، أو قال له الدلال وهبته منى، فقال: نَعَمْ، هل يحلُّ له قَبُوله وأخْذُه؟ قال: إن علم المشتري أنَّه لَيْس علَيْه أن يعطيه شيئًا، فله قَبُوله، وإن ظَنَّ أنه يجب عليه أن يعطيه، ويهب منه، فلا، وللمشتري الرجُوعُ فيه، وأجرة الدَّلاَّل على البائع الذي أمره بالبَيْع (١).
فَرْعٌ: لو أنفق على التي نكَحَها نكاحًا فاسدًا مدَّةً، ثم بان فسادُ النكاح، وفرق بينهما، قال الأصحاب لم يسترد ما أنفق بل يجعل ذلك في مقابلة استمتاعه بها وإتلافه منافعها فإن كانت حاملًا أوجبْنا النفقة بناء على أن النفقة للحَمْل، فعدم الاسترداد أظهر ثم في الفصْل صُوَرٌ تتعلَّق بالخلاف في أن النفقة للحَمْل أو للحامل.
إحداهما: لو لم يُنْفِق عليها، حتى وضَعَتِ الحمل، أو لم ينفق في بَعْض مدة
_________________
(١) = ابن الصامت، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث مغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه، قال: علمت أناسًا من أهل الصفة الكتابة والقرآن، فأهدى إلى رجل منهم قوسًا، الحديث، ومغيرة مختلف فيه، واستنكر أحمد حديثه، وناقض الحاكم فصحح حديثه في المستدرك. واتهمه به في موضع آخر، فقال: يقال إنه حدث عن عبادة بن نسي بحديث موضوع، والأسود بن ثعلبة قال ابن المديني في كلامه على هذا الحديث: إسناده معروف إلا الأسود فإنه لا يحفظ عنه إلا هذا الحديث، كذا قال مع أن له حديث آخر من روايته عن عبادة بن الصامت أيضًا، رواه أبو الشيخ في كتاب ثواب الأعمال، وثالث أخرجه الحاكم في النساء تطهير، ورابع أخرجه البزار في الفتن، كلاهما من حديث معاذ بن جبل، ولم ينفرد به عن عبادة، بل تابعه جنادة بن أبي أمية، رواه أبو داود والحاكم والبيهقي، لكن قال البيهقي: اختلف فيه على عبادة، فقيل عنه عن الأسود بن ثعلبة، وقيل عنه عن جنادة، ورواه الدارمي بسند على شرط مسلم من حديث أبي الدرداء، لكن شيخه عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل لم يخرج له مسلم، وقال فيه أبو حاتم: ما به بأس، قال دحيم: حديث أبي الدرداء في هذا ليس له أصل.
(٢) وحكى الإِمام كلام القفال ثم قال: وفيه نظر لأن الهبة عقد تمليك، والظنون لا تغير مقتضيات العقود. نعم يمكن تخريج هذا على أن النظر في العقود إلى المقصود أو إلى مقتضيات الألفاظ من العقود. فإن نظرنا إلى الأول صح ما قاله القفال، وإن نظرنا إلى الثاني فلا رجوع إذ لا يغلب بالقبض.
[ ١٠ / ٤٦ ]
الحَمْل، فإن قلْنا: لا يجب التعجيل، بل يُؤَخّر إلى الوضع، لم تسقط نفقة المدة الماشية، وإلاَّ، فلا يكون الايجابُ مفِيدًا وإن أوجبْنا التعجيل، فمنهم مَنْ قال: يُبْنَى سقوط نفقة المدة الماضية على أن النفقة للحَمْل أو للحاملْ؟ إن قلْنا: للحامل، لا تسقط، وتصير دَيْنًا في الذمة، كنفقة الزوجة، وإن قلْنا: للحمل، يسقط؛ لأن نفقة القَرِيب تَسْقط بمضيِّ الزمان، وهذا ما أورده المتولِّي وصاحب الكتاب، ومنْهم مَنْ قال: لا تسقط، وإن قلْنا: إنها للحَمْل؛ لأن المرأةَ مستحقةٌ لها، وانتفاعها بها أكبر من انتفاع الحمل، فكان كنفقة الزوجة؛ ولذلك قلنا بأنها تَتقدَّر، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره.
وقد حكى الطريقَيْنِ الشيخُ أبو عليٍّ وقال: ظاهر المذهب ما عليه الجمهور: أنها لا تسقط على القولَيْنِ، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب: "فإنه تسقط بمضي الزمان" بالواو.
[و] الثانية: نفقة البائنة الحَامِل، هل تجب على الزوج الرقيق قال الأصحاب: يُبْنَى ذلك على القولَيْن في أنَّ النفقة للحَمْل أو للحَامِل؟ إن قلْنا: للحمل، لم تجِبْ عليه؛ لأن الرقيق لا يلزمه مؤنة القريب ونفقته، وإن قلنا: للحامل، وجب، وكان شَغْل مائِهِ الرَّحمَ كرابطة الزَّوْجية.
الثالثة: لو كان الحمل رقيقًا لكون الأم رقيقةً، ففي وجوب النفقة على الزوْج حرًّا كان أو رقيقًا قولان: إن قلْنا: إن النفقة للحَمْل، لم تجب عليه، بل هي على المالك، وإن قلْنا: للحامل، وجبت، ومن فروع القولَيْن صور أخر:
منها: ذكر القاضي ابن كج أنَّه إذا كان الحمْل موسرًا، وقلْنا: إنَّ النفقة للحَمْل، وإنَّها تُؤَخَّر إلى الوَضْع، فإذا وضَعَتْ، سلمت النفقة من ماله إلى الأم، كما تنفق عليه من ماله في المستقبل، قال: ويُحْتمل عنْدِي أن يكون ذلك على الأب، وإن قلْنا: يجب التعجيل، فلا تُؤْخَذ من مال الحمل، كما لا يوجب فيه الزكاة والمؤنَات، ولكِنْ ينفق الأب عليها، فإذا وضَعَت، ففي رجوعه في مال الصبيِّ وجهان.
ومنها: قال ابن الحدَّاد: لو اختلف المبتوتة والزوج في وقْت الوضع، فقالت: وضعت اليوم وطالبته بنفقة شَهْرٍ قبله، وقال: بل وضعَتْ منذ شهر، فالقولُ قول المرأة، وعليه البينة؛ وذلك لأنَّ الأصْل عدم الولادة، واستمرار النفقة، ولأنها أعرف بالولادة، وهذا ظاهر على قوْلِنا: إن النفقة للحامل، أما إذا جعلْناها للحمل، فهو مبنيٌّ على أن هذه النفقة لا تسقُطُ بمضيِّ الزمان، إلا فلا يمكنها المطالبة بنفقة ما مضى، ولو كانت المبتوتة رقيقةً، وفرض هذا الاختلاف، فإن قلْنا: إن النفقةَ للحَمْل، فلا معنى لِهَذا الاختلافِ، ولا شَيْء عليه لا قَبْل الوضع ولا بعده، وإن قلْنا: للحامل، فالحُكْم كما في الحُرَّة، ولو وقع هذا الاختلاف بين الموطوءة بالشبهة أو المنكوحة نكاحًا فاسدًا وبين
[ ١٠ / ٤٧ ]
الواطئ، فإن أوجبْنا لها النفقةَ بناءً على أن النفقة للحَمْل، فالقَوْلُ قولُهَا مع اليمين، وإن لم نُوجِبْ، فلا معنى لهذا الاختلاف، لكن لو اختلفا عَلَى العكس؛ لنفقة الولد، فقالت: ولدت منذ شَهْرٍ، فعليك نفقة الوَلَدِ لمدة شهر، وقال: بل وضعْتِ أمس، فإذا يبنى على أن الأم إذا أنفقت على الوَلَدِ أو استدانت لنفقته، هل ترجع على الأب وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
ومنها: ذكر أبو سعيد المتولِّي أنَّها لو أبرأَتِ الزوْجَ عن النفقة، فإن قلْنا: إنها للحامل، سقَطَت، وإن قلْنا: للحمل، لم تسقط، ولها المطالبة بعْد الإبراء، ولك أن تقول: إن كان الإبراء عَنْ نفقة الزمان المستقبل، فقد مَرَّ حكمه، وإن كان عَمَّا مضى، فالنفقة مصروفة إليها على القولَيْن، وقد مر أن الظاهر أنها تَصِيرُ دينًا لها حتى تصرف إليها بعْد الوضع أيضًا، فينبغي أن يصحُّ إبراؤها على القولين.
وذكر أنه لو أعتق أم ولده، وهي حاملٌ منه، لزمت نفقتها، إنْ قلْنا: إن النفقة للحمل، ولا يلزم إنْ قلنا: إنها للحامل، وأنه لو مات وترك أباه وامرأته حُبْلَى، لها مطالبة الجَدِّ بالنفقة، إن قلْنا: إن النفقة للحمل، وإن قلْنا: إنها للحامل، فلا مطالبة، وقطع في "التهذيب" بأنها لا تطَالِبُ الجَدَّ؛ لأنها نفقة مصروفة إلى الزوْجة؛ فلا يجب على غير الزوج، ويقرب منه كلام الشيخ أبي عليٍّ.
ومنْها: لو نشزت المرأة، وهي حامل، حكى القاضي ابن كج تخريجَ سقُوطِ النفقة على أنها للحامل أو للحمل؟ والصحيح سقُوطها، والتردُّد في البائنة لا في الزوجة، والله أعلم.