إن قلنا بالقديم، فالاعتبار بالدراهم والدنانير المضروبة (٢) الخالصة دون التبر والمغشوش. وذكر الإِمام أن المعطِي يتخيّر بين الدراهم والدنانير، والذي أورده الجمهور أن على أهل الذَّهب الذهب، وعلى أهل الوَرِقِ الوَرِق، د إذا كان الواجب دية مغلّظة، بأن قتل في الحرم، أو قتل عمدًا أو شبه عمد، فهل يزاد للتغليظ شيء؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن التغليظ في الإبل إنما ورد بالسِّنّ والصفة، لا بزيادة العَدَدِ، وذلك لا يوجد في الدراهم والدنانير، وهذا أحدها احتجّ به على فَسَاد القول القديم.
وقيل: المصير إليه يسقط أثر التغليظ.
والثّاني: أنَّه يزاد ثلث المقدر تغليظًا، فيجب ستة عشر ألف درهم، أو ألف دينار، أو ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث دينار، وبه قال أحمد لما روي عن عمر -﵁- أنَّه قضى فيمن قتل في الحرم، أو في الأشهر الحرم أو محرمًا بدية وثلث (٣).
وعن عثمان (٤) -﵁- أنَّه قضى في امرأة وطئت بالأقدام بـ"مكة" بدية
_________________
(١) أخرجه الشَّافعي عن مسلم عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب، ورواه أبو داود والنسائي من حديث محمد بن راشد عن عمرو بن شعيب أتم منه، وعن محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بطوله. قاله الحافظ في التلخيص.
(٢) في ز: المصروفة.
(٣) رواه البيهقي من حديث مجاهد عن عمر أنَّه قضى فيمن قتل في الحرم، أو في الشهر الحرام. أو وهو محرم، بالدية وثلث الدية، وهو منقطع، وراويه ليث بن أبي سليم ضعيف، قال البيهقي: وروى عكرمة عن عمر ما دل على التغليظ في الشهر الحرام، وكذا قال ابن المنذر: روينا عن عمر بن الخطاب أنَّه من قتل في الحرم أو قتل محرمًا، أو قتل في الشهر الحرام، فعليه الدية وثلت الدية.
(٤) قال الحافظ في التلخيص: وأما أثر عثمان فرواه الشَّافعي والبيهقي من حديث ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلًا أوطأ امرأة بمكة، فقتلها، فقضى فيها عثمان بثمانية آلاف درهم، دية وثلثًا، لفظ الشَّافعي، وأما أثر ابن عباس فرواه البيهقي وابن حزم من طريق نافع بن جبير عنه.
[ ١٠ / ٣٢٥ ]
وثلث، وهي ثمانية آلاف درهم، وعلى هذا فلو تعدد سبب التغليظ بأن قتل محرمًا في الحرم فوجهان:
أصحهما: أنَّه لا يزاد على الثلث شيء، ولا يتكرر التغليظ، كما لو قتل المحرم صيدًا في الحرم لا يلزمه إلا جزاء واحد.
والثاني: أنَّه يزاد لكل سبب ثلث الدية، فيجب في قَتْلِ المحرم في الحرم عشرون ألفًا، ويروى ذلك عن ابن عباس -﵄ (١) - وإن انضم إليه الوقوع في الأشهر الحرم، وجب أربعة وعشرون ألفًا، فإن كان القَتْل شبه عمد وجب ثمانية وعشرون ألفًا ويحكى هذا عن أحمد. وإن قلنا بالجديد، فتقوّم الإبل بغالب نَقْدِ البلد، ويراعى صِفَتُهَا في التغليظ، إن كانت مغلظة.
قال الإِمام: فإن غلب النَّقْدَان في البلد تخير للجاني، وتقوّم الإبل التي لو كانت موجودة وجب تسليمها، وإنْ كانت له إبل معيبة وجبت قيمة الصِّحَاح من ذلك الصنف، وإن لم يكن هناك إبل، فيقوم من صنف أقرب البلاد إليهم.
وحكى صاحب "التهذيب" وجهين في أنَّه يعتبر قيمة مواضع الموجود، أو قيمة بلدة الإعواز لو كانت الإبل موجودة فيها، والأشبه الثاني، ووقع في لفظ الشَّافعي -﵁- أنَّه يعتبر قيمة يوم الوُجُوب، والمراد على ما يفهمه كلام الأصحاب يوم وجوب التسليم ألا تراهم قالوا: إن الدية المؤجّلة على العَاقِلَةِ يقوم كلّ نجم منها عند محلّه.
وقال القاضي الروياني: إن وجبت الدية، والإبل مفقودة فيعتبر قيمتها يوم الوجوب. أما إذا وجبت وهي موجودة، فلم يتمكن (٢) من الأداء وحتى أعوزت يجب قيمته يوم الإِعْوَاز؛ لأن الحق يومئذ يحول إلى القيمة، وإن وجد بعض الإبل الواجبة أخذ الموجود، وقيمة الباقي.
وقوله في الكفار: "فيراعي غالب إبل البلد، وأقرب البلدان إليه" لا يخفى أنَّه ليس على التَّخيير، بل المعنى إلى (٣) أقرب البلدان إليه، إن لم يكن في البلد إبل، وفي السياق ما يبيّن أن المرعى الغالب إن لم يكن لمن عليه الدية إبل، وإن كانت وهي مُخَالفة للغالب، فهل يتعيّن؟ فيه وجهان وعلى الوجه الذي لا يتعين بتعين الغالب.
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص: قوله: يروى عن ابن عباس فيما إذا تعدد سبب التغليظ، فإنه يزاد لكل سبب ثلث الدية. قلت: هو ظاهر رواية البيهقي السالفة، لكن روى ابن حزم عنه من ذلك الوجه أن رجلًا قتل في البلد الحرام في الشهر الحرام، فقال ابن عباس: ديته اثنا عشر ألفًا، وللثهر الحرام، والبلد الحرام، أربعة آلاف، فظاهر هذا عدم التعدد.
(٢) في أ: يتفق الأداء.
(٣) في ز: إذا.
[ ١٠ / ٣٢٦ ]
وقوله: "وإن لم يوجد في القُطْر " إلى آخره فيه إشارة إلى أنَّه إذا وجدت الإبل، فلا معدل (١) عَنْهَا، وإنما الرجوع إلى غيرها عند ضرورة الإِعواز، وفي لفظ "القُطْر" إشارة إلى ضبط القُرْب والبُعْد بما ذكره الإِمام دون مسافة القصر.
وقوله: "يرجع إلى قيمة الإبل" ليعلم بـ"الحاء" و"الميم"، فإنّ الرجوع عندهما إلى المقدر كما بَيَّناه. وقوله: "ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم" للتخيير على ما ذكره الإِمام، وللتنويع على ما ذكره الجمهور ولفظ "اثني عشر" معلم بـ"الحاء" و"الواو".
وقوله: "لم يتكرر" بـ"الألف" و"الواو".