قال الْغَزَالِيُّ: وَهَذِهِ الجِنَايَةُ إمَّا جُرْحٌ أَوْ إبَانَةٌ أَوْ إبْطَالُ مَنْفَعَةٍ (النَّوْعُ الأَوَّلَ الجُرْحُ) وَفِي جَمِيعِهِ الحُكُومَةُ إلاَّ فِي المُوْضِحَةِ فَفِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبْلِ، فَإِنْ صَارَتْ هَاشِمَةً فَعَشْرٌ (م و)، وَإِنْ صَارَتْ مُنَقَّلَةً فَخَمْسَ عَشَرَ، وَإِنْ صَارَتْ مَأمُومَةً فَثُلُثُ الدِّيَةِ، وَكَذَا الثُّلُثُ في كُلِّ جَائِفَةٍ، وَالجَوْفُ مَا فِيهِ قُوَّةٌ مُحِيلَةٌ كَالبَطْنِ وَالدِّمَاغِ وَالمَثَانَةِ وَدَاخِلِ الشَّرْجِ، وَأَمَّا بَاطِنُ الإحلِيلِ وَالفَمِ وَدَاخِلُ الأجْفَانِ فَفِيهَا وَجْهَانِ، وَهَذِهِ المُقَدَّرَاتُ تَخْتَصُّ بِعَظْمِ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ سِوَى الجَائِفَةِ فَإنَّهَا تَتَقَدَّرُ عَلَى سَائِرِ البَدَنِ، وَأَمَّا المُنَقِّلَةُ وَالهَاشِمَةُ في سَائِرِ الْبَدَنِ فَفِيهَا الحُكُومَةُ، وَنَعْنِي بِخَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ فِي المُوضِحَةِ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ فَيَجبُ بِمِثْلِ نِسْبَتِهِ فِي الذِّمِّي وَالمَرْأَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بان في البَاب الأول قدر الدية الواجبة بقتل النفس وحقيقتها، والمقصود من هذا الباب بيان ما يجب من الدِّيَةِ فيما دون النّفس، والجناية على ما دون النفس كما سبق في باب الجراح ثلاثة أنواع: جرح، وإبانة طرف، وإزالة منفعة وإبطالها:
النوع الأول: الجراحات وهي قسمان:
الأول: غير الجَائِفة ولنتكلم في جراحات الرَّأس والوجه من هذا القسم، ثم في الجراحات الواقعة في سائر البدن، أما الواقعة في الرأس والوجه ففي الموضّحة خمس من الإبل لما روي عن عمرو بن حزم -﵁- أن النبي -ﷺ- قال في الكتاب
[ ١٠ / ٣٣٣ ]
الذي كتبه إلى أهل اليمن:"وفي المُوَضّحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ" (١).
وعن عمر -﵁ - عن النبي -ﷺ- مثله (٢)، ولا فرق بين أن تكون الموضّحة على الهَامَةِ، أو النَّاصِيَةِ، أو القذال (٣) أو الخُشَّاء وهي العَظْمة الثي تنطبق عليها صَدَفة الأذن، أو منحدر (٤) القَمَحُدوَّة إلى الرَّقبة.
وذكر في العَظْمة الواصلة بين عَمُودِ الرقبة، وكرة الرأس وجه أنها ليست في محلّ الموضحة كالرقبة، ويشبه أن تكون هي المُنْحدر المذكور، أو تكون هي منه، والجبهة من الوجه والجبينان والخَدّ وقَصَبة الأنف واللّحْيَان كلها محلّ الإيضاح، ولا فرق في ذلك بين المقبل بين اللّحيين الذي تقع به المواجهة، وبين ما تحت المقبل وإن كان ما تحت خارجًا عن حَدّ المغسول (٥) في الوضوء، وذلك لأن اسم الموضحة شامل لجميعها.
وقال مالك: الموضحة على الأنف واللّحى الأسفل لا توجب إلا الحكومة لبعدها عن الدِّمَاغ، والذي ورد أن في الموضحة خمسًا من الإبل في حقّ من تجب الدية الكاملة بقتله، وهو الحر المسلم الذكر، وهذا المبلغ نصف عشر ديته فتراعى هذه النسبة في حق غيره حتى يجب في موضحة اليهودي نصف عشر ديته، وهو بعير وثلثان، وفي موضحة المرأة نصف عشر ديتها، وهو بعيران ونصف، وفي موضّحة المجوسي ثلثا بعير، وقد ذكرنا تقدير إبدالها بالدراهم من قبل إن جعلنا للإبل بدلًا مقدرًا، هذا الذي ذكرناه ظاهر المذهب المشهور في الموضّحة. وفي شرح "مختصر الجويني" أن الإصْطَخْرِي قال: يجب في موضحة الوجه كثر الأمرين من خمس من الإبل، وقدر الشِّين يعني الحُكُومة، وأن ابن القطان حَكَى مثله عن أبي محمَّد الفارسي، ولا تفريع في هذا.
وإذا هشم العَظْم مع الإِيضاح وجب عشر من الإبل، وإن نفذ مع ذلك وجب خمسة عشر. وأما أرش المُنقّلة، فهو مروي في خبر عمرو بن حزم -﵁- منصوص عليه.
وأما وجوب العشر في الهَاشِمة، فقد حكى الإِمام عن الأصحاب خلافًا في مأخذه، وذكر أن بعضهم روى عن زيد بن ثابت -﵁- أن النبي -ﷺ- أوجب
_________________
(١) تقدمُ.
(٢) أخرجه البزار، وفي الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في السنن الأربعة، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب مرسلًا.
(٣) القذال بفتح القاف، والخشاء بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة بعدها همزة ممدودة.
(٤) في ز: متحد.
(٥) في ز: المقبول.
[ ١٠ / ٣٣٤ ]
في الهَاشِمة عشرًا من الإبل (١)، وأن منهم من قال: لم يرد فيه خبر، وإنما قدر الواجب فيه بالاجتهاد، وذلك لأنها متوسّطة بين شجتين لكل واحد منهما أرْش مقدّر، فيكون لهما أرش مقدر كالمُنَقّلة، وهذا ما يوجد لعامة الأصحاب، ورواية عن زيد -﵁- موقوف عليه وقال مالك: يجب في الهَاشِمة أرش موضّحة، وحكومة.
وفي أمالي أبي الفَرْج السَّرخسي نقل قول عن القديم كمذهب مالك، وإذا وصلت الجِرَاحَةُ إلى الخَرِيْطَةِ المُحيطة بالدِّمَاغ، وهي المأمومة، ففيها ثلث الدية، روي ذلك عن النبي -ﷺ- برواية عمر (٢) -﵁- وفي كتاب عمرو بن حزم (٣) -﵁- لأن المأمومة جراحة وصلت إلى الجَوْف، وفي الجَائِفَة ثلث الدية على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما الدَّامِغَة الخَارِقة للخريطة (٤)، ففيها طريقان ذكر الشيخ أبو حامد، ومن تابعه أن فيها ثلث الدية كالمأمومة، وأنه لا فرق بين أن تَخْرق الخريطة، أو لا تخرقها، وحكى ذلك عن نص الشَّافعي -﵁- فيما رواه القاضي الرُّوياني عن القاضي الطَّبري، وأشار إلى القطع به، وفي "المهذب" أن أقضى [القضاة] (٥) الماوردي أوجب فيها مع ثلث الدية حكومة لخرق الخريطة.
والطريقة الثانية: حكى الفوراني وجماعة أن في الدَّامِغَة تمام الدية؛ لأنها [تذففت] (٦) وعلى هذا جرى الإِمام، وقال: ليست الدامغة من الجِرَاح، وإنما توحى وتذفف تَذْفِيف حز الذقنة، والأولون كأنهم يمنعون كونها مذففة، ولو هشم العَظْم ولم يوضح، فوجهان:
أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة أن الواجب فيه الحكومة؛ لأنه كسر عَظْم بلا إيضاح، فأشبه كسر سائر العظام.
وأصحهما: وبه قال أبو إسحاق، ويقال: إن القفال قطع به أنه يجب، فيه خمس من الإبل؛ لأنه لو أوضح، وهشم وجب عشر من الإبل (٧)، ولو تجرّد الإيضاح لم
_________________
(١) أخرجه الدارقطني موقوفًا، وكذا أخرجه عبد الرزاق والبيهقي. قاله الحافظ في التلخيص.
(٢) أخرجه البيهقي وسنده ضعيف، لكنه في سنن أبي داود من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به إلا مكحولًا، فإنه فرق بين العمد، والخطإ، فقال: الثلث في الخطإ، وفي العمد ثلثا الدية. قاله الحافظ في التلخيص.
(٣) تقدم.
(٤) في هامش أ: الخريطة: الدماغ.
(٥) سقط في ز.
(٦) سقط في ز.
(٧) وتوجيهه أن جنايته هي النسبة في الإيضاح، لكن أسقطه في المحرر والمنهاج لأن البط والشق من فعل المجروح فلا يكون مضمونًا على الجاني.
[ ١٠ / ٣٣٥ ]
يجب إلا خمس، فيكون الخمس في مقابلة الهَشْم، فيجب عند تجرُّد الهَشْم. وفي "منهاج الجويني" أن الشَّافعي -﵁- نصّ على الوجه الثاني، ولو نقل العَظْم من غير إيضاح، فالواجب الحكومة، أو عشر من الإبل، فيه مثل هذين الوجهين.
وفي "الرَّقم" وغيره أن موضع الوجهين ما إذا لم يحوج الهَشْم إلى البَطّ والشَّقّ لإخراج العظم وتقويمه فإن أحوج إليه، فالذي أتى به هاشمة يجب فيه ما يجب في الهاشمة.
وإذا أوضح واحد، وهشم آخر، ونَقّل ثالث، وأمّ رابع، فعلى الأول القصاص، أو خمس من الإبل، وعلى الثاني خمس [من الإبل]، وعلى الثالث خمس [من الإبل]، وعلى الرابع فَصْل أرش المأمومة وعلى أرش المُنَقّلة، وهي ثمانية عشر وثلث، بعير هذا هو الصحيح وفي كتاب القاضي ابن كَجّ وغيره وجه آخر أنهم يجعلون شركاء [في] (١) المأمومة، فيكون ثلث الدية (٢) عليهم أرباعًا، ولو جاء خامس وخَرَق خَرِيطَة الدِّمَاغ، ففي "التهذيب" أن عليه دِيَةَ النفس كمن حَزَّ رقبة إنسان بعد ما قطعت أطرافه، وهذا على طريقة من قال: إن الدامغة مذففة، وأما ما قبل الموضّحة من الشّجَاج كالدَّامِيَة (٣) والخَارِصة والبَاضِعَة والمتلاحمة فليس فيها أرش مقدر؛ لأن التقدير يعتمد التوقيف، ولم يرد فيه توقيف، وقد روي عن مكحول -﵀- مرسلًا أن النبي -ﷺ- جعل في الموضّحة خمسًا من الإبل (٤)، ولم يوقف فيما دون ذلك شيئًا، ثم منهم من أطلق بأن الواجب فيها الحكومة.
وقال الأكثرون (٥): إن لم يمكن معرفة قدرها من الموضحة، فكلذلك، ولا تبلغ حكومتها أرش موضحة، وإن أمكن أن يعرف قدرها بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها البَاضِعة أو المتلاحمة عرف أن المقطوع نصف، أو ثلث في عمق اللحم، فيجب قسطه من أرش الموضحة، كان شككنا في قدرها من الموضّحة أوجبنا التَّعيين. قال الأصحاب: وتعتبر مع ذلك الحكومة، ويجب أكثر الأمرين من الحُكُومة، وما
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: الثلث.
(٣) في أ: الدامغة.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق ابن إسحاق عنه به وأتم منه، وروى عبد الرزاق عن شيخ له عن الحسن: أن رسول الله -ﷺ- لم يقض فيما دون الموضحة بشيء، ورواه البيهقي عن ابن شهاب وربيعة وأبي الزناد وإسحاق بن أبي طلحة مرسلًا. قاله الحافظ في التلخيص.
(٥) ما نقله عن الأكثرين قد نوزع فيه فإن الذي نسبه الماوردي لجمهور الأصحاب إنما هو وجه الحكومة وهو ظاهر نص الشَّافعي وكأنه يشير إلى قوله في الأم ولم أعلم أن رسول الله -ﷺ- قضى فيما دون الموضحة من الشجاج بشيء.
[ ١٠ / ٣٣٦ ]
يقتضيه التّقسيط؛ لأنه وجد بسبب كلّ واحد منهما فيعتبر الأكثر كما سَيَأتي في قَطْع بعض اللسان، وذهاب بعض الكلام.
وعن الشيخ أبي محمد أن الخلاف في أن الواجب في المُتَلاَحِمَةِ الحكومة، أو يقدر أَرْشُهَا بالنسبة إلى العُمْق مبني على الخلاف الذي تقدّم في أنه هل يجب في المُتَلاَحمة القصاص؟ هذا الكلام في الجراحات على الوجه والرأس.
وأما الجراحات على سائر البَدَنِ فليس في إيضاح عِظَامه، ولا هَشْمها ولا في النَّقْل أرش مقدر، ووجهوه أن الأخبار الواردة كالموضّحة والهَاشِمة والمُنَقّلة لا يتناولها من جِهَةِ اللَّفْظ لاختصاص هذه الأشياء بجراحات الرأس والوجه، كاختصاص اسم الشِّجَاج، وليست هي في معانيها (١)؛ لأن الخوف والخَطَر في جراحات الرأس والوجه أعظم والشَّيْن فيها أشدّ تاثيرًا لوقوع النظر عليهما، وتعلّق الجَمَال بهما، وأيضًا فأرش نفس العضو لا ينبغي أن ينقص عن أرش الجناية على العضو، وليس في الأُنْمُلَة الواحدة إلا ثلاثة أبْعِرَة وثلث، فكيف نوجب في إيضاح عظمها خمسًا من الإبل؟
القسم الثاني: من الجراحات الجَائِفة، ففيها ثلث الدية لما روي في كتاب عمرو بن حزم -﵁- عن النبي -ﷺ-: " أنَّ فِي الجَائِفَةِ ثُلَثَ الدِّيَةِ". وعن رواية عمر -﵁- مثله، والجائفة الجِرَاحة الوَاصِلَة إلى الجَوْف كالمأمومة الواصلة إلى أم الدِّمَاغ، وكذا الجراحة الواصلة إلى الجوف من البَطْن، أو الصدر، أو ثغرة النحر، أو الجنينِ، أو الخَاصِرة أو الورك أو من العجان إلى داخل الشرج والعجان هو ما بين الخصية والفَتْحة، وكذا الجراحة النَافِذَة إلى الحَلق من القَفَا أو الجانب المقبل (٢) من الرَّقَبة، والنَّافذة إلى (٣) المَثَانة (٤) من العانة، وفي النّافذة إلى مَمَّر البَوْل من الذَّكَر وجهان:
أحدهما: أنها جائفة لحصولها من الظَّاهر والباطن.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لا يعدّ من الأجواف، وليس فيه قوة تحيل الغذاء والدواء، وإنما يقدر الأرش في الجِرَاحَةِ الوَاصلة إلى الجوف الذي فيه هذه القوة لزيادة الخَطَر فيها، ولو نفذت الجراحة إلى داخل الفَمِ بهشم الخَدّ أو اللّحى، أو بخرق الشَّفة، أو الشّدق، أو إلى داخل الأنف بهشم القّصَبة، أو بخرق المَارِن، فهل هي جائفة؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنها جراحة وصلت إلى الباطن من الظَّاهر، فأشبهت الجراحة الواصلة إلى جوف الرأس والبطن.
_________________
(١) في أ: معناها.
(٢) في ز: المقفل.
(٣) في ز: من.
(٤) في ز: إلى.
[ ١٠ / ٣٣٧ ]
وأظهرهما: المنع؛ لأنهما ليسا من الأجواف الباطنة، ألا ترى أنه لا يحصل الفِطْر بما يصل إليهما، ولا يعظم فيهما الخَطَر، بخلاف ما يصل إلى جوف الرأس والبطن.
ومنهم من خصصِ الخلاف بما إذا نفذت الجِرَاحة إلى الفم والأنف بِهَشْمِ العظم، وقطع فيما إذا نفذت بِخرْقِ الشَّفَةِ وَالمَارن أنها لا تكون جائفة، فإن جعلنا الجراحة النافذة إلى الفم والأنف جائفة، فكذلك وإلا ففي (١) صورة هشم (٢) العظم يجب أرش هاشمة (٣)، أو منقلة وزيادة حكومة للنفوذ إلى الفم والأنف، ولا تدخل حكومة الخرق في أرش الهاشمة أو المنَقِّلة؛ لأنها جناية أخرى، ويجري مثل الخلاف المذكور في الجِرَاحة الواصلة إلى الفم والأنف في الجراحة الخارقة للجفن إلى بيضة العين، ففي وجه هي جائفة.
وفي وجه ليس فيها إلا الحكومة وهو الأظهر، ولو وضع السِّكِّين على الكَتِفِ وحَزَّه حتى بلغ البَطْن، أو على الفَخِذِ وَحَزّه (٤) حتى بلغ البطن، وأجَاف فعليه مع أرش الجائفة حكومة بجراحة الكتف والفَخِذ فإنها في غير محل الجائفة، وبخلاف ما لو وضعه على صدره وحَزَّه حتى أجَاف في البطن، أو في ثغرة النحر حيث لا تجب الحكومة مع أرش الجائفة؛ لأن جميعه على الجائفة، ولو أجاف في جميعه لم يلزم إلاَّ أرش الجائفة، فلأن لا يلزم الجائفة في البعض كان أولى.
ولا فرّق بين أن يجيف بحديدة، أو بخشبة محددة (٥) الرأس (٦) ولا [فرق] بين أن تكون الجائفة واسعةً أو ضيقة حتى لو غَرَزَ فيه إبْرَة، فوصلت إلى الجَوْف، فقد أجافه.
وعن ابن القَطَّان أن من الأصحاب من قال: إنما يعطى له حكم الجائفة إذا قال أهل الخبرة: إنه يخاف منه الهلاك.
وقوله في الكتاب: " ففيها خمس من الإبل" معلم بـ"الواو".
وقوله: "في الهاشمة" معلم بالميم والواو.
وقوله: "والجوف ما فيه قُوَّة مُحِيلةً ليس المقصود منه حَصْر الجوف، والجائفة فيما فيه قوة محيلة للخلاف المذكور على الأثر في باطن الإِحْلِيل، وباقي المَسَائل فإن من يقول: إن الجراحة الواصلة إليها جائفة لا يقول بالحصرَ، ولكن الغرض أن نبيّن أن الواصل إلى ما فيه تلك القوة جائفة بالاتِّفَاق، وفي الواصلة إلى سائر الأجواف خلاف.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: جائفة.
(٤) في ز: وجرّه.
(٥) في ز: مخففة.
(٦) قضيته اشتراط التحديد سواء كان تحديدًا أو بغيره من المحدود.
[ ١٠ / ٣٣٨ ]
وقوله: "فأما المُنَقِّلة والهاشمة في سَائِرِ البَدَن، ففيها الحكومة" مستغنًى عنه؛ لأنه قد ذكر من قبل أن في الجُرُوحِ جميعها الحكومة إلا في الموضّحة والهاشمة والمُنَقّلة والمأمومة والجائفة، وبين أن التقدير فيما سوى الجَائِفَةِ تخصيص بالرأس والوجهه، والمقدّمتان معرفان أن الهاشمة والمنقلة في سائر البدن لا ينفذ الواجب فيها.
وقوله: "ونعني بخمس من الإبل في الموضحة " إلى آخره المراد به: أن الخمس بعينها لا تجب أرشًا في كل موضِّحة، وإنما تجب في موضحة الرجل الكامل، وهو نصف عشر ديته، فتقاس به موضحة غيره كما بَيَّنَّا.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا اتَّحَدَتِ المُوضِحَةُ فَأَرْشٌ وَاحِدٌ وَلَوِ اسْتَوْعَبَ الرَّأْسَ، وَتَعَدُّدُهَا إمَّا بِاخْتِلاَفِ الصُّورَةِ أو المَحَلِّ أو الحُكْمِ أَوِ الْفَاعِلِ (أَمَّا الصُّورَةُ) فَمُوَضِّحَتَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ فِيهِمَا أَرْشَانِ، فَإنْ رَفَعَ الجَانِي الحَاجِزَ تَدَاخَلَ الكُلُّ إِلَى وَاحِدٍ، وَإِنْ رَفَعَ غَيْرَهُ لَمْ يَتَدَاخَلْ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ المُوَّضِّحَتَيْنِ حَاجِزٌ سِوَي الجِلْدِ أَوِ اللَّحْمِ اتَّحَدَ عَلَى وَجْهٍ، وَتَعَدَّدَ عَلَى وَجْهٍ، وَيَتَّحِدُ بِبَقَاءِ اللَّحْمِ دُونَ الجِلْدِ عَلَى وَجْهٍ (وَتَعَدُّدُ المَحَلِّ) بِأنْ يُخْرِجَ المُوَضِّحَةُ الوَاحِدَةِ مِنَ الرَّأْسِ إلَى الجَبهَةِ، وَفِي تَعَدُّدِ الأَرْشِ وَجْهَانِ (وَتَعَدُّدُ الفَاعِلِ) بِأَنْ يُوَسِّعَ إنْسَانٌ مُوَضِّحَةَ غَيْرِهِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَرْشٌ، وإِنْ كَانَ هُوَ المُوَسِّعَ لمْ يَزدْ إِلَى الأَرْشِ (وَتَعَدُّدُ الحُكْمِ) بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُ المُوَضِّحَةَ عَمْدًا وَبَعْضُهَا خَطَأً أَوْ بَعْضُهَا قصَاصًا وَبَعْضُهَا عُدْوَانًا، وَفِي نُزُولِهِ مَنْزِلَةَ تَعَدُّدِ الصُّورَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لاَ فَرْقَ بين أن تكون الموضّحة صغيرة أو كبيرة واسعةً، ولا يجب فيها إلا خمس من الإبل، ويتبع اسم المُوَضِّحة، ولا فرق بين البارزة والمَسْتُورة بالشَّعَرِ، ولا بين التي يتولد منها شَيْن قبيح، وبين التي لا يتولّد، وإذا تعددت الموضّحة تعدد الأرش، وتعددها يفرض بأسباب:
أحدها: اختلاف الصورة بأن أوضح رأسه في موضعين، وبقي الجلد واللحم بينهما كما كانا فيجب أرْشَان، ولا فرق بين أن يرفع الحديدة عن موضحة ثم يضعها على موضع آخَر، فيوضحه، وبين أنْ يَجُرَّها على الرأس موضع الإيضاح إلى أن يتحامل عليها في موضع آخر، فيوضحه والجلد واللحم بينهما سليمان.
وحكى الإِمام في الحالة الثانية وجهًا ضعيفًا أن الحاصل موضِّحة واحدة لاتحاد الفِعْلِ، وتواصل الحركات، ولو كثرت المَواضِح، تعدد الأرش بحسبها، فلا ضبط.
وفيه وجه أنها إذا كثرت، وصارت بحيث لو أوجبنا لكل واحد خمسًا من الإبل لزاد المبلغ على دية النفس، فلا نوجب أكثر من دية النفس، كما أنا على قول لا نوجب
[ ١٠ / ٣٣٩ ]
[في] (١) قَلْع الأسنان كلها إلا دية النفس، والصحيح الأول، وقطع به القاضي ابن كَجٍّ، وفرق بين الموضِّحات، والأسنان بأن الأسنان معلومة مَضْبُوطة كالأصابع، فجاز ألا يزاد بَدَلها على دية النفس كالأصابع والموضحات ليست مضبوطة قدرًا ولا عددًا، فيجب (٢) أرشها بحسب وجودها، ولو لم يَبْقَ الحاجز من موضعي الاِيضاح بكماله، ولكن بقي الجلد دون اللحم، أو بالعكس ففيه وجوه جمعها الإِمام وصاحب الكتاب.
وأصحها: أن الحاصل موضّحة واحدة، وإنما يثبت التعدد إذا اتفقا جميعًا؛ لأنه إذا زال أحدهما، فقد أثبت الجناية على الموضع كله، وهي فيما بين موضعي الإيضاح متلاحمة، أو نحوها، ولو استوعب الإيضاح الموضع كله لما وجب إلا أرش واحد، فهاهنا أولى.
والثاني: أن الحاصل موضِّحتان، ويكتفي بما بقي منهما حاجزًا اتباعًا لصورة الوضوح (٣).
والثالث: أن اللحم وحده يصلح حاجزًا دون الجَلْدِ، فإن بقي الجلد وحده (٤) فهي موضحة واحدة كان بقي اللحم وحده، فهما موضحتان؛ لأن اللحم هو الساتر للعظم المنطبق عليه، فيكون الاعتبار به.
والرابع: أن الجلد يصلح حاجزًا دون اللحم، فهذا بقي الجلد، فهما موضِّحتان؛ لأن الجلد هو الذي يظهر للناظرين، فهذا بقي على اتصاله لم يكن العظم واضحًا، ومنهم من قطع بأن اللحم وحده لا يصلح حاجزًا، ونفى الوجه الثالث.
وإذا قلنا: لا يثبت التعدُّد إلا إذا بقيا جميعًا، فلو أوضح في موضعين. ثم أوغل الحديدة ونفذها من الموضّحة إلى الموضحة في الداخل، ثم سَلَّهَا، فهل يقال بأنهما اتَّحَدَا؟ حكى الإِمام فيه وجهين، ولو عاد الجاني [ورفع الحاجز] (٥) بين الموضّحتين قبل الانْدِمَالِ عاد الأرْشَان إلى واحد، وكان كما لو أوضح في الابتداء موضِّحة واسعة.
قال الإِمام: وهذا مستمرّ على النَّص في تداخل الدِّيَات إذا قطع يديه ورجليه، ثم حَزّ رقبته.
وخرج ابْنُ سريج أنها لا تتداخل على ما سيأتي إن شاء الله -تعالى- فعلى قضية تخريجه يلزم هاهنا برفع الحاجز أرش ثالث، ونقل القاضي ابن كَجّ وجهًا أنه لا يجب عليه لدفع الحاجز شيء، لكن لا يسقط (٦) به شيء من الأرش؛ لأن زيادة الجِنَاية تبعد
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: فجاز.
(٣) في ز: الموضوح.
(٤) سقط في ز.
(٥) سقط في ز.
(٦) في ز: الإسقاط.
[ ١٠ / ٣٤٠ ]
أن تكون مسقطة لما وجب ظَاهر المذهب الأول، ولو تآكل (١) الحاجز بينهما كان كما لو رفعه الجَاني؛ لأن الحاصل بِسَرَايَةِ فعله منسوب إليه (٢) كالحاصل بفعله، ولو رفع الجلد أو (٣) اللحم أو تآكل أحدهما دون الآخر، ففيه الخلاف المذكور، ولو رفع الحاجز غير (٤) الجاني، فعليه أرش موضحة، وعلى الأول أرشان، ولا يبنى فعل الثاني على فعل الأول، بخلاف ما إذا كان الجاني واحدًا، ولو رفعه المجني عليه، ففعله هدر، ولا يسقط به شيء مما وجب على الجاني، ولو أوضح رأسه اثنان كلّ واحد منهما موضحة، فتآكل الحاجز بينهما عادتا إلى واحدة، وعلى كل واحد منهما نصف الأرش، ولو اشتركا في موضّحتين، ثم رفع أحدهما الحاجز بينهما، فعلى الذي رفع نصف أرش موضّحة، وعلى الآخر أرش موضحة؛ لأنهما عادتا إلى موضحة واحدة في حق رافع الحاجز، دون الآخر ذكره في "البيان" ولو شَجَّه شَجَّةً منها مُتَلاَحمة أو سِمْحَاق، ومنها موضحة، فالواجب فيهما أرْش موضِّحة وتدخل فيه حكومة المُتَلاَحمة والسِّمْحَاق؛ لأنها لو كانت موضحة بأسرها لم يجب إلا أرش موضّحة، فههنا أولى، وإذا اقتصّ فيها من الموضحة، فهل له أخذ الحكومة لما حولها من المُتَلاَحمة والسِّمْحَاق؟
قال صاحب "التهذيب" يحتمل أن يكون على وجهين كما لو قطع يده من نصف الكَفّ فاقتصّ المجني عليه من الأصابع، هل له حكومة نصف الكف؟ فيه وجهان:
والسبب الثاني: اختلاف المحل، فلو نزل في الإيضاح من الرأس إلى الجبهة، إما لشمول [اسم] (٥) الإيضاح، أو بأن أوضح شيئًا من الرأس، وشيئًا من الوجه وجرح (٦) بينهما جراحة، دون الموضحة، ففيه وجهان:
_________________
(١) في ز: تأكد.
(٢) وهذا نص عليه الشَّافعي في الأم وجرى عليه الأصحاب وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه أنه لا خلاف فيه، وحاول ابن الرفعة تخريج وجه فيه موضعين أحدهما: أن السراية إلى الاجسام في جناية العمد هل يكون أرشها في مال الجاني حالًا أو على العاقلة إلحاقًا له بالخطأ وفيه وجهان تفريعًا على الأصح له لا قصاص فيها. ثانيها: أن يتفرع الإيضاح الواحد إلى عمد وخطأ هل يكون كاختلاف الجاني أم لا وفيه خلاف وحينئذ فيقال إن كان جرح كل موضحة عمدًا وقلنا، إن العمد كالخطأ وإن اختلاف الموضحة الواحدة إلى عمد وخطأ كموضحتين من شخصين لم يتحد الأرش بل يجب ثلاث أروش واحد على العاقلة واثنان على الجاني والأوجب أرش واحد على الجاني في وجه، وعليه وعلى عاقلته في آخر. وإن كان جرح كل من الموضحة خطأ بأرش ما سرى إليه الجري على العاقلة، ولو كان جرح كل موضحة خطأ اتخذ الأرش عند السريان جزمًا.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: عند.
(٥) سقط في ز.
(٦) في ز: وخرج.
[ ١٠ / ٣٤١ ]
أحدهما: أن الحاصل موضحة واحدة، والواجب أرش واحد؛ لأن الجبهة (١) والرأس كليهما محلّ الإيضاح، فأشبه ما إذا أوضح رأسه في موضعين، وجرح ما بينهما.
وأصحهما: أن الحاصل موضحتان؛ لأن الرأس والوجه عُضْوَان مختلفان، ولهذا قلنا: لو أوضح رأس غيره، ورأس الشَّاجّ أصغر من رأسه لا يجوز النزول في القصاص إلى الجَبْهَةِ، وذلك لاختلاف المحلين (٢)، ولو شملت الموضّحة الجبهة، والوَجْنة.
قال الإِمام: في الاتحاد تردد، والأظهر الاتحاد تنزيلًا لأجزاء الوجه منزلة أجزاء الرأس، وقد سبق في القِصَاصِ حكاية وجه أنه إذا كانت ناصية الجَانِي أصغر لا يعدل إلى غير الناصية، فقضية ذلك الوجه إذا وقعت المُوَضّحة على متصل الناصية وغيرها من أجزاء الرأس، ولو حَزّ السكين من موضحة الرأس إلى القَفَا وجرح (٣) مع الإيضاح، أو دونه فعليه مع أرش الموضحة حكومة لجراحة القَفَا؛ لأن القفا ليس محلّ الموضحة، ولو حَزّ السكين من موضع الرأس إلى الجبهة، وجرحها جراحة متلاحمة.
فإن قلنا: لو أوضح في الجبهة أيضًا كان الحاصل موضّحة واحدة دخلت حكلومة جراحة الجبهة في أرْش موضحة الرأس. وإن قلنا: الحاصل جراحة وجب حكومة جراحة الجَبْهة مع أرش الموضحة، كما ذكرنا في جراحة القَفَا.
والثالث: تعدّد الفاعل، وذلك بأن أوضح رأس إنسان، فجاء آخر ووسَّع تلك الموضَّحة، وزاد في الإيضاح أو أوضح قطعة متّصلة بطرف موضحة الأول، فيجب على الثاني أرش كامل أيضًا، وإن كانت الموضحة واحدة في الصورة، وإن وسع الأول الموضّحة والصحيح وهو المذكور في الكتاب أنه لا يلزمه إلا أرش واحد، كما لو أوضح أولًا (٤) كذلك. وفيه وجه آخر (٥) أنه كما لو وسع غيره، وهذا الخلاف كالخلاف المذكور فيما إذا رفع الحاجز بين موضحتيه.
والرابع: اختلاف الحكم بأن أوضح موضحة واحدة هو في بعضها مخطئ، وفي بعضها متعمد، أو أوضح موضحة هو في بعضها مقتص، وفي بعضها متعدٍ ففيه وجهان:
أحدهما: أن الحاصل موضّحة واحدة لاتحاد الصورة، والجاني، والمحلّ.
وأظهرهما: موضّحتان؛ لأن اختلاف البعضين في الحكم كاختلاف الجاني والمحلّ، أو أعظم منه.
_________________
(١) في ز: الجهة.
(٢) في ز: المجلس.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: ولا.
(٥) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٤٢ ]
وإن قلنا بالأول وزّع الأرش على البعضين (١).
وإن قلنا بالثاني، فيجب أرش كامل لما تعدّى به، والصورة الثانية وهي أن يكون تبعيضها قِصَاصًا، أو بعضها عُدْوانًا مذكور في الكتاب في باب "الجراح" مرة.
ولو أوضح موضحتين عمدًا، أو رفع الحاجز بينهما خطأ، وقلنا: بالصحيح أنه لو رفع عمدًا تداخل الأَرْشَان، ففيه وجهان لاختلاف الحكم، فإن جعلناه مؤثرًا، فعليه أرش ثالث، وإلا لم يلزم إلا واحد (٢).
وقوله في الكتاب:"فأرش واحد وإن استوعب الرأس" قد حكينا ترددًا في أن اختلاف أطراف الوجه، هل توجب تعدّد الموضحة الواقعة عليها؟ وبَيَّنا في أطراف الرأس وأجزائه ما يقتضي طرد هذا التردُّد فيها (٣).
وقضية ذلك أن يعلم قوله: "وإن استوعب الرأس" بـ"الواو".
وقوله: "تداخل الكل إلى واحدة" معلم بـ"الواو"، ويجوز أن يعلم بهذا الوجه الثالث في مسألة الجلد واللحم (٤) لما ذكرنا أن منهم من نَفَاه، وقوله: "لم يزد الأرش" كذلك.
قال الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُتَلاَحِمَةُ فَوَاجِبُهَا حُكُومَةٌ، وَقِيلَ: يَتَقَدَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى المُوَضِّحَةِ، وَتَعَدُّدُ الجَائِفَةِ وَاتِّحَادُهَا بِارْتفَاعِ الحَاجِزِ كَتَعَدُّدِ المُوَضِّحَةِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ بِمِشْقَصٍ فِي بَطْنِهِ فَجَائِفَتَانِ فيَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشَانِ، وَإِنْ نَفَذَ سَنَّانِ وَاحِدٌ مِنَ البَطْنِ إلَى الظَّهْرِ فَهُوَ أَيْضًا جَائِفَتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْتِحَامُ المُوَضِّحَةِ وَالجَائِفَةِ لاَ يُوجِبُ سُقُوطَ الأَرْشِ بِخِلاَفِ عَوْدِ السِّنِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
إحداها: ذكرنا في الفصل الأول من الباب أن المتلاحمة ليس لها أرش مقدر، وأن منهم من أطلق القول بأن فيها الحكومة.
ومنهم من قال: ينسب إلى الموضحة إن أمكن معرفة النسبة، وفرض الإمكان فيها إذا كان على رأسه موضحة قريبة من المُتَلاَحمة، فيقاس بها المَقْطُوع من المتلاحمة،
_________________
(١) في ز: التبعيض.
(٢) قال النووي في زوائده أرجحهما: أرش فقط. والله أعلم. وتعقبه الزركشي فقال: هذا ترجيح عجيب، فإن كلام الشَّافعي مصرح بترجيح ثالث فإنه قال: فيه وجهان لاختلاف الحكم فإن جعلنا مؤثرًا فعليه أرش ثالث في مسألتنا.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٤٣ ]
وقد ذكرنا في القِصَاص أن بعضهم اعتمد غمر الرأس والضبط بالنجمين، وإذا جاز اعتماد ذلك في القصاص فأولى أن يجوز في الدية.
الثانية: يتعدد أرش الجَائِفَةِ بِتعدّدها، فلو أجاف جائفتين، ثم رفع الحاجز بينهما، أو تآكل ما بينهما، ورفعه غير الجاني، فعلى ما ذكرنا في المُوَضّحة، وتتعدد الجائفة بتعدد الصورة بأن يجرحه جِرَاحتين نَافذتين إلى الجَوْف، فإن بقي بينهما الجلدة الظاهرة، وانْخَرَقَ ما تَحْتَهَا أو بالعكس، فيشبه أن يكون الحكم كما ذكرنا في المُوَضِّحة، ويتعدد المحلّ بأن ينفذ جراحتين إلى جوفين، ويتعدد الفاعل بأن يوسع جائفة غيره، وفصله الأصحاب فقالوا: إن أدخل السِّكين في جائفة غيره، ولم يقطع شيئًا، فلا ضمان عليه ويعزر، وإن قطع شيئًا من الظاهر دون الباطن، أو بالعكس، فعليه حكومة، وإن قطع من جانب بعض الظَّاهر، ومن جانب بعض الباطن.
قال في "التتمة": ينظر في ثَخَانَةِ الجلد واللَّحم، ويقسط أرش الجائفة على المَقْطُوع من الجانبين، وقد يقتضي التَّقسيط تمام الأرش بأن قطع نصف الظاهر من جانب، ونصف الباطن من جانب، ولو لم يقطع من أطراف الجائفة شيئًا، ولكن زاد في غورها (١)، أو كان قد ظهر عُضو باطن كالكَبدِ والطَّحال، فغرز السِّكين فيه، فعليه الحكومة، ولو عاد الجاني، ووسع الجَائفة، أَو زاد في غورها لم يزد الواجب، وكان كما لو أجاف ابتداء كذلك، ويمكن أن يعود فيه الوجه في تَوْسِعَةِ الموضّحة، ويجيء في اختلاف حكم الجَائِفَةِ، وانقسامها إلى عمد (٢) وخطأ ما سبق في الموضحة، ولو ضربه بسنان أو مِشْقَصٍ له رأسان، فنفذ إلى جوفه (٣) والحاجز بينهما سليم، فهما جائفتان كما لو نفذهما بآلتين وبضربتين ولو طعنه ونفذ السِّنَان من البَطْنِ حتى خرج من الظَّهْر، أو من أحد الجَنْبين إلى الآخر، ففيه وجهان ويقال: قولان:
أصحهما: ويحكى عن مالك أن الحاصل جائفتان لما روي عن أبي بكر -﵁- أنه قضى فيه بثلثي الدية، ولم يُخَالَفْ، وأيضًا فإنه جرحه جراحتين نافذتين إلى الجوف.
والثاني: أن الحاصل جائفة واحدة، ولأن الثانية نفذت (٤) إلى الظاهر من الباطن، والجائفة: هي التي تنفذ إلى الجوف من الظَّاهر.
وفي "الشامل" نسبة هذا إلى أبي حنيفة.
وفي "التهذيب" وغيره أن مذهبه كالأول.
_________________
(١) في ز: عددها.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: الوجه.
(٤) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٤٤ ]
وإذا قلنا بالوجه الثاني فقد قيل: لا يجب إلا أرش واحد، والأظهر وهو رواية ابن القَطَّان وغيره أنه يجب حكومة أيضًا للجراحة الحاصلة في الظهر.
الثالثة: إذا أوضح رأسه فاندمل أطراف الجِرَاحَةِ وبقي شيء من العَظْم بارز لم يسقط شيء في الأرش، وإن التحم الموضع، ولم يبق شيء بارز من العَظْم، فكذلك على ظاهر المَذْهب.
وفي "التتمة" أنه إن لم يبق شيء ولا أثر، فقد خرج وجه من مسألة عود السّن أنه يسقط الأرش.
وإن بقي شَيْن بارز فيعود الواجب إلى الحكومة أخذًا من وجه مثله نذكره في الجَائِفَةِ، وفرق على المذهب بأن السّن لا يعود في العادة، والواجب فيه واجب للخلل (١) الحاصل بِفَقْدِ السن، وإذا عاد فلا (٢) خَلَلٍ والموضحة تَنْدَمِلُ إذا لم يَسُرِ، فلو كان الواجب فيها يسقط بالاندمال لكانت الموضِّحة كسن الصبي الذي لم يثغر، ولما وجب فيها شيء في الحَالِ، ولما وجب علم أنه وجب في مقابلة الجزء (٣) الذي ذهب، والآلام التي لحقت (٤) المجني عليه، والمذهب في الجائفة أيضًا أنها إذا اندملت لم يسقط الأرش، ولا شيء فيه.
وعن صاحب "الإفصاح" وجه أنه يعود الواجب إلى الحكومة تخريجًا عن نصّ الشَّافعي -﵁- فيما إذا أفضى امرأة فالتحم الموضع أن عليه الحكومة.
وفي "التهذيب" أن بعضهم خرج على القولين في سقوط الأرش عنه عَوْد الشَّين.
قال الإِمام: ولا يتصور عند (٥) من قال بسقوط الأرش ثبوت أرش الجناية مستقرًا (٦) إلا أن يفرض إجَافة جانٍ (٧) وحَزّ الرقبة من آخر، وإلا فالجائفة إذا لم تَسْرِ يكون انْدِمَالِهَا كالْتِحَامها، وفرق بين الجائفة والإفضاء بمثل ما سبق وهو أن الواجب هناك واجب لزوال الحاجز، فإذا التحم عرف أنه لم يزل وفي الجَائِفَةِ ما وجب، وإنما وجب لنفوذ الجراحة، فإذا التحمت الموضّحة، أو الجائفة فجاء جَانٍ إما الأول أو غيره وأوضح في ذلك الموضع أو أجاف، فعليه أرش آخر إن كان الالتحام قد تَمَّ، سواء نبت عليه الشّعر، أو لم ينبت، وسواء كان متغير اللّون مشينًا، أو لم يكن، وإن لم يتم الالْتِحَام، فعليه الحكلومة دون تَمَام الأرش، ولو نزع الخَيْط الذي خيطت الجَائِفة به قبل
_________________
(١) في ز: للحلّ.
(٢) في ز: فإذا أعاد بلا.
(٣) في ز: الحُرّ.
(٤) في ز: تحققت.
(٥) في ز: عنه.
(٦) في ز: مستندًا.
(٧) في ز: جاز.
[ ١٠ / ٣٤٥ ]
أن يلتحم، فعليه التعزير وأجرة مثل الخِيَاطة، أو ضمان الخيط إن تَلِف، ولا أرش ولا حكومة، وإن التحمت ظاهرًا وباطنًا، فانفتحت فهي جَائِفة جديدة، وكذا لو انفتح جانب منها بعد تمام الْتِحَامِهِ، فإن التحم ظاهرها دون باطنها أو بالعكس، فعليه الحكومة دون الأرش التام، ولا يجب مع الأرش أو الحكومة أجرة الخَيَّاط، لكن يجب ضمان الخَيْط إن تلف.
وقوله في الكتاب: وقيل إنه "يتقدر بالنسبة إلى الموضِّحة" صوَّر أكثرهم التقدير (١) فيما إذا كان بقربها موضّحة يقاس بها سُمْك المقطوع على مَا مَرّ، ويمكن حمل اللفظ على التقدير بالاجتهاد والتخمين، وإن لم يكن هناك مُوَضِّحة وقد بَيَّنَّا ذلك أيضًا.
وقوله: "وتعدد الجائفة واتحادها " إلى آخره مقصوده: أن ننظر في سَبَبِ الارتفاع إن ارتفع بفعل الجَانِي اتحدت الجناية، وإن ارتفع بفعل غيره لم يتَحَّد.
وقوله: "ولو ضربه بِمِشْقَص في بطنه" يعني: فأجافه في موضعين (٢) والمِشْقَصُ ما طال من النِّصَال، وعرض وقد يتشعب شُعْبَتَيْنِ، وهو المقصود هاهنا.
وقوله: "لا يوجب سقوط الأرش" معلم بـ"الواو" لما نقلنا وقد تخصص العلامة في النُّسخ بالجائفة؛ لأن صاحب الكتاب في "الوسيط" خصّص وجه السقوط بالجائفة، ولم يثبته في الموضحة. فروع وصور تتعلّق بما نحن فيه.
غرز إبْرة في رأس إنسان حتى انتهت إلى العَظْم وسَلَّها، هل هي موضِّحة؟ خرجه الإِمام على وجهين (٣).
وقال: يرجع التردُّد إلى أن الاعتبار بما يشقّ إلى العظم، أو بما يسمى موضِّحة، والظاهر المشهور أنها موضحة، والموضحة التي حصل الهشم (٤) في بعضها دون البعض ليس فيها إلا أرش هاشمة كما مر أن الشجة التي حصل الإيضاح (٥) في بعضها دون بعض ليس فيها إلا أرش موضحة.
أوضح وهشم في موضعين واتَّصل الهشم بينهما في الباطن فوجهان:
أحدهما: أن الحاصل هَشْمه واحدة لاتصال الكسر، وان بقي اللحم والجلد حاجزًا بين الموضحتين.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
(٣) ويشهد لتخريج الإِمام قول ابن القطان في فروعه أنه إذا غرز ابرة برأسه فليس ذلك بموضحة لأنه لم يفعل فعلًا بان منه العظم والموضحة ما وضح منها العظم. هذا كلامه.
(٤) في ز: يحصل السهم.
(٥) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٤٦ ]
والثاني: أنهما هَاشِمتان، وهذا ما اقتصر على إيراده جماعة منهم صاحب "الشامل"، ووجّهوه بأن الهاشمة تتبع المُوَضّحة، وقد وجدت الموضِّحتان فيتعدد، الهشم بتعددهما. أوضح في مواضع متفرقة، وهشم في كلّ واحد منهما، فهي هَاشِمَتَانِ متعددة وحكى القاضي ابن كَجّ عن ابن القَطَّان وجهًا غير موجّه أنها تجعل موضحات وهاشمة واحدة.
وفي "المهذب" أنه لو أدخل حديدة أو خشبة في دُبر إنسان، وخرق حاجزًا في الباطن (١) هل عليه أرش جائفة. فيه وجهان (٢) بناء على الوجهين في أن خَرْقَ الحاجز بين الموضِّحتين في الباطن، هل يكون كَخَرْقِ الظاهر حتى لا يلزم إلا أرش موضّحة واحدة.
شَجَّة متلاحمة وجاء آخر (٣) وأوضح في ذلك الموضع بقطع ما بقي من اللحم، فعلى كل واحد منهما الحكومة، ولينظر فيه إلى ما مَرّ من تقدير السُّمك عند الإمكان.
أجافه وتكأفى بعض الأعضاء الباطنة كالأمعاء، فعليه مع أرش الجَائِفة حُكُومَة.
قال الْغَزَالِيُّ: فَإنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى الحُكُومَةِ قُلْنَا أَنْ يُقَدَّرَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا فَيُقَالُ: قيمَتُهُ دُونَ الجِنَايَةِ عَشَرَةٌ وَمَعَ الجِنَايَةُ تِسْعَةٌ فَالتَّفَاوُتُ عَشْرٌ فَيَجِبُ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّرَفِ المَجْرُوحِ فَلاَ يُزَادُ حُكُومَةُ جِرَاحَةِ الأُصْبُعِ عَلَى دِيَةِ الأَصْبُعِ وَلاَ حُكُومَة الكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَعَظْمِ العَضُدِ عَلَى دِيَةِ الأصَابع الخَمْس، وَلاَ بَأْسِ بِزِيَادةِ حُكُومَةِ كَفٍّ عَلَى دِيَةِ أُصْبُعٍ وَاحِدٍ، وَاليَدُ الشَّلاَّءُ يُزَادُ حُكَومَتُهَا عَلَى أَصْبُعٍ، وَيُنْقَصُ عَن اليَد الصَّحيحَة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تكلم هاهنا في الحكومات، تدرج إليه بسؤال افتتحه (٤) وليس للقول في الحكومات كثير اختصاص بهذا الموضع وكأن تأخيره إلى آخر الباب أحسن ليتم الكلام في دِيَةِ ما دون النَّفْس التي عَقْد لها (٥) الباب على الانتظام، وليتأخر ذكر الحكومة المتأخرة في الدِّيَةِ عن ذكر اليَدِ المتقدمة في الدِّيَةِ، والمقصود أن الحكومة جزء من الدية نسبته إليها نسبة ما تقتضيه (٦) الجِنَاية مِن قيمة المجني عليه بتقدير (٧) التقويم وذلك بأن
_________________
(١) في ز: البطن.
(٢) وقال في الخادم: إنه يستفاد من كلام الرافعي تصحيح أرش جائفة.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: مبيحه.
(٥) سقط في ز.
(٦) في ز: يشبه الهاشمة ما تنقصه.
(٧) وهذا الضابط غير شامل فإنه قد تؤخذ الحكومة من غير اعتبار نسبتها إلى الدية وذلك فيما إذا قطع ذكر العبد ولم تنقص قيمته وفرعنا على القول المخرج أن الواجب قدر النقصان فإنهم قالوا: =
[ ١٠ / ٣٤٧ ]
يقوم المجني عليه بصفاته (١) التي هو عليها لو كان عبدًا (٢)، وينظر كم ينقص الجناية من قيمته فإن قوم بعشرة دون الجناية، وبتسعة بعد الجناية، والتفاوت عشر فيجب عِشْر (٣) الدية ووجه ذلك بأن الجملة مضمونة باليد، فيضمن الأجزاء (٤) بجزء الدية، فإذا قدر الشرع جزءًا من الدية اتبعناه، وإذا لم يقدر اجتهد في معرفته، ونظرنا في النقصان؛ لأن الأصل أنه يجب بالجناية قَدْر النقصان، ونقدر تقومية ليعرف قدر النقصان، ثم نعود إلى الدِّيَة لتكون الجملة مضمونة بها، وهذا كما أنا ننظر في نُقْصَان القيمة إذا أردنا أن نعرف (٥) أرش العيب (٦)، ثم نعود إلى الثمن؛ لأن المبيع مضمون بالثمن، ولوقوع الحَاجَةِ في معرفة الحكومة إلى تقدير الرِّق.
قال الأئمة: العبد أصل الحر (٧) في الجنايات التي لا يتقدر أرشها كما أن الحر (٨) أصل العبد في الجنايات التي يتقدر أرشها حيث يجعل (٩) جراح العبد من قيمته كِجِرَاحِ الحر من ديته، فليعرف هاهنا شيئان:
أحدهما: في التوجيه المذكور ما يبين أن الدية التي توجب جزءها (١٠) هي دية النفس.
وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وجهًا أن قدر النقصان يعتبر من دية (١١) العضو الذي وردت الجناية عليه لا من دِيَةِ النفس حتى لو نقض عشر القيمة بالجناية على اليد، فالواجب عشر دية اليد، ولو نقص بالجناية على الرأس، فالواجب عشر دية الموضّحة، وعلى هذا القياس، ثم ضعفه بأنا إنما نقوّم النفس أولًا فوجب أن يعتبر النُّقْصَان من ديتها، وبأنا لو اعتبرنا دية العضو فقد يتباعد واجب (١٢) الجِنَايتين مع تقاربهما (١٣)، وذلك بأن ينقص بالسِّمْحَاق عشر القيمة، فإذا أوجبنا عشر أرش الموضّحة بَعُدَ واجب إحدى الشَّجَّتين عن الأخرى مع تقارب (١٤) الشَّجتين وذلك مما (١٥) لا يجوز.
_________________
(١) = يجب حكومة على وجه يقدرها الحاكم باجتهاد ويعتبر بما قبل الاندمال وهكذا ذكروا في الجراحة إذا اندملت ولم يبق شين ولا أثر أنه يجب حكومة يقدرها القاضي باجتهاده على أحد الوجهين.
(٢) في ز: بضمانه.
(٣) في ز: عندنا.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: الآخر.
(٦) في ز: نفرق.
(٧) في ز: العبد.
(٨) في ز: الأصل الحر.
(٩) في ز: الحد.
(١٠) في ز: جعل.
(١١) في ز: حدها.
(١٢) في ز: بغير مؤدية.
(١٣) سقط في ز.
(١٤) في ز: تفاوتهما.
(١٥) في ز: تفاوت.
(١٦) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٤٨ ]
والثاني: قد تقدم أن (١) الأصل في الدية الإبل، وأطلقوا القول بوجوب جزء من (٢) الدّية إذا عرفنا قدر نُقْصَان القيمة، فأفهم ذلك أن الحكومة الواجبة تكون من جنس الإبل، ورأيته مصرحًا به لبعضهم، ثم الجراحة إما أن ترد على عضو له أرش مقدر أو على ما ليس له أرش مقدر فإن وردت على ماله أرش مقدر نظر إن لم يبلغ الحُكُومة أرش ذلك العضو وجبت، وإن بلغت أرشه نقص الحاكم منه شيئًا بالاجتهاد، ولأن بعضه مضمون بالأرش لو فات، فلا يجوز أن تكون الجناية عليه مَضْمُونة بما يضمن به العُضْو نفسه (٣) مع بقائه، فالجراحةُ على الأنملة العليا، وقلع الظفر، تنقص حكومتها عن أرْش الأنملة، قال أبو الفرج السرخسيُّ: والجراحةُ على الأنملة السفلَى لا تبلغ دية الأصبع، وعلى الوسطَى لا تبلُغُ ثلثَيْ (٤) دية الأصبع، ويشبه أن يريد بالجراحة على السفلَى ما إذا عمَّت الأنامل، حتَّى انتهت إلى السفلى، وبالجراحةِ على الوسطَى التي انتهتْ من العليا إلى الوسطى، دون أن تكونَ مخصوصَةً بالأنملة الواحدةَ، ولفظ الإِمام أنَّ الجنايةَ على الأصبع، إذا أتتْ عَلَى طولها، فحكومتها لا تبلغ دية الأصبع، والجراحةُ على الرأس لا تبلغُ حكومتُهَا أرْشَ الموضِّحة، وعلى البطن أرش الجائفة، وحكومة الجراحة على الكفِّ (٥) لا تبلغُ دية الأصابع الخمس، وكذا حكومة قَطْع الكفِّ التي لا أصبُعَ عليها، وكذا حكمُ القَدَمِ؛ فإنَّهما يتبعانِ الأصابعَ، وهلْ يجوز أن تبلغ حَكُومَةُ الكف ديَةُ أصبعٍ، واحدةٍ، فيه وجهان:
أظهرهما، عند الإِمام: المَنْعُ.
وأشبههما، وهو المذكور في الكتاب (٦) نعم؛ لأن غناها ومنفعتها؛ دفعًا واحتواء (٧) تزيد على منفعة الأصبع الواحدة، وهذا كما أن حكومَة اليَدِ الشلاَّء لا تبلغ دية اليد (٨) الصحيحة، ويجوز أن تبلغ دية الأصبع الواحدة، وأن تزاد عليها.
وإن كانت الجراحةُ عَلَى عضوٍ، ليس له أرش مقدَّر؛ كالظَّهْر، والكتف، والفخذ:
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: تعيينه.
(٤) سقط في ز.
(٥) في أ: جراحة الكف.
(٦) قال الشيخ البلقيني: هذا مخالف لنص الشَّافعي -﵁- في الأم في ترجمة تفريع القصاص فيما دون النفس من الأطراف. ولفظه: ولو كان أقطع أصبع فقطعت كفه اقتص من أربعة أصابع وأخذت له حكومة في كفه. قال: ولا أبلغ بحكومة كف دية أصبع لأنها تبع في الأصابع كلها وكلها مستوية فلا يكون أرشها كأرش واحدة منها. والمعتمد في ذلك نص صاحب المذهب. انتهى.
(٧) سقط في ز.
(٨) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
يجوز أن تبلغ حكومتها ديةَ عُضْوِ مقدَّر؛ كاليد، والرِّجْل، وأن تزاد عليها، وإنما تنقص عن دية النفس، وَعَدَّ صاحبا "التهذيب"، و"التتمة" من هذا القبيل الساعِدَ والعَضُدَ؛ حتى يجوز أن تبلُغَ حكومةُ الجراحةِ عليها ديةَ الأصابع الخمس، وأن يزاد عليها وسوَّى بينهما في الكتاب، وبين الكفِّ، والأول أصحُّ؛ فإن الكف [هي التي] تتبع الأصابع دون الساعد، والعضد حتى لو قطع من الكوع، وجَبَ عليه ما يجب في لفظ الأصابع، ولو قطع من المرفق، أو من أصْلِ العضُدِ، وجبت مع الديةِ حكومةُ السَّاعد، أو العضد.
وقوله في الكتاب في جواب السائل عن معنى الحكومة: "أنْ يقدَّر المجنىُّ عليه عبْدًا " إلى آخره، لفظ يحتاجُ إلى التأويل إذ ليست الحكومةُ عبارة عن تقديره عبدًا (١)، وإنما هي جزء من الدية يعرف قدره بالتقدير المذكور.
وقوله:"بشَرْط ألاَّ يَزِيدَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّرَفِ المَجْرُوحِ"، أي: إذا كان الطَّرفَ المجروحُ له بدلٌ مقدَّر، ثم لفظ "عدم الزيادة" هاهنا، وفي قوله: "فَلاَ تُزَادُ حُكُومَة جِرَاحَةِ الأُصْبُعِ" غيرُ وافٍ بالغرض؛ إذ لا يكفي أَلاَّ يزاد، بل يجب أن ينقص؛ كما ينقص التعزير عن الحد، والرضخ عن سهم الغنيمة.
قال الإِمام: ولا يجوز أن يقال: يكتفَى فِي الحطِّ بأقل القليل، فإن أمر الجناياتِ وأحكامِ الدماء لا يجري إلاَّ عَلَى محقَّقٍ، ولو قال قائل: نَضْبِطُ نِسْبَةٌ النّقْصَانِ الحَاصِل بالجنايةِ على العضْوِ، مع بقاء العضْو، ثم يقدر النقصان بفَوَات العضو، ويحط مثل (٢) النسبة الواقِعَةِ بيْنَ النقصانَيْنِ، كان ذلك وجهًا (٣) من الرأي جيدًا.
مثاله: القيمة مائة، والنقصانُ بسبب الجراحةِ على الأصبع عَشَرة، والنقصان لو فات الأصْبُع عشرُونَ، فيحط من عُشْر الدية نصفه، وليعلم بالواو لفظ "السَّاعِد وعَظْم العَضُد"؟ لما بيَّناه.
قال الغَزَالِيُّ: وَهَذِهِ الحُكُومَة تُقَدَّرُ بَعْدَ انْدمَالِ الجُرْحِ، فَلَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْنٌ وَنُقْصَانْ لَمْ يَجِبْ إلاَّ التَّعْزِيرُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: تُقَدَّرُ الجِرَاحَةُ دَامِيَةً حَتَّى يَظْهَرَ تَفَاوتُهُ، وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا زَائِدَةً أَو سِنًّا شَاغِيَةً أو أَفْسَدَ المَنْبِتَ مِنْ لِحْيَةِ امْرَأَةٍ وَزَادَتِ القِيمَة فَالْقِيَاسُ التَّعْزِيزُ فَقَطْ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ ذَلِكَ لِحْيَةً عَبْدٍ، وَيَظْهَرُ بِهِ تَفَاوُتٌ، وَلَوْ بَقِيَ حَوَالِي جُرْحٍ شَيْنٍ وَكَانَ أَرْشُ الجُرْحِ مُقَدَّراَ فَالشَّيْنُ تَابعٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّراَ فَفِي إِتْبَاعِهِ وَجْهَانِ يُضَاهِي التَّرَدُّدَ فِي أَنَّ الكَفَّ هَلْ يَنْدَرجُ تَحْتَ أُصْبُعِ الأَشَلِّ؛ لِأَنَّهُ إِدْرَاجُ حُكُومَةِ تَحْتَ حُكُومَةٍ:
_________________
(١) في ز: تقدير.
(٢) في ز: وبخط قبل.
(٣) في ز: واجها.
[ ١٠ / ٣٥٠ ]
النَّوْعُ الثَّانِي القَطْعُ المُبِينُ لِلأَعْضَاءِ وَالمُقَدَّرُ مِنَ الأَعْضَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ عُضْوًا: الأَوَّلُ: الأُذُنَانِ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنَ كَانَ مِنَ الأَصَمِّ فَفِيهِ مَنْفَعَةُ جَمْع الصَّوْتِ وَمَنْعِ دَبِيبِ الهَوَامِّ، وَالدِّيَةُ فِي مُقَابَلَةِ أَيِّ المَنْفَعَتَيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إنَّ الأذُنَ لَيْسَ فِيهِ أَصْلًا إلاَّ الحُكُومَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحدَاهُما: أنها تقوَّم، ويقدَّر الرق لمعرفة الحكومةِ، بعد اندمال الجراحة، ونقصان القيمة حينئذ قد يكونُ لضعفٍ ونقصانٍ في المنفعة، وقد يكون لنقصان الجمال؛ باعوجاج (١)، أو أثر قبيحٍ، أو شين من سواد أو غيره، ولو (٢) اندملت الجراحةُ، ولم يبق نقصان في المنفعة، ولا في الجمال، ولم تتأثَّر به (٣) القيمةُ، فوجهان:
أحدهما، ويحكَى عن ابن سُرَيْج: أنه لا يجب عليه شيء سوى التعزير؛ كما لو لَطَمَهُ أو ضربه بمثقل، فزال الألم، ولم تنقص منفعة، ولا جَمَال.
والثاني، وبه قال أبو إسحاق، وهو ظاهر النص، أنَّه لا بد من وجوب أرش؛ لأن جملة الآدميِّ مضمونة، فوجب أن تكون أجزاؤه مضمونةً؛ كسائر المضمونات، ولأنها (٤) جنايةٌ على معصوم، فلا يعتبر لوجوب المال بها بقاءُ شَيْنٍ (٥) وأثر، كالموضِّحة، والجراحات المقدَّرة، ولأن الجراحة عظيمة الموقع؛ فلا وجه فيها لإحباط (٦) والإهْدَار، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أن الحاكم يقدِّر شيئًا باجتهاده.
وأظهرهما: أنه ينظر إلَى ما قبل الاندمال من الحالات التي تؤثِّر في نقصان القيمة (٧)، ويعتبر أقربها إلى الاندمال، وإن لم يظهر نقصانٌ إلا في حالة سيلان الدَّمِ ترقبنا، واعتبرنا القيمة، والجراحةَ داميةً، وحينئذٍ فالظاهرُ تأثيرُ القيمة لما فيها من الخَطَر، وخوف السراية، وبقاء الشين، فإن فرضت الجناية خفيفة، لا تؤثر في تلك الحالة أيضًا ففي (٨) "الوسيط": أنا نلحقها باللطم والضرب؛ للضرر (٩)، وفي "التتمة" أن الحاكم يوجِبُ شيئًا بالاجتهاد، والذي رجَّحه الأكثرون من الوجهين في أصْلِ المسألة؛
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: وأن.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: ولأنه.
(٥) في ز: شيء.
(٦) في ز: للاحتياط.
(٧) في أ: القيم.
(٨) في ز: هي.
(٩) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٥١ ]
أنه لا بد من إيجاب شيء، ورجَّح الإِمام المنع، وقال: هو القياسُ على الحقِّ، واعترض على تفويض الأمر إلى اجْتهاد الحاكم؛ بأن الحاكم إن قيل: إنه يوجبُ ما شاء، فهو في غاية البُعْد، وإن كان يستند نظْره إلى رأي، فهو المبحوث (١) عنه، وعلى الثاني؛ بأنا إذا اعتبرنا (٢) ما قبل الاندمال، كحالة (٣) الجناية، فإما أن نقول ما قيمته لو كان عبدًا، والآلام لا تزول، أو نقول: ما قيمته، والتقدير أن الآلام تزول، والأول ظُلْم، وإن قلْنا؛ بالثاني، فسيقول المقوِّمون: إذا كانتِ الآلامُ تزولُ، والشين لا، يبقى، فالقيمة بحالها، وإذا بطل الوجْهَانِ (٤)؛ تعيَّن المصير إلى أنه لا يجبُ شيء، ولناصري الوجْهِ الآخر أن يقولوا: يسندُ الحاكم اجتهاده إلَى كيفية الجناية خفَّةً وفحشًا (٥)، وإلى قُبْحها في المنظر سعةً أو غَوصًا، وإلى قدر الآلام المتولِّدة منها المختلفة بسُرْعة البرء وبُطَئِهِ، وأن يجيبوا عن الثاني، بأن هاهنا قسمًا آخر، وهو أن يقول: ما قيمته وبه هذه الجناية التي لا ندْرِي، أيحصل الاندمالُ منها، وتزول آلامها أو يسري ولا ندري على التقدير الأول، أيبقى شين وأثرٌ أم لا؟ ولا شكَّ أن الجراحة الَّتي حالها ما ذكَرْنا توجبُ نقصانَ القيمة، وقدْ يعرض الإِمام في خلالِ الفَصْل لهذا الجواب إلاَّ أن نفسه لم تسكُنْ إليه، وتقارب المسألة، ما إذا قطع أصبعًا زائدة أو سنًّا شَاغِيَةً، أو أتلف لحيةَ امرأةٍ، وأفْسَد مَنْبِتَهَا، ولم تنقص القيمة بذلك، وربما زادت؛ لزوال الشين مثل أن يكون خلف السنن الشاغية سنٌّ أصليةٌ على استواء الأسنان، وكان سببُ الشين وجودَ تلك الشاغِيَةِ، فهلْ يجبُ شيء؟ فيه الخلاف المنسوبُ إلى ابن سُرَيْج، وأبي إِسحاق، وإذا قلنا؛ بالوجوب، وهو الأصحُّ، فعلَى وجهٍ يجتهدُ فيه الحاكم، وعلى الأظهر يعتبر في قطع الأصبع أقربُ أحوال النقصان من الاندمال على ما مرَّ، وفي السنن الشاغية التي وصفناها تقوَّم (٦)، وله السنُّ الزائدة، ولا أصليَّة خلفها، ثم يقوَّم (٧) مقطوع تلك الزائدة، ويظهر التفاوُتُ بذلك؛ لأن الزائدة تشدُّ الفُرْجَة، ويحصل بها ضرر جمال، وفي لحية المرأة يقدَّر كونها لحية عَبْدٍ كبير يتزيَّن باللحية، فيقال: لو كان للعبد الكبير مثل هذه اللحية، كم قيمته، وينظر كَمْ ينقصُ من القيمة، لو لم يبق له لحيةٌ في ذلك الوقت، فيعرفُ قدر النقصان ويؤخذ (٨) بتلك النسبة من (٩) ديَةِ المرأة.
_________________
(١) في ز: المتجوز.
(٢) في ز: اعتدنا.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: ومجتا.
(٦) في ز: يقول.
(٧) في ز: ويقوم.
(٨) في ز: وتوجد.
(٩) في ز: في.
[ ١٠ / ٣٥٢ ]
ولو قطع أنملة لها شعبتان؛ أصليةٌ وزائدةٌ، وقالوا: لا يمكن اعتبارُ الزائدةِ بشيء، فيقدِّر الحاكم لها (١) شيئًا بالاجتهاد، ولا يبلغ به أرش أصلية (٢)، وكان يجوز أن يقوَّم، وله الزائدةُ بلا أصلية، ثم يقوم دونها؛ كما فعل في السنن الشاغية، أو يعتبر بأصلية؛ كما اعتبرت لحيةُ المرأة بلحية الرجُلِ، ولحيتها كالأعضاء الزائدة، ولحيته كالأعضاء الأصلية.
ولو ضرب إنسانًا بالسوط أو غيره، أو لطمه، ولم يظهر له أَثَرٌ، لم (٣) يتعلَّق به ضمانٌ، فإن اسودَّ أو اخضرَّ، وبقي الأثر (٤) بعد الاندمال، وجبت الحكومة، فإن زال الأثر بعد أخذ الحكومة، رُدَّت وضُبِطت هذه الصور؛ بأن قيل: إذا بقي أثر الجناية من ضعفٍ أو شينٍ، وجبت الحكومة، وإذا لم يبق أثر، فإن لم تكن الجناية جرحًا، بل ضربًا (٥) ونحوه، لم يجب شيء، وإن كان جرحًا، فوجهان:
فرع: لو كسر عظمًا في غير الرأس والوجه، وعادَ بَعْد الجبر مستقيمًا، فإن بقي فيه ضعفٌ وخللٌ؛ وهو الغالب، فيجب الحكومة، وإلا فعلى الوجهين، وإذا كان مع الضعْفِ اعوجاجٌ، كانت الحكومة أكثر، وليس الجاني أن يقول كسره ثانيًا؛ لينجير مستقيمًا، ولو فعل، لم تسقط الحكومة الأُولَى، ويجب للكسر الثاني حكومةٌ ثانية؛ لأنها جنايةٌ جديدةٌ.
وقوله في الكتاب: (وقيل: تقدَّر (٦) الجراحةُ داميةً؛ حتى يظهر تفاوت"، هذا هو الوجه الثاني من قوله على أحد الوجهين، والأمر فيه على التدريج كما بيَّنا، وإنما يترقَّى إلى حالة سيلان (٧) الدم، إذا لم يظهر النقصان في (٨) الأحوال التي هي (٩) أقرب (١٠) إلى الاندمال. وقوله: "أو أفسد المنبِتَ من لحية امرأة"، إنما ذكر بهذه اللفظة؛ لأن إزالة الشعور بحلق ونحوه؛ من غير إفساد المَنْبِتِ، لا يجب به حكومة أصلًا؛ لأن الشعور تعودُ مرة بعد أخرَى، ولا تفوت.
المسألة الثانية: إن كان للجراحة أرشٌ مقدَّر كالموضحة، فالشينُ حواليها يتبعها (١١)، ولا يفرد بحكومة؛ لأنه لو استوعبَ بالإيضاح جميعَ موضعِ الشين، لم يكن
_________________
(١) في ز: بها.
(٢) في ز: ولا يبلغه أصل أصله.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: ألام.
(٥) في ز: ضربها.
(٦) في ز: بعذر.
(٧) في ز: سلاف.
(٨) في ز: و.
(٩) سقط في ز.
(١٠) في ز: أقدمت.
(١١) في ز: ينفيها.
[ ١٠ / ٣٥٣ ]
فيه إلا أرش موضِّحة، وقد سبق هذا، أو نحو منه، وهذا إذا كان الشينُ في محلِّ الإِيضاح، فأما إذا أوضح رأسه، واتسع الشين؛ حتى انتهى إلى القفا، فقد حكى الإِمام فيه تردُّدًا عن الأصحاب لتعدية محلِّ الإيضاح (١)، وهل المتلاحمةُ كالموضِّحة في استتباع الشين، إذا قدَّرنا أرشها بالنسبة إلى الموضحة، ففيه وجهان:
أشبهُهُما: نعم، وإن لم يكن للجراحة أرشٌ مقدَّر، فقد مرَّ أن ما دون الموضِّحة من جراحات الرأس، إذا أمكن تقديرها (٢) بموضحة على الرأس، يجب فيها أكثر الأمرين من قسْطِ أرش الموضِّحة، ومن الحكومة؛ على ما قاله الأكثرون، والجراحات على البدن، إن أمكن تقديرها بالجائفَةِ؛ بأن كان بقربها جائفةٌ، هل تقدَّر بها كالتقدير بالموضِّحة، أم الواجب فيها الحكومةُ لا غير؟ ذكر القاضي الرُّويانيُّ في "جمع الجوامع": أنه على وجهين، وفي إيراده ما يشعر بترجيح الأول، وإذا عرفتَ ذلك، فإن قدرت الجراحة بالنسبة إلى جراحةٍ مقدَّرةٍ الأرشِ، وأوجبنا ما يقتضيه (٣) التقسيطُ لكونه أكثر من الحكومة، فالشين تابع (٤) له؛ لا يفرد بحكومة؛ كالموضحة، وما يتقدَّر (٥) أرشه من الجراحات، وإن كانت الحكومة أكثر، وأوجبناها، فقد وفينا حق الشين، وأوجبنا ما هو قضية.
هذا ما يتلخَّص من كلام الأصحاب، وعلى ذلك يحمل قوله في المختصر: "ولو جَرَحَهُ فَشَانَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ شَيْئًا يَبْقَى، فإنْ كَانَ الشيْنُ أكْثَرَ مِنَ الجُرْحِ، أُخِذَ بِالشَّيْنِ، وإنْ كَانَ الجُرْحُ أَكْثَرَ مِنَ الشَّيْنِ أُخِذَ بالجُرْحِ، وَلَمْ يَزِدْ لِلْشَّيْنِ"، وقال الإِمام حاكيًا عن النصِّ، ومعبرًا عنه:"إذا اندملتِ الجراحةُ، فإن كان الجرحُ أكثرَ من الشيْن، فالواجب حكومةُ الجرحِ، وإن كان الشيْنُ أكثر، فالواجبُ حكومة الشيْنِ، ولم يطب (٦) له الفرْقُ بين الشيْنِ والجرح أصلًا؛ من حيث إن الجراحاتِ إذا اندملت، وبقي لها أثر في محلِّها، فاسم الشين يقع عليه، وعلى محله؛ لأن الشين هو الأثر المنكر (٧)؛ من تغيُّر لون وتحوَّلِ، واستحشافٍ، وتغيره يبقى ولحمه يزيد، ثم أشار إلى أن المقصود أنه ينظر إلى أثر محلِّ الجراحة، وإلى ما حواليه، فيحمل وجوب أكثرهما حكومةً، ويتبعها
_________________
(١) سكت الشيخ عن الترجيح. قال في الخادم: قضية تعليل ترجيح زيادة الحكومة على أرش الموضحة لأن الإيضاح لو نزله إلى القفا لتعدد الأرش فأثبت علة عدم الإفراد.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: بعد حقيقة.
(٤) في ز: مانع.
(٥) في ز: ما يتعذر.
(٦) في ز: يطلب.
(٧) فى ز: المتكون.
[ ١٠ / ٣٥٤ ]
حكومة أقلُّهما حكومة، وحكى عن الأصحاب فيه وجهين:
أحدُهُما: الأخذُ به، قال: وهو الذي ذكره الشيخان الصيدلانيُّ وأبو مُحَمَّد.
وثانيهما: وجوب الحكومتين جميعًا، فإن كان ذلك متولِّدًا من جناية، وحكاه عن اختيار القاضي واختاره، وقرَّب الخلاف من الخلاف في أن الأصبع الشَّلاَّء، إذا قطعت مع ما يقابلها من الكف، هل يندرج تحت حكومتها حكومةُ ذلك الجزء (١) من الكفِّ، فان موضع الجراحة بمثابة (٢) الأصبع الشَّلاَّء، والشين المتصلُ به بمثابة جرم (٣) الكف، فعلى رأي تتبع حكومة الكف وحكومة الأصبع؛ كما تتبع ديتها، وعلى رأي: يقال: الحكومة ضعيفةٌ لا تقوى على الاستتباع؛ بخلاف الدية، وذكره تفريعًا على أنه يجب أكثرُ الحكومتين ويتبعُها الأقلُّ (٤) وجهَيْن فيما لو استويا:
أحدهما: أنهما تجبان، إذ ليست إحداهما بالإتباع أولَي من الأخْرَى.
وأظهرهما: أنه لا يجبُ الأخذ بهما.
والأشبهُ نسبتها إلى الجراحة؛ فإنها الأصل، والشَّيْن حادث منها، ولا يخفى أن ما أورده صاحب الكتاب منتزعٌ (٥) من طريقة الإِمام ومختصرٌ منه.