قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى الرِّضَاعِ أَعْنِي الزَّوْجَيْن فَلاَ مَهْرَ وَانْدَفَعَ النِّكَاحُ، وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتِ انْدَفَعَ النِّكَاحُ وَلَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا إلاَّ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنِ ادَّعَتْ هِيَ وَأَنْكَرَ لَمْ يَنْدَفِعَ النِّكَاحُ وَلَكِنَّهَا لاَ تَقْدِرُ عَلَى طَلَبِ المَهْرِ، فَإِنْ كَانَ المَهْرُ مَقْبُوضًا لَمْ يَقْدِرِ الزَّوْجُ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ مَعَ الإِنْكَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فإذا قال: فلانةٌ أخْتِي من الرضاع أو ابْنَتِي، أو قالت المرأة: فلانٌ أخِي من الرضاع أو ابني، واتفقا على ذلك، لَمْ يَحِلَّ النكاح بينهما؛ لأنه إقرار منهما أو من أحدهما على نفسه، ليس فيه ضرر على غيره فيؤاخذ بمُوجِبِه، وهذا بشَرْط (٣) الإمكان، أما لو قال: فلانةٌ ابنتي، وهي أكبر، سنًّا منه، فهو لَغْو، وعن أبي حنيفة: أنه يُثبتُ الحرمة، وإذا صحَّ الإقرار فلو رجعا أو رجع المقرُّ منهما وكذَّب نفسه، لم يُقْبَل رجوعه، ولم يَصِحَّ النكاح، وقال أبو حنيفة: يُقْبَل، ويجوز النكاح.
لنا القياس على الإقرار بأُخُوَّة النسب، وعلى الإقرار بالطَّلاقَ، وللمسألة ذِكْر في الكتاب في آخر "باب الرجعة" حيث قال: "ولو أقرَّ بتحريمِ رَضَاعٍ أو نَسَبٍ، لم يكن
_________________
(١) سقط من: أ.
(٢) سقط من: ز.
(٣) قال في الخادم: قضيته قبول الإقرار من غير تفصيل الخلاف الشهادة وهو الذي أطلقه الجمهور. وقال الماوردي: إذا حكم به بإقرارها لم يحتج في الإقرار إلى صفة الرضاع ولا ذكر العدد بخلاف الشهادة فإن قال رجل: بيني وبينها رضاع افتقر التحريم إلى ذكر العدوان قال: هي أختي من الرضاع لم يفتقر إلى ذكر العدد إن كان مجتهدًا وإلا احتمل وجهين: أحدهما، يلزم ذكر العدد ويرجع فيه إليه بعد إقراره بالتحريم. وما ذكره الماوردي من الفرق بين الصيغتين مخالف لإطلاق الجمهور ولا يتجه. انتهى وما أطلقه الأئمة مشكل فإن العامي قد يظن أن الرضعة الواحدة محرمة فكان القياس التفصيل.
[ ٩ / ٥٩٧ ]
لهما الرجُوعُ، هذا في الإقرار بالرضاع قبل النكاح.
وأما بعد النكاح، فلو توافَقَ الزوجان على أن بيْنَهما رضاعًا مُحَرِّمًا فُرِّق بينهما وسَقَط المسمَّى، ويجب مهْر المثل إن جرى الدُّخُول، وإلاَّ، لم يجبْ شيْءٌ، وإن اختلفا فيه، ولا بينة، فإن ادعاه الزَّوْج، وأنكرت المرأة، قُبِلَ قوله في حقِّه، ولم يُقْبل في حقِّها، فنَحْكُم بانفساخ النكاح، ويُفرَّق بينهما، ويجب لها نصْف المسمَّى إن كان ذلك قبل الدخول، وجميعُهُ إن كان بعد الدخول وله وتحليفها قبل الدُّخول وكذلك بعده إن كان المسمَّى أكثر من مهْر المِثْل، فإن نَكَلَتْ، حَلَف الزوج، ولا شَيْء لها قبل الدخول، ولا يجبْ أكْثَر من مهْر المثل بعْد الدخول، كما لو أقام بيِّنةً على الرضاع.
وإن ادَّعَتِ المرأة الرضاع، وأنكر الزَّوْج، فقد مَرَّ في آخر "كتاب النكاح" أنَّه إنْ جَرَى التزويج منه برِضَاها، لم يُقْبَلْ قولُها، بل يُصدَّق الزوج بيمينه، وإن جَرَى بغير رضاها، فالمُصدَّق باليمين الزوجُ أو الزوجة؟ فيه وجهان:
والأصح عند صاحب الكتاب: أنَّهُ يُصدَّق كَلامُ الزَّوْجِ، وهو ظاهر كلام الشافعيِّ -﵁- في الباب، وعليه جرى العِرَاقيُّونَ، وذكَرْنا هناك أن الأصحَّ عند الشيخ أبي عليٍّ وجماعة تصديقُ الزَّوْجة، وبه قال صاحب "التهذيب" والمتولِّي، وحكاه القفَّال عن النصِّ (١)، وإذا مكنت الزوجَ وقد زُوِّجت بغَيْر، رضاها، تام تمكينها مقام الرضا.
وقوله في الكتاب: "لم يندفع النكاح" إن أراد به أنه لا يندفع؛ لمجرد إقرارها بخلاف إقرار الرجُلِ، فالأمر كذلك، وإن أراد أنها لا تُحَلَّف، ولا يندفع النِّكاح بيمينها، بل يُصدَّق الزوج، فهو اختيار لوجه تصديقَ الزَّوْج كما ذكره في الكتاب في آخر النكاح.
والورع للزوج إذا ادعت الرضاع أن يُحَرِّم نكاحهن بطلْقَةٍ، لتحلَّ لغيره، إن كانت كاذبةً، نَصَّ عليه -﵁- وليس لها المطالبة بالمسمَّى إذا ادعت الرضاع، فإنها لا تستحق بقولها ولها المطالبة بمهر المثل إن جرى الدخول، فإن كان ذلك بَعْدَما وَفَّى الزَّوْجُ الصَّدَاقَ، لم يتمكَّنْ من الاسترداد لِقوله، ويشبه أن يكون فيما يفعل بذلك المالِ الخلافُ المذكورُ فيما إذا أقرَّ بمال لغيره، وأنكره المُقَرُّ له.
ولو أقرت أمة بأخوة الرضاع لغير سيدها، يُقْبَل، فإذا اشتراها ذلك الغير، لم يَحِلَّ له وطؤها، وإن أقَرَّتْ لسيدها، لم يُقْبَل بَعْدَ التمكين، وقبله فيه وجهان، والله أعلم.
_________________
(١) ما أطلقه من تصديقه إذا زوجت برضاها يصور به فيمن عرفته بعينه فأما لو زوجت برضاها لكن لم تعينه بأن قالت لوليها زوجتي ممن شئت فزوجها الولي منه فيكون كما لو زوجت بغير رضاها.
[ ٩ / ٥٩٨ ]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الحِلِفِ فَيَحْلِفُ مُدَّعِي الرِّضَاعِ عَلَى البَتِّ، وَمُنْكِرُهُ عَلَى نَفْيِ العِلْمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الأُصول الممهِّدة أنَّ الحالِفَ عَلَى فِعْل الغَيْر يحلف على البت إن كان يثبت، وعلى نفي العلم إن كان يَنْفِي [وحَظُّ الرضاع مِنْ هذا الأصل أنَّ مُنْكِر الرِّضاع يَحْلِف عَلَى نَفْي العِلْم؛ لأنَّه ينفي] (١) فعل الغير، ومُدَّعيه يَحْلِف على البَتِّ يستوي فيه الرَّجُل والمرأة، فلو نَكَلَتْ عَنِ اليَمِينِ ورَدَدْناها على الزَّوْج أو نَكَل الزوج، وردَدْنا اليمين على المرأة فَتَكُون اليمين المردودةُ على البَتِّ؛ لأنها مثبتةٌ، وعن القَفَّال: أن اليمينَ المردودةَ تكون على نفي العِلْم؛ لتكون موافقةً ليمين الابتداء، [وقيل إن غير المنكر منهما على البت] ويُحْكَى عن الحاوي وجْهَانِ مُطْلَقَانِ في يمين الزوج إذا أنكر الرَّضَاع.
أحدهما: أنَّها عَلَى العِلْمِ كيمين الزوجة، إذا أنْكَرَتْ.
والثاني: على البت والقَطْع، وفُرِّقَ بأنَّ في يمينِ الزَّوْج مع تصحيحِ العَقْد فيما مَضَى إثباتَ استباحةٍ في المستقبل، فكانت على البت تغليظًا، ويمينُ الزوجة لبقاء حقٍّ ثَبَت بالعَقْد ظاهرًا، فيُقْنِع فيه بالعِلْم، وليس هذا الفرق بمُتَّضِح وبنى على الوجْهَيْن ما إذا ادَّعَتِ الرضاع، فشَكَّ الزوج، فلم يقع في نفسه صِدْقُها، ولا كَذِبُها إن قلْنا: إنه يحْلِف على نَفي العِلم، فله أن يَحْلِفَ هاهنا، وإن قلنا على البت، فلا يحلف، وأشار في "التتمة" إلى طَرْد الوجهَيْن في يمين الزوجَيْن والزوجةِ جميعًا، ووَجَّه كون اليمين على البت بأنَّه ينفي حُرْمةً يدعيها المُدَّعِي للرضاع، فيحلف على القَطْع، وإذا عَرَفْتَ ما ذكرنا أعْلَمْتَ قوله في الكتاب "على البَتِّ" بالواو، وكذا قوله: "على نفي العلم".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَثْبُتُ (ح) بِقَوْلِ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَإِنْ شَهِدَتْ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا وَهِيَ مُنْكِرَةٌ قبل، وَإِنْ كَانَتْ مُدَّعِيَةً فَلاَ، وَيُقْبَلُ ابْتِدَاءً مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الحِسْبَةِ، وَتُقْبَل شَهَادَةُ المُرْضِعَةِ لِأَنَّ فِعْلَهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإِثْبَاتِ بَلْ وُصُولُ اللَّبَنِ إِلاَّ أنْ يَطْلُبَ الأُجْرَةَ فَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الشَّاهِدُ وُصُولَ اللَّبَنِ إِلَى الجَوْفِ بِقَرِينَةِ مُشَاهَدَةِ الالْتِقَامِ وَالتَّجَرُّعِ وَحَرَكَةِ الحَلْقِ ثُمَّ يَشْهَدُ عَلَى البَتِّ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا مُحرِّمًا، وإنْ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ الإِرْضَاعِ فَلْيَذْكُرِ الوَقْتَ وَالعَدَدَ، وَهَلْ عَلَيْهِ ذِكْرُ وُصُولِ اللَّبَنِ إِلى الجَوْفِ؟ فيه خِلاَفٌ، وَلاَ يَكْفِي أَنْ يَحْكِيَ القَرَائِنَ فَيَقُولَ: رَأْيْتُهُ قَدِ التَقَمَ الثَّدْيَ وَحَلْقُهُ يَتَحَرَّكُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كلام الباب الرابع قد رتبه في فُصُولٍ ثلاثةٍ:
_________________
(١) سقط من: ز.
[ ٩ / ٥٩٩ ]
أحدها: في دعْوَى الرضاع وحكمها.
والثاني: في كيفية اليَمِين فيه، وقد فَرَغْنَا.
والفصل الثالث: في الشهادةِ على الرِّضاع، وفيه مسألتان:
إحداهما: يثبت الرضاع بشهادة رجُلَيْنِ ورَجُل وامرأتين، وكذا يقبل شهادةُ أربع نسوةٍ؛ لأنه مِمَّا يخْتصُّ النساء بالإطلاع عليه غالبًا، فأشبه الولادةَ، ولا يَثْبُت بما دون أربعِ نسوةٍ فإن كل امرأتين بمثابة رجل واحد، وقال أبو حنيفة: لا يَثْبُت الرَّضاعُ بالنِّسْوة المتمحِّضات، وعن مالك: لا حاجة إلى أربع نِسْوَةٍ، ويكفي ثنتان، وقَبِلَ أَحمدُ -﵀- شهادةَ المُرْضِعة وحْدَها، ويجوز أن يُعْلَم؛ لذلك قوله في الكتاب "فَيَثْبُتُ" بالحاء.
وقوله: "أربع نسوة" بالميم والألف.
ولا يَثْبُت الإقْرارُ بالرضاع إلا بشهادةِ رجلَيْن؛ لأن الإقرار ممَّا يَطَّلع عليه الرجال غالبًا، بخلاف نَفْس الرضاع، وفي "التتمة": أنه له كان التنازُعُ في شُرْب اللبنِ من ظَرْف، لم تُقْبَل فيه شهادةُ النساء المتمحضات لأنَّه لا يختص باطِّلاع (١) النساء علَيْه، وإنما تُقْبَل شهادتهن، [إذا كان النزاع في الرَّضَاع من الثَّدْي، وإنه تُقْبَل شهادَتُهُنَّ] على أن اللَّبَنَ الحاصل في الظرف لَبَنُ فلانةٍ؛ لأن الرجال لا يَطِّلعون على الحَلْب غالبًا.
ولو شهدَتْ فيمن شَهِدَ أمُّ المرأة أو ابْنَتُها على حُرْمة الرضاع بَيْنَها وبين الزوج، فإنْ كان الرجُلُ مدَّعِيًا والمرأة مُنْكِرة، تُقْبَل؛ لأنها شهادة على البِنْتِ أم الأم وإن كانت المرأَةُ مدَّعِيَةً، والرجُلُ منكرًا، لم تُقْبَل لأَنَّها شهادةُ البِنْت للأُم قال الأئمة: ولا يُتصوَّر أن تشهد البنت على أمها بأنها ارتضعت من أم الزوْج، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- لأن الشهادة عَلَى الرَّضَاع تَعْتَمِدُ المشاهدة، ولكن يُتصوَّر أن تَشْهد عليْها بأنَّها أرضَعَتِ الزوْجَ في حال صِغَرِه أو أرضعته أمها أو أختها، ولو شهدت الأمُّ أو البنْتُ من غَيْر تقدُّمِ دَعْوى على سبيل الحِسْبةَ قُبِلَتْ، وإن احتمل أن تَكُونَ هي المُدَّعِية، وسنذكر -إن شاء الله تعالى- أن الرضاع مما تُقْبَلُ فيه شهادةُ الحِسْبَةَ في موضعه، وهذا كما أنَّه لو شَهِد أبو
_________________
(١) قال في الخادم فيه أمران: أحدهما: هذا الذي نقله عن التتمة بوهم قبوله مع الرجال وليس كذلك فإنه صرح بأنه لا يثبت إلا برجلين، وعبارته، وإذا كان التنازع في شرب اللبن من طرف حلب لبنها فيه لم تقبل إلا شهادة رجلين. انتهى. الثاني: أن صاحب التتمة لم ينفرد به ذكره القفال والقاضي الحسين وإبراهيم المروذي والبغوي في تعاليقهم، وشهد له أن الماوردي في كتاب الشهادات حكى الإجماع على أن عيوب النساء في الوجه والكفين لا تقبل فيه إلا شهادة الرجال، وعلله بخروجه عن العورة في حق الرجال والنساء فلم تدع الضرورة إلى انفراد النساء فوجب اعتماد ما قاله في التتمة.
[ ٩ / ٦٠٠ ]
الزَّوْجة [وابنُها أو ابناها] (١) ابتداء على أن زوْجَها قد طلَّقْها، يُقْبَل ولو ادعَتِ الطلاق، فشهدا، لم تُقْبَلْ.
ولا تقبل شهادةُ المرضِعة وحْدَها، وهل تُقْبَل شهادتها فيمن يشهد، إن ادَّعَت أجرة الرَّضاع، لم تُقْبَل؛ لأنها مُتَّهَمةٌ تشهد لنفسها، وعن "الحاوي" حكايةُ وجهَيْنِ في أنَّه إذا لم تُقْبَل شهادتها في الأجرة فهل تُقْبل في ثبوت الحرمة تخريجًا على الخلاف في تَبْعِيض الشهادة، واختار أبو إسحاق منْهما القَبُول، واختار ابن أبِي هُرَيْرة (٢) المَنْعَ، وإن لم تَدَّعِ الأجرة، فإن لم تتعرَّض لِفِعْلها، بأن شَهِدَتْ بأخوَّة الرضاع بينهما أو على أنهما ارتضعا منها، فتقبل، ولا نَظَر إلى ما يَتعلَّق به من ثُبُوت المحرمية، وجواز الخَلْوة والمسافرة، فإنَّ الشهادة لا تُرَدُّ بمثل هذه الأغراض، ألا ترى أنَّه لو شَهِدَ شاهدانِ عَلَى أنَّ فلانًا طَلَّق زوْجَتَه، أو أعتق أمته (٣)، يقبل، وإنْ كان يَسْتَفيدان حِلَّ المنكاحة، وإن شهِدَتْ على فِعْلِ نَفْسِها، فقالت أرْضَعْتُهما؟ فوجهان:
أحدهما: أن شهادتَهَا لا تُقْبَل، كما لو شهِدَتْ على ولادَتِها، وكما أن الحاكم، لو شَهِد على حُكْم نَفْسِه بعْد العزل، لا يُقْبل، وكذا القَسَّام، لو شهد على القسمة، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
وأظهرهما، -وبه أجاب الأكثرون-، وهو المذكور في الكتاب: أنها تقبل؛ فإنها لا تَجُرُّ بهذه الشهادة نَفْعًا، ولا تَدْفَعُ ضررًا، وليس الرضاع كالولادةِ فإنَّه يتَعلَّق بها حقُّ النفقةِ والميراثِ وسقُوطِ القِصَاصِ وغيرها، وتخالف شهادة الحاكم والقَسَّام؛ لأن فعلهما مقصودٌ، وفِعْل المرضعة غَيْرُ مقصود بالإتيان، وإنَّما الاعتبار بوُصُول اللبن إلى الجَوف؛ لأن الشهادة بالحُكْم والقسمة تَتَضمَّن تزكيةُ النَّفْس، فإنَّ الحكم والقسمة يفتقدان إلى العدَالَةِ والإرضاغ بخلافه، وسيذكر -إن شاء الله تعالى- في "أدب القضاء" أن المَعْزُول، لو شَهِد بأن حاكمًا حكم به، ولم يُضِفْ إلى نفسه، ففي قَبُول شهادته
_________________
(١) سقط من: أ.
(٢) قضيته أن الخلاف جار في القبول بالنسبة إلى ثبوت الأجرة والحرمة، وليس كذلك فإنه لا خلاف في عدم القبول بالنسبة إلى الأجرة.
(٣) فيه أمران: أحدهما: الجزم بالقبول فيما إذا شهدت بأخوة الرضاع بينهما فيه نظر يتلقى من حكاية الخلاف بعد ذلك في أنه هل يشترط التعرض للكيفية في الرضاع أو لا وينبغي أن يخرج فيه وجه أنه لا يقبل كما إذا شهد الحاكم بعد العزل أن حاكمًا حكم بكذا ولم يعين نفسه أنه لا يقبل على وجه لأنه قد يريد نفسه. الثاني: ما استدل به على الجواز فيه نظر ويمكن الفرق بأن الشهادة بالطلاق والعتق لا يترتب عليه المقصود إلا بواسطة تحدث ليس لها الاستقلال بها ولا كذلك جواز الخلوة وثبوت المحرمية.
[ ٩ / ٦٠١ ]
خلاف، فَيُمْكِن أن يُخَرَّج في الرضاع مثله.
وإذا لم يتم نصاب الشهادة؛ بأن شهد بالرضاع امرأةٌ واحدةٌ؛ إمَّا المُرْضِعة أو غيرها، أو شَهِدت اثنتان، فالوَرَعُ أن يَتْرُك نكاحَها، وأن يُطَلِّقها، إن كان ذلك بعد الدخول، ويُرْوَى أن عقبة بن الحَارِثِ نَكَحَ بنْتًا لأبي إهَاب بْنِ عَزيز، فَأَتَتْهُ امرأةً، وقالت: قَد أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي نَكَحَهَا، فَقَالَ لَهَا عُقبَةُ: أَعلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلاَ أَخْبَرْتَنِي، فأرسل إلى آل أبي إهاب فسألهم فقالوا ما علمناها أرضعت صاحبتك فَرَكِبَ إلى النَّبِي -ﷺ-، بالمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ"، فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجًَا (١) غَيْرَهُ، وَلَوْ شهد اثنان بالرضاع، وقالا: تعمَّدْنا النظر إلى الثدي، لاَ لِتَحَمُّلِ الشهادة، لم تُقْبَل شهادَتُهما؛ لأنهما فاسقان بقولهما، وفي النَّظَر إلى الثدي لتحمل الشهادة خلاف مذكورٌ في أوَّل النكاح، والظاهر جوازه (٢).
المسألة الثانية:
أطلق جماعة منهم الإِمام -رحمهم الله تعالى- أن الشهادَة المُطْلَقة على أن بينهما رضاعًا مُحَرِّمًا أو حُرْمَةَ الرضاع أو أُخُوَّتَهُ أو بنوته مقبولةٌ، ويوافقه قوله في الكتاب: "ثم يَشْهَدُ على الْبَتِّ بأن بَيْنَهُمَا رَضَاعًا مُحَرِّمًا.
وقال الأكثرون: لا تُقبل شهادةُ الرَّضاع مُطْلَقَة بل لا بد من التفصيل والتعرُّض للشرائِطِ، وهو ظاهر النَّصِّ؛ لأن مَذاهِبَ الناس مختلفةٌ في شرائط الحرمة، فلا بد من التفصيل لِيَعْمَل القاضي باجتهاده، وحكى صاحب "التهذيب" الوجهَيْن جميعًا.
وقال: الصحيح الثاني، وَيحْسُن أن يُتَوَسَّطَ بينهما، فيّقال: إن كان المطلِّق (٣) فقيهًا موثوقًا بمَعْرِفَتِه، فيُقْبَل منْه الإطْلاَق، وإلا، فلا بُدَّ من التفصيل، وُينَزَّل الكلامان على هاتين الحالَتَيْن أو يُخَصَّص الخلاف بما إذا لم يكن المُطَلِّق فقيهًا؛ وقد سَبَق مثله
_________________
(١) أخرجه البخاري رواه في كتاب الشهادات من صحيحه، بهذا السياق سواء، ورواه فيه من طرق أخرى، وسمى في بعضها الزوجة أم يحيى، وقال ابن ماكولا: اسمها غنية بالغين المعجمة، وقال الحافظ ووهم من ذكر هذا الحديث في المتفق.
(٢) قال النووي: مجرد النظر معصية صغيرة لا ترد به الشهادة ما لم يصر عليه فاعله، ويشترط أيضًا أن لا تكون ظهرت توبته بعد ذلك.
(٣) اعلم أن الروياني أخذ ذلك من الحاوي لكنه لم يذكر الفقيه بل المجتهد وعبارته: وإن قال هي أختي من الرضاع لم يفتقر إلى ذكر العدد إن كان مجتهدًا وإلا احتمل وجهين: أحدهما يلزمه ذكر العدد ويرجع فيه إليه بعد إقراره بالتحريم انتهى. وهذا هو الصواب أعني فرض المسألة في المجتهد وإلا فالفقيه المتذهب إذا لم يكن موافقًا في المذهب فقد يقال إنه كغيره إلا أن يقال يلزمه بمقتضى اجتهاد إمامه.
[ ٩ / ٦٠٢ ]
في الإخْبار عن نجاسة الماء وغيره، والمانعون مِنْ قبول الشهادة المُطْلَقة في الرَّضاع ذَكَروا وجهَيْن في قَبُول الشهادة المُطْلَقَة على الإقْرار بالرَّضَاع، ولو قال: هي أخْتِي مِنَ الرضاع، ففي "البحر" وغيره: أنه لا حاجَةَ إلى التعرُّض للشرائط، إن كان من أهل الفِقْه، وإلا، ففيه وجْهان، وفرق بين الإقرار والشهادة بأَنَّ المُقِرَّ يحتاطُ لنفسه، فَلاَ يُقِرُّ إلا عن تَحْقيق.
ولو شهد الشاهِدُ على فِعْلِ الرضاع، والارتضاع، لم يَكْفِ، وكذلك في الإقْرار بل لا بد من التعرُّض لِلْوَقْت والعدد؛ بأن يشهد أنَّه ارتضع منْها أو أرْضَعَته في الحولَيْن خمْسَ رضَعَاتٍ متفرِّقَاتِ (١)، هكذا ذكَروا [و] في التعرُّض للرضعات ما يغني عن ذِكْر التفرُّق، فإنه إذا لم يَكُنْ تَفرُّق، لم يكُنِ الحاصِلُ رضَعَاتٍ، بل رضعةٌ طويلةٌ، وهل يشترط ذِكْرُ وصول اللبن إلى الجَوْف؟ فيه وجهان:
وأظهرهما: وهو المذكور في "التتمة" وغيره: أنَّه يُشْتَرط كما يُشْتَرط ذِكْر الإيلاج في شَهَادَة الزنا، ولأن الحُرْمة تَتَعلَّق بالوصول إلى الجَوْف.
والثاني: أنَّه لا يُشْترط؛ لأنه لا يشاهد قال في "البسيط": ولا شك أن للقاضي أنْ يَسْتَفْصل، ولو مات الشَّاهِد قبْل الاستفصال (٢)، هل للقاضِي التوقُّف؟ فيه وجهان، واعلم أن الشاهد قد يستَيْقنُ وصُولَ اللبن إلى جَوْف الصغير؛ بأن يعاين الحَلْب وإيجار الصغير المَحْلُوبَ وازدراده، وحينئذ يَشْهَد به، ولا إشكال، وقد يُشَاهِد القرائِنَ الدالَّة عليه، وهي الْتقَامُ الثَّدْي وامتصاصه وحركة الحَلْق بالتجرُّع والازدراد بعْد العلم، بكونها
_________________
(١) وكذا قال المحاملي في التجريد والجرجاني في الشافي والمتولي في التتمة والبغوي في التهذيب والخوارزمي في الكافي وابن الصباغ في الشامل وقال القاضي أبو الطيب يقول في خمسة أوقات مختلفة. وفي قوله "متفرقات" كناية عن ذلك.
(٢) أطلق الاستفصال وهو مشكل، فإنه إن كان المراد به ما إذا اقتصر الشاهد على قوله أشهد أن بينهما رضاعًا محرمًا فلا شك في وجوب الاستفصال بل صيغة الشهادة مختلفة بناء على عدم سماع الشهادة المطلقة كما هو الأصح. وإن كان المراد به ما إذا تعرض الشاهد للشروط فأي معنى للاستفسار مع هذا التفصيل والموجب لهذا تابعه الغزالي على إطلاقه، ولو راجع كلام الإِمام لاتضح المراد فإنه ذكر ذلك في ذكر الشاهد وصول اللبن إلى جوف الصبي والتصريح به، وأنه هل يشترط عيه تصريحه بذلك أم يكتفي بذكر العدد والوقت؟. قال: فإن صرح بوصول اللبن إلى الجوف فهو المراد وإن لم يذكره واستراب القاضي وجوز أن يكون الإرضاع غير مفض إلى وصول اللبن إلى الجوف الوصول المعتبر فله أن يستفصل الشاهد بلا خلاف، فلو شهد على الإرضاع ولم يفصل وصول اللبن إلى الجوف ومات الشاهد قبل سؤال القاضي له هل يجوز للقاضي التوقف في الشهادة خلاف انتهى. يعلم من هذا أن مسألة الاستفصال إنما هي فيما إذا لم يذكر الشاهد وصول اللبن إلى الجوف واقتصر على قوله "أشهد أنها أرضعته خمسًا في الحولين" فتفطن لذلك. قاله في الخادم.
[ ٩ / ٦٠٣ ]
ذات لَبَنٍ، ومشاهدةُ هذه القرائن قد تفيد اليقين، وبتقدير أن لا تفيده، فتفيد الظن القويَّ، وذلك يسلُّط على الشَّهادة، فلا يكاد يُتيقَّن اليد والتصرُّف الدَّالَّيْنِ على الملْك. ولا يجوز أن يشهد على الرضاع؛ بأن يَرَى المرأة أخذَتِ الصبيَّ تحت ثيابها، وَأَدْنَتهُ منها، كما تفْعَلُ المرضعة، فإنَّه قد تُوجِرَهُ لبن غيرها في شَيْءٍ على هيئة الثَّدْي، ولا بأَنْ يسمع صوت الامتصاص، وقد يمتصُّ أصبعه أو أصْبُعَها. وذكر أبو الفرج السرخسيُّ أن مشاهدة الالتقام والامتصاص وهيئة الازدراد، هل تُحِلُّ له الشهادةَ مِنْ غير أن يَعْرِفَ كونها ذاتَ لَبَنٍ؟ حكى فيه وجهَيْن:
أحدهما: نعم، أخذ بظاهر الحال.
وأشبهَهُما: المنع؛ لأن الأصْل عَدَمُ اللبن، ولا يكْفي عند أداء الشَّهادة حكايةُ القرائِنِ؛ بأن يشهد برؤية الالتقام والامتصاص والتجرُّع، ولاَ يتعرَّض لوصول اللبن إلى الجوف، ولا للرضاع المُحَرِّم، وإن كان مُسْتَنَدُ عِلْمِهِ رؤيةَ تلْكَ القرائن؛ لأنَّ مُعَاينتِهَا تُطَّلِع على ما لا تُطَّلَع عليه الحكاية، فإن أطلعته على وصول اللبن، فلْيَجْزم به على قاعدة الشَّهَادَاتِ.
فرْعَانِ: قد سَبَق ما نُرْشِد إلى مثلهما.
أحدهما: تحته ثلاثُ صَغَائِرَ أرضعت أجنبيةٌ إحداهُن، ثم أرضَعَتْ أمُّ المرضعةِ أخْرَى، ثم أرضعَتْ بنْتُ المرضعةِ الثالِثَةَ، فنكاح الأُولَى لا يتأثر برضاعها وينفسخ نكاح الثانية عند إرضاعها؛ لصيرورتها خالةً للأُولَى، واجتماعهما في النكاح، وهل ينفسخ نكاحُ الأُولَى مع نكاح الثانية أم يختص الانفساخ بنِكَاحِ الثانية؟ فيه قولان، وعليهما يتفرَّع حكم الثالثة، إن حكَمْنا بانفساخ الأُولَى، بَقِيَ نكاح الثالثة، وإلا انفسخ نكاح الثالثة لصيرورتها بنْتَ أخْتِ الأُولَى، واجتماعهما في النكاح.
والثاني: أرضعَتِ امرأةٌ صغيرةً ثلاثَ رَضَعَاتٍ أو أربع فنكحها أو نكح إحداهما دون الأخْرَى، ثم أتمت العدَدَ، فكذلك ينفسخ نكاحُها، وفي كتاب القاضي ابن كج: أنَّه لو كان الصَّبِيُّ يرتضع الرضعة الخامسة، [فمات أو ماتَتِ المرضعةُ قَبْل أن يتمها، ففي ثُبُوت التحريم وجهان، كالوجهين فيما إذا قطَعَت المُرْضِعَةُ الرَّضْعَةَ. وأنه وإن كانت تَحْتَه كبيرةٌ وصغيرةٌ] (١) فَارْتَضَعَتِ الصَّغِيرةُ من الكبيرة، وهي ساكتة، فهل هو كما لو كانت نائمة، فارتضعَتْ منها الصغيرة، أو يقال سكوتها كالرِّضَى فيحال الفسخ على فِعْلِها فيه وجهان، والله أعلم بالصواب.
تم الجزء التاسع، ويليه الجزء العاشر
وأوله: "كتاب النفقات"
_________________
(١) سقط من: أ.
[ ٩ / ٦٠٤ ]