حقِّ تارك الصلاة في "الجنائز" في "باب تارك الصلاة" وصورة تارك الصلاة مكرَّرةٌ.
قال الغَزَالِيُّ: (الْجِنَايَةُ الرَّابعَةُ: القَذْفُ) وَهُوَ مُوجِبٌ؛ ثَمَانِينَ جَلْدَةً عَلَى الحُرِّ وَأَرْبَعَينَ عَلَى الرَّقِيقِ، فَإِنْ قَذَفَهُ مَرَتَّيْنِ وَقَدْ تَخَلَّلَ الحَدُّ تَعَدَّدَ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَفِي التَّدَاخُلِ قَوْلاَنِ، وَقَد ذَكَرْنَا ذَلِكَ مَعَ صُوَرِ القَذْفِ فِي اللِّعَانِ.
فَالَ الرَّافِعِيُّ: القذْفُ (١) من الكبائر، يُرْوَى أنَّه -ﷺ- قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ" (٢) [و] (٣) روي أنه -ﷺ- (٤) قال: "مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ وَاجْتَنَبَ السَّبْعَ الكَبَائِرَ نُودِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِيَدْخُلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ" وذَكَرَ منْها قذْفَ المُحْصَنَاتِ ويتعلَّق بالقذف الحدُّ بالإجماع، قال [الله] (٥) تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية ويُشترط
_________________
(١) لغة: الرمي، والمراد به هنا الرمي بالزنا في معرض التعبير. وهو من الكبائر لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. والحكمة في وجوب الحد بالقذف دون السباب بالكفر أن المسبوب بالكفر قادر على أن ينفي عنه ذلك بكلمة الشهادتين بخلاف الزاني فإنه لا يقدر على نفي الزنا عنه.
(٢) وفيه: وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، متفق عليه من طريق أبي الغيث عنه.
(٣) في ز: قد
(٤) رواه الطبراني من حديث عبيد بن عمير الليثي عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع: إن أولياء الله المصلون، ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبهن الله على عباده، ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها، فقال رجل من أصحابه: وكم الكبائر يا رسول الله؟ قال: هي سبع: أعظمن الإشراك بالله، وقتل المؤمن بغير حق، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام، لا يموت رجل لم يعمل هؤلاء الكبائر، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، إلا رفق محمدًا في بحبوحة جنة أبوابها مصاريع الذهب، وفي إسناده العباس بن الفضل الأزرق وهر ضعيف، وروى النسائي أصله من حديث أبي أيوب بلفظ: من جاء يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويجتنب الكبائر، كان له الجنة، فسألوه عن الكبائر فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، والفرار يوم الزحف، وله ولابن حبان والحاكم من طريق صهيب مولى العتواريين أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال: "ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة"، وأخرجه ابن مردويه من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن عبد الله بن عمرو قال: صعد النبي -ﷺ- المنبر، فقال: "من صلى الصلوات الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنة"، الحديث.
(٥) سقط في ز.
[ ١١ / ١٦٧ ]
لوجوب الحدِّ على القاذف أن يكون: مُكلَّفًا، فلا حد على [صبيٍّ]، ولا مجنونٍ، ولكن يعزَّر الصبيُّ، وكذا المجنونُ، إن كان له نوْعُ تَمْييزٍ كذلك حكاه صاحب "التهذيب" وأن يكون مختارًا، فلا حدَّ على (١) المكْره على القذْف، ولا فرْق بيْن المُسْلِم والذمِّيِّ والمعاهَدِ، ثم إن كان القاذف حرًّا فحدُّه ثمانون جلدةً بالأمة، وإن كان رقيقًا فأربعون، رُويَ عن عبد الله بن عامر بْن ربيعة، قال: "أَدْرَكْتُ أَبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ -﵃-: وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الخُلَفَاءِ فلم أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ إِذَا قَذَفَ إلاَّ أَرْبَعِينَ سَوْطًا" (٢) وأشار بذلك إلى أنه مُجْمَعٌ عليه، والمكاتَبُ والمدبَّر والمستولَدَةُ، وَمَنْ بعضُه رقيقٌ كالرقيق في الحدِّ، ويُشْترط لوجوب الحدِّ أن يكون المقذوفُ محصَنًا، والكلامُ فيما يحْصُل به إحصانُ المقذوف، قد بيَّنَاه في "اللعان" ولا يجبُ على الأب والجدِّ الحدُّ بقذف الولدِ ووَلدِ الوَلَدِ، وعن ابن المنذر أنَّه يجبُ وهو مذهب مالكٍ، قال [لكن] يكره له إقامته.
لنا: أنه عقوبةٌ لآدميٍّ، فلا يقيمه الولدُ على الوالِدِ، كالقصاص، وعلى هذا فلو ورث حدَّ القذف على أبيه من أمه، سَقَطَ، ولو قَذَفَ إنسانًا بزنية واحدة، أو بزنيتَيْن، فقد سبقَ الحكم في "اللعان"، والظاهر أنَّه لا يجِبُ إلاَّ حدٌّ واحدٌ، وقوله في الكتاب "فإن قذفه مرتين وقد تخلل الحدُّ تعدَّد، وإن لم يتخلَّل ففي التداخُلِ قولان" وقد ذكرنا ذلك [مع صور القذف] (٣) في اللعان، وليس في الكتاب ذكْرُ ذلك مفصلًا هكذا، إلا أنَّه أشار إليه بقوله (٤) "وإن قلْنا بالتداخل" لأن قول الاتحادَ إنَّما يجري عند الاستيفاء، ولو قال لرجل: يا زاني أو لامرأته: يا زانية، فقد مر في اللعان أنه قَذْفٌ وكذا الحكْمُ، لو خاطب الخنثَى المُشْكِل بأحد اللَّفْظينِ، ولو قال له: زَنَى ذَكَرُك أو فرْجُك، قال في "البيان": الذي يقتضيه المذْهَب أن فيه وجهَيْن.
أحدهما: أنه قذفٌ صريحٌ.
والثاني: أنه [يكون] كناية كما لو أضاف الزنا إلى اليَد أو الرِّجْل من المرأة أو الرَّجُل؛ لأن كل واحد منهما يَحْتَمل أن يكون عضوًا زائدًا، فيصير كسائر أعضاء البدن ولو قال: زَنَى فَرْجُك وَذَكَرُك، فهو قذْفٌ صريح؛ لأن أحدهما أصليٌّ، والكلام في صرائح القذْف وكناياته مذكور في "اللِّعان".
_________________
(١) بفتح الراء لرفع الحكم عنه ولأنه لم يقصد الأذى بذلك لاجباره عليه ولا على مكره بسكرها.
(٢) رواه مالك في الموطإ بهذا إلا أنه ليس فيه ذكر أبي بكر، ورواه البيهقي من وجه آخر كما قال المصنف.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: يقول.
[ ١١ / ١٦٨ ]
قال الغَزَالِيُّ: وَفِيهِ مُشَابَهَةُ حُقُوقِ اللهِ تَعَالى إذْ لا يَسْقُطُ بإبَاحَةِ القَذْفِ وَلاَ يَقَعُ مَوْقِعَهُ إِذَا اسْتَوْفَاهُ المَقْذُوفُ، وَيتَشَطَّرُ بالرِّقِّ، وَلَكِنَّ الغَالِبَ حَقُّ الآدَمِيِّ إِذْ يَسْقُطُ (ح) بِعَفْوهِ وَيُورَثُ (ح) عَنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الأصحاب: حدُّ القذْف فيه مشابهة حقوق (١) الله تعالَى لمسائل:
إحداها: إذا قال لغَيْرِه: اقْذِفْنِي، فقَذَفَه، ففي وجوب الحدِّ وجهان، ذكرناهما في اللِّعان، وبيَّنَّا أن أكثرهم، قالوا: لا يجبُ، وهذا ما نقله الإِمام عن "المنهاج" للقاضي أبي الطيِّب، وقال: إنَّه رواه عن شيْخِه أبي حامد ووجْهُ الوجوب هو الذي أورده في الكتاب، وأشار الإِمام إلى ترْجِيحِه، وقد يُوجَّه بأن العار يَلْحَق العشيرة، فالإذْنُ لا يؤثِّر في حقهم (٢).
والثانية: إذا استوفَى المقذوفُ حدَّ القذف، لم يقع الموقع كحد الزنا، إذا أقامه واحدٌ من الرعايا؛ وهَذَا لأن مواقع الجَلدات والإيلام بها تختلف، ولا يُؤْمن التخفيف فيها، بخلاف ما لو قَتَل الزاني، المحْصَنَ واحدٌ من الرعايا يقع قتله حدًّا، وفي حدِّ القذف وجْه أنَّه يقع الموقَع، كما لو استقل مَنْ له القصاصُ بالاقتصاص.
والثالثة: أنه يَنْشَطِر بالرِّقِّ، كما سبق، وما يجب حقًّا الآدميِّ لا يختلف بين أن يجبَ على الحُرِّ أو العبْد. لكن المغلَّب فيه حقُّ الآدميِّ لمسائل منها:
أنه لا يُسْتَوْفَى إلا بمطالبته بالاتفاق.
ومنها: أنه يورَثُ، وخالف أبو حنيفة في المسألَتَيْن، وقد ذكرناهما في "اللعان"، ولم يَرْتَضِ الإمامُ القولَ بأن الغالِب في حدِّ القذف حقُّ الآدميِّ، وقال: إذا قلْنا: إنه يستوفى بطلب المقذُوف، ويسقط بعفوه، [فلم] يغادر من تمحيض حقِّ الآدميِّ شيئًا.
نعم، يجوز أن يقال: إنه مشابه حدودَ الله تعالى [في] بعض الوجوه، والقصاص [أيضًا] كذلك، فإن الغرض الأظْهَرَ منْه الزجْرُ، لكنه يجعل حقًا محْضًا لآدمي، وقد
_________________
(١) في ز: حدود.
(٢) يستثنى منه صورتان: إحداهما: لو قذف العبد سيده فله إقامة الحد عليه كما جزم به المصنف في الباب قبله. الثانية: إذا بعد عن الإِمام في بادية يابسة ويقدر على استيفاء الحد بنفسه من غير مجاوزة منه جاز. صرح به الماوردي في باب صول الفحل. قال: لأنه لا حق له فصار كالدين الذي يجوز له أن يتوصل إلى أخذه.
[ ١١ / ١٦٩ ]
يقال: هذا مضايقة في العبارة والمعْنَى واحد. (١) فرع: لو عَفَا عن الحدِّ على مالٍ؛ فأحد الوجهين: أنه تُفْدَى المرأة بالمال في الخُلْع.
والثاني: المنع، ونظيره العفْو عن الشُّفْعة على مال.
فرع: من التعريض بالقَذْف أن يقول: ما أنا بِابْنِ إسْكَافٍ، ولا خبَّازٍ، ولو قال: يا قوَّادُ، فليس ذلك صريحًا في قَذْف زوجته، وإنما هو كناية، وكذا لو قال: يا مؤاجر، ليس بصريح في القذف؛ بأنه يؤتَى، هذا هو المشهور، عن الشيخ إبراهيم المروروذي: أنه حَكَى عن أستاذه التيميِّ (٢) أنه قال: هو صريح؛ لاعتياد الناس بالقَذْف به، ومنْهم من يجعله صريحًا في العامي خاصَّة.
فرْعٌ: رماه رام بحجرٍ، فقال: مَنْ رماني فأمُّهُ زانيةٌ، إن كان يَعْرِف الذي رماه، فهو قاذف، وإلاَّ، لم يكن قاذفًا؛ لعدم [التعيين] (٣).
قال الغَزَالِيُّ: وَإِنَّمَا يَجِبُ الحَدُّ بِقَذْفٍ لَيْسَ عَلَى صُورَةِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ شَهِدَ بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ فَلاَ حَدَّ، وَإِنْ شَهِدَ ثَلاَثةٌ فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ شَهِدَ عَبْدٌ أَوْ ذمِّيٌّ وَجَبَ حَدُّ القَذْف وَإِن شَهِدَ فَاسِقٌ مُعْلِنٌ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ، وَإِنْ رَدَّ القَاضِي شَهَادَتهُمْ لِأَدَاءِ اجْتِهَادِهِ إِلَى فِسْقِهِمْ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ حُدَّ الرَّاجِعُ (و) دُونَ المُصِرِّ، وَقِيلَ فِي المُصِرِّ قَوْلاَنِ، وَالشِّهَادَةُ هِيَ الَّتِي تُؤَدَّى في مَجْلِسِ القَضَاءِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَمَا عَدَاهُ قَذْفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرمي بالزنا لا في مَعْرِض الشهادة يوجِبُ حدَّ القذف، فأما في معرض الشهادة فَيُنْظَرُ إن تَمَّ العدد وثبتوا، أقيم حد الزنا على المرميِّ، ولا شيْء عَلَيْهِمْ، وإن لم يتم العدد كما إذا شهد اثنان أو ثلاثةٌ، فهل يجب الحدُّ على مَنْ رماه بالزنا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنهم جاءوا شاهدين؛ ليقام عليه حدُّ الله تعالى، لا هاتكين،
_________________
(١) قال النووي: الصحيح أنه لا يستحق المال. والله أعلم قال الشيخ البلقيني: لم يتعرض لسقوط حد القذف بهذه المصالحة والصواب أنه لا يسقط وإن علم فسادها بخلاف الشفعة والرد لعيب لأن تأخر الحق في مثل هذا لا يقتضي إبطالهما. انتهى.
(٢) كذا وقع في بعض نسخ الرافعي والصواب النيهي وهو والحسن بن عبد الرحمن النيهي نسبة إلى نيه بكسر النون وسكون الياء، وهو من تلاميذ القاضي الحسين وأستاذ إبراهيم المروروذي. قال ابن السمعاني: كان إمامًا فاضلًا عارفًا بالمذهب، ورعًا، انتشر عنه الأصحاب، وكانت وفاته في حدود سنة ثمانين وأربعمائة (الأنساب ١٢/ ١١٨)، (طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٢٦٥).
(٣) في ز: اليقين.
[ ١١ / ١٧٠ ]
[فإن] (١) أوجبنا الحدَّ لم يَأمَنْ كُلُّ واحدٍ أن لا يساعده الآخرون، فيمتنع الشهودُ من الشهادة، وتتعطَّل الحدود، ويقال: إنه أومأ إلى هذا في الجَديد (٢).
وأظهرهما: وهو الذي نصَّ عليه قديمًا وجديدًا، وبه قال أبو حنيفة ومالك: أنهم يُحَدُّون؛ لما رُوِيَ أنه شَهِدَ عنْد عمر -﵁- على المُغِيرة بن شعبة بالزنا أبو بكرة ونافعٌ ونُفَيْعٌ، ولم يصرِّح به زيادٌ، وكان رابعهم، فَجَلَدَ عُمَرَ الثلاثةَ، وكان ذلك بمَحْضَرٍ من الصحابة -﵁- ولَمْ يُنْكِر عليه أحدٌ، ولأنا إذ لم نَحِد الشهودَ، إذا لم نكمل العدد، لم نأمن أن يتخذ صورة الشهادةَ ذريعةً إلى الوقيعة في أعراض الناس، ولو شهد على زنا المرأة زوْجُها مع ثلاثة فالزَّوْج قاذف؛ لأن شهادته عَلَيْها غير مقبولة، وفي الثلاثة القولان، ولو شهد أربع نسوة أو أربعة مِنْ أهل الذمة أو العَبِيد أو أربعة فيهم (٣) امرأةٌ أو ذميٌّ أو عبْدٌ، فطريقان:
أحدهما: أن في وجوب حد القذف عليهم قولَيْن أيضًا، وينزل نقصان الصفة منزلة نُقْصَان العَدد، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ.
وأصحُّهما: أنهم قَذَفَةٌ يُحَدُّون بلا خلاف؛ لأنهم ليْسُوا من أهل الشهادة في الزِّنا، فلم يقْصِدوا [إلاَّ] (٤) إلحاق العار به، وصوَّر الإِمام المسألةَ فيما إذا كانوا في ظاهر الحَال بصفة الشُّهود، ثم بانوا عبيدًا أو كفَّارًا، والمَعْنَى فيه أنه إذا عَرَف القاضي حالَهم، لا يُصْغِي إليهم، ولا يَلْتَفِت إلى كلامهم، ويَخْرُج رميُهم عن أن يكون في معْرِض الشهادة، ولو شهد أربعَةٌ من الفَسَقَة أو أربعةٌ فيهم فاسقٌ نُظِر إن كان سبب فِسْقهم مقطوعًا به؛ كالزنا وشرْبِ الخمْر، فقد أطلق مُطْلِقون فيه طريقين:
أحدهما: أن في وجوب الحدِّ عليهم قولَيْن، كما ذكرنا في نقصان العَدَد، وقد يُبْنَى الخلاف على أن القَاضي، إذا قضَى بشهادة شاهدَيْن، ثم تبين له فسْقُهما، هل ينقض الحكم؟ وفيه قولان، إن قلْنا: نعم، فالفسقة كالعبيد، وإلا، فلا.
_________________
(١) في ز: ولو.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي وأبو نعيم في المعرفة وأبو موسى في الذيل من طرق وعلق البخاري طرفًا منه، وجميع الروايات متفقة على أنهم أبو بكرة ونافغ وشبل بن معبد، وقول المصنف: نفيع بدل شبل، وهم، فنفيع اسم أبي بكرة لم يختلف في ذلك أصحاب الحديث وأفاد الواقدي أن ذلك كان سنة سبع عشرة، وكان المغيرة أميرًا يومئذ على البصرة، فعزله عمر وولى أبا موسى، وأفاد البلاذري: أن المرأة التي رمى بها: أم جميع بنت محجن بن الأفقم الهلالية، وقيل إن المغيرة كان تزوج بها سرًا، وكان عمر لا يجيز نكاح السر، ويوجب الحد على فاعله، فلهذا سكت المغيرة، وهذا لم أره منقولًا بإسناده، وإن صح كان عذرًا حسنًا لهذا الصحابي.
(٣) في ز: منهم.
(٤) سقط في ز.
[ ١١ / ١٧١ ]
والطريق الثاني: القَطْع بأنهم لا يُحَدُّون، وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح عند القاضي أبي حامد؛ لأن نقصان العَدَد مستيقَنٌ، وكونُهم فسقَةً إنَّما يُعْرَف بالظن والاجتهاد، والحُدُودُ تُدْرأ بالشُّبهات، وزاد آخرون، ومنهم الإِمام وصاحب الكتاب ترتيبًا فقالوا: إن كانوا مُعْلِنِين بالفِسْقِ، فقولان لابن سُرَيْج:
أحدهما: أنهم قَذَفَةٌ، كالعبيد.
والثاني: المَنْع؛ لأن من العلماء مَنْ يجعل الفاسق أهلًا للشهادة.
وإن كانوا يكتمون الفِسْق، ويستَخْفُون به من الناس، فالخلاف مرتَّب؛ لأنهم معذورون في الكتمان، قال الإِمام: وظاهر المذهب امتناعُ الحدِّ.
وإن كان سبب الفسْق مجتَهدًا فيه، كشرب النبيذ، لم يلزمهم الحدُّ، وإن لم يثبت الزنا بشهادتهم؛ لأنه لا سبيل إلى إقامة الحدِّ لمظنُون مجتهد فيه، مع أنهم جاءوا مجيْء الشهود (١)، وفي معنى الفسْق المجتَهَدِ فيه ما إذا بأن أن في الشهود مَنْ يعادي المشهودَ عليه؛ لأن ردَّ الشهادة بالعداوة مجتَهَدٌ فيه.
ولو حدَدْنَا العبيدَ الذين شهدوا، فعتقُوا وأعادوا الشهادة، قُبِلَتْ شهادتهُم، ولو لم يتم العدَدُ، فحَدَدْنَا مَنْ شهد، ثم عاد مَعَ مَن يتم به العددُ، فشهدوا، لم تُقْبَل شهادتهُم؛ كالفاسق تُردُّ شهادته، فيتوب، ويعيدها، [هكذا] (٢) ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
ولو شهد أربعةٌ بالصفات المعتبرة، ثم رجعوا، فعليهم حدُّ القذف؛ لأنهم ألحقوا العَار به، سواءٌ كانوا معتمِّدين أو مخطئين؛ لأنهم مفرطون في ترك التثبُّت، وفي "البيان": أن من الأصحاب مَنْ جعل الحَدَّ على القولين؛ لأنهم رمَوْهُ شاهدين، ولو رجَع بعضُهم دون بعْض، فعلى الراجع الحدُّ، وعن القاضي أبي (٣) الطيِّب: أن فيه القولين، وأما مَنْ أصرَّ على الشهادة، فلا حد عليه لأنه لا تَقْصير منه بخلاف ما إذا شَهِدَ بعضهم، ولم يتمَّ العدد، فإنه أمكن، أن يقال: كان ينبغي ألاّ يبادر حتى يعْلَم موافقة الآخرين، وعن الشيخ أبي حامد أن منْهم مَنْ أثبت في المصر القولَيْن، ونسبه القاضي ابن كج إلى الأنماطيِّ، والظاهر الأول، ولا فَرْق بينَ مَنْ رجع بعْد قضاء القاضي بالشهادة أو قَبْلَه، وعند أبي حنيفة: إن رجَع بعضهم بعْد قضاء القاضي، فالحدُّ على الراجع دون المصرِّ، وإن رجع قبله، وجب الحد على الكل، وإن شهد أكثرُ من أربعة، ثم رجعَ بعْضُهم، فإن بقي أربعة، فلا حدَّ على الراجعين، وإلا، [فعلى الراجعين الحد] كما إذا شهد ثمانية، ورجع خمسةٌ، فعلى الراجعين الحَدُّ.
_________________
(١) في ز: اليهود.
(٢) سقط في ز.
(٣) سقط فى ز.
[ ١١ / ١٧٢ ]