أحدهما: الباغي في اصْطِلاَح الفقهاء؛ المخالِفُ للإمام العادل (١)، الخارجُ عن طاعته بالامتناع عن أداء (٢) ما وجَب عليه أو غَيْره بالشرائِط التي تذكرها، ولِمَ سُمِّيَ باغيًا؛ قيل: لأنه ظالم بذلك، والبغْيُ: الظُّلْم؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج: ٦٠] أي ظُلِمَ، وقيل: لمجاوزته (٣) الحدَّ المرسوم له، والبغْيُ مجاوزةُ الحدِّ، وقيل: لطلبه الاستعلاء على الإِمام، مِنْ قولهم: بَغَى الشَّيْءَ أي: طلبه، وافتتح الشافعيُّ -﵁- الباب بقوله -تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ [الحجرات: ٩] ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (٤) الآية، ويقال: إنَّها وردَتْ في طائفتَيْنِ من الأنصار وقعَ بينهما قتالٌ، فلما نزلت، قرأها عليهم رسولُ الله -ﷺ- فأقْلَعُوا، وليْس فيها تعرُّض للخروج، والبغْي على الإِمام، ولكن إذا أمرْنا بقتال طائفة بغَتْ على طائفة أخرى حتى تَفِيءْ إلى أمر الله، فلَأَنْ نقاتلَ الَّذين بغَوْا على الإِمام
_________________
(١) تقييده الإِمام بالعدل هو الموجود في نص الشافعي في الأم والمختصر وجرى عليه الجمهور كما قاله جماعة من المتأخرين، وأطلق النووي في المنهاج فلم يقيد بالعادل وهو موافق لما نقله في البيان عن القفَّال أنه ألحق الجائر بالعادل في ذلك ويؤيده جزم الرافعي بوجوب طاعة الإِمام في ما لم يخالف الشرع وإن كان جائزًا.
(٢) في ز: إذا.
(٣) في ز: لمجارته.
(٤) سقط في ز.
[ ١١ / ٦٩ ]
إلَى أن يفيئوا إلى أمر الله تعالى أَوْلَي، ثم استفاد الأئمةُ بعْد وجوب قتال أهْل البغْيِ، أنه لا يكْفُر (١) الباغي بالبَغْي، وأنه إذا رجَع إلى الطاعة، تُقْبَل توبته، ويُتْرَك قتاله (٢)، قالوا: وفي الأمر بالإصْلاح أولًا وآخرًا إشعارٌ بأنه لا يغرَّمُ، ولا ضَمَانَ فيما يتلقون على ما سيأتِي، وأجمعتِ الصحابةُ -﵃- على قتال البُغَاة، فقاتل أبو بكر -﵁- أولًا مانِعِي الزكاة، وقاتل عليّ -﵁- آخرًا أصحابَ الجَمَلِ، وأهْلَ الشامِ وأهْلَ النَّهْرَوَان، ثم أطلق الأصحابُ القول: بأن البغْيَ ليس باسْمِ ذمٍّ، وبأن الباغين ليْسوا بفَسَقَةٍ، كما أنهم ليسوا بكَفَرة، ولكنهم مخطِئُون فيما يفْعَلُون ويَذْهَبُون إليه من التأويل، ومنهم من يسميهم عصاةٌ، ولا يسميهم فسقةً، ويقول: ما كلُّ معصية توجِب الفسْقِ، وعلى هذا، فالتشديدات الواردةُ في الخروج عن طاعة الإِمام ومخالفته، كما رُوِيَ (٣) عن عبادة بن الصاحِب -﵁- قال: بَايَعْنَا رَسُولَ الله -ﷺ-: "عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، في المَنْشَطِ، وَالْمَكْرَهِ وَأَلَّا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ" وما روي أنه -ﷺ- قال: "مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شبرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ" (٤) وأنه قال: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ منَّا" (٥) وأنه قال: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ" (٦) محمولةٌ على مَنْ يخْرُج عن الطاعة، ويخالِفُ الإمام بلا عُذر ولا تأويل، وعلى هذا فتسمية البغْيِ جناية، حيث قال في الكتاب "الجنايةُ الأولَى: البغْيُ" كتسمية القتل الخطَأِ جنايةً.
المقدِّمة الثانيةُ: لمَّا كانَ البغْيُ عبارةً عن الخروج على الإِمام بشُرُوط مخصوصةٍ، فيحتاج في معرفة الباغي إلى معْرفة الإِمام، فاستحسن جماعةٌ من الأصحاب أن يتكلَّموا في الإمامة ههنا، ورأَيْنَا أن نتأَسَّى (٧) بهم، ونورد المقْصُود على الاختصار في فُصْول:
_________________
(١) في ز: يكفي.
(٢) في ز: ماله.
(٣) رواه البخاري في ومسلم وهو متفق عليه بهذا وأتم منه.
(٤) رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي ذر بلفظ: شبرًا، ولم يقل أبو داود: قدر شبر، وقال الحاكم في روايته: قيد شبر، ورواه الحاكم من حديث ابن عمر بلفظ: من خرج عن الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة، فإن موتته موتة جاهلية، ورواه أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه من حديث الحارث الأشعري، ورواه الحاكم من حديث معاوية أيضًا، والبزار من حديث ابن عباس.
(٥) أخرجه البخاري في الفتن/ باب قول النبي -ﷺ-: من حمل علينا حديث (٧٠٧١) ومسلم في الأيمان/ باب: قول النبي -ﷺ- من حمل علينا السلاح حديث (١٠٠).
(٦) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٧٦) في كتاب الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين حديث (٥٣/ ١٨٤٨).
(٧) في ز: يتماشى.
[ ١١ / ٧٠ ]