قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالأُصُولُ فِيهِ المُرْتَضِعُ وَالمُرْضَعَةُ وَالفَحْلُ، وَلَمَّا حُرِّمَتِ المُرْضِعَةُ عَلَى الرَّضِيعِ حُرِّمَ أَيْضًا عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا مِنَ الرِّضَاعِ وَالنَّسَبِ فَإنَّهُنَّ جَدَّاتٌ، وَأَخَوَاتُهَا مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ خَالاَتٌ، وَأَوْلادَهَا مِنَ الجِهَتَيْنِ إِخْوَةٌ، وَكَذَلِكَ أَوْلاَدُ الإِخْوَةِ، وَكذَلِكَ أَوْلاَدُ الرَّضِيعِ أَحْفَادُ المُرْضِعَةِ، وَلاَ يُحَرَّمُ المُرْضِعَةَ عَلَى أَبِ الْمُرْتَضِعِ وَعَلَى أَخِيهِ، وَكذَلِكَ زَوْجُ المُرْضِعَةِ أَبُو المُرْتَضِعِ، وَأَبُوهُ جَدُّهُ، وَأَخُوهُ عَمُّهُ، وَوَلَدُهُ أَخُوهُ وَعَلَى هَذَا القِيَاسِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحريم الرضاع يتعلَّق بالمرضعة، والفَحْل الذي منه اللبن، والطِّفل المرتضع، فهم الأُصُول في الباب، تنتشر منهم الحرمة إلى غيرهم:
أما المرضعة فينتشر منْها التحريم إلى آبائها من النَّسَب والرِّضاع؛ فَهُم أجْدادُ الرضيع، فلو كان الرضيع أُنْثَى، حُرِّم عليهم نكاحها، وإلى أمهاتها من النسب والرضاع؛ فهن جدات للرضيع فيحرم عليه نِكَاحُهُنَّ إذا كان ذكرًا وإلى أولادها من النسب والرَّضاع، فهم إخْوَتُه وأخواته، وِإِلى إخوتها وأخواتها مِنَ الجهتَيْن؛ فهُمْ أخواله وخالاته، وأولادُ أولادِها أولادُ إخوةٍ، وأَخَوَات للرَّضِيعِ، ولا تَثْبُت الحُرْمة بيْن الرضيع وبَيْنَ أولاد إخوة المرضعة وأخواتها؛ فإنَّهم أولاد أخواله وخالاته.
وأما الفحل، فكذلك تنتشر الحُرْمة منه إلى آبائه وأمهاته؛ فهم أجداد الرضيع وجداته، وإلى أولاده؛ فهم إخوته وأخَوَاتُهُ، وإلى إخوته وأخواته؛ فهم أعمامه وعماته.
وأما المرتضع، فتنتشر منْه الحُرْمة إلَى أولاده مِنَ الرَّضاع والنَّسَب، فهم أحفادُ المرضِعة والفحلِ، ولا تنتشر الحرمة منه إلى آبائه وأمهاته وإخوته وأخوَاته، فلأبيه أن يَنْكِح المرضِعَة؛ إذْ لا منع من نكاح أم الابن، وأَن ينكح بنتها، وإن كانت أخْتَ وَلَدِهِ، ولأخيه أن ينكح المرضِعَة، وأن ينكح بنتها، وقد سبق في النكاح أن أربع نِسْوَةِ يَحْرُمْنَ من النَّسَب، ومثلهن قد لا يَحْرُمْنَ من الرضاع، وجعلت تلْك الصور مستثناةً من قولنا
[ ٩ / ٥٧٦ ]
[يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ] (١) مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ". وقد يقال: المراد من قولنا "مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" والحرمة في تلْك الصُّور ليست من جهة النَّسَب، وإنما هي من جهة المُصَاهرة على مَا تبين هناك. ويمكن أن يُعْلَم قوله في الكتابِ "والفحل".
وكذلك قوله: "وكذلك زَوْجُ المرضِعَة أَبُو المرتضع" بالواو؛ لِمَا قدَّمنا في السابق من اختيار ابن بنت الشَّافعي -﵁-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ مِنْ وَلَدِ الفَحْلِ، فَإِنْ كَانَ الوَلَدُ مِنَ الزِّنَا أَوْ مَنْفِيًّا بِاللِّعَانِ فَلاَ نِسْبَةَ لِلَّبَنِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الوَلَدُ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ انْتَسَبَ الوَلَدُ عَلَى الأَصَحِّ أَيْضًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّما تَثْبُت الحُرْمة بين الرضيع وبين الفَحْل، إذا كان منتسبًا إِلى الفَحْل؛ بأنْ ينتسب إليه الولد الذي نَزَلَ اللَّبَنُ عليه.
أمَّا اللَّبَن النَّازِل عَلَى وَلَدِ الزنا، فلا حُرْمة له حتَّى لا يحْرُم على الزَّانِي أَن ينكح الصَّغِيرة التي ارتضَعَت من ذلك اللَّبَن، لكنه يكره وقد حكَيْنا في النكاح وجهًا أَن الزَّانِيَ لا يجُوز له أن يَنْكِح بنْتَ الزنا التي يعلم أنها من مائة (٢) فيشبه أَن يجيْء ذلِكَ الوَجْه ها هنا أيضًا، ولو نفَى الزوْج ولَدَه باللعان، وأرْضَعَتَ المرأة باللبن النازل علَيْه صغيرة، لم تثْبُت الحُرْمة، ولم يُنسبِ اللبن إليه، كما لا ينسب الوَلَد ولو أَرْضَعَتْ به، ثم لاَعَن الزوْجُ انتفى الرضيع عنه، كما انتفى الوَلَد، فلو استلْحق الولد بعْد ذَلِك، لحق الرضيع أَيضًا، ولم يَذْكُروا هاهنا الوجهَيْن المذكورَيْن في نكاح المتغيبة باللعان ولا يَبْعُدُ أن يُسوَّى (٣) بينهما، وإِذا كان الوَلَد من وطء شبهة، فاللَّبَن النازِل إِلَيْه يُنْسَب إِلى الواطئ،
_________________
(١) سقط من: أ.
(٢) قال ابن الرفعة: وقد صرح بطرده هنا الإِمام والغزالي في البسيط، وليس كما قال وإنما حكى الإِمام الخلاف عند تحقق أنه منه بالنسبة إلى حرمة المخلوقة من زناه عليه، ولم يحك وجهًا في أن التي ارتضعت من اللبن النازل على ولد الزنا يحرم على الزاني.
(٣) وهذا الذي حاوله من ذكر الوجهين فيها من المنفية في النسب لا يصح؛ لأن الوجهين هناك فيمن لم يدخل بأمها والدخول هنا بل الحبل شرط لنسبة الابن للفحل فافترق البابان. وقال ابن الرفعة: كلام الإمام مصرح لإجراء الخلاف في المرتضع من ولد الزنا وهو يطرق المرتضعة من ولد المنفي باللعان من طريق أولى على أنه قد يقال إنَّه لا يأتي هنا في الصورتين وإن حرمناها لأجل مفهوم وهو قوله -ﷺ-: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. انتهى. قال بعضهم: وأيضًا فلأن ولد النسب أقوى حكمًا من ولد الرضاع، ولذلك استدل صاحب الحاوي والبحر على أن المرتضع بلبن الزنا لا يحرم بأن ولد النسب أقوى حكمًا من ولد الرضاع، وقد انتفى عن الزاني فكان أولى أن ينتفي عنه في ولد الرضاع وأيضًا فلأن لنا قولًا إن اللبن النازل بوطء الشبهة لا يحرم المرتضع على الواطئ ولا خلاف في تحريم الولد عنه.
[ ٩ / ٥٧٧ ]
كما يُنْسَب إليه الولد اتْباعًا للرَّضَاع بالنَّسَب. هذا هو الصحيح وعَنْ صاحِبَي "التقْريب" و"التَّلْخِيص" و"الجامع الكبير" للمزنيِّ -﵀- في روايةُ قولٍ أن اللبن من وطء الشبهة لا يُثْبِتُ الحرمةَ من جهَة الفَحْل؛ لأنَّه لا ضَرُورة إِلى إِثبات حُرْمة الرَّضاع، بخلاف النسب والعِدَّة؛ فإن الضرورة تُلْجئُ إِليهما، وقرب هذا القول من قول ذُكِرَ أن وطء الشُّبهة هل يُثْبِتُ حرْمةَ المصاهرة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَلَوْ وُطِئَتِ المَنْكُوحَةُ بِالشُّبْهَةِ وَأتتْ بِوَلَدٍ يُحْتَمَلُ مِنْهُمَا فَأَرْضَعَتْ صَغِيرَةً فَهِيَ وَلَدُ مَنْ يَثبُتُ لَهُ نَسَبُ الوَلَدِ بِإِلْحَاقِ القَائِفِ أَوْ بِانْتِسَابِ الصَّغِيرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الانْتِسَابِ انْتَسَبَ الرَّضِيعُ عَلَى وَجْهٍ بِنَفْسِهِ، وَبَقَى مُشْتَبَهًَا عَلَى وَجْهٍ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهَمَا جَمِيعًا، وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ لَهُ أَنْ يُوَاصِلَ أَيُّهُمَا شَاءَ وَلَكِنْ إِذَا وَاصَلَ أَحَدَهُمَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الثَّانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وُطِئَتْ منكوحةُ إنسانٍ بالشبهة أو وَطِئ اثنان امرأةً بالشبهة، أو نَكَح رجلٌ امرأةً في العدة عن جَهْل، وأتَتْ بولد وأرضعَتْ باللبن النازل علَيْه صغيرًا، فهو تبع للولد، فإن لَحِقَ الولد أحدهما؛ لانحصار الإمكان في حقه؛ فالرضيع ولَدُه من الرَّضَاع، وإن لم يَلْحَق واحدًا منْهما؛ لعدم الإمكان، فالرضيع منقطع عنهما، وإن تَحقَّق الإمكان في حقِّهما جميعًا، عُرِضَ الولَدُ على القائف؛ فبأيِّهما ألحقه، تبعه الرَّضِيع، فإن لم يكن قائفَ أو نفاه عنهما أو أَشْكل علَيْه، توقفنا إلى أَن يبلغ المولود، فينتسب إلى أَحدهما، فإن بلغ مجنونًا صبرنا إلى أن يضيق فينتسب، فإذا انتسب، تبعه الرَّضِيع، فإن مات قبل الانتساب، وكان له ولَدٌ، قام مَقَامَهُ في الانتساب، فإن كان له أولادٌ، فانتسب بعضُهم إلى هذا، وبعضهم إِلى هذا، استمر الإشكال، وإن لم يكن له ولد، وبقي الاشتباه، ففي الرضيع قولان محكيان عن نصه ﵁ في "الأم":
أحدهما: أنَّه يكون ابنهما جميعًا، ويجوز أن يكون للواحد أبوان من الرَّضَاع بخلاف أُبوَّهُ النَّسَب وأيضًا، فقد اشتركا في الوطء واللبن قَدْ يكون من الوطء، كما يكون من الولادة.
وأَصحُّهما: أنَّه لا يكون ابنهما؛ لأنَّ اللَّبَن فَرْع الولَدَ، فإذا كان الولَدُ مِنْ أحدهما، كان اللبن من أحدهما.
التفريْعُ: إنَّ قلْنا بالأوَّل، فهل يحتاج إلى عشرِ رضَعَات أم تكفي خمْسٌ؟ سُئِل الداركيُّ عَنْه فقال: يحتمل وجهَيْنِ، قال القاضي أبو الطيِّب: هما مبنيان على أنَّه إذا ارتضع من امرأتين على التواصُل، هل يكون ذلك رضْعةً في حَقِّ كل واحدة منهما، وذكر في "البسيط" أَن معنى هذا القَوْل على ضعْفِهِ إثباتُ أبوتهما في الظاهر دُون
[ ٩ / ٥٧٨ ]
الباطن؛ لأنا نعلم قطعًا أن الوَلَد مِنْ أحَدِهِما، واللبن يتبعه، لكن لمَّا عسر الرسول إلَيْه، أطلق ثبوت أبوتهما والذي ذكره (١) الأصحابُ توجيهًا وتفريعًا يخالف ذلك، وإن كان القَوْل ضعيفًا بالاتِّفَاق، وإن قلْنا بالأصحِّ، فهل للرضيع أن يَنْتَسِب بنفسه؟ فيه قولان منقولان عن "الأم":
أحدهما: لا، كما لا يُعْرَض على القائف، ويخالف المولود، فإنه يعول على ميل الطبع [بسبب] أنَّه مخلوق من مائة.
وأصحهما: نعم، كالمولود، والرضاعُ يؤَثِّر في الطباع والأخلاق، وقد يميل الإنسان إلى من ارْتَضَعَ بلَبَنِهِ لتشابههما في الأخلاق، واستشهد لذلك بما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "أَنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ بَيْدَ أني مِنْ قريش [وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْد، وَارْتَضَعْتُ في بَنِي زُهْرَة"، وَيُرْوى: أَنا أَفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْش إِلى آخره] (٢) وكانت هذه القبائل أفْصَحَ العرب، وافتخر بالرَّضَاع كَما افتخر بالنَّسَب، ويخالف العَرْض على القائف، فإنَّ مُعْظَم تعويله على الاشتباه الظَّاهر في الخِلقة دون الأَخْلاق، على أن القاضِيَ ابن كج نقل وجهَيْن عن [أبي] الحُسَيْن وأبي حامِدٍ؛ في العرض على القائف، وهو غريب.
التفريع: إن قلْنا: إن له الانتساب، فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان، وقال في "المُهَذَّب": قولان.
أَحدهما: أنه يجبر عليه كالمولود.
وأَصحُّهما: المَنْع، والفرق أن النسب يَتعلَّق به حقُوقٌ له وعليه؛ كالنفقة والميراث والعتق والشهادة وغيرها، فلا بد من رقع الإشكال، والذي يَتعلَّق بالرضاع حرمةُ النكاح، والامتناع منه سهل، وإذا انتسب إِلى أحدهما، كان ابْنَهُ، وانقطع عن الآخَرِ، فله أن ينكح ابنته، ولا يخْفَى الوَرَع، وإن لم ينتسب أو قلْنا: ليس له الانتساب، فلَيْس له أن يَنْكِح، بنت هذا أو بنت ذاك جميعًا؛ لأنَّ إحداهما مُحَرَّمة لا محالة، وعن صاحب "الحاوي" حكايةُ وجْهٍ ضعيفٍ: أنَّه يجوز ويُحْكَم بانقطاع الأُبوَّة عنهما، وهل له أن ينكح بنْتَ أحدهما؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنا نتقين أن إحداهما أخته، فأشبه ما إذا اختلَطَتْ أخته بأجنبية
_________________
(١) قال في المطلب: وما نسبه إلى البسيط ذكره الإِمام، وما ذكرنا أنه أصل القول المذكور أي وهو أن مجرد الوطء من غير إحبال إذا ثار به اللبن وارتضع به صبي ثبتت الأمومة وهل تثبت الأبوة فيه قولان فلعل القائل إنه ابنهما مبنى عليه.
(٢) سقط من: ز.
[ ٩ / ٥٧٩ ]
والثاني، وهو ظاهر ما نقله المزنيُّ: أنَّه يجُوز؛ لأن الأصْل الحِلُّ، والحرمة في التي ينكحها غير معلومةٌ، وفرق بينهما وبين اختلاط الأُخْتِ بالأَجْنَبِيَّة بأن الأصْل في الأخت التحريم، فغُلِّب التحريم، كما إِذا اشتبه علَيْه ماءٌ وبَوْلٌ يُعْرض عنْهما جميعًا، وهاهنا الأصْل في كل واحدٍ منهما الإباحَةُ، فيجوز أخْذ أحدهما كما إذا اختلط ماءٌ طاهرٌ بنجس.
التفريع: إن جوَّزنا له نِكَاح إحداهما، فالمَشهُور أنَّه لا يُحْتاج في نكاح، إحداهما إلى الاجتهاد، بخلاف الأواني المشتبهة؛ لأنَّ التنجس له علاماتٌ ظاهرةٌ، وذكر الفورانيُّ في "الإبانة" أنه يجتهد في الرجُلَيْن أيهما الأب ثم ينكح بنت مَنْ لا يَرَاه أبًا، وإِذا نكَح واحدةً، ثم فارقها، فهل له أن ينكح الأُخْرَى؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: نعم؛ لأن التحريم غير متعيِّن في واحدةٍ منْهما، ويشبه ذلك بما إذا صلَّى إلى [جهة الاجْتهاد، يجوز أن يصلِّي إلى] (١) جِهَةٍ أخْرَى باجتهادٍ آخَرَ. وقال ابن أبي هريرة واختاره القاضي أبو الطيب: لا يجوز له نكاج الأُخْرَى، وتحْرُم عليه أبدًا؛ لأنه إذا نَكَحَ إحداهما، تعيَّنت الأخوة في الأُخرى فكان نِكَاحُ واحدةٍ اعترافًا بالأخوة في الأخرى، وهذا كما أنَّه إذا اشْتَبَهَتْ ثَلاَثُ أَوَانٍ طَاهِرَانِ وَنَجِسٌ، فاختلف فيها اجتهادُ ثلاثةٍ، واستعملوها، واقتدى أحدهم بأحد صاحبيه، لا يجوز له الاقتداء بالثاني؛ لتعينه للنجاسة في زعمه. وقوله في الكتاب "فأرضعت صغيرة" لا ضرورة إلى التَّصْوير في الصَّغيرة، بل الصغير كالصغيرة. وقوله "بإلحاق القائف، أو بانتساب الصغير بعْدَ بلوغه" يعني بإلحاق القائف إن كان هناك مألف فيستفاد من العرض أو بانتساب الصغير [بعد بلوغه] إن لم يكن قائف أو لم يُفِدْ تبيُّنًا قوله:
ولفظ الصغير في قوله: "أو بانتساب الصغير بعد بلوغه". حشوٌ وكان يَكْفِي أن يقول: "أو بانتسابه" ردًّا إلى الولد وهو المراد، وإذا لم يقنع بالكتابة، كان الأحسن أن يقولُ بانتساب الولد".
وقوله: "وإن مات قبل الانتساب" يعني الولد، والوجوه الثلاثة التي ذَكَرَها مستخرجةٌ من الخلاف الذي بيَّنَّاه، وسماها في "البسيط" أقوالًا وفي الحقيقة [هي] مختلطة؛ منهما هو قولٌ، ومنها ما هو وجْهٌ.
فقوله: "انْتَسَبَ الرضيعُ على وجْهٍ بنفسه" هو أظهر القولَيْن في أن للرَّضِيعِ أن ينتسب كالمَوْلود، وقوله: "وبقي مشبهًا على وجْهٍ" يشير إلى القول الآخر، وهو أنَّه لا ينتسب وعلى هذا، فالأظهر أنَّه يُحَرَّم عليهما جميعًا ثم ذكر الوجه الآخر، وهو أنه يواصل مَنْ شاء منهما، فإذا وصَلَه، تعيَّن التحريم في الثاني، وأَمَّا أنَّ الرَّضِيع يكُون ابنًا لهما جميعًا، وأنَّه
_________________
(١) سقط من: أ.
[ ٩ / ٥٨٠ ]
إذا وصل أحدهما، ثمَّ فَارقَهُ، يجوز له مواصلة الثاني، فقد سكت عنهما، ويجوز أن يعلم قوله "أيهما شاء" بالواو؛ لقول مَنْ قال: إنه يواصل أحدهما بالاجتهاد.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَ لَبَنُ المُطَلَّقَةِ دَارًّا فَرَضِيعُهَا ابْنُ المُطَلَّقِ وَلَوْ بَعْدَ عَشَرْ سِنِينَ إِلَى أَنْ تَضَعَ حَمْلًا مِنْ وَطْءِ غَيْرِهِ فَإِذْ ذَاكَ يَنْقَطِعُ نَسَبُ اللَّبَنِ عَنْهُ، أَمَّا فِي مُدَّةِ الحَمْلِ فَاللَّبَنُ لِلثَّانِي عَلَى وَجْهٍ، وَلِلأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ، وَلَهُمَا عَلَى وَجْهٍ وَهَذَا الحُكْمُ لَوْ كَانَ قَدِ انْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ فَهُوَ لِلأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ، وَلَهُمَا عَلَى وَجهٍ، وَلاَ صَائِرَ إِلَى تَخْصِيصِهِ بِالثَّانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طلَّق امرأته أو مات عَنْها ولَهَا منْه لَبَنٌ فأرضَعَتْ به صغيرًا قَبْل أن تنكح زوجًا آخَرَ، وتحمل من غيره، فالرضيع ابْنُ الَّذِي طلَّق أو مات، كما هو ابنها، ولا تنقطع نسبةُ اللَّبَن عنه بموته، ولا فرق بيْن أن يرتضع في مدَّة العدَّة أو بعْدها، ولا بين [أن تقصر المدَّة أو تَطُول كعشر سنين مثلًا، ولا بَيْن] (١) أن ينقطع اللبن ثم يَعُود أو لا ينقطع؛ لأنَّه لم يَحْدُث ما يُحَال اللبن عليه، فهو على استمراره منْسوبٌ إليه، وفي وجْهٍ: إن انقطع ثم عاد بعْد ما مضى أربع سنين من وقْت الطلاق، لم يكُنْ منسوبًا إليه، كما لو أتت بولد بعْد هذه المدة لا يلحقه. هكذا خصَّص في "التهذيب" هذا الوجْه بما إذا انقطع وعاد، ومنهم من يُشْعِر إيراده باطِّرَاده في صورة استمرار اللبن (٢)، وإن نكحت بعْد مضي مدة العدة زوجًا آخر، وولدت منه، فاللبن بعد الولادة للثاني، سواءٌ انقطع وعاد، أو لم ينقطع؛ لأنَّ اللبن تَبَعُ الوَلَدِ، والوَلَدُ للثاني، فكذلك اللبن، وعن أحْمد: أنه يكون لهما جميعًا، وأمَّا قبل الولادة مِنَ الزَّوْج الثاني، فإن لَمْ يُصِبْها أو أصابها، ولم تحْبَل أو حبلت، ولم يدْخُل وقْت حدوث اللَّبَن لهذا العمل، فاللبن للأوَّل، سواءٌ زاد على ما كان أو لَمْ يَزدْ، وسواءٌ انقطع وعاد، أو لم يَنْقَطِع، ويقال: إن مدة يَحْدُث فيها اللَّبَن للحمل أربعون (٣) يومًا، وإن دخل وقْت حدوث اللبن للحمل، فإما أن ينقطع اللبن
_________________
(١) سقط من: أ.
(٢) وما قاله البغوي جرى عليه في الكافي، واستحسنه ابن الرفعة لأنَّه مع الدوام شيء واحد ولا كذلك إذا انقطع فإن احتمال حدوثه من غير جهة الأول ممكن ولا ظاهر ينافيه.
(٣) وهذا قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي وسليم وغيرهم بلفظ يقال، وقال الماوردي: إنه لا يحدث اللبن إلا عند الحاحة إليه، وذلك في زمان يستكمل خلقه الحمل، ويجوز أن يولد فيه حيًا، والشافعي في الأم مثل الحالة الذي يقول أهل الخبرة فيها إنه يحدث بسبب الحمل بالثامن من شهورها والتاسع منها، وقال الجرجاني في الثاني اللبن إنما ينسب إلى الولادة في الوقت الذي يتغذى فيه وقيل الولادة من الزوج الثاني لا يوجد ذلك فإن الجنين ليس يتغذى به. انتهى ويجتمع من ذلك في المسألة أوجه.
[ ٩ / ٥٨١ ]
مدةً طويلةً، ثم عاد أو لم يكن كذلك بأن لم ينقطع أو انقطع مدة يسيرة.
أَمَّا في الحالة الأُولَى: ففيها ثلاثةُ أقْوَالٍ:
أصحها: وبه قال أبو حنيفة: أن اللبن للأَول؛ لأن اللبن تَبَعٌ للولد وغذاؤه لا غذاء الحمل، فيتبع الولد المنفصل دون الحمل.
والثاني: أنه للثاني؛ لأن الأول قد انقطع، وقُرْبُ وقْتِ الولادة سبب لظهور اللبن؛ فأشبه اللبن النازل بعد الولادة، وقد يُبْنَى هذان القولان عَلَى قول تقابل الأَصْل والظاهر.
والثالث: أنه لهما جميعًا، لتقابل المعْنَيَيْنِ.
وأَما فيٍ الحالة الثانية: إِن لم يزد اللبن، فهو للأَوَّل؛ لأن بقاءه بحالِهِ يُشْعِر بأن الحمل لم يُؤَثِّر، وإن زاد عَلَى ما كان، فقولان:
أحَدُهما: وبه قال أحمد -﵀-: لهما جميعًا؛ لأن بعْض الحاصل هو الذي كان، وبعْضه حادِثٌ لم يكن، فيحال على الحمل، ويشتركان فيه.
وأَصحُّهما: ويه قال أبو حنيفة: أنه للأوَّل، أيضًا؛ لأن كون الزيادة من الحَمْل غير مُتحقَّق، بل كما يجوز ذلك يجوزُ أن يكُونَ لغذاءٍ مُوافِقٍ، فلا نترك اليقين بالشَّك، وينسب هذا القول إلى الجديد، والأول إلى القديم، ومنهم مَنْ لم يُفَرِّق بين أن يزيد اللبن أو لا يزيد، وطرد القولَيْن، فيحصل من الطريقين ثلاثةُ أقوالٍ، كما ذكر في "الوسيط":
أحدهما: أنه لهما، والثاني: أنَّه للأوَّل، والثالث: أنَّه إنْ زاد، فهو لهما، وإلاَّ، فلِلأوَّل، ويتفرع على الاختلاف في المسألة. فُرُوع:
أَحَدُها: لو نزل للبكر لبَنٌ، ونكحت، فهي ذاتُ لَبَنٍ ثم حبلت من الزَّوْج، فحيْث
قلنا: في المسألة: إن اللبن للثَّانِي أوْ لَهُما، فهاهنا يكون للزوج، وحيث قلنا] إنه يكون للأول، فهو للمرأة وحْدها، ولا أَبَ للرَّضِيع.
[والثاني: إِن حبلت من الزنا، وهي ذات لَبَنٍ من الزوج، فحيث قلْنا هناك: إن اللبن للأول أو لهما، فهو للزوج، وحيث قلْنا: إنه للثاني، فلا أب للرضيع، والثالث: نُكِحَتْ، ولا لبن لها، فحبلت، ونزل لها لبن، قال في "التتمة" في ثبوت الحرمة بين الرضيع والزوج وجْهان؛ بِنَاءً على الخِلاَف المذكور، إِن جعلْنا اللبن للأوَّل، لم نجْعَل الحمْل مُؤَثِّرًا، فلا يثبت الحُرْمة حتى ينفصل الوَلَد، وإنْ جعلْناه للثاني أَوْلهما، تثبت الحرمة، وأَما لفظ الكتاب فقوله "ولو بعد عشر سنين" أعلم بالواو؛ للوجْه المقدَّر بالأربع.
[ ٩ / ٥٨٢ ]
وقوله: "إلى أن تضع حملًا من وطءِ غَيْرِهِ" يدخل فيه ما إِذا نَكَحَتْ وَحَبِلَتْ من الزوج، وما إذا حَبِلَتْ من وطء شُبْهَة، والحكم واحد فيهما.
وقوله: "فإِذْ ذاك يَنْقَطِع نسب اللبن عنْه" يجوز إعلامه بالألف، وليُعْلَم قولُهُ "فاللبن للثاني" بالحاء والألف، وقوله "وللأول" بالألف، وقوله "ولهما" بالحاء؛ لما حكينا من مذهبهما، وقوله: "وهذا الحكم لو كان قد انقطع بعد ذلك ثم عاد ففي بعض النسخ وفي بعض وهما صحيحان"، وقد يوجد بدلهما "وكذا الحكم لو كَانَ قَد انْقَطَعَ" ولَيْس بصواب.
وقوله: "وَلاَ صَائِرَ إلى تخصيصه بالثاني" يعني أنَّ القول "بأن اللَّبَن للثاني خاصَّةً مخصَّصٌ بما إذا انقطع ثم عاد ولا يحال له فيما إذا لم ينقطع، ولفظ الانقطاع مُطْلَقٌ في الكتاب، لكن هو محمول هاهنا على الانقطاع مدَّةً يسيرة على ما بيَّنَّاه، وقد عبر عن الخلاف في المسألة بالوُجُوه، وهي أقوال مشهورة في ذلك، والله ﷿ أعلم بالصواب.