والسراية شيئًا فشيئًا، فهذا قارن الإهدارُ بعْضَ أجزاء السَّبَب وأورث الشبهة، وليُحْمَلْ قوله: "فالصحيح السقوط" على الصحيح من الطريقَيْن على ما بيَّنّاه، ويقابله الطريق الطارد للقولَيْنِ في الحالَتَيْنِ.
فَرْعٌ: لو رمى إلى مسْلِم، فارتدَّ، وعاد إلى الإِسلام، ثم أصابه السهْم، فالمشهور أنه لا قِصَاص، وإنما يجبُ القصاص إذا وُجِدَ الإِسلامُ في طرفَي الرمي والإصابة، وفي المُدَّة المتوسِّطة بينهما، قال الإِمام: ويجيْء فيه قولٌ آخر؛ لأمرين:
أحدهما: أن الشيخ أبا عليٍّ حكى قولًا فيما إذا رمَى سهمًا إلى صيْدٍ وارتدَّ، وعاد إلى الإِسلام، ثم أصاب السهْمُ إنسانًا؛ بأن الدية تُضْرَب على عاقلة المسلمين، ويكتفي بإسلامه في الطرفَيْن، والحكْمُ يَتحمَّل العقْل والقصاصَ يجريان مَجْرًى واحدًا؛ لأنَّه معدول عن القصاص، فيحتاط فيه كما في القصاص.
والثاني: أنا ذكرناهما، إذا تخلَّل المُهْدِر بين الجُرْحَ والمَوْتَ قولًا إنه يجب القصاص مع أن الجراحة تؤثِّر وتُؤْلِم في حالة الإهدار، فصورة الرمْي أولَى بإثبات الخلاف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الحالة الرابعة: طَرَيانُ مَا يُغَيِّرُ مقْدَارَ الدِّيَةِ كَمَا لوْ جَرَحَ ذِمِّيًا فَأسْلَمَ أَوْ عَبْدًا فَأُعْتِقَ ثُمَّ مَاتَ وَالنَّظَرُ فِي القَدْرِ إِلَى حَالَةِ (ح) المَوْتِ، وَلَوْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ قِيمَتُهُ مِائَتَانِ مِنَ الأِبلِ فَعَتَقَ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ وَيُصْرفُ إِلَى السَّيِّدِ كَيْلاَ تَضِيعَ الجِنَايَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ عَبْدٍ فَعَتَقَ فَمَاتَ فَالمَصْرُوفُ إلَى السَّيِّدِ فِي قَوْلٍ أَقَلُّ (ح) الأَمْرَيْنِ مِنْ كُلِّ الدَّيَةِ أَوْ كُلِّ القِيمَةِ، وَعِبَارَتهُ أَنَّ الوَاجِبَ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ ممَّا لَزِمَهُ آخِرًا بِالجِنَايَةَ عَلَى المِلْكِ أوَّلًا أَوْ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ القِيمَةِ، وَفِي القَوْلِ الثَّاني يُصْرَفُ إِلَيْهِ أَقَلُّ (ح) الأَمْرَيْنِ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفُ القِيمَةِ، وَعِبَارَتُهُ أَنَّ المَصْرُوفَ إِلَيْهِ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ مِمَّا لَزِمَهُ آخِرًا بِالجِنَايَةِ عَلَى الملْكِ أَوَّلًا أَوْ مُجَرَّدُ أَرْشِ الجِنَايَة عَلَى المِلْكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طرأ ما يغير مقدار الدِّيَة، فالواجب القَدْر، الذي يقتضيه يَوْمَ المَوْت؛ لأَنَّ الضمانَ بَدَلُ التالف فيُنْظَر فيه إلَى حَال التَّلَف، وقَدْ يكونُ التغَيُّر من الأكثر إلَى الأقل، وقد يكْونُ بالعكْس، أما الأوَّل فكما لو جَنَى على نصرانيٍّ، فَتَمَجَّس، ثم مات، فإن قلْنا: يُقَرَّ النصرانيُّ إذا تمجَّس على التمجُّس، فعَلَى الجانِي ديةُ مجُوسِيٍّ؛ اعتبارًا بالآخِرِ، فإن قلْنا: لا يُقَرُّ عليه، فهو كما لو ارْتدَّ المجْرُوحُ، ومات، فعلى أصحِّ الوجهين يجِبُ الأقل من أرْش الجناية على النصرانيِّ أو دية نفسه وعَلَى ما ذكره الإصطخريُّ: يجب الأرْش بالغًا ما بَلَغ، ولو جرحِ نصرانيٌّ نصرانيًّا، ونقض المجروح، العهْدَ، والْتَحَقَ بدارِ الحَرْب، ثم سبي واسْتُرِقَّ، ومات بالسراية، فلا قِصَاصَ في النَّفْس؛ لتَخلُّل حالة الإهْدَار؛ ولأن الحُرَّ لا يُقْتَل بالعَبْدِ، ويجب قصاص الطَّرَفِ، إنْ
[ ١٠ / ١٩٥ ]
كانَتِ الجراحةُ بقَطْعِ طَرَفٍ، وإنْ أراد المستحِقُّ المَالَ، ففيما يجب على الجاني قولان:
أحدهما: أقلُّ الأمرين من أرْش جنايته حرًّا، وكمالُ قيمته عبدًا؛ لأنه بالالتحاق بدار الحرب صار مهْدَرًَا، فأشْبَهَ ما إذا ارتدَّ المُسْلِم؛ وعلى هذا، فهو لورثته النصارى سواءٌ كانوا عنْدنا أو في دار الحَرْبِ، كذلك حكاه القاضيان ابن كج والرويانيُّ، وفيه قول آخِر: أنَّه يكون لبَيْتِ (١) المال.
وأصحُّهما: على ما قال في "التهذيب": أن الواجب قيمته بالغةً ما بلَغَت؛ اعتبارًا بالمال بعْد كونه مضمونًا وقْت الجناية، فعَلَى هذا إن كانَتِ القيمةُ والأرْشُ سواءً أو كانتِ القيمةُ أقلَّ، فالواجب للوارث، وإن كانتِ القيمةُ أكبَرَ فقَدْر الأرشِ للوارثِ، والباقي للسيِّد، ولو أن الذي ملكه أعتقه وماتَ حرًّا، فقولان في أن الواجب أقلُّ الأمرين منَ الأرض ودية حرٍّ ذميٍّ أو دية حرٍّ ذمي، وعلى القولَيْن فَالوَاجِبُ لورثته، ولو أسلم، وعَتَقَ، ومات، ففي القصاص قولان، وفي المال الواجِب قولان، أهُوَ ديةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ أو أقلُّ الأمرَيْنِ منَ الأرْشِ ودية حرٍّ مُسْلِمٍ، وعلى القولَيْن فهو لورثته المسلمين.
وأما بالعكس ما إذا جَرَحَ ذميًّا فأسْلَمَ أو عبْدًا لغيره فعَتَقَ، ثم مات، نُظِر؛ إن ماتَ بعْد الاندمال، وجَبَ أرْش الجناية، وبكون الواجبُ في العَبْد للسيد، فلو كان قَدْ قطع يديه، أو فقأ عينيه، وجب كمال قيمته، ولا فَرْق بين أن يكون العِتْق قبل الاندمال أو بعده؛ لأن الجراحَةَ إذا اندمَلَتِ، استقرَّت وخرَجَتْ عن أن تكون جنايةً عَلَى النفس، فيُنْظَر إلى حال الجناية على الطَّرَف، وكان مملوكًا حينئذ، فيجب أرشها للسيد، وهو كمال القيمة، وهذا بناءً على الصحيح، وهو أنَّ جراحةَ العبْدِ مقدَّرةٌ، وفي كتاب القاضي ابن كج حكايةُ وجهٍ فيما إذا كان الاندمال بَعْد العتق: أن الواجبَ فيه ديةُ حُرٍّ اعتبارًا بحال الاستقرار، والمشهور الأوَّل، وإن مات بالسراية، لم يَجِبْ قصاص النفْس، إذا كان جَارح الذمِّيِّ مسلمًا، وجارحُ العَبْد حُرًّا؛ لأنه لم يَقْصِد بالجناية من يكافئه، وبجب فيه دية حُرٍّ مسلمٍ؛ لأنه كان مضمونًا في الابتداء، وهو في الانتهاء حُرٌّ مسلِمٌ فوجب
_________________
(١) قال النووي: قد جزم البغوي على هذا القول بأنه لسيده؛ لأنه بدل روحه وكان ملكه. والله أعلم. وقد نوزع المصنف في سكوته على مقالة البغوي فإنها أضعف من القول الذي استغربه، والعجيب كيف يجزم به البغوي تفريعًا على هذا القول وهو العامل مع الأصحاب تفريعًا على الصحيح أنه إن كانت القيمة والأرش سواء أو القيمة الأقل والكل للوارث. وإذا كانت القيمة أكثر فقدر الأرش للوارث والباقي للسيد. هذا كلامه في التهذيب. فإذا كان مع القول برجوب القيمة عينًا لا يجب للسيد إلا الزائد على الأرش فكيف إذا أوجبنا أقل الأمرين نوجب الكل للسيد ونحرم الوارث مع ملاحظتنا للأرش. (قاله البكري عن صاحب الخادم).
[ ١٠ / ١٩٦ ]
بدله وعن أبي حنيفة أن العتْقَ يقطع السراية حتَّى لو قطع يدَ عَبْدٍ فعَتَق، ثم سرى القَطْع لم تجِبْ إلا ديةُ اليدِ، واحتج الأصحاب بأنها جنايةٌ مضمونةٌ فتكون سرايتها مضمونةً، كما إذا جَنَى على ذميٍّ فأسْلَم، ثم مات، ولا فَرْق بين أن تكون القيمة أقلَّ من الدية أو أكثرَ حتى لو فقأ عيْنَ عبد تساوي قيمتُه مائتَيْن من الإبل أو قَطَعَ يدَيْه، لم يجب إلا قدْر مائة، ثم إن كانت الديَةُ مثل القيمة، أو أقَلَّ فالكُلُّ للسيد؛ لأنه قد استحَقَّ هذَا القَدْرَ بالجناية الواقعةِ في مِلْكه، وإن كانَتْ أكثر فالزيادةُ على القيمة للورثة؛ لأنها وجَبَتْ بسبب الحرية، وذهب المزنيُّ إلى أنه إذا كانَتِ القيمةُ أكثَرَ وجبَتْ بكمالها، وصُرِفَتْ إلى السَّيِّد؛ قال الإِمام كأنه يقول: لا سبيل إلى صرْف دية الحُرِّ إلى السيِّد، ولا سبيل إلى حرمانه، فالوجه أن يقطع أثر الحرية، ويصرف إليه أرْشُ ما جَرَى في الرق، وهذا كالوجْه الذي ذكرَه الإصطخريُّ فيما إذا قَطَع يديْ مسلمٍ ورجلَيْه، فارتدَّ وماتَ بالسراية أنَّه تجب ديتان، ولا يُنْظَر إلى السراية بعد الردَّة، وعن الشيخ أبي محمَّد أنَّ مَنْ سلك مسْلَك الإصطخريِّ هنالك، لا يبعد أن يوافق المزنيَّ هاهنا، وإذا قطَع إحدَى يدَيْ عبْدٍ أو فقأ إحْدَى عينيه، فعَتَق، ومات بالسراية، وأوجبْنَا كمال الدية ففيما للسَّيِّد قولان:
أحدهما: أنه يُصْرَف إلَيْه أقلُّ الأمرين مِنْ كل الدية، أو كلُّ القيمة؛ لأن السراية حصَلَتْ بجناية مضمونة للسيد، وقد اعتبرنا السراية حَيْث أوجَبْنا ديةَ النَّفْس، فلا بُدَّ من النظر إلَيْها في حقِّ السيد، فيقدَّر موته رقيقًا أو موته حرًّا، ويوجب للسيد أقلّ العِوَضَيْن، فإن كانتِ الديةُ أقلَّ، فليس على الجانِي غيرها، ومِنْ إعتاقِ السيِّد جاء النقصان؛ فإن كانت القيمة أقلَّ، فالزيادة وجبَتْ بسبب الحُرِّيَّة، فليس للسيِّد إلا قدْر القيمة الَّذي كانَ يأْخُذُه لو ماتَ رقيقًا.
وأصحُّهما: أن المصروف إليه أقلُّ الأمرين من كل الدية، ونصْف القيمة، وهوٍ أرْشُ الطَّرَف المقطوع في ملْكه لو انْدَمَلَتِ الجراحةُ؛ لأن السرايةَ لَمْ تحصل في الرِّقِّ حتى تُعْتبر في حقِّ السيد، فإنْ كان كلُّ الدية أقلَّ، فلا واجب غيره، وإن كانَتْ نصْف القيمة أقلَّ، فهو أرش الجناية الواقعة في ملكه، وهذا القول الثاني هو المنصوصُ في المسألة، وعن صاحب التقريب، وأبي يعقوب الأبيوردي والقفَّال: أن الأول مخرَّج من صورة نوردها في الفصْل الثاني لهذا الفصل قد نص فيها على القولَيْن وفي تعليق بعْض المرورذيين نسبة القول الأول إلى القديم، والثاني: الأصحُّ إلى الجديد وعبروا عن القولَيْنِ بعبارتين تُخَرَّج عليهما الصورة المذكورةِ مِن بعْد، فقالوا: للسيد على القوْلِ الأول الأَقلُّ ممَّا يلزم الجانِي آخِرًا بالجناية على المِلْك أولًا، ومن مثل نسبته من القيمة، وعلى الثاني الأصحُّ الأقلُّ مما يلزم الجانِيَ آخر بالجناية على الملْك أولًا، ومِنْ أرْش الجناية، لو وقعت، فلو قطَع أُصْبُع عَبْدٍ، فعتقه، ثم سرى فعلى الأوَّلِ: للسَّيِّد الأقلُّ من كمال الدية الذي يلزم آخرًا، ومن كمال القيمة، وهو مثل نسبته من الدية، وعلى الأصحِّ
[ ١٠ / ١٩٧ ]
الأقلُّ مِنْ كمالِ الدية، وعشر القيمة وهو أرْش الجنَايَة.
وقوله في الكتاب: "والنظر في القدْر (١) إلى حالة الموت" ليعلم بالحاء؛ لما ذكرنا أن عبْده لا ينظر إذا عَتَق إلى حالة الموت، وإنَّما الواجبُ أرْشُ الجناية.
وقوله: "ولو فقأ عينيْ عبد قيمته مائتان من الإبل" هذا لفظ الشَّافعي -﵁-، وتصويره ولا يخفى أن عين الإبل لا تقويم بها وإنما التقويم بالنقد، وإنما المراد أن قيمته قدر ما يساوي مائتين من الإبل، وكذا قوله: "فعليه مائةً من الإبل" أي قدْرُها، وأما أن المأخوذ منه عين الإبل أو تؤخذ الدراهم، فسيأتي، وليُعْلَمْ بالزاي؛ لما بينا.
وقوله: "أقل الأمرين" في القولين يمكن أن يُعْلَمَا بالحاء؛ لأن عنْد أبي حنيفة المَصْروف إلى السَّيِّد أرْشُ الجناية في ملْكه لا الأقل من هذَيْن، ولا من هذين.
وقوله: "من كل الدية أو كل القيمة" الأغلب في لسان أهل الفقه في مثل هذا الموضع كلمة " [أو] ولو قلْتَ: مِنْ كل الدية، وكل القيمة بالواو: صَحَّ وكان أوضح، وكذا الخلاف الحال في قوله: "أن نصف القيمة، وكذا قوله في العبارتين المترجمتين حيث قال أو "مثل نسبه من القيمة أو مجرَّد أرش الجناية".
وقوله في العبارة الأولى "الواجب أقل الأمرين" أي للسيد، وهو مَعْنَى قوله في الأخرى "المصروف إلى السيد" فقد يُخْتَصَر، فيقال "المصروف إلى السيد في القول الأول الأقل من الواجب على الجاني، وما يناسبه من القيمة، وفي الثاني الأقلُّ من الواجب وأرش الجناية".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ عَبْدٍ فَعَتَقَ ثُمَّ جرَحَهُ وَجُلاَنِ آخَران فَعَلَى جَميعِهِمْ دِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَعَلَى الجَانِي فِي الرَّقِّ الثُّلُثُ، وَلِلْسَّيِّدِ فِي قَوْلٍ أَقَلُّ (ح) الأمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ أوْ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ القِيمَةِ وَهُوَ ثُلُثُ القيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفُ القيِمَةِ وَهُوَ أَرْشُ جِنَايَةِ المِلْكِ، المَسْأَلَةُ بِحَالِهَا عَادَ وَهُوَ فِي العِتْقِ وَجَرَحَ جُرْحًا ثَانِيًا فَالوَاجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَلَكِنْ بجِرَاحَتَيْنِ حِصَّةُ جِنَايَةِ الرِّقِّ نِصْفُهُ وَهُوَ السُّدُسُ فَالمَصْرُوفُ إِلَى السَّيِّدِ الأَقَلُّ مِنْ سُدُسِ الدِّيَةِ أَوْ سُدُسُ القِيمَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ هُوَ الأَقَلُّ مِنْ سُدُسِ الدِّيَةِ أَوْ نصْفُ القِيمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان تُقدَّم علَيْهِما أنه لو قطع يد عبد، فحتق، [ثم] جاء
_________________
(١) سقط من: ز.
[ ١٠ / ١٩٨ ]
آخر، وقطع يده الأخْرَى أو رجْلَه، فيُنْظَر؛ إن اندملتِ الجراحتانِ، فلا قصاص على الأول، إن كان حُرًّا، وعليه نصْفُ القيمة للسيِّد، وعلى الثانِي القصاصُ أو نصْفُ الديةِ للمقطُوع، وإن مات منهما، فلا قصاص على الأول، لا في النفس، ولا في الطَّرَف إذا كان حرًّا وأما الثاني، فللوارث أن يقتص في الطرف النفْسُ؛ لأن سقوطه عن الأوَّل كان لِمَعْنى يختصُّ به، وهو عَدَم الكفاءة.
والثاني: كُفْءٌ هو أشبه شريك الأبِ، وفيه طريقان آخران:
أحدهما: أنه على القولَيْن في شريك السَّبُع.
والثاني: أنَّه لا قصاص عليه؛ لأنه مات مِنْ جُرْح صادَفَ رقًا وحرية، فأشْبَه ما إذا جرح مَنْ نصْفُه حرٌّ ونصْفُه رقيقٌ، ونسب القاضي ابن كج إلى أبي الطيِّب بن سَلمَةَ طريقة القولَيْن، والأكثرون نسَبُوا إليه الثاني، لماذا أوجبْنا القصاصَ، فلو عفا المستحقُّ، فعليه كمال الدية، وللسيِّد الأقلُّ من نِصْف الدية، ونصف القيمة على القولَيْن جميعًا؛ لأنه مات بجنايَتَيْن حصةُ كلِّ واحدةٍ مع سرايتها نصْفُ الدية، فيكون حقه فيما وجب عَلَى الأول، ولا حَقَّ له فيما يجب على الثانِي؛ لأن جنايته لم تكُنْ في ملكه، وإن اقتص الوارث مِنَ الثاني، بقي على الأول نصْفُ الدية، فإنْ كانَ قَدْرَ نصْفِ القيمةِ أو أقلَّ، أخَذَه السيد، وإن كان أكْثَر، فالزيادة للوارث، ولو قطع حُرٌّ يدَ عَبْدٍ، فعَتَقَ، ثم عاد، وقطع يده الأخْرَى، فمات منهما، فللوارث القصاص في الطرف الثاني دون الأول، ولا يجب عليه قصاص النفس؛ لأنه مات بجراحتين إحداهما موجِبَةٌ للقصاص، والأخرَى غير موجبة، وقد ذكرنا أنه لا قصاص في مثْل ذلك، وحكى القاضِي ابن كج وجهًا ضعيفًا: أنه يجب، إذا عفا المستحقُّ عن قصاص الطَّرَف، فعليهما الدية، وإن استوفاه، بقي على الجاني نصْفُ الدية، وحُكْمُ ما للسيد في الحالتين على ما ذكَرْنا فيما إذا كان القَاطِعُ غيره، ولو قطع أصبع عبْدٍ فعَتَق، ثم جاء آخر فقَطَع يده، ومات منهما، فعليهما الدية للسيد على أحد القولَيْن؛ الأقل من نصْفِ الدية، ونصْفِ القيمة، وعلى الأصحِّ الأقلُّ من نصْف الدية وعُشْر القيمة، فهذا ما نُقدِّمُه.
أما صورتا الكتاب، فإحداهما.
قَطَع إحدى يدَيْ عبْدٍ فعَتَقَ، ثم جرحه رجلانِ آخران بأن قطع أحدهما يده الأخرى، والآخر رجلَهُ، ومات منهما، فلا قصاص على الأوَّل لا في النفس ولا في الطَّرَف، إذا كان حرًّا، وعلى الآخرين القصاصُ في الطَّرَف، وكذلك في النفس، وفيه خلاف ابن سلمة.
وأما الديةُ، فيجب موزَّعةً على الجُنَاة الثلاثة على كل واحدٍ ثلثها، ولا حقَّ للسيد فيما يجب على الآخرين، وإنما يتعلَّق حقُّه بما يجب على الجاني في الرِّقِّ، وفيما
[ ١٠ / ١٩٩ ]
يستحقه القولان، وهما منصوصٌ عليهما في هذه الصورة في "المختصر" فعلى القول الأول: للسيد أقلُّ الأمرين من ثُلُثِ الدية، وثُلُث القيمة، وهو مثل نسبته من القيمة، وعلى الثاني الأقلُّ من ثلث الدية، وأرْش الجناية في مِلْكِه وهو نصْف القيمة. والثانية: الصورةُ بحالها، وعاد الجانِي في الرِّقِّ، وجرح بعد العتق جراحةً أخرَى، ومات بسراية الكل، فالدية موزَّعة عليهم [أثْلاثًا لما مَرَّ أَنا ننْظُر إلى عدَدِ الجارِحِينَ دون الجِرَاحَاتِ، والثلث الواجبُ على الذي جَنَى في الرِّقِّ واجبٌ بجنايتين؛ إحداهما: في الرق، والأخرى: في العتق، فتقابل الجناية الواقعةَ في الرقِّ سُدُس الدية، فللسيِّد على القوْل الأول الأقلُّ من سدُس الدية الواجب بالجناية في ملْكه ومثْل نسبته مِنَ القيمة، وهو سدُسُها، وعلى الثاني: الأقل من سُدُس الدية ونصْفُ القيمة، وهو أرْشُ الجناية الواقعة في المِلْك، ولو قَطَع يد عبد فعَتَق، فجرحه آخر جراحةً، وعاد الأوَّل وجرَحَه جراحةً أخْرَى، فعليهما الديةُ بالسوية، والنصْف الواجبُ عَلَى الأول وجَبَ بجنايتي [الرق] (١) والحرية، فحصة الجناية الأولَى رُبْع الدية، فللسيد في القول الأوَّل الأقلُّ منْ ربع الدية، وربع القيمة وعلى الثاني: الأقل من رُبْع الدية [ونصف القيمة] (٢) وبه أجاب ابن الحدَّاد في هذه الصورة، وذكر القاضي أبو الطيِّب: أنه الصحيح، ولو جنى اثنان على عبْدٍ، فعَتَق، ثم جَنَى عليه ثالثٌ، ومات بالسراية، فعليهم الدية أثلاثًا، وللسيِّد في القول الأول الأقلُّ من ثلُثَي الدية، وثُلُثَي القيمة، وفي الثاني: الأقلُّ من ثُلثَي الدية، وأرْشٍ جنايتي الرقِّ، ولو جنى ثلاثَةٌ في الرَّقَّ، وعتَقَ فجَنَى رابعٌ وماتَ منْهما، فعلَيْهم الدية أرباعًا وللسيِّد في القوْلِ الأوَّل الأقلُّ من ثلاثة أرباع الدية، وثلاثة أرباع القيمة، وفي الثَّانِي الأقلُّ مِنْ ثلاثةِ أرباع الدِّية، وأرْش الجنايات، ولو جَنَى اثنانِ في الرِّقِّ، وثلاثةٌ بعد ما عَتَقَ، فالديةُ عليهمَ أخماسًا، وللسيِّد في القول الأول الأقل من خمسي الدية وخُمْسَي القيمة.
وفي الثَّانِي: الأقلُّ من خُمْسَي الدية، وأرش جنايتي الرق، ولو أوضَحَ عبْدًا، فعَتَق، ثم قَطَع قاطعٌ يده، ومات منهما، فعليهما الدية، وللسيد على الأول أقلُّ الأمرين من نصْف الدية، ونصف القيمة، وعلى الثاني: الأقلُّ من نصْفِ الدية، ونصف عشر القيمة، وهو أرش جناية الملْك، ولو أوضحَهُ فَعَتَق فجاء تسعة، فجرحوه، ومات من الجراحات كلِّها، فتوزَّع الدية عليهم أعشارًا، وللسيد على القوْل الأولِ: الأقلُّ من عشر الدية وعشر القيمة، وعلى الثاني، الأقلُّ من عشر الدية ونصْف عشر القيمة، وهو أرش المُوَضِّحَة، ولو جرحه الأول جرْحًا ثانيًا مع التسعة، فالدِّية موزَّعةٌ عليهم كذلك، وللسيِّد الأقل من نصْف عُشر الدية، ونصف عشر القيمة على القولَيْن؛ لأنه لم يجب
_________________
(١) في ز: العتق.
(٢) في ز: وربع القيمة.
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
بالجناية واقفة وسارية إلا نصْف عشر الضَّمان، وهكذا يتفق القولاَنِ إذا اتفَقَ قدْر الضمان على التقديرَيْن كما إذا جنَى خمسةٌ في الرِّقِّ وأرش جناياتهم نصْف القيمة، وخمسة بعد العتْق، فللسيِّد على القولَيْن، الأقلُّ من نصْف الدية ونصْف القيمة.
ولو جَنَى تسعة في الرقِّ وواحدٌ بعد العتق، ومات منهما، فللسيد على القوْل الأول: الأقلُّ من تسعة أعشار الدية، وتسعة أعشار القيمة، وعلى الثاني: الأقلُّ من تسعةِ أعشار الديةِ، وأرش الجنايات، وإنْ كان أرشُ الجناياتِ تسعة أعشار القيمة اتَّفَقَ القوْلاَن، ولو قطع يدَيْ عبْدٍ، فعَتَق، وجرَحَه رجلانِ آخرانِ، ومات مِنَ الجراحات، فعليه الدية أثلاثًا وللسيِّد على القول الأول الأقلُّ من ثلث الدية، وثلث القيمة، وعلى الثاني: الأقلُّ من ثلثِ الدية وكل القيمة، وهو أرش الجناية في المِلْك، ولو كان قد قطع يدَيْه ورجلَيْه، فكذلك الجواب في "التهذيب"، ووَجْهُه أن الأطراف إذا صارَتْ نفْسًا، لا تُضْمَن بأكثر من القيمة ولك أن تقول: كما أن الأطْراف لا تُضْمَن بأكثر من القيمة إذا صارت نفسًا، فاليد الواحدة لا تُضْمَن بنصف القيمة، إذا صارتْ نفسًا فكما أن نصْفَ القيمة يجعل أرْش اليد الواحدة يجوز أن يُجْعَل أرش اليدَيْنِ والرجلَيْنِ قيمتَيْنِ أَخذًا بتقديم عَدَم السِّرَاية.
ولو قطع حرٌّ يَدَ عبدٍ فعَتَقَ، فجاء آخر وحز رقبته، فقد أبطل الحَزَّ السراية، وعلى الأولِ نصْف القيمة للسيِّد، وعلى الثاني القصاصُ أو كمالُ الديةِ للوارث، ولو قطَع حرٌّ يَدَ عبْدٍ فعَتَق، فقطع آخر يده الأخرَى، ثم قُتل حزًّا فإما أن يقتله؛ ثالثٌ أو الأول أو الثاني، فإن قتله ثالثٌ، فقد بطَلت سراية القطعَيْن، وكأنَّهما اندملاَ، فعلى الأَوَّلِ نصْف القيمة للسيد، وعلى الثاني القصاص في الطرف أو نصْف الدية للوارث، وعلى الثالث القصاص في النفس أو كمال الدية، كان قتله الأوَّل، نُظِر؛ إن قتله بعد اندمال قطْعه، فعليه نصف القيمة للسيد، والقصاص في النَّفْس أو كمال الدية للوارث، وعلى الثاني: نصف الدية، وإن قتله قبل الاندمال، فعليه القصاص في النفْس، ثم إن قلْنا بظاهر المَذْهب، وهو أن بَدَلَ الطَّرَفِ يدْخُل في النفْس، فإن اقتص الوارثُ، سقَطَ حقُّ السيد، وان عفا، وجَبَ كمال الدية، وللسيِّد منْها أقلُّ الأمرين من نصْف الدية ونصف القيمة، على أحد القولَيْن، كما سبق، هذا هو الظَّاهر.
وقال القاضي الطبَرِيُّ: عندي يَسْقُط حقُّ السيِّد، كان عما مستحِقُّ القصاص؛ لأنه إذا سَقَط حكْم الطَّرَف، وصار الحُكْم للنفْس، كان المأخوذ بَدَل النفس المفوتة بعد زوال مِلْك السيد، وعلى قول ابن سُرَيْج والإصطخريِّ: أن بَدَل الطَّرَف لا يدْخل في النفس، ويكون للسيد عليه نصف القيمة، وللوارث القصاصُ في النفْس أو كمالُ الدية، كما لو قُتل بعْد الاندمال، كان قتله الثاني، بَطَلت سرايةُ الأول، فعلَى الأول نصْف القيمة للسيد.
[ ١٠ / ٢٠١ ]
والثاني: قَطَع طَرَف حُرٍّ ثم قتَلَه، فإن قتله بعْد الاندمال، فللوارث أن يقتص منه في الطرف والنفس، وله نصْف الدية لليد، وكمالُ الدية للنفس، فإن شاء استوفَى القصاص فيهما وإن شاء أخذ بدلهما، وإن شاء استوفَى في أحدهما وبدل الثاني، وإنْ قتله قبل الاندمال، فللوارث القصاص في النفس، بقطع اليد، وله دية النفس فَقَطْ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ حَقُّ السَّيِّدِ فِي الدَّرَاهِم، وَالوَاجِبُ عَلَى الجَانِي الإِبِلُ وَالخيَرَةُ إِلَى الجَانِي، فَإنْ سَلَّمَ الإِبِلَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإنْ سَلَّمَ الدَّرَاهِمَ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ الامْتِنَاعُ لأنَّهُ حَقُّهُ، وَقِيلَ: الإِبِلُ هُوَ الوَاجِبُ لأَنَّهُ المُتَعَيِّنُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرَفْت أن الواجبَ فيما إذا جنَى على عبد فعَتَق، وسَرَت الجناية إلى نفسه، إنما هو الدية، والدية الإبِلُ، فقال الأصحاب: تُؤْخَذُ الإبل، وتصرف إلى السيد حِصَّته على التفصيل الذي سَبَق من الإبل، وليس للوارث أن يقول: أسْتَوْفِي الإبل، وأدفع إليه ما يستحِقُّه من الدراهم أو الدنانير، فإنه إنما يستحِقُّ القيمة بحقِّ المِلْكِ، والقيمة الدراهم أو الدنانير؛ لأن ما يستحقه يستحقه من عين الدية التي هي الواجبة في الواقعة، وليست هي مرهونةً بحقه بخلاف الدَّيْن مع التركة، حيث يتمكَّن الوارث من إمساك التركة؛ لأن صاحب الدَّيْن لا يستحِقٌّ عينها، وليس للسيد أن يكلِّف الجاني تسليم الدراهم، ولو أتى الجاني بالدراهم، ففي إجبار السيد على القَبُول وجهان، ذكرهما الإِمام:
أحدهما: المَنْع؛ لأن الواجب المتعيِّن الإبل، فله أن يقول [له]: سلم حقِّي إلَيَّ.
والثاني: يُجْبَر؛ لأن ما يجب له يَجِب بحَقِّ المِلْك، والواجب بحقِّ الملْك النقْدُ، فإذا أتى به، فقد أتَى بأصْل حقِّه وحاصلُ هَذا الوجّه تخيير الجاني بيْن تسليم الإبل وتسليم الدراهم، وهو أفقه وأغوص عنْد الإِمام، وإيراد الكتاب يُشْعِر بترجيحه أيضًا، ولو أَبرأ السيّد الجاني عمَّا يستحقه من الدية برئ، وليس للورثة المطالبة به.
فرع: رمَى إلى ذميِّ، فأسلم أو عبْد، فعَتَق قَبْلَ الإصابة فيجب دية حرٍّ مسلمٍ، ولا قصاص إذا كان الرامي حرًّا مسلمًا، وكذا لو رمى ذميٌّ إلى ذميٍّ أو عبدٌ إلى عبدٍ، ثم أسلَمَ الذميُّ أو عَتَقَ قبل الإصابة، لا يجب القصاص؛ لأنه لا كفاءة عند الإصابة.
وقد يقال، على سبيل الترجمة عن مسائل الفصْل المذكور في تغير الحال بيْن الجرح والمَوْت وبين الرمي والاصابة: كلُّ جُرْحٍ ابتداؤه غيْرُ مضمون، لا ينقلب مضمونًا بتغيُّر الحال في الانتهاء، وذلك كما إذا جرح مرتدًّا، فأسْلَم، وكلُّ جرح ابتداؤه مضمونٌ، وانتقل المجروحُ إلى حالة الإهْدار، لم يتعلَّق به إلا ضمان ذلك الجُرْحِ، وذلك كما إذا جرح مسلمًا، فارتدَّ، وإن كان مضمونًا في الحالتين، اعتبر في قَدْر
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
الضمان الانتهاءُ، وفي القصاص تعتبر الكفاءة في الطرفَيْن والواسطة، وكذلك إذا تبدَّل الحال بين الرمْي والإصابة، اعتبر في القصاص الكفاءة في الطرفَيْن والواسطة، وكذلك يعتبر الطرفان والواسطة في تحمُّل العَقْل، على ما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الثَّانِي: القِصَاصُ فِي الطَّرَفِ وَهُوَ فِي شَرْطِ القَطْع والقَاطِعِ وَالمَقْطُوعِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي شَرْطِ القَطْعِ وَالقَاتِلِ وَالمَقْتُولِ لاَ يُفَارِقُهُ (ح) فِي التَّفَاوُتِ فِي البَدَلِ، وَتُقْطَعُ (ح) يَدُ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ وَالعَبْدِ بِالحُرِّ، وَلاَ تُقْطَعُ السَّلِيمَةُ بِالشَّلاَّءِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نِصْفًا مِنْ صَاحِبِهَا، وَالأَيْدي تُقْطَعُ (ح) بِاليَدِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ الاِشْتِرَاكِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ القَطْعِ، وَإِنَّمَا تُفَارِقُ النَّفْسَ في أَمْرَيْنِ (أَحَدُهُمَا): أَنَّ الأَجْسَام لاَ تُضْمَنُ بِالسِّرَايَةِ نَصًّا بِخِلاَفِ الرُّوحِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ أَنَّهُ كَالرَّوحِ. (الثَّانِي): أَنَّ الجِنَايَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ قَابِلَةً لِلضَّبْطِ حَتَّى يُسْتَوْفَى مِثْلُهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد تبيَّن في أوَّل الكتاب أن القوْل في القِصاص يتعلَّق بطرَفَيْن؛ الوجوب والاستيفاء، وأن القَوْل في الوجُوب في قِصَاص النفْس وقصاص الطَّرف، وقدْ حَصَل الفراغُ من النَّوْع الأوَّل، وأما النوعُ الثانِي، وهو قصاص الطَّرَف، فالوجوب فيه يتعلَّق أيضًا بثلاثة أركانٍ، كما في الأول، وهي القطعُ والقاطعُ والمقطُوعُ، وكما يعتبر في القتل أن يكون عمدًا محضًا عدوانًا، يعتبر في الطرف حتى لا يتعلَّق القصاص بالجراحات، وإبانةُ الأطراف، إذا وقَعَت خطأً أو على سبيل شِبْه العمْد، ومِنْ صور الخطأ أنْ يَقْصِد بالحَجَر جدارًا، فيصيب رأْسَ إنسان، فيوضحه ومن صور شبْه العمد: أن يضرب رأْسَه بلطمة أو بحَجَر لايشج غالبًا لغاية صِغَره، فيتورم الموضع ويتضح العَظْم، وقد يكون الضرب بالعَصَا الخفيفة، والحجر المحدَّد عمْدًا في الشِّجَاج؛ لأنَّه يوضح غالبًا، ويكون شبْه عَمْدٍ في النفس؛ لأنه لا يَقْتُل (١) غالبًا ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ولو أوضحه بما يوضح غالبًا، ولا يقتل غالبًا، فمات من تلْك الموضحة، فعن الشيخ أبي حامد: أنه يجب القصاصُ في الموضِّحة، ولو مات منها، لم يجب القصاص، واستبعده ابن الصبَّاغ وغيره؛ لأنه إذا كانت هذه الآلة، توضح في الغالب كانت كالحديدة (٢)، وفقأ العين بالأصبع عَمْدٌ؛ لأنها في العين تَعْمَلُ عَمَل السَّلاح.
_________________
(١) قال في الخادم: أنه في المطلب حكاه عن الأصحاب لكن المارودي قيده بما إذا مات بغير سراية فلو مات بها وجب القول في النفس أيضًا لحدوث القتل عن جرح يوجب القصاص فوجب أن تكون سرايته موجبة للقصاص أيضًا اعتبارًا بموجبها.
(٢) أي والحديدة يجب فيها القود إذا مات قطعًا. قال في الخادم: ما نقله عن أبي حامد تبع فيه ابن الصباغ وصاحب البحر لكن في تعليق الشيخ =
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
وُيعْتَبَر في القاطِع أن يكون مكلَّفًا ملتزمًا للأحكام، وفي المقْطُوع أن يكون معصومًا، كما ذكرنا في النفْس، ومن لا يقتل به الشَّخْص، لا يَقْطع طرفه بطرقه، ومن يقتل به الشخْص يقطع طرفه بطرقه، ولا يُشتَرطُ في قصاص الطَّرَف التساوِي في البَدَل، كما لا يشترط في قصاص النفس حتَّى تُقْطَع يدُ العبد بالعَبْد، والرَّجُل بالمرأة، وبالعكْس ويدُ الذميِّ بالمسلم دون العكس، والعبد بالحرِّ دون العكس.
وقال أبو حنيفة: إنما يجري قصاصُ الطَّرَف بين حُرَّيْن أو حُرَّتَيْنِ، ولا يَجْرِي بيْن العبْدِ والحُرِّ ولا بيْن العبْدَيْن، ولا بين الذكَر والأنثَى.
لنا: أن من قُتل بغيره، وجب أن يقطع طرفه بطرقه عند السلامة، كالحرين، ولا يرد على اللَّفْظ ما إذا قطَع صاحبُ اليد السليمة يدًا شلاَّء أو ناقصةً بأصبع، حيث لا تقطع به، وإن كان لو قتله يُقْتَل به، والمعْنَى فيه أنَّ قِصَاص النَّفْس لصيانة الروح، وقد استويا في الروح، والشَّلل والنقصان لا يخلاَّن فيها، وقصاص الطرف لصيانة الأطراف، وقد تفاوتا في الطرف، وفرق فارقون بأن اليَد الشَّلاَّء ميتة، والحيُّ لا يُؤْخَذ بالميت، كما لا يُقْتَل الحيُّ بحَزِّ رقبة الميت، وذُكِرَ على هذا وجهان في أن اليد الشلاء من المذَكَّاة، هل تُؤْكَل، وضعَّف القاضي أبو الطيب وجماعةٌ هذا الفرْق، ومنَعُوا كوْنَ اليد الشلاء ميتة، وقالوا لو كان كذلك، لَتَغَيَّرت، ولكانت نجسة.
وكما يقتل الجماعة بالواحد، تقطع الأيدي باليد الواحدة، إذا اشتركوا في القطْع؛ بأن وضعوا السكِّين على اليد، وتحامَلُوا عليها دفعةً واحدةً حتى أبانوها، أو أبانوا بضربة واحدةٍ، اجتمعوا عليها، وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تُقْطَع الأطرافُ بطَرَف واحد.
لنا: القياس على النفْس، ويخالف ما لو سرَق رجلانِ نصابًا واحدًا، لا يجب القَطْع؛ لأن القطْع في السرقة حق الله تعالى، والحدود مجالُ المساهلات بخلاَف القصاصِ الذي هو حقُّ الآدميِّ ولذلك لو سرَقَ نصْفَ نصاب، ثم عاد، فكمل لا يُقْطَع، وهاهنا لو أبان اليد بدَفْعَتَيْن، يقطع.
ولو تميَّز فعْل الشركاء؛ بأن كان يقطع هذا من جانب، وهذا من جانبٍ، حتى التقت الحديدتان، أو قطع أحدهما بعْض اليد، وجاء الآخر فقطع الباقي وأبان، فَلاَ
_________________
(١) = أبي حامد في أول باب الجنايات يقتضي موافقة بحث ابن الصباح لا نقله عنه، وذكر بعض المتأخرين أنه ليس في كلام أبي حامد ما نقله عنه وأن الماوردي صرح بخلافه وقال هذا إذا مات في الحال من غير سراية كما في غرز الإبرة فإن مات بالسراية وجب القود وقد وضح أن الفتوى على وفق بحث ابن الصباغ.
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
قصاص على واحِدٍ منهما، ويجب على كلِّ واحدٍ منْهما الحكومةُ على ما يليقُ بجنايته، وينبغي أن يبْلُغ مجموع الحكومتين ديةَ اليد، وعن صاحب "التقريب" حكايةُ قول إنه يقطع من كل واحد منهما بقَدْر ما قَطَعَ إن أمكن (١) ضبْطُه، وذكر الإِمام: أن هذا مأخوذٌ من اختلاف يأتي -إن شاء الله تعالى- في أن القصاص هل يجري في المتلاحمة، وجْه الشَّبَه أن الموضحة يَجْري القصاص فيها كالإبانة، وقطْع بعْضِ اليدِ بعْض الإبانة كما أن المتلاحمة بعْض الموضحة، فليكُنْ حُكْمُه حكْم المتلاحمة، ثم فرق بينهما بأنَّ جلْدة الرأْس وما عليه من اللَّحْم، لا اختلاف في أجزائها، وليس فيها أعصابٌ وعروقٌ، فهي جداولُ الدم والعروقُ الرقيقة لا اعتباريها، فيتأتى رعايةُ القصاص ومعظم اليد تشمل على أعصاب ملْتَفَّة وعروق ساكنة وضارية، ويختلف وضعها في الأيدي، فلا يتأتى رعاية التماثل ولو جرا طرفي الحديدة جر المنشاد، فهذا عدَّهُ أكثرُهم منْ صور تمييز الفعْلَيْن، ومَثَّل به القاضي ابن كج صورةَ الاشْتراك المُوجِب للقصاص، ومحلُّ الإشكال ما ذكَر الإِمام أن الإمْرَار هكذا يُصَوَّر على وجهين.
أحدهما: أن يتعاونا في كل جَذْبَةٍ وإرْسَالَةٍ، فتكون من صور الاشتراك.
والثاني: أن يجذب كل واحد إلى جهة نفْسِهِ، ويفتر عن الإرسال في جهة صاحبه، فيكون البعضُ مقطوعَ هذا، والبعضُ مقطوعَ ذاك، ويكون الجواب على ما قاله الأكثرون، ولا يكاد يجيء فيه ما حكاه صاحب "التقريب" لتعذُّر الضَّبْط.
وقوله في الكتاب: "لا يفارقه في التفاوت في البدل" وقوله: "إذ يقطع" مُعْلَمان بالحاء؛ لما بيَّنَّا، وقوله: "ولا تُقْطَع السليمة بالشَّلاء" المقصد بذكر المسألة في هذا الموْضِعَ ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وإنما جَرَى ذكْره هنا؛ لأنها قد تَوَردُ على قوْلنا: إن مَنْ يقتل به الشَّخص يقطع طرفه على ما بين، وأراد بقوله: "لأنها ليست نصفًا من صاحبها" أنا وإن لم نراع التساوِيَ في البَدَل قدرًا ولكن نراعي نسبة تساوي الطرفين إلى الجملَتَيْن، ويعتبر أن يكون طَرَفُ المقْطُوع نصْف جملته، إذا كان طَرَفُ القاطع نصْفَ
_________________
(١) وما ذكره عن صاحب التقريب أنه حكاه قولًا تبع فيه البغوي، وقد نازعه ابن الرفعة في الكفاية بأن القاضي الحسين والفوراني حكيا ذلك عن صاحب التقريب -يعني في قوله. وقال الإِمام أنه أخذه من قول الشَّافعي في أن القصاص هل يجزئ في المتلاحمة، ثم أخذ يحكي عن الإِمام الفرق في الموضعين. قلت: وليس كما قالوا: قد نص الشَّافعي في الأم فقال في باب الاجتماع على القطع وإنما يقطع أيديهما معًا إذا حملا شيئًا فضرباه معًا ضربة واحدة أو جزا معًا جزًا فإما أن يقطع هذا يده من أعلاها وهذا يده من أسفلها إلى أعلاها فلا يقطع أيديهما ويجزّ من هذا بقدر ما جز من يده ومن هذا بقدر ما جزه من يده إن كان هذا يستطاع. (قاله في الخادم).
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
جملته، واليد الشلاء ليست نصفًا من صاحبها بخلاف اليد السليمة، فلِذَلك لم نقطع السليمةَ بها. وقوله: "وإنما تفارق النفس في أمرين" لمّا تبين أن قصاص النفْس والطرَفِ لا يفترقان في اشتراط التَّسَاوِي في البَدَل، ولا في استيفاء العَدَد بالواحِد، أراد أن يبِّين ما يفترقان فيه، فذكر أنهما يفترقان في أمرَيْن.
أحدهما: أن قصاص النفْس يجبُ بسراية الجراحات، وفي الأجسام خلافٌ، وهذا معادٌ على القُرْب، ونشرحُه هناك، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "وفيه تخريج" بالواو؛ لما سيأتي وقوله: "كالروح" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة: لا يجب القصاص بالسِّرَاية في الأجسام، كما هو النص.
والثاني: أن الجنايَة على ما دُونَ النَّفْس ينبغي أن تكون قابيلة للضَّبْط؛ ليمكن استيفاء مثله بلا زيادة ولا نقصان، فإن الروح مستبقاة، فلا بُدَّ من الاحتياط، ولك أن تقول قصاص النفْس والطَّرَف لا يفترقان في اشتراط ضبْط الجناية، لكن الجناية على النفْس مضبوطةٌ في نفْسها، والجناية على الأعضاء والأطْراف قدْ ينضبط، وقد [لا تنضبط و] (١) ذَكَر في "التهذيب" بدل الأمر الثاني شيئًا آخر؛ وهو أن محل الجناية لا يُراعَى في النفْس حتى لو قطع طَرَفَ إنسان، فمات، كان للوليِّ أن يحز رقبته، وفي الطرف يراعَى المَحَلُّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالجِنَايَاتُ ثلاَثٌ: جُرْحٌ وَإبَانَةُ طَرَفٍ وَإزَالَةُ مَنْفَعَةٍ أَمَّا الجُرْحُ فَفِي المُوضِّحَةِ الَّتي تُوَضِّحُ العَظْمَ مِنَ الرَّأْسِ أَوِ الجَبْهَةِ أَوِ الخَدِّ أَوْ قَصَبَةِ الأَنْفِ القِصَاصُ، وَلاَ قِصَاصَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الهَاشِمَةِ لِلعَظْمِ، أَوِ المُنَقِّلَةِ لَهُ، أَوِ الآمَّةِ البَالِغَةِ إِلَى أُمِّ الرَّأْسِ، أَوِ الدَّامِغَةِ الخَارِقَةِ لِخَرِيطَةِ الدِّمَاغِ، وَلاَ فِيمَا قَبْلَ المُوَضِّحَةِ مِنَ الحَارِصَةِ الَّتِي تَشُقُّ الجِلْدَ، أَوِ الدَّامِيَةِ الَّتِي تُسِيلُ الدَّمَ، وَأمَّا البَاضِعَةُ الَّتِي بِخَرْقٍ يَبْضَعُ اللَّحْمَ أَوِ المُتَلاَحِمَةُ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ عُرْضًا بَالِغًا فَقَوْلاَنِ لِأَنَّ الضَّبْطَ مُمْكِنٌ عَلَى عُسْرٍ وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةَ، فَإذَا قَطَعَ نِصْفَ لَحْمِهِ إِلَى العَظْمِ قَطَعْنَا نِصْفَ اللَّحْمِ إِلَى العَظْمِ، فَإِنْ شَقَّ مَارِنَهُ أَوْ أُذُنَهُ فَقُوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ لِأَنَّ ضَبْطَهُ أَيْسَرُ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ كُوعِهِ فَقوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأنْ لاَ يَجِبَ لِأنًّ العُرُوقَ وَالأعْصَابَ مُخْتَلِفَةُ الوَضْعِ فِيهِ، وَأمَّا المُوَضِّحَةُ عَلَى الصَّدْرِ وَسَائِرِ البَدَنِ فَلاَ تَتَقَدَّرُ دِيَتُهَا وَلَكِنْ يَجْرِي القِصَاصُ فِيهَا عَلَى أَقْيَس الوَجْهَيْنِ لإمْكانِ الضَّبْطِ.
_________________
(١) سقط في: ز.
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجناياتُ فيما دون النفْسِ ثلاثةُ أنواعٍ، جَرْحٌ يَشُقُّ، وقَطعٌ يُبين وإزَالَةُ مَنْفَعَةٍ بِلاَ شَقٍّ ولا إبَانَةٍ.
النوع الأوَّل: الجراحاتُ ويتعلَّق بها القصاص في الجمْلة قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ثم هي تنْقَسِم إلى واقعَةٍ في الرأْس والوجه وإلى غيرها، والتي تقَعُ في الرَّأْس والوَجْه تسمى الشِّجَاج، والمشْهُور منْها عَشَرَة.
أحدها: الحَارِصَة، فهي الَّتِي تشق الجلْدَ قليلًا نحْو الخَدْش، وتسمى الحَرْصَة أيضًا، يقال حَرَصَ القصَّاص الثوْبَ، إذا خدَشَه، وشَقَّه بالمُدُق وعن الأزهري: إذا قصره، ونحى عنه الدَرَنْ، كأنه قشره عنه، وقد يوجد في تفسير الحارصة أن لا يدمي المَوْضع، والثانية: الدامية، وهي التي تدمي موضِعَها مِنَ الشقِّ والخدْشِ، وذكر الإِمام وصاحب الكتاب في تفسيرها سَيلاَنَ الدَّمِ، وهو خلاف ما حُكِيَ عن لفْظِ الشَّافعيِّ -﵁- واشْتَهَرَ في اللغة، أما لفْظ الشافعيِّ -﵁- فقد حكَى القاضي الرويانيُّ أنَّه قال: الدامية هي التي تدمى، ولا يقطر منْها شيْءٌ، وأما أهلْ اللغة، فقد ذكروا أن الدامية الَّتي يظهر دمها ولا يسيل، فإن سَالَ، فهي الدامعة بالعين المهملة من قولهم دمعت العين تدمع دمعًا.
والثالثة: الباضِعَة، وهي التي تبضع اللحْمَ بعْدَ الجلْد، أي تَقْطَعه، يقال: بَضَعَ اللَّحْمَ وَبَضَعَه ومنه البضع والبضعة القِطْعَة.
والرابعة: المُتَلاَحِمَة، وهي التي تغوص في اللحْم وتغور، ولا تبلغ الجلْدة بين اللحم والعظم، وقد تُسمَّى اللاَّحِمَة.
الخامسة: السِّمْحَاقُ، وهي التي تبْلُغ تلك الجلْدةَ، ويقال لتلك الجلدة السِّمْحَاق، وكل جلدةٍ رقيقةِ فهِيَ سِمْحَاقٌ، وقد تسمَّى هذه الشَّجَّة ثم الملطي والملطاة واللاطئة.
السادسة: المُوَضِّحَةُ، وهي التي تخرق السِّمْحَاق وتوضِّح العظْمَ وتُبْدِي وضحة، والوَضَح الضوء والبياض.
السابعة: الهاشمةُ، وهي التي تهشم العظْم، أي تكسره، ويقال للنبات المتكسر: هَشِيم.
الثامنة: المُنَقِّلَة، وهي التي تُنَقِّل العظْمَ مِنْ موضع إلى موضع، ويقال: هي التي تكَسِّرُ وتُنَقِّل، ويقال: هى التي تكسر العظم، حتى يَخْرج منها فراش العظم، والفراشة كل عظْمٍ رقيق وفراش الرأس عظامٌ رقاقٌ تَلي القحف.
التاسعة: المأْمُومَةُ، وهي التي تبلغ أُمَّ الرأس، وهي خريطةُ الدماغ المحيطة به،
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
ويقال لها: الآمَّة أيضًا (١).
العاشرة: الدَّامِغَة، وهي التي تخرق الخريطة، وتصل إلى الدِّمَاغ، وهي مذفَّفة، فهذه العشرة هي المشْهُورة. وفي الكتاب ذِكْرُ جميعها سوى السِّمْحَاق، وتترتَّب هي على الترتيب المذكور، وعن "الأُمِّ" تقديمُ المتلاحمة على البَاضِعَة، وتفسير كلِّ ولدٍ بما سبق في تفسير الآخر، والمعنى لا يختلف، ويذكر في الشِّجَاج الجالفة، وعن إبراهيم الحربيِّ: أنها الأَوْلَى من الشِّجَاج، والحارصة تَليها، والأكثرون عكَسُوا، وقالوا: إنها تلي الحارصة، وهي التي تقشر الجلْد مع اللحم من قولهم: "جلفه الدهر" أي أتى على ماله واستأصله، وعلى هذا، فلا تخرج هي عن الشِّجَاج المذكورة؛ لأنها إن قطعت قليلًا من اللحْم، كانَتْ باضعةً وإن غاصت، كانت متلاحمةً، وإن استوعَبَتْه قطْعًا، فهي السِّمْحاق، أو ما بعدها، ويُذْكَر فيه الشجاج المفرشة هي التي تصاع العظم، أي تشقه ولا تكسره، وقد يقال: المقرشة بالقاف، والقاشرة، وهي الحارصة بعَيْنها، والدامعة على ما قدَّمناه، ويجوز أن يُضَاف إلى العشر الجالفة وتجعل بين الحارصة والدَّامية؛ لأنها أخْفَى من الحارصة، ولكن لا تدْمَى الموضِعُ منها، والدامعةُ، وهي بين الدامية والباضعة، والمفرشة وهي بيْن الموضِّحة والهاشمة ولذلك فعل صاحِبُ "المجمل" في جزء صنفه في الشجاج، وجميع هذه الشِّجَاج تُفْرَضُ في الجبهة، كما تفرض في الرأس، وكذلك يُتصوَّر ما سوى المأمومة والدامعة في الخدِّ وقصبة الأنف، واللحْي، الأَسْفل، إذا عرفْتَ ذلك، فيجب القصاصُ منْها في الموضِّحة لتيسير ضبطها واستيفاء مثلها، ولا قصاصَ فيما بعد الموضِّحة: من الهاشمة والمنقلة والمأمومة؛ لأنه لا يُؤْمَنُ الزيادة والنُّقْصَان في طُول الجراحة وعَرْضِها، ولا يوثق باستيفاء المثل؛ ولذلك لا نُوجِب القصاصَ في كسْر العظامِ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وأمَّا ما قبلها، فظاهِرُ لفْظِ "المختصر" وجوبُ القصاصِ في الباضِعة والمتلاحمة، والنَّصُّ في رواية الربيع وحَرْمَلة منْعُه، واختلف الأصحابُ فيهما على طريقين أقربهما إثبات قولَيْنِ في المسألة.
وجه المنع: أنه لا يُمْكِن رعايةُ المماثلة، فإنَّا لو ذهبْنا نَقْطَع من الشاجِّ بقدر ما قطع من المشجوج لم تأَمَنْ أن نوضِّح من مقابلة المتلاحِمَة؛ لغلظ جلْد المَشْجُوج، وكثرة لحمه، ورقة جلد الشاجِّ وقلة لحمه، ولو راعَيْنا نسبة المقْطُوع إلى جملة سُمْك الجلد واللَّحْم حاولنا أن نعرف أنه النصْف أو الثلث، ولم نتمكِّن من معرفته، واللَّحْم باقٍ بعضه والعظم مستترٌ به.
_________________
(١) أي بالمد وتشديد الميم هذا ضبطه في التحرير وما ذكره من أن الآمة والمأمومة واحد خلاف ما نص عليه الشافعي في الأم فإنه ذكر المأمومة وواجبها ثم قال: والآمة التي تخرق عظم الرأس حتى تصل إلى الدماغ.
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
ووجه الوجوبِ: إمكان الوقوفِ على نسبه المقْطُوع إلى الجُمْلةِ، وصَوَّر الشَّيْخ أبو حامِدٍ ذلك فيما إذا كاَن عَلَى رأسِ كلِّ واحدٍ من الشاجِّ والمشجوج موضِّحَةٌ قريبةٌ من موضع الشجة، فيُنْظر في موضِّحة المشجوج ونقيس بها الشجة التي نريد القصاصَ فيها، أهِيَ نصفها أو ثلثها، فإذا عَرَفْنا ذلك نَظَرْنا في موضِّحَةِ الشاجِّ، واستوفَيْنا مثْل نصْفها أو ثلثها.
قال الإِمام: ويمكِنْ ذلك إذا كانت الموضِّحتان طريَّتَيْنِ أما إذا عتقتا وأخذنا في الالتأم، لم يتأتَّ الضبط، ثم اختلف المثبتون للقولَيْن؛ فخصَّص أكثرهم قول الوجوب بالتصوير الذي صوَّره أبو حامد، ولم يذكروا فيما إذا لم يُمْكِن الضبط؛ أنه يقتص في القَدْر المستيقَنِ، كما قالوا: إنه يعتبر أَرْش ما دون الموضِّحة من الشجاج بالموضِّحة، ويُقدَّر بها إذا كانت هناك موضِّحة، وعند الشكِّ، يجب القدْر المستيقَنُ وذكر الإِمام في القصاص مثل ذلك، فقال: إذا لم يُمْكِن معرفة النسبة أجرَيْنا القصاصَ في القدْر المستيقَنِ، وكفَفْنا عن محلِّ الإشكال، وهذا ذَهَاب إلى تعميم القولَيْن، وقد حكاه أبو بكر الطوسيُّ عن بعض الأصحاب، ثم الأظْهَر من القولَيْن عند الأكثرين أنَّه لا قصاص، وعن اختيار القفَّال والشيخ أبي محمَّد وجوبُه عند الإمكان.
والطريق الثاني: امتنع كثير من الأصحاب من إثبات القولَيْن ثم تحزَّبوا، فقطعَ قاطِعُونَ بأنَّه لا يجبُ القصاص ونَسَبُوا المزنيَّ إلى السَّهْو، وعن الماسرجسي أنه كان الشافعيَّ -﵁- يُعَلِّق القول في المسألة، ويقول بوجوب القصاص، إن أمكن، ثم بأن له أنه لا إمكانَ، فقَطَع القول بالمنع، وفيما علِّق عن أبي بكر الطوسيِّ أن بعض الأصحاب ترك النصَّيْن على حالَتَي الإمكان وعدمه والخلافُ المذكورُ في الباضعة والمتلاحمة جَارٍ في السِّمْحَاق، وكذلك ذكره الإِمام والقاضي الرويانيُّ وغيرهما، ولِجَازِم أن يجزمَ بالوجُوب، إن كانَتِ الجلدة بين اللحم والعَظْم المسمَّاة بالسِّمْحَاق متميزةّ، يَقِفُ أهل الخبرة عليها، ويمكن إنهاء القطع إليها بلا مجاوزةٍ كما في الموضِّحة، وحكى الإِمام في الحَارِصَةِ القَطْع (١) بأنه لا قصاص؛ لأنه لا وقع لها، ولا يفُوتُ بها شيْء، وأن الشيخ أبا محمَّد تردَّد في الدامية، وأن مَيْل القفَّال إلى تنزيلها منزِلةَ الحارصة، وفي وجوب القصاص يُقْطَعُ بعض المارن والأذن من غير إبانة، اختلافُه قول رُتِّب على الخلاف في الباضعة والمتلاحمة، والظاهرُ الوجوبُ، لإحاطة الهواء بهما وإمكان الاطلاع عليهما من الجانبيْن، ويُقدَّر المقطوعُ بالجزئية كالثلُث والنصْف، ويستوفَى من الجاني مثلُه، ولا يُنْظر إلى مساحة المقطوع، وقد تختلِف الأذنان صغرًا وكبرًا، ولو قطع بعْضَ الكُوع أو مفْصَل الساق والقَدَم، ولم يبين، فقد حُكِيَ فيه قولان
_________________
(١) وكذلك صرح في دقائق المنهاج فقال: لا قصاص فيها قطعًا وإنما الخلاف في غيرها. وهذا شيء حكاه الرافعي عن جزم الإِمام وجرى عليه في الشرح الصغير لكن الخلاف ثابت.
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
مرتَّبان، وهو أولَى بعدم وجوب القصاص، وهو الظاهر؛ لأنَّها مجمع العروق ؤالأعصاب وهي مختلفة الوضع، تسَفُّلًا وتصعُّدًا، وقد يؤثر في أوضاعها العبالة والنحافة، فلا يوثق باستيفاء المِثْل بخلاف المارن والأذن، فإنَّهما من جنْسٍ واحدٍ.
هذا حكم القصاص في الشِّجَاج. والقول فيما يجب فيها مِنْ أرْشٍ أو حكومةٍ سيأتي- إن شاء الله تعالى- فى "الديات"، وأما الجراحات على سائر البدن، فما لا قصاص فيه، إذا كان على الرأْس والوجْه، لا قصاصَ فيه إذا كان علَى غيرهما، وأما الموضِّحة التي فيها القصاص، إذا وقَع مثلُها في سائر البدن، كما إذا أوضحت الجراحةُ عظْمَ الصدر أو العنق أو الساعد أو الأصابع، ففي وجوب القصاص وجهان:
أحدهما: لا يجب، كما لا يجب فيه أرْشٌ مقدَّر وهذا؛ لأن الخَطَر في الجراحة على الرأْس والوجْه أعظمُ والشِّيْن الحاصل بهما أقبح.
وأصحُّهما: الوجوب لتيسر استيفاء المثل، وهذا ظاهر النصِّ، ولا يعتبر القصاص بالأَرْش؛ ألا ترى أن الإِصبع الزائدة تقتص بمثْلِها، وليس لها أرْشٌ مُقدَّرٌ، وكذلك الساعدُ بلا كفٍّ وعلى عكسه الجائفة لها أرش مقدَّر، ولا قصاص فيها، وإذا اختصرت، وأجيبت في الجراحات بما هُوَ الظَّاهر، قُلْت: يجب القصاصُ في الجراحة عَلَى أيِّ موْضِعٍ كانَتْ بشرط أن تنتهي إلى العَظْم ولا تكسره، وأما لفظ الكتاب، فقوله: "ففي الموضِّحة التي توضِّح العظْمَ إلى آخره ليس الغرض من قوله: "التي توضِّح العَظْمَ تقييد الموضحة أو وصفها وهي التي كذا وكذا وكذا، الحال فيما ذكر في الآمة" والدامعة وفي الحارصة والدَّامية. وقوله: "مِنَ الهاشِمة للعَظْم أو المنقِّلة أو الآمَّة" لو أدخل فيها "الواو" بدل "أو" لحصل الغَرَض.
وقوله: "أو الدَّامغَةُ الخَارِقَةُ لِخَرِيطَةِ الدِّمَاغ" يعني لا قصاص في عينها، ويتعلَّق بها قصاص النفْس أو كمال الدية؛ لما ذكرنا أنها منفعة ويجوز أن يُعْلَم قوله: "أو الدامية" بالواو لما حكينا من تردُّد الشيخ أبي محمَّد.
وقوله: "التي تسيل الدم" أيضًا لما مر أنَّهم شرَطُوا في الدامية أَلاَّ يسيلَ الدمُ، وقوله في الباضعة والمتلاحمة "فقولان"، يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للطريقة القاطعة بالمَنْع، والمنزلة للنص على الحَالَتَيْنِ.
وقوله: "فإذَا قطَع نصْفَ لحمه إلى العَظْم، قطَعْنا نصف اللحم إلى العظم" يعني إذا كان [على رأس] (١) كل واحد من الشَّاجِّ والمشجوج موضِّحة يتيسَّر معْرفة النسبة
_________________
(١) في أ: برأس.
[ ١٠ / ٢١٠ ]
بهما، إن خصَّصنا القولين بتلْك الصورة، وإن عمَّمنا هنا، وهو قضية لفْظ الكتاب، فيمكن أن يقال: يُرَاجَع أهل الخبرة، لِيَنْظُروا في المقْطُوع، والباقي ويَحْكُموا بأنه نصْف أو ثلث بالاجتهاد بعْد غمر رأس الشاج والمشجوج، ويحكمون عند القصاص أيضًا، ويُعْمَلُ بموجبِ اجتهادِهم، فإن شكُّوا في أن المقْطُوع نصْفٌ أو ثلثٌ أخذْنا باليقين، وهذا شيْء كان يعرض. في الخاطر مدَّةً ثم رأيته مسْطُورًا في "أمالي" الشيخ أبي الفرج الزاز.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الأَطْرَافُ فَيَجِبُ القِصَاصُ فِي جَمِيعِ المَفَاصِلِّ إِلاَّ في أَصْلِ الْمَنْكِبِ وَالفَخِذِ إِذَا لَمْ يُمَكِنْ اِلاَّ بإجَافَةٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يَجِبُ لِأَنَّ أَصْلَ الإِجَافَةِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَفِي مَعْنَى المَفَاصِلِ أَبْعَاضُ المَارِنِ وَالأُذُنِ وَالأُنَثَيَيْنِ وَالذَّكَرِ والأَجْفَانِ وَالشَّفَتَيْنِ وَالشَّفْرَيْنِ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّقْدِيرَ، وَلاَ قِصَاصَ فِي فَلْقَةِ مِنَ الفَخِذِ لِأَنَّ سُمْكَهُ لاَ يَنْضَبِط، وَالعَجْزُ بَيْنَ انْبِسَاطِ الفَخِذِ وَنُتُوءِ الذَّكَرِ فِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وأما الأطْرَافُ فيجَب القصاصُ في الأطْراف على ما قَالَ الله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال رسول الله -ﷺ- في خبر الربيع بنتَ النَّضِر المذكورة في أوَّل الكتاب: "كِتَابُ اللهِ القَصَاصُ" والشرط أن يمكن رعاية المماثلة، ويُؤْمَن استيفاء الزيادة، وذلك بطريقين.
أحدهما: أن يكون للعضْو مفصلٌ توضَع الحديدة علَيْه، ويُبَان والمفصل موْضِع اتصال عُضْو بعضو (١) على منْقَطع عظمين برباطَاتٍ واصلة، وقد يكون ذلك على سبيل المُجَاورة المحْضَة، وقد يكون مِعَ دَخُول عضْوٍ في عضوٍ كما في المَرْفِق والرُّكْبَة، فمن المفاصل الأنامل والكُوع والمِرْفَق ومَفْصل القَدَم والركبة، وإذا وقع القطْع على بعضها اقتصَّ من الجاني.
قال الإِمام: وفي بعض التعاليق عن شيْخِي وجْهٌ بعيدٌ في المرفق والرُّكْبة، وكان سببه أنَّه لا يؤمن من الزيادة؛ لدُخول عَظْم في عَظْم، قال: وهذا أحسبه غلطًا من المُعلِّق، ومن المفاصل أصْل الفخذ والمَنْكِب، فإذا لم يجف الجاني، وأمكن القصاص من غَيْر إجافة اقتص، وإذا لم يمكن القصاص إلا بالإجافة، لم يقتص؛ لأن الجوائف لا تنضبط (٢) ضيقًا وسعةً وتأثيرًا ونكايةً؛ ولذلك لم يَجْرِ القصاصُ فيها هذا هو المشهور،
_________________
(١) بفتح الميم وكسر الصاد. قال ابن الصلاح: ومن قاله بكسر الميم وفتح الصاد فقد أحال المعنى فإنه هكذا عبارة عن اللسان.
(٢) قضيته أنه لا خلاف فيما إذا لم يجف لكن وقع في بعض نسخ الوجيز إجراء الخلاف وإن لم يكن الجاني قد أجاف فإنه قال: يجب القصاص في جميع المفاصل إلا في أصل المنكب والفخذ إذ لا يمكن إلا بالإجافة وقيل إنه يجب لأن الإجافة غير مقصودة. انتهى قاله الزركشي في خادمه.
[ ١٠ / ٢١١ ]
ولم يُفرِّقوا فيما إذا لم يُمْكِنِ القصاصُ إلا بالإجافة، بين أن يكون الجاني قد أجاف أو لم يُجِفْ.
وحكى الإمام وجْهًا أنه يجري القصاصُ إذا كان الجاني قد أجاف، وقال أهل البصر: يمكن أن يقطع العُضُو، ويجاف مثل تلْك الجائفة، ووجهه بأن الجائفة هاهنا تابعةٌ غير مقصودةٍ، وبأنه إذا كان المقْصُود إبانةَ اليد، لم يكن للحديدة عوَضٌ في الباطن، ولا يختلف التأثير والنكاية ونسب هذا الوجه إلى رواية الصيدلاني وغيره، والمشْهُور إلى الشيخ أبي محمَّد والتفصيل بين أن يمكن القصاص من غير إجافَةٍ، وبين أن لا يمكن بالإجافة منْهُم مَنْ أطلقه في القطع منْ أصْل المنكب أو الفخذ ومنهم من أطلق جَرَيَانَ القِصَاصِ، فيما إذا قطَعَ مِنْ أصْل الفخذ أو المنكب، وخصَّص التفصيل بما إذا قلع مع قطع اليد عَظْمَ المنكب الذي يقال لها "المشط" وهكذا فعل ابن الصَّبَّاغ.
والثاني: أن يكون للعضْو حدٌّ مضبوطٌ ينقاد لآلة القطع والأبانة كالعين يَجِب في فَقْئها القصاص، ويجري القِصَاص في الأذن والجَفْن والمارن والشَّفَة واللسان والذَّكَر والأنثَيَيْنِ؛ لأن لها نهاياتٍ مضبوطةً، وإن لم يكنْ مفصلٌ منقطع عظم وفي اللسان وجه عن أبي إسحاق أنَّه لا قصاصَ، ونقل مثله عن أصحاب أبي حنيفة؛ لأنه لا يمكن استيفاؤه إلا بقَطْع غيره، وفي الشَّفَةِ وجه عن الشيخ أبي حَامِدٍ، وفي الشَّفْرَيْن والألْيَتَيْنِ وجْهَان من الخلاف المذكور في الشَّفَة واللسان، لكن الخلاف فيهما أشهر وأظهر، والعراقيون كالشيخ أبي حامد ومن تابعه جَزَموا بأنَّه لا قصاص في الشُّفْرَيْنِ، وعن المزنيِّ المَنْع في الأليتين وادعى الأمام اتفاق الأصحابِ عَلَيْه في الدِّيَات، لكن الظاهر فيهما جميعًا على ما ذكره صاحب "التهذيب" والأئمة وجوب القصاص، وحكَى ذلك عن نصِّه في "الأم" في الشفتين والشُّفْرَيْنِ وبه قال القفَّال، ولا يجب القِصَاص في إطار الشفة [وهو المحيط بها] لأنه لشى له حَدٌّ مقدَّرٌ (١) والكلام في قدْر الشفتَيْن والشَّفْرَيْن والأليتين سيأتي في الديات -إن شاء الله تعالى-.
ولو قطع فلقةً من الأذن أو المارن أو الشفة واللسان أو الحَشَفة، [وأبانها] وجَبَ القصاص، ويكون الضبط بالجزئية، لا بالمساحة والمقدار، وعن أبي إسحاق المروزيِّ فيما حكاه صاحب "التهذيب" وغيره: أنه لا يجبُ؛ لأنه لا تؤْمَنُ الزيادة والنقصان، ولا يتحقَّق النسبة بخلاف ما إذا استوعَبَ العضْو وهذا قريب من الخلاف فيما إذا قَطَع بعْض الأذن أو المارن ولم يبنه ولو قطع فلقة من الفخذ، فالجواب في الكتاب: أنه لا يجب
_________________
(١) قال في القوت: الصواب إطار استه وهو الدبر كذا قاله الإِمام إثر قوله ويجب في السفرين ونقل الرافعي الفصل عنه.
[ ١٠ / ٢١٢ ]
القصاصُ؛ لأن سُمْكَه لا ينضبط ويشبه أن يجْيءَ فيه الخلافُ المذكورُ في الباضعة والمتلاحمة، إذا أوجبْنا القصاصَ في إيضاح العَظْم على سائر البَدَن.
وقوله في الكتاب: "إلا في أصْل المَنْكِب والفَخِذ؛ إذ لا يُمْكِنُ إلا بإجافة" كذلك هو في بعض النسخ، وفي بعْضها "إذ لم يمكن إلا بإجافة"، وهو أحسن وأوفق؛ لما قدَّمناه.
وقوله: "وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذن [إلى آخرها يجوز أن يكون معناه الأبعاض والأجزاء التي هي المَارِنُ والأُذُن، وكذا] (١) يجوز أن يُريدَ ما إذا قطع البعض من عُضْو من هذه الأعضاء وترتبط كل واحدة من الصورتين بالأخرى، فإنَّ ما يجري القصاصُ فيه من هذه الأعضاء يَجْرِي في بعْضه على الظاهر؛ لإمكان تقديره بالكُلِّ والمحمل الأول أوْلَى وألْيَق بسياق الكلام، والثاني أقْرَبُ إلَى لفظه في "الوسيط" فإنه قال على الأثر: ولا قصاص في فَلْقة من الفَخِذ، وإذا حمل على الثاني، فيجوز أن يُعْلَم قوله: "وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذن" للخلاف المنقول المذْكُور عن أبي إسحاق، وإن حُمِلَ على الأوَّل فيُعْلَم "الشفتان والشُّفْرَان" لا غير.
وقوله: "والعَجُزُ بين انبساط الفَخِذ ونُتُوِّ الذَّكَرِ" يعني أن العَجُز مِنْ حيث إنَّه منبسطٌ يشبه الفخِذَ، فلا يكون فيه قصاص، ومن حيث إنَّه ناتٍ بعض النتو يشبه الذَّكَر، فيجري فيه القصاص، فكان على وجهَيْن، وهذا حكاية الخلافِ الذي سَبَق في الألْيَة، ويُمْكن أن يريدَ ما إذا قَطَع فلقةٌ من العجز، وعلى التقديرين فتخصيصه بذِكْرِ الخلاف فيه كان سبَبُه ما قدَّمناه أن الخلاف في الألْيَة أظْهَرُ؛ ولذلك ذكر الإِمام الخلافَ في الألْيَة، ولم يَذْكُرْ في المارن وغيره.
فَرْعٌ: إذا قطع يد إنسان أو عضوا آخر، وبقي المقطوع متعلقًا بجلدة، وجب القصاص أو كمال الدية؛ لأنه قد بَطَل العضْو وفائدته، وأمكَنَ استيفاءُ مثل الجناية مِنَ الجانِي، ولا يَجِيْءُ فيه الخلافُ الذي سبَقَ فيما إذا قَطَع بعْض الكوع دون بعض، ثم إذا قطَعْنا يد الجاني حتى انتهى القَطْع إلى تلْك الجلدة فقد حصل الاقتصاص ويُراجَعَ [الجاني] أهلُ الخبرة في تلْك الجلدة، ويفعل ما فيه النَّظَر له من القَطْع والتَّرْك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ قِصَاصَ فِي كَسْرِ العِظَامِ لَكِنْ يُقْطَعُ (ح) أَقْرَبُ المَفْصَلِ إِلَيْهِ مَعَ حُكُومَةِ البَقِيَّةِ، وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ مَعَ الهَشْمِ فَالقِصَاصُ (ح) في الْمُوَضِّحَةِ، وَالأَرْشُ فِي الهَشْمِ، وَلَوْ قَطَعَ مِنَ المِرْفَق لَمْ يَجُز لَهُ (و) القَطْعُ مِنَ الكُوعِ، وَلَوْ كَسرَ عَظْمَ العَضُدِ فَفِي القَطْعِ مِنَ الكُوعِ مَعَ تَرْكِ أَرْشِ السَّاعِدِ وَجْهَانِ، وَإذَا سَقَطَ أَرْشُ السَّاعِدِ فَفِي أَرْشِ
_________________
(١) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٢١٣ ]
بَقِيَّةِ العَضُدِ عِنْد عُدُولِهِ إلى الكُوعِ عُدْوَانًا وَجْهَانِ، وَلَوْ عَدَلَ إلى لَقْطِ الأَصَابعِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الكُوعِ لَمْ يَجُزْ لِتَعَدُّدِ الجِرَاحَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يجري القصاصُ في كسْر العظَام؛ لأنه لا وثُوقَ فيه باستيفاء (١) المِثْل، ولكن للمجنيِّ عليه أن يقطع أقرب مَفْصِل إلى مَوْضِع الكسْر، ويأخذ الحكومةَ للباقي، وله أن يعفو ويعْدِل إلى المال، وعند أبي حنيفة لا يُجْمَع بين القطع والمال، فيسقط القصاص ويجب المال.
ولو أوضَحَ رأسَهُ مع الهشم، فله أن يقتص في الموضِّحة، ويأخذ للهَشْم ما بين أرْشِ الموضِّحة والهاشمة، وهو خَمْسٌ من الإبل ولو أَوْضَح ونقل فللمَجْنِيِّ عليه أن يقتصَّ في الموضِّحة، ويأخُذَ ما بين أرْش الموضِّحة والمُنَقِّلَة، وهو عَشْرٌ من الإبل، ولو أوضَحَ وأَمَّ، فله أن يُوضِّح، ويأخذَ ما بين أرشِ الموضِّحة والمأمومة، وهو ثمانية وعشرون [بعيرًا] وثلُثٌ [بعير]، فإن في المأمون ثلُثَ الدية، وخلاف أبي حنيفة عائد في هذه الصور، ثم في الفصل صور:
إحْدَاها: لو قطع يده من الكوع، فأراد المجنيُّ عليه أن يلقط أصابعه، لم يمكن؛ لأنَّه قَدَر على وضْع الحديدة على محَلِّ الجناية، ومهْما أمكَنَ رعايةُ المماثلة، لا يعدل عنها، فلو بادَرَ إليه، عزر ولا غُرْم عليه، [لأنه يستحق] (٢) إتلاف الجملة، فلا يلزمه بإتلاف البَعْض غُرْمٌ، كما أن مستحِقَّ القصاص في النفس، لو قطعَ طرفًا من الجاني لا يلزمه غُرْمٌ، قال صاحبُ "التهذيب": وهل له أن يَعُودَ، ويقطع الكفَّ؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: نعم، كما أن مستحِقَّ النفس لو قطع يد الجانِي له أن يعُود ويحزَّ رقبته، ولو ترَكَ قطْع الكف، وطلَب حكومتها لم يجب؛ لأن حكومة الكفِّ تدخل في دية الأصَابع، وقد استوفى الأصابعَ المقابلةَ للدية، فأشبه ما إذا قطَع مستحقُّ القصاص في النفس يَدَي الجانِي له أن يعود فيحز رقبته، ولو عفا، وطلب الديةَ لا يُجَابُ؛ لأنه قد استوفى [ها] هنا ما يقابِلُ الدية، وهذه قواعدُ سَنتكلِّم فيها فيما بعد، ولو قطَع يده من المرفق، فأراد أن يَقْطَع من الكوع، ويأخذ أرْشَ الساعد، أَوْ لا يأخذ، لم يُمْكِنْ لمَا فيه من العدول عن محَلِّ الجناية، مع القدرة عليه، بل لو أراد أن يقْطَع منه أصبعًا واحدةً، وقنع بها قصاصًا ومالًا لا يُمَكنُ منه، وفي "أمالي" أبي الفرج الزاز: أن له أن ينزل من مَفْصِلٍ إلى مَفْصِلٍ دونه، فإنه كالمسامَحَة وترك بعض الحق، والظاهِرُ الأول،
_________________
(١) وهو في هذا الإطلاق متبع للجمهور، وقضية هذا التعليل أنه إذا وثق بإمكانه كما لو نشر العظم وجوفه وعليه يدل قول الشَّافعي في الأم.
(٢) في أ: لا يستحق.
[ ١٠ / ٢١٤ ]
ولو خالَفَنَا، وقطَعَ من الكوع فيعزر، ولا غُرْم عليه؛ لما تَقدَّم، ولو أراد بعْد ذلك أن يقْطَع من المرفق، وقال: كنتُ أستحق ذلك، فمكِّنُوني منْه، قال الإِمام: لا نسعِفُه بذلك أصلًا، وجعله صاحب "التهذيب" على وجهَيْنِ، ولا بد من التسوبة بين الصورتَيْنِ، ولو طلب حكومَةِ الساعِدِ، فالذي نقله الإِمام عن الأصحاب: أنا لا نثبتها له ونقول: إنك بقطعك من الكُوع، تَرَكْتَ بعْض حقك، وقنعْتَ ببعضه، وكذلك نقل صاحب "التهذيب" ثم قال: وعندي له حكومةُ الساعِد؛ لأن الساعد تُفْرَدُ بالحكومة، بخلاف الكفِّ تدخل حكومتها في الأصابع.
الثانية: لو كسر عظْم العضُدِ، وأبان اليد منه، فللمجنيِّ عليه أن يقطع من المِرْفَق، ويأخذ حكومةً لما بَقِيَ من العضُدِ، وإن عفا فَلَهُ الديةُ للكف وحكومةُ الساعد، وأخرى لما بقي من العضُدِ، ولو أراد أن يترك المرفق، ويقطع من الكوع، فهل يُمَكَّن؟ حَكَى الإِمام وصاحب "التهذيب" فيه وجهين:
أحدهما: لا؛ لأنه أمكنه وضْعُ الحديدة على الموضع الذي هو أقرب إلى محلِّ الجناية، فلا ينزل عنه، كما لو أمْكَنَ وضْع الحديدة على محلِّ الجناية لا ينزل عنه.
والثاني: يجوز؛ لأنه عاجزٌ عن القطْع في محلِّ الجناية، وهو بالعدول إلى الكوع تاركٌ بعْضَ حقِّه، فلا يمنع منه وفي "التهذيب" ترجيح هذا الوجه، وإيراد الرويانيِّ وغيره يُشْعر بترجيح (١) الأول، ولو أراد لفظ الأصابع، لم يمكن، وَوَجَّهَهُ بأن فيه تعديد الجراحة، وذلك عظيمُ الموقِعِ فإن اقتصر على أصبعٍ واحدةٍ، فالقياس أنه على الوَجهَيْنِ في قطع الكُوع، فإذا قلْنا: إنه ليس له أن يقْطَع من الكوع، فلو قطع، ثم أراد القطع من الِمرْفَق، لم يمكن، ولم يحئْ فيه الوجهان المذكوران فيما إذا كان الجانِي قد قَطَع من المِرْفَق، واستوفى المجنيُّ عليه من الكوع، وفرق بأن هناك أمكَنَهُ وضْع السِّكِّين على محَلِّ الجناية، وهاهنا لا يُمكن وجوزِّنا قطْع ما دونه للضرورة، فإذا قطَعْنا مرَّةً، لم نكرِّرْه، وليس له حكومةُ الساعد أيضًا؛ لأنه كان يمكنه استيفاؤه، وقد منَعْناه ممِّا فعَل فخالَفَنا، وإن جوَّزنا له القطْع من الكُوع، فقَطَع، هل له حكومة الساعِدِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن القطْع من الكوع مع القدرة على القطْع من المرفق اكتفاءٌ به وإقامةٌ له مُقَامَ القطع من المرفق، وعن القفَّال: أنه استشهد لذلك بما إذا التمست الثيِّبُ الجديدةُ أن يقيم عندها سبْعًا، فأجابها، فإنَّه يقضي جميع السَّبْع للباقيات، ووَجْه الشبه أن البُعْد عن الحدِّ المستَحقِّ، وهو الثلاث أوجب بطلان الحق هناك، فكذلك هاهنا
_________________
(١) وقضية حكاية الخلاف في الأصبع أنه لا خلاف فيما ذكره أولًا من أنه ليس له قطع الأصابع وهو ظاهر لما فيه من تعذر محل الجراحة.
[ ١٠ / ٢١٥ ]
وأشْبَهَهُما أنَّ له حكومةَ الساعد؛ لأنه ترك حقَّه في الساعد بلا تَعدٍّ، فكان كما لو عَفَا عن القصاص يثبت له المطالبة بالمَالِ، ولأنَّ حكومة الساعِدِ لا تدخل في دية اليَدِ مع الكوع، فأوْلَى أن لا يدْخُل في قطْعِها من الكوع، وأما حكومة بقية العَضد، فقد ذكرها هاهنا، وفي "الوسيط" في سقوطها وجهَيْنِ، إذا قلْنا بسقوط حكومة الساعد، وقد يُستشهدُ للسُّقوط بمسألة القسم، فيقال: البعد عن القَدْر المستحَقِّ أسقط المستحَقِّ هناك، فكذلك هاهنا، ولم أجدْ لغيره حكايةَ الوجهَيْن في حكومة بقية العضُد، وإنما الذي يوجَدُ أنَّها تجبُ؛ لأن استيفاء تلْك البقية متعذَّر شرعًا، ولم يوجَد، فيها من المجنيِّ عليه تقصيرٌ وعدولٌ.
الثالثة: لو قطع من نصْف الساعد، قطع من الكوع، وأخذت حكومة نصْف الساعد، ولو عفا، فلَهُ ديةُ الكف وحكومةٌ لنصف الساعد، ولو أراد أن يلقط أصابعه، قال الإِمام: لا يمكن؛ لِمَا سبق من تعدد الجراحة، ولو فعل، ثم أراد القطْع من الكوع، لم يمكن، قال في "التهذيب": وليس له حكومة الكَفِّ، وله حكومة نصْفِ الساعد، ويجيْءُ في حكومة نصف الساعد الخلافُ.
ولو قطع يده من نصْف الكف، لم يقتص منه، وله التقاط الأصابع، وإن تعدَّدت الجراحة؛ لأنه لا سبيلَ إلى الإهْمال، وليس بعْد موضع الجراحةِ إلاَّ مفاصِلُ متعدِّدة، وهل يجبُ مع قطْعها حكومةُ نصفِ الكفِّ، أم تدْخُل الحكومة في قطْعها دخولها في استيفاء الدية؟ فيه وجهان يعودان من بَعْدُ، والأصحُّ: الوجوب؛ فليُعْلَمْ لما بيَّنا قوله في الكتاب: "ولكن يُقْطَعُ أَقرَبُ مَفْصِلٍ" بالحاء، وكذا قوله: "والقصاص في المُوضِّحَة".
وقوله: "لم يجز له القطع من الكوع" بالواو، وقوله: " ففي القَطْع من الكُوع مَعَ ترْك أَرشِ السَّاعد وجهان" لا يخفى أن المراد مِنْ "أَرش الساعد" حكومتُها، وكذا قوله: "ففي أرش بقيَّة العضد" وظاهر اللفظ يقْتضي تقييدَ الوجْهَيْن بما إذا قطَع من الكوع تاركًا حكومة الساعد ولم يتعرَّض لذلك الإمامُ ولا غيره، ولكن أطلقوا الوجهَيْنِ، ثم فرَّعوا عليهما حكومة السَّاعد، كما ذكرنا، ويجُوز أن يقال: المراد نفي القطع من الكُوع، وإن ترك أرْش السَّاعد وجهان.
وقوله: "وإذا سقط أرش الساعد" إلى آخره، فيه تقديم وتأخير المعنى، وإذا أسقط أرْش الساعد عنْد عدوله إلى الكُوع عدوانًا، ففي أرش بقية العَضُد وجهان أي إذا لم نُجوِّز القطْع من الكوع فقَطَع، وسقَطَت حكومة الساعد، كما مرَّ، ففي حكومة الباقي من العَضَد وجهان، وفي اللفظ إشارةٌ إلى تخصيص الوجهَيْن بما إذا لم نُجَوَّز القطْعَ مِنَ الكُوعِ، ولفظ "الوسيط" يقتضي طردهما فيما إذا جوَّزنا القَطْع، وقلْنا بسقوط حكومة الساعِدِ على أحَدِ الوجهَيْن.
[ ١٠ / ٢١٦ ]
فَرْعٌ عن: "الأم": أنه لو شَقَّ كفَّه حتى انْتَهَى إلى المَفْصِل، ثم قطع من المَفْصِل أو لم يَقْطع اقتص منه، إن قال أهل الخبرة يُمْكِنُ أن يَفْعَلَ به مثْلَه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأمَّا المَعَانِي فَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ يَجِبُ القِصَاصُ فِيهِمَا بالسِّرَايَةِ عِنْدَ إيضَاحِ الرَّأْسِ، وَلَوْ قَطَعَ بعْضَ الأَصَابعِ فَتَأَكَّلَ البَاقِي بِالسِّرَايَةِ لَمْ يَضْمَنِ الأَجْسَامَ بِالسِّرَايَةِ لِأَنَّهَا لاَ تقْصَدُ، هَذَا نَصُّهُ، وَقِيلَ في المَسْأَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَفِي إِلْحَاقِ العقْلِ وَالبَطْشِ بِالبَصَر تَرَدُّدٌ لِبُعْدِهِمَا عَنِ التَّنَاوُلِ بِالسِّرَايَةِ، وَلَوْ قَطَعَ مُسْتَحقُّ اليَدِ بعْضَ الأَصَابعِ فَتأَكَّلَ البَاقِي فَفِي تَأْدِّي القِصَاصِ بِهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِيمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ خَطَأٌ أوْ كَانَ المُسْتَحِقُّ مَجْنُونًَا، وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ فَتَمعَّطَ شَعْرُهُ فأَوْضَحْنَا رَأْسَهُ فَتَمعَّطَ شَعْرُهُ فِفِي وُقُوعِ الشَّعْرِ قِصَاصًا خِلاَفٌ وَأَوْلَى بِأنْ لاَ يَقَعَ لِأَنَّ نَفْسَ الشَّعْرِ لاَ قِصَاصَ فيه، وَوَجْهُ وُقُوعه أنَّهُ تَابعٌ لِلإِيضَاحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يضمن أجرام الأطْراف والأعضاء بالقصاص يضمن قيمة منافِعِها في الجملة، وكيف لا وهي المقصودةُ، وفيها الفائِدَةُ، وقد يكون الجُرْم المعطِّل كَلًاّ على صاحبه، ثم المعاني لا تباشر بالتفويت، وإنما تفوت تبعًا لِمَحَالِّهَا، وقد تَرِدُ الجناية على غير محلِّها، وتفوت هي بالسراية لارْتِبَاطِ بينهما، وبين مورد الجناية، ونَتَدرَّج بهذه المقدِّمة إلى الكلام في مسألتين.
إحداهما: لو أوضَحَ رأسَه، فذهب ضوء عينَيْه فالنصُّ أنه يجب القصاص في الضَّوْء، كما يجب في الموضِّحة، ونَصَّ فيما إذا قطَع أصبعه، فسَرَى إلى الكفِّ إلى إلى أصبع أخرَى بتآكُلِ، أو بشلل؛ أنه لا يجب القصاص في محلِّ السراية، والفرق أن الأجسام تُنَالُ بالجناية، والجناية على غيرها لا تُعَدُّ قصدًا إلى تفويتها وضوء البَصَر ونحوه من اللطائف لا يباشر بالجناية، فطريق تفويته بالجناية على محلِّه أو على ما يجاوره، ويتعلَّق به، ويضمن القصاص، كالنفْسِ، فهذه الطريقةُ هي ظاهِرُ المذهب، ووراءها طريقتان:
إحداهما: عَن رِوَايَةِ الشيخ أبي عليٍّ وغيره: أن فيهما قولَيْن بالنَّقْل والتخريج.
أحدهما: أنه لا قِصَاص فيهما بالسراية؛ لأنه لا يَقْصِد تفويت جسم بالجناية على غيره، ولا تفويت الضوء بالجناية على غير الحَدَقة، فإذا حصَل بفعْله، كان الشخص كالمُخْطِئ فيه.
والثاني: يجب لتولُّد الفوات من جناية تعمُّدها، ولذلك لو تولَّد الزهوق من قطْع الأنملة، وجب القصاص، كان كان لا يَقْصِد به الزهوق غالبًا؛ لأنه لا يُفْضِي إليه غالبًا،
[ ١٠ / ٢١٧ ]
ويقال: إن المزنيَّ قال بطريقة القولَيْن، وأن اختياره القولُ الثاني.
والثانية: حكَى أصحابُنا العراقيُّون عن أبي إسحاق تخريجَ قَوْلٍ من نصِّه على أن سراية الأجسام لا تُضْمَن بالقصاص في الضوء، والامتناع من التخريج في الأجسام من الضَّوْء، وإذا أوجبْنا القصاصَ في ضَوْء البصَرِ بالسراية، فالذي صحَّحه الإمامُ روايةً ونقلًا؛ أن السمع كالبصر (١)، وحكى فيما إذا بطَل بطْشُ عضو بالسراية تردُّدًا عن الأصحاب، منْهم مَنْ ألحقه بلطيفتي السمْع والبصَرِ، وبه قال صاحب "التقريب" ومنْهم مَنْ رأَى البطْش عسر الإزالة كالأجسام، وإلَيه ميل الشيخ أَبي محمَّد، وفي العقل أيضًا؛ لبُعْده عن التناوُلِ بالسراية، وإن كان من اللَّطَائف.
[قال:] ولا يَبْعُد أن يلحق الكلام بالبَصَر ورتبها فجعل البصر والسمع في درجةٍ، ويليهما الكلامُ، ويليه البطشُ، وتليه العقْل، وذكر صاحب "المهذب" في أنه لو جَنَى عَلَى رأسِه، فذهب عقْله، أو على أنْفِهِ، فذهب شمُّه أو على أُذُنِهِ، فذهب سمعه، لم يجب القصاص في العقْل والسمْع والشمِّ؛ لأن هذه المعاني في غير محَلِّ الجناية، فلا يمكن القصاص فيها، وهذا القَدْر من التوجيه يُشْكل بمسالة الضْوء على أن الأقْرَبَ في العقْل منع القصاص؛ لأنَّه لا يوثَقُ بالمعالجة بما يزيله، ويشبه أن يُرَجّح في البطش والشم الوجوب، وفي معناها الذَّوْق (٢)؛ لأن لها محالَّ مضبوطةً وعنْد أهل الخِبْرة طرق في إبطالها، فإذا ذهب ضَوْءُ العَيْنِ بالموضَّحة، واقتصَصْنا في الموضحة، فلمَ يَذْهَب ضوء عين الجاني، أذهب بأخف ما يمكن من تقريب حديدة محمَّاةٍ من حدَقَتِهِ أو طرْح كافورٍ ونحْوه فيها، وإن ذهَب ضوْء الجاني، حصَل القصاص، وفيه شيءٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى- في المسألة الثانية الآتي ذكرها، ولو هَشَم رأْسَهُ، فذهب ضوء عينه، عولج بما يُزِيل الضوْءَ، ولا يقابل الهشْم بالهشْم، كما تقدَّم، ولو لطمه، فذهب ضوء عيْنَيِه، واللطمةُ بحيث تذهب الضوء غالبًا فالحكاية عن نصِّه في "الأم" أنه يُلْطَم مثل
_________________
(١) ما نسبه الإِمام حكاه عن الأصحاب ولم يحك سواه، وجزم به الرافعي في المجرد وهو خلاف مذهب الشَّافعي فقد نص في الأم على أنه لا قود في ذهاب السمع لانه لا يوصل إلى القود فيه. ودعرى الإِمام عن الأصحاب على أنه كالبصر مردود فقد جزم العراقيون وغيرهم أنه لا قود فيه، وممن جزم بأنه لا قود فيه الماوردي في باب الديات والشيخ في المهذب وصاحب البيان وكذلك البندنيجي وقال في كل جناية سرت إلى ما دون النفس لا قصاص في السراية إلا في مسألة العين كذا صرح به الصيدلاني في شرح المختصر والقاضي الحسين في التعليق.
(٢) اقتصر من الحواس على السمع والبصر والشم والذوق وسكت عن المس وهو حس لأن زوال اللمس إن كان بزوال البطش فالواجب فيه دية البطش، وقد ذكر البطش كان لم يزل البطش لم يتحقق بزوال اللمس، فإن فرض بحذر وجب فيه الحكومة لا القصاص وقال القاضي الماوردي الظاهر أنه في معنى باقي الحواس، ولهذا أطلقه في الحاوي. (قاله الزركشي في خادمه).
[ ١٠ / ٢١٨ ]
تلْك اللطمة، فإن ذهَب الضوء فعَلَى ما ذكرنا في الموضِّحة وإلا أزيل بالمعالجة وإن ابيضت الحَدَقَةُ، أو شخصت، فعل به ما يقضي إلَيْه إن أمكن، ونسب الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ هذا المنقولَ عن النصِّ إلى بعْض الأصحاب، قال: ويَحْتَمِلُ عنْدِي أن لا يقتص باللطمة، كما لا يقتص بالهاشمة؛ لأنه لا قصاص في اللطمة، لو انفردت كالهاشمة، واحتج له بأثرٍ عن عليٍّ -كرم الله وجهه- أيضًا، وهذا حَسَنٌ وقد أقامه صاحب "التهذيب" وجهًا وحكم بأنه الأصحُّ.
المسألة الثانية: إذا قلنا: لا يجبُ القصاص في الأجسام بالسراية، فلو قطع أصبعه، فسرى القطْع إلى الكف وسقطت، ولم تَجِبِ القصاص إلا في تلْك الأصبع، وعن أبي حنيفة أنه يسقط قصاصُ الأصبع بالسراية إلى الكف، واحتج الأصحاب بأنها جنايةٌ مضمونة بالقصاص [لو لم تَسِرْ، فلا يسقط القصاص] (١) فيها بالسراية، كما لو قطع حامل، فسرى إلى جَنِينها، فسقط ميِّتًا، وإذا اقتصّ في الأصبع، فسرى إلى الكف، فالنص أن السراية لا تقع قصاصًا، حتى يجب على المقتصِّ منه ديةُ باقي اليد، والنصُّ في "المختصر" فيما إذا أوضَحَه، فذهب ضوء عينه، وشَعْرُ رأسِهِ، فاقتص المجنيُّ عليه في الموضِّحة، فذهب ضوء الجاني، وشَعْرُ رأْسهِ أيضًا؛ أنه يكون مستوفيًا حقَّه، ولو لم يذهبْ ضوء الجاني، وثبت شعره، فعليه ديةُ البَصَرِ، وحكومةُ الشَّعْر، وفي هذا النصِّ إيقاعُ الشعْر في مقابلة الشعْر، وهو من الأجسام فأشْعَر بأن السراية إلى الجِسْم تقع قصاصًا، واختلف الأصحاب على طريقَيْنِ، فمنهم من قال: هذان قولان في أن السراية إلى الكفِّ هل تقع قصاصًا؟
أحدهما: يقع لتشابه الفعلَيحٌّ، وتولُّد السرايتَيْن من الفعلَيْن، وهذا كما أن السراية إلى النَّفْس تقع قصاصًا بالسراية.
والثاني: المنع؛ لأنا نفرِّع على أن السراية إلى الجِسْم لا تُضْمَن بالقصاص، وإذا لم يكن في السراية إلَيْه قصاصٌ، لم تكن سرايته قصاصًا بخلاف النفْس.
ومنهم مَن قطَع بالقوْل الثاني، ثم هؤلاء القاطِعُون قالُوا في النصِّ الثاني: إن السرايةَ إلى الضَّوْء تقع قصاصًا بناءً على أن السرايَةَ إلَيْه توجِبُ القصاص على الظاهِر، كما سَبَقَ وحكَى القاضي ابن كج التصرُّف في النَّصَّين وإثْبَات قولَيْن في أنَّ السراية إلى الضوء هل يقع قصاصًا أيْضًا حتى يجبَ على الجاني في قوْلٍ ديةُ البصر، إن سَرَتِ الموضِّحة إلى بصَره.
وأما الشَّعْر، فمنهم مَنْ قال: لم يتكلمِ الشافعيُّ -﵁- فيه، وإنما هو
_________________
(١) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٢١٩ ]
من زيادة المزنيِّ ومنْهم مَنْ قال: المراد شَعْر موضِّح الموضِّحة، فإنه يتبع الموضِّحة، كالشعر على اليد والرجْل يتبعها قصاصًا ومالًا، وأماَ إذا تَمَعَّط الشعْر حول الموضِّحة، فتجب فيه الحكومة، كان تَمَعَّط من الجاني أيضًا، لا تقع السراية قصاصًا، وأما المثبتون للقولَيْن في سراية الكفِّ، فقد تحَّزبوا في الشعْر، منهمَ مَنْ قطع بأن السراية فيه لا تقع قصاصًا؛ لأنه لا قصاص في نفْس الشعْر، ففي السراية أولَى ومنهم من أجرى الخلافَ، وقال: تقع سرايته قِصاصًا على رأْي بتبعية الإيضاح الَّذي فيه القصاص، وعلى. هذا، فلا يُنْظَر إلى مقْدَار الحكومَتَيْن، بل يحصل القصاصُ مع تفاوتهما، كما يجري القِصَاصُ في الأطرافِ مع تفاوُتِ البدل، وسواء ثبت الخلاَفُ أم لم يَثْبُتْ، فالظاهر على ما ذكَره العراقيُّون وصاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهم: أن السرايةَ لا تقَع قصاصًا لا في الكفِّ، ولا في الشَّعْر، ولو عفا المجنيُّ عليه عن قصاص الأصبع، فله أخْذ دية اليد، وإن اقتص، فلم يَسْرِ القطْع إلى غير تلْك الأصبع أو سَرَى، وقلْنا: إنه لا يقع قصاصًا؛ فله أربعةَ أخماسِ الدَّيَة للأصَابع الأربع الذاهبة بالسراية، ولا يجب لمنابتها من الكفِّ حكومةٌ، بل تدخل في ديتها، وفي دخول حكومة خُمْس الكف في قصاص الأصابع وجهان، يعود ذكرهما، وما يجب من الدية، يجب مغلَّظًا في مال الجاني؛ لأنَّه وجَب بجناية عمْد موجبةٍ للقَوَدِ وفي "العدَّة" ذكر وجْه أنَّه على العاقلة؛ لأنه لا يقصد تفويت الجسْم بالجناية عَلَى غيره كما ذكَرْنا من قَبْلُ، فهو كالخطأ، والمشهورُ الأولُ، وله المطالبة به عَقِيبَ قَطْع الأصبَعِ تفريعًا على الظاهر؛ لأنه كان سرَى القطْع إلى الكفِّ، لم يسقط باقي الدية، فلا معنى لانتظار السراية، وفي صورة الموضِّحة المذهِبَة للبَصَر، لو أوضَحَه، فلم يذهب ضوءه في الحَال، لا يطالب بالدية، بل ينتظر فلَعلَّه يَسرِي إلى البَصر، فَيَحْصُلُ الاقتصاصُ وكذا في النَّفْس، لو قطَع أصبعه، فسَرَى إلى نفْسه، فقطع الوليُّ أُصْبَعَ الجاني، ينتظر السراية، ولا يطالب بالدية في الحال.
وقوله في الكتاب: "وأما المعاني فالسمع والبصر" إلى قوله: "هذا نصه" يُشْعِر سياقه بأن النصَّ في السمع والبصر وجوبُ القصاصِ بالسراية، وفي الأجسام المَنْعُ، وليس في السمْعِ نقْلٌ وحكاية نصٌّ، وإنما النصُّ في البصر على ما ذَكرْنا، والسمع مُلْحَقٌ به على ما فيه من الخلاف.
وقوله: "ولو قطع مستحِقُّ اليد بعْض الأصابع" هذا اللفظ لا ينطبق على الصورة الَّتي ذكرناها، وحكَيْنا فيها اختلافَ الطُّرُق، وهي ما إذا قطع أصبعًا فتآكل، فاقتص المجنيُّ علَيْه من الأصبُعُ، فتآكل الباقي، فإنَّ اليد ليست مستحِقَّةُ الاستيفاء في هذه الصُّورة؛ إنما الأصْبُعُ هي المستحقة، والَّذي عليه ينطبق اللفْظ ما إذا استَحَقَّ القِصَاصَ في اليد بالقَطْع من الكوع، فقطع أصبعًا من أصابعه، فتآكل الباقي، ويشبه أن يكون القولان في هذه الصورة مبنيَّيْنِ عَلَى أنَّ السرايةَ هَل توجِبُ القصاص، ورجَّح الإِمام
[ ١٠ / ٢٢٠ ]