والثاني: المنع؛ لأنه مباح الدمِ، فصار كالمرتدِّ، وربما بُنِيَ الخلافُ على أن الحدَّ لله تعالى، أو للمسلمينَ، والإمامُ نائب عنهم في الاستيفاء.
إن قلنا: لله تعالى، فإذا قتله غير المستحِقَّ ونائِبِه، لزمه القصاصُ، كما لو قَتَل مَنْ عليه القصاصُ غيرُ المستحِقِّ ونائِبِه، وإن قلْنا: للمسلمين، فقد قتله أحد المستحِقِّين، فلا قصاص، والظاهر من الوجهَيْنِ على ما اختاره الإِمام، ورواه عن المراوزة ورآه صاحب "التهذيب": أنه لا يجب القصاصُ، ويُعزَى ذلك (١) إلى النص، وفي فتاوى القَفَّال: أن مَنْ ترك الصلاة عمْدًا حتى خرج وقْتُها، وكان يُؤْمر بفعلها، فلا يفعَلُها، فلو قتله إنسان فلا قصاص عليه، وليكن هذا جوابًا عَلَى وجْهِ المنعِ في الزاني المُحْصَن.
قال: فلو جُنَّ قبل فعْلِها لا يُقْتَل في حال الجنون، فلو قتله قاتلٌ حينئذ، وَجَب عليه القصاص، وكذا لو سَكِر، ولو جُنَّ المرتدُّ أو سَكِرَ، فقتله قاتل، فلا قِصاص لقيام الكُفْر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: القَاتِلُ وَشَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًَا لِلأَحْكَامِ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ وَالحَربْيِّ، وَيجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَفِي السَّكْرَانِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يجب القصاصَ على الصبيِّ والمجنونِ؛ لأن القَلَم مرفوعٌ عنهما، كما لا قِصَاص على النائم، إذا انقلب على إنسان؛ فقتله، ولأنهما لا يُكلَّفان بالعبادات الدينية، فأوْلَى أن لا يؤاخذا بالعقوبات البَدَنيَّة، والمنقطع جنونُه كالعاقل في وقْتِ إفاقته، وكالمُطْبِق جنونه في وقْت جنونه، ومَنْ وجب عليه القصاص، ثم جُنَّ، استوفى منه القصاص، سواءٌ ثبت موجب القصاص بإقراره أو بالبَيِّنة، بخلافِ ما إذا أَقرَّ بما يُوجِبُ الحدَّ ثم جُنَّ حيث لا يُسْتَوفى منه الحَدُّ في جنونه؛ لأن الإقرار هناك يقْبَل الرُّجُوع.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يقتص، منه في الجنون، وعن بعض أصحابه: أنه إن جُنَّ حين قَدِمَ للقصاص، اقتص منه، وإن جُنَّ قبله، لم يقتص منه، وفي وجوب القِصَاص على السكران طُرقٌ مختلفةٌ، على ما مرت في "الطلاق"، والظاهِرُ وجوبُه وألْحَق به المتعدِّي بتناول الأدوية المزيلة للعقل.
ولو قال القاتل: كنت يوم القتل صغيرًا، وقال الوارث: كنت بالغًا، فالمصدَّق باليمين القاتل؛ لأن الأصل بقاءُ الصَّغَر، ولا يخفى أن هذا بشَرْط الإمكان، ولو قال: أنا صغير، فلا قصاص، ولا يُمْكن تحليفه؛ لأن التحليف لإثبات المحلوف عليه، ولو ثبَتَ صباه، لبطلت يمينه، ولو قال: كنت مجنونًا عند القتل، وكان قَدْ عُهِدَ له جنونٌ،
_________________
(١) قال النووي: قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: الخلاف إذا قتل قبل أن يأمر الإِمام بقتله، فإن قتل بعد أمر الإِمام بقتله، فلا قصاص قطعًا. والله أعلم.
[ ١٠ / ١٥٨ ]
فكذلك هو المصدَّق. وحكى القاضي الرويانيُّ وجهًا: أنَّ المصدَّق الوارثُ، إن كان الجنونُ الذي عُهِدَ له منقطعًا، وفي"الشامل" وجه مُطْلَقٌ: أنه المصدَّق لأن الأصل السلامة، ولو اتفقا على أنه كان زائلَ العَقْلِ، وقال القاتل: كنتُ مجنونًا، وقال الوارث: بل سكران، فالمُصدَّق القاتل، ولو أقام الوارثُ بينةً على أنَّ القاتل كان عاقلًا يومئذ، وأقام القاتل بينةً على أنه كان مجنونًا، تعارضتا ولا قصاص على الحربيِّ؛ لأنه غير ملتزم للأحكام، ويجب على المرتد الذميِّ لالتزامه الأحكام والانقياد لها، هذا ما قاله الجمهور.
وحكى الشيخ أبو الحَسَن العبَّادِيُّ، أنَّ أبا إسحاق الإسفراييني ذهب إلى أنه يجبُ على الحربيِّ ضمانُ النفسِ والمال تخريجًا من أن الكفار يُخَاطَبُون بالشرائع، قال: ويُعْزَى هذا إلى المزنيِّ في"المنثور" فيمكن أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب: "والحوبي" بالواو.
وقوله: "أنَّ يكون ملتزِمًا للأحكام" جعل الالتزام قيْدًا يخرج به الصبيُّ والمجنونُ والحربيُّ جميعًا، أما الحربي، فإنه لم يلْتَزِمْ، وأمَّا هما، فليس لهما أهليَّةُ الالتزام.
قَالَ الْغَزَاليُّ: وَقَدْ يَتَصَدَّى النَّظَرُ فِي سِتِّ خِصَالٍ يَفْضُلُ بِهِ القَاتِلُ القَتِيلَ الخصْلَةُ الأوُلَى الدِّينُ فَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وُيقْتَلُ اليَهُودِيُّ بِالنَّصْرَانِيِّ، وَلَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ القَاتِلُ اسْتُوفِيَ القَوَدُ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَيْنَ الجُرْحِ وَالمَوْتِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ عَبْدًا مُسْلِمًا لِكَافِرٍ لَمْ يَجِبِ القَوَدُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ المُسْتَحِقَّ كَافِرٌ عِنْدَ القَتْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمَّا تَكلَّم فيما يُشْتَرَط في القاتل والقتيل، تَدَرَّج منه إلى الكَلامِ، فيما فَضَلَ القاتل القتيل، وهذه نسبةٌ تقوم بالطرفين، لا تَخْتَصُّ بأحدهما، ومن المعلوم: أن الخِصَال التي قد يَفْضُل بها القاتلُ القتيلَ كثيرةٌ، وأنها بأسْرِها لا تُؤَثِّر في [منع] القصاص، فتكلَّم في ستِّ خضال، فالثلاث الأولَى منها تُؤثِّر في منْع القَصاصِ عندنا، والثلاث الأخيرةُ قد جَعَل بعض العلماء لها أثرًا فَيَمسُّ الحاجةُ إلى النَّظَر فيها، وذكر الأصحاب -﵏- لضبط الثلاث:
الأُولى: أنه تعتبر الكفاءة مِن القاتل والمقتول في الإسْلام، أو في الكُفْر، إذا كان الكافران محقونَي الدَّم، وفي الحرية أو الرق، وفي انتفاء ولادة (١) أحَدِهما للآخر، فإن لم يكن الشخصان متكَافِئَيْنِ في ذلك، قتل المفضولُ بالفَاضِل، ولم ينْعَكِسْ، ولو قيل: الشرْطُ أن لا يفْضُلَ القاتل القتيل بالإِسلام والحرية والولادة، لكان مؤديًا للغرض، وذكر
_________________
(١) قال الشيخ البلقيني: يزاد على الثلاث خصلتان: إحداهما: الذمة مع الردة فالذمي لا يقتل بالمرتد. والثانية: السلامة مع الإِسلام من إباحة الدم لحق الله تعالى. فإنه يؤثر في منع القصاص كما تقدم.
[ ١٠ / ١٥٩ ]
بعض الأصحاب للضَّبْط: إن من يُحدُّ بقَذْفِ الغَيْر، يُقْتَل بقتله، ومن لا، فلا.
إذا تقرَّر ذلك، فالخصْلة الأُولَى الدِّين فلا يقتل المُسْلم (١) بالكافر، حربيًّا كان، أو معاهَدًا، أو ذميًّا.
وبه قال مالك وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة في الذميِّ، وعنْه في المُعَاهَدِ أيضًا روايةٌ غير مشهورة.
لنا ما روي أنه -ﷺ- قال: "لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ" والقياس على المُعَاهَدِ بجامع أن المقتول ناقصٌ بالكفر وَيقْتَل الذميُّ والمعاهَدُ بالمُسْلِم، والذِميِّ بالذميُّ، وإن اختلفت الملل كاليهوديِّ والنصرانيِّ؛ لأن الكفر كله كالملة الواحدة، ولو قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذميًّا، ثم أسْلَم القاتلُ، فيُسْتَوْفَى منه القَوَدُ؛ لأنهما كانا متكافِئَيْنِ حال الجناية، والاعتبارُ في العقوبات بحالِ الجنايات، ولا يُنْظَر إلى ما يَحْدُث بعدها؛ ألا تَرَى أنَّ العبْدَ إذا زَنَى أو قَذَفَ، ثم أُعتِق، يقام عليه حدُّ العبد.
ولو جَرَحَ ذِميٌّ ذميًّا أو معاهدًا، وأسلم الجَارحُ ثم مات المجروح بالسِّراية، ففي وجوب القصاص وجهان.
أحدهما: يجب؛ لأنه وُجِدَ التكافؤ حالة الجرح، والاعتبار بتلْك الحالة، فإنَّه [وقت] الفعْل الداخل تحْت الاختيار، ولذلك نقول: لو جُنَّ الجارح ثم مات المجروح يجب القصاص.
والثاني: المنْع؛ اعتبارًا بحالة الزهُوق؛ فإنَّ القصاص إنَّما يجِبُ بسَبَبِ الزهوق؛ ولذلك نقُول: لو جَرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا، فارتدَّ المخروح، ومات لا يوجب القِصَاص، وهذا أصحُّ عند الإِمام وجماعةٍ، والأكثرون رجَّحوا الأوَّل ورُبَّما لم يذكر غيره، وهذا الخلاف في قِصَاص النَّفْس، أما إذا كانت الجراحة بحَيْث يَجِب فيها القصاصُ، كما إذا قطع ذميٌّ يَدَ ذميٍّ، وأسلم القاطع ثم سَرَى القَطْعُ، وجب القصاص في الطرف لا محالة، ثم القصاص فيما إذا طرأ إسلام القاتل بعد القتل وفيما إذا طرأ الإِسلام بيْن الجرح والموت، وإن أوجبناه يستوفيه الإِمام بطلب الوارث، ولا يفوضه إليه تحرزًا من
_________________
(١) وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي وابن شبرمة والشافعي ومالك وأحمد وأبو ثور واحتج هؤلاء بما أخرجه البخاري في كتاب الديات/ باب العاقلة (١٢/ ٢٥٦) عن أبي جحيفة أنه قال سألت عليًا هل عندكم شيء ليس في القرآن فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطي الرجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر. (عمدة القاري ١٩/ ٣٤٩)، (فَتح الباري ١٢/ ٢٧٢).
[ ١٠ / ١٦٠ ]
تسليط الكافر على المُسْلم إلاَّ أن يُسْلِم، فيفوِّضه إليه، ولو قَتلَ مسلمٌ ذمِّيًّا، ثم ارتدَّ أو جرَحَه وارتَدَّ، ثم مات المجْروحُ، فلا قصاص؛ لعدم التكافؤ حالَةَ الجناية، ويمكن أن يُقدَّر في الصورة الثانية خلافٌ، ولو قَتَل ذميٌّ مسلمًا، ثم أسلم، لم يَسْقُط عنه القصاص، ولو قتل عبْدٌ مسلمًا عبْدًا مسلمًا لكافرٍ، ففي وجوب القصاص وجهان:
أحدهما: المنْع؛ لأن فيه إثباتَ ابتداء القصاص لكافر على مسلِمٍ.
وأظهرهما: يجب؛ لأن العبدَيْنِ متكافئان متساويان في سبَب العِصْمَة، والسَّيِّد كالوارث، ولو مات وليُّ القتيلِ الذمّي وقد طرأ إسلام القاتل بعد القتل ثبت القصاص لوارثه، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" والعبَّاديُّ في "الرقم" وللخلاف نَظَرٌ إلى أن القصاص يثبت للوارث ابتداءً أو تَلَقِّيًا، ولا فرق بين أنَّ يكون العبد القاتلُ لمسلمٍ أو لكافرٍ، وإذا قلْنا: بالوجوب، فيستوفيه الإِمام بطَلَب السيِّد المستَحِقِّ، كما سبق، ولو قَتَل عبْدٌ كافرٌ عبْدًا كافرًا لمُسْلِمٍ، فعن القاضي الحُسَيْن فيه احتمالان:
وقوله في الكتاب: "عند القتل" مِنَ الكافِرِ في الفصْل الذي بلغته الدَّعْوة وفي الذي لم تَبْلُغْه الدعوةُ وجْهٌ أن المُسْلِم يُقْتَل به، وسيأتي ذلك في"الديات" إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ مُرْتَدًَّا فَلاَ قِصَاصَ، وَلَوْ قَتَلَهُ مُرْتَدٌّ فَالظَّاهِرُ الوجُوبُ لِلتَّسَاوِي وإنْ كَانَ الحَرْبِيُّ لاَ يُقْتَلُ بالحَرْبِيِّ، وَلَوْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ القِصَاصُ أَوِ الدِّيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَلَمْ يَجَبْ شَيْءٌ فِي قَوْلٍ لأَنَّهُ مُهْدَرٌ، وَيجِبُ القَتْلُ فِي قَوْلٍ دُونَ الدِّيَةِ لِأنَّهُ مُهْدَرٌ لَكِنَّهُ مَعْصُومٌ عَنِ الذِّمِّيِّ، وَفِي قَتْلِ المُرْتَدِّ بِالذِّمِّيِّ قَوْلاَنِ، وَجْهُ المَنْعِ أَنَّ فِيهِ عُلْقَةَ الإِسْلاَمِ وَيجِبُ القِصَاصُ سِيَاسَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: وهي موجزة في الكتاب: لو قتل مرتدٌّ ذميًّا، ففي وجوب القصاص عليه قولان:
أصحهما: وهو اختيار المزنيِّ: يجب؛ لتساويهما في الدِّين، ولأن المرتد أسوأ حالًا في الذميِّ؛ لأنه لا تحل ذبيحته، ولا يُقَرُّ بِالجِزْية، فأوْلَى أن يُقْتل بالذميِّ.
والثاني: المنع، ويحكى ذلك عن اختيار ابن سُرَيْج -﵀- لأن عُلْقَةَ الإِسلام باقيةٌ في المرتد؛ ألا ترى أنه يجب عليْهِ قضاء الصلوات، وَيحْرُم استرقاقه، ولا يُمَكَّنُ الذميُّ مِنْ نكاح المرتدَّة، وإذا قلنا: بوجوب القصاص، فلو جَرَحَ مرتدٌّ ذميًّا، وأسلم الجارحُ، ثم مات المجْروح، فعلى ما ذكرنا فيما إذا جَرَح ذميٌّ ذميًّا، وأسلم الجارحُ، ثم مات المجروح، ويُقدَّم القتل بالقصاص على القَتْل بالرِّدَّة، فإن عفا
[ ١٠ / ١٦١ ]
المستَحِقُّ، قُتِلَ بالردة، وتُقْضَى الديةُ من ماله وكذا الحكم إذا قلْنا: لا يجب القصاص.
الثانية: لا قصاصَ على المُسْلِم بقتل المرتدِّ، ولو قتل مرتدٌّ مرتدًا، ففي وجوب القصاص عليه وجهان:
الصحيح منهما: الوجوب، كما لو قتل ذميٌّ ذميًّا.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن المقبول مباحُ الدَّمِ، وأجرى الخلافُ فيما لو قتل الزاني المحصنُ مثلَهُ، أو قتل المرتدُّ زانيًا محصَنًا، ولَا خلاف في أنه لا يجب القصاص على الزاني المحْصَن، إذا قتل ذميًّا أو مرتدًّا، وإن كان يستحقُّ القتْلَ لاختصاصه بفضيلة الإِسلام، ولو قتل ذميٌّ مرتدًّا، ففي وجوب القصاص قولان أو وجهان:
أصحهما: المنع؛ لأنه مباح الدم، ولا يجب القصاص بقتله، كالحربيِّ، وكما لو قتله مسلِمٌ.
والثاني: يجب؛ لأن استحقاق قتْلِه للمسلمين، فإذا قتله غيرهم، كان كما قَتَل مَنْ عليه القصاصُ غيرُ المستحِقِّ، وعن القفَّال وغيره: بناء هذا الخلاف على القَوليْن في المسألة الأُولى، فإنْ قلنا يقتل المرتدِّ بالذميِّ؛ لأنه أسوأ حالًا منه، فلا يُقتل الذميُّ بالمرتدِّ؛ لأنه معصومٌ، وإن قلْنا: لا يُقتل المرتدُّ بالذميِّ؛ لبقاء عُلْقة الإِسلام فيه، فيُقْتل الذميُّ به، وفي "التهذيب" طريقة أخرَى قاطعة بِمَنْعِ القصاص.
تفريعٌ: إن قلْنا بوجوب القصاص، فقد ذكر الإِمام: أن الشيخ أبا عليٍّ -﵀- قال: يستوفيه الإِمام أو مَنْ يَنُوب عنْه، وأنه حَكَى قولًا غريبًا: إن حقَّ الاستيفاء لقريبه المسلم الذي كان لو كان مسلمًا، وإذا عفا المستحِقُّ واختار الدية، أو كان القتْلُ خطأً، ففي وجوب الدية وجهان:
أحدهما: تجبُ الدية كما يجب القصاص.
والثاني: المنْع؛ لأنه لا قيمة لدمه، وإنما أوجَبْنا القصاص؛ لأن الذميَّ يقتله عنادًا لا تديُّنًا؛ فإنه يعتقده محقون الدم، بخلاف المُسْلِم، فقتلْنَاه به زجْرًا وسياسةً، وقد يقال: هذا المعنى إنْ كان يَقْتَضِي الفرْقَ بين الذميِّ، والمسلمِ في القصاص فكذلك يقتضي الفَرْق بينهما في الدية، حتى يقال: لا قيمة لدمه في حَقِّ المسلم دون الذمي، كما لا يقال: لا قِصَاصَ بقتله في حق المسلم دون الذمي، وليس في التوجيه المذكور ما يوجِبُ الفَرْق بين القصاص والدية، وإذا جمعنا بين القصاص والدية، واختصرْنا، حَصَلَتْ ثلاثةَ أوجه أو أقوالٍ، كما في الكتاب.
أحدهما: يجب القصاص في العَمْد والدية في الخَطَأ، وبه قال ابن أبي هُرَيْرة.
وأصحُّهما: لا يجب واحدٌ منهما، وبه قال أبو إسحاق.
[ ١٠ / ١٦٢ ]
والثالث: الفرق بين القصاص والدية وبه قال أبو الطيِّب بن سلمة، وحكاه صاحب "التهذيب" والإمام عن الاصطخريُّ.
وإذا فرَّعنا على وجوبِ القِصاص فيما إذا قَتَل مرتدٌّ مرتدًّا، فيجيْء في وجوب الدية مثْلُ هذا الخلاف، وفيَ الديةِ الواجبةِ يُقْتل المرتدُّ تفريعًا على قولِ مِنْ أوجبها؟ وجهان حكامهما القاضي الرويانيُّ أحدهما: دية المُسْلمين؛ لبقاءُ عُلْقة الإِسلام.
والثاني: أخسُّ الديات، وهي دية المجوسيِّ؛ لأنه لا دِينَ له، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب".
وقوله في الكتاب: "والظاهر وجوبه للتساوي وإن كان الحربيُّ لا يقتل بالحربيِّ" يعني أنهما متساويان في الدِّين، متكافئان فلْيُقْتَل أحدهما بالآخر، بخلاف الحوبي مع المرتد، فإن الحربيَّ لم يلتزمْ أحكام الإِسلام، والمرتدّ التزمه فأديم حكمه عليه. وقوله: "فيما إذا قتله الذمي "في قول" "وفي قول" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للطريقة القاطعة بِمَنْعِ القصاص.
وقوله: "ويجب القصاص سِيَاسَةً" أبدل في بعض النسخ لفظ "القصاص" بالقتل إشارةً إلى أنه يقتل به زجرًا، وليس سبيلُه سبيلَ القصاص الذي تَخْلُفه الدية، لكن قضيَّة هذا إلحاقُه بالحُدُود وإخراجه عن أنَّ يكون حقُّ الوليِّ وأن لا (١) يؤثر عفوه فيه، وليس الأمر كذلك عند مَنْ يقتله به، فيَجُوز إبقاء لفْظِ "القصاص" بحاله وكذلك هو في "الوسيط".
وقوله: "لأنه مهدر" و"لكنه معصوم عن الذميِّ" لِيُحْتُلْ على ما قدَّمنا أن إهداره بالإضافَةِ إلى المُسْلِم دون الذِّمِّيِّ على ما فيه من الإشكال. والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخُصْلةُ الثَّانِيَةُ: الحُرِّيَّةُ فَلاَ يُقْتَلُ حُرٌّ بِرَقيقٍ كَمَا لاَ يُقْطَعُ يَدُهُ بِيَدِهِ، وَيُقْتَلُ الرَّقِيقُ بالرَّقِيقِ وَبالحُرِّ، ويَقُتَلُ المُسْتَوْلَدَةُ وَالمُكَاتَبُ بِالقِنِّ، وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنصْفُهُ عَبْدٌ لاَ يُقْتَلُ بِمَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأنَّ تَخْصِيصَ جُزْءِ الحُرِّيَّةِ بِمِثْلِهَا غَيْرُ مُمْكِنِ، وَالإِشَاعَة تُؤَدِّي إلَى اسْتِيفَاءِ الحُرِّ بِالرَّقيقِ، وَلاَ قِصَاصَ بَيْنَ العَبْدِ المُسْلِمِ وَالحُرِّ الذِّمِّيِّ إِذِ الفَضِيلَةُ لاَ تُجْبَرُ بِالنَّقِيصَةِ، وَلَوِ اشْتَرَى المُكَاتَبُ أَبَاهُ ثُمَّ قَتَلَهُ فَفِي القِصَاصِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَتَلَ غَيْر أَبِيهِ مِنْ عَبْدِهِ فَلاَ قِصَاصَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يُقْتَل حرٌّ برقيق ولا قِنٌّ ولا مُدَبَّرٌ ولا مكاتَبٌ ولا أمُّ ولَدٍ ولا مَنْ بعضُه رقيقٌ، سواءٌ كان هؤلاء له أو لغيره، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يُقْتَل الحرُّ بعبد الغير، واحتج الأصحاب بما رُوِيَ عن ابن عباسٍ -﵁- أن
_________________
(١) سقط من: ز.
[ ١٠ / ١٦٣ ]
النبيَّ -ﷺ- قال: "لا يُقْتَلُ حُرٌّ بعَبْدٍ" (١) وبأن حرمة النفس أعظم من حرمة الطَّرَف، وبالاتفاق لا يُقْطَع طَرَف الحرِّ بطًرَف العبد، فأوْلَى أن لا يُقْتَلَ به، ويقتل القِنُّ والمكاتَبُ والمُدَبَّر وأمُّ الولد بعضُهم ببعضٍ، وعن أبي حنيفة: أنه لا يُقْتل القِنُّ بالمُكَاتَب إذا خلَّف وفاء ووارثًا، ولو قَتَل عبدٌ عبدًا، ثم عَتَق القاتلُ، أو جَرَحَ وعَتَقَ، ثم مات المجْروح، فعلى ما ذكرنا فيما إذا قَتَل ذميٌّ ذميًّا أو جرَحَهُ، ثم طرأ الإِسلام، ولو عَتَق بعْد إرسال الحر السَّهْم وقبل الإصابة، فلا قصاص، وكذا في إسلام الذميِّ عقيب إرسال المسلم السَّهْمَ، ذكره القاضي الرويانيُّ وغيره، ولو قَتَلَ مُسْلِمٌ حُرٌّ مَنْ لا يَعْلَمُ أنه مُسْلِمٌ أو كافرٌ أو مَنْ لاَ يعْرِفُ أنه حُرٌّ أو عَبْدٌ، فلا قصاص للشبهة قاله في "البحر" وحكى القاضي ابن كج: أنه لو حَكَم حاكمٌ بقتل حُرٍّ بعبدٍ، لم يُنْقَضْ حكمه، وأنه لو حكم بقَتْل مسْلِمٍ بذميٍّ، نقض حكمه قال: ويحتمل أن لا ينقض أيضًا وهو الوجه.
ثم في الفصل الثالث صور:
إحداها: مَنْ بعضه حرٌّ وبعضه رقيقٌ؛ إذا قَتَل مَنْ بعْضُه حرٌّ وبعضُه رقيقٌ، نُظِر؛ إن كان القَدْرُ الحرُّ من القاتل أكْبَرَ، فلا قصاص، وإن تساوى القَدْران، أو كان ما هو حُرٌّ من المقتول أكْبَر، ففيه وجهان:
أشهرهما: عند المتقدِّمين وبه قال الشيخ أبو حامد والقاضي الماورديّ: أنه يجب القصاص، أما في الصورة الأُولَى؛ فلتساويهما في الرِّقِّ والحرية. وأما في الثانية: فلأن المفضول يُقْتَلُ بالفاضل.
وأظهرهما: عند المتأخرين، وهو اختيار القاضي أبي الطيِّب والقفَّال، المنع؛ لأنه لا يُقْتَل ببغضِه الحرِّ البَعْضُ الحرُّ وبالرقيق الرقيق، بل يُقتَل جميعُه بجميعه (٢)؛ ولهذا لو كان القتل خطأً أو آل الأمْرُ إلَى المال، تفريعًا على أنه يجب القصاصُ، أوجبنا نصْف الدية ونصْفَ القيمة مثَلًا، فلا نقول: نصْف الدية في مال القاتل، ونصْفُ القيمة يتعلَّق
_________________
(١) رواه الدارقطني [٣/ ١٣٣] والبيهقي [٨/ ٣٥] من حديث ابن عباس، وفيه جويبر وغيره من المتروكين، ورويا أيضًا عن علي قال: من السنة أن لا يقتل حر بعبد، وفي إسناده جابر الجعفي، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بقتل العبد، ورواه أحمد أيضًا، وروى الدارقطني من هذا الوجه مرفوعًا بلفظ: إن رجلًا قتل عبده متعمدًا، فجلده النبي -ﷺ- ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به، وفي طريقه إسماعيل بن عياش، لكن رواه عن الأوزاعي، وروايته عن الشاميين قوية، لكن من دونه محمد بن عبد العزيز الشامي قال فيه أبو حاتم: لم يكن عندهم بالمحمود، وعنده غرائب، ورواه ابن عدي من حديث عمر مرفوعًا قال الحافظ في التلخيص: وفيه عمر بن عيسى الأسلمي وهو منكر الحديث.
(٢) رجح الشيخ في المنهاج تبعًا للمحرر الثاني.
[ ١٠ / ١٦٤ ]
برقبته بفدية السيِّد، إن شاء، بل يجب ربُعُ الديةِ وربُعُ القيمة في ماله، ويتعلَّق ربع الدية وربع القيمة برقبته، وإذا وقع الاستيفاء شائعًا، لزم قتل البعْضِ الحرِّ بالبعض الحرِّ والرقيق معًا، وشُبِّهَ هذا بما إذا بَاعَ شِقْصًا وسيفًا قيمةُ كلِّ واحدٍ عَشَرةٌ بعَبد، وثوب قيمةُ كل واحد عَشَرةٌ، فإنه لا يجعل الشِّقْصَ مثلًا في مقابلة العبد أو الثوب بل المقابل له النصْفُ من هذا والنصْفُ من ذاك.
الثانية: إذا قَتَل عَبْدٌ مسلمٌ حرًّا ذميًّا، فلا قصاص؛ لأن المسلم لا يُقْتَل بالذميِّ هاذا قتل حرٌّ ذميٌّ عبْدًا مسلمًا، فلا قال الإِمام: قصاص؛ لأن الحرَّ لا يُقْتَل بالعَبْد، القول في كفاءة النكاح: إن الفضيلة تجبر بالنَّقِيصَة، فلا يجيْء مثْلُها هاهنا، وكذلك لو قَتَل الكافرُ ابْنَهُ المُسْلِمَ أو الابْنُ المُسْلِمُ قَتَلَ أَبَاهُ الكَافِرَ فلا قصاص؛ لاختصاص القاتل بما يَمْنَعُ القصاص.
الثالثة: لو قتل المكاتَبُ أباه، وهو في مِلْكِهِ ففي القصاص وجهان:
أشبههما: المنع؛ لأنه مملوكه، والسيد لا يُقْتَلُ بعبده.
والثاني: وَيُحْكَي عن إشارة النص: أنه يجب؛ لأن أباه إذا دخل في مِلْكه تكاتب عليه، ويثبت له حقُّ الحرية، كما يثبت للمكاتَبِ، فأشبه ما إذا قَتَل الحرُّ أباه، ولو قتل المكاتَبُ سائرَ عَبيدِهِ، فلا قصاص، كما قول قَتَلَ الحرُّ عبْدَهُ، هذا هو المذهب المشهور وفي "البحر" حكاية وجه آخر بناءً على أن المكاتَبَ عبد ما بَقِيَ عليه درْهَمٌ (١).
وقوله في الكتاب: " وتُقْتَلُ المستولدةُ والمكاتب بالقِنِّ" خصهما بالذِّكْر بعد قوله: "ويقتل الرقيق" لِيُعْرَف أن توقُّع الحرية واستحقاقَهَا في المستقبل لا يَمْنَع القصاص، وإنَّما المؤثِّر الحريةُ النَّاجِزَة عنْد القتل، حتى لو قتلت مستولدةٌ قِنًّا، ولم يُقْتَصَّ منها، حتى عَتَقَتْ، لم يَسْقُطِ القصاص، ولو قتل ذميٌّ عبدًا ثم التحق بدار الحرب فسُبِيَ وأُرِقَّ لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنه كان حرًّا يَوْمَ القتل.
وقوله: "ولو اشترى المكاتَبُ أباه" التصوبر في الشراء إنما يصحُّ فيما إذا اشترى بإذن السيد على أحَدِ القولين فأما بغير إذنه فلا يصحُّ بلا خلاف.
قَالَ الْغَزَاليُّ: الخَصْلَةُ الثَّالِثَة: الأُبُوَّةُ وَلاَ يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ، وَكَذَا الأَجْدَادُ
_________________
(١) قال النووي: إذا أوجبنا القصاص، استوفاه سعيد المكاتب؛ لأنهما عبدان للسيد، قتل أحدهما الآخر، فهو كما لو قتله أجنبي. والله أعلم. قد اعترض عليه في الحكم والتوجيه. أما الحكم فإن سيد المكاتب لا حق له في عبد المكاتب فكيف يقتص ما لا يستحقه، وأما التعليل فلأن المكاتب وإن كان عبد مكاتبه فعبد المكاتب ليس كذلك وأعجب من ذلك.
[ ١٠ / ١٦٥ ]
وَالجَدَّاتُ، إِذْ لاَ يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ مُعْدِمًا لِسَبَبِ وُجُودِهِ وَكَذَلِكَ لاَ يَقْتُلُ الجَلاَّدُ أبَاهُ وَلاَ الغَازِي، وَلَوْ قَتَلَ زَوْجَةَ ابْنِهِ فَلاَ قِصَاصَ إِذْ ابْنُهُ وَارِثٌ فَيَسْقُطُ نَصِيبُهُ، فَلَوْ تدَاعَى رَجُلاَنِ مَوْلُودًا فقَتَلَهُ أَحَدُهُمَا تَوَقَّفْنَا فَإِنْ أَلْحَقَهُ القَائِفُ بِهِ فَلاَ قِصَاصَ، وإنْ أَلْحقَهُ بِالثَّاني اقْتَصَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا قصاص على الوالد بقَتْل الولَدِ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وعن مالك: أنه إن تعمَّد قتله، فعليه القصاص، وُيرْوَى أنه إن أضْجَعَه وذبحه، فعليه القِصاص، وإن حذفه بالسيف، فلا؛ لاحتمال أنه قَصَد التأديب.
لنا: ما رُوِيَ أنه -ﷺ- قال: "لاَ يُقَادُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ" (١) ولأن الوالد سبب لوجود الولد، فلا يَحْسُنُ أن يَصِيرَ الولَدُ [سببًا معدمًا له، ولا يليق ذلك بحرمة الأبوة، ولرعاية حرمته، قلنا: إنه لا يُحَدُّ بقذف ابنه، وكرِهْنا للجلاَّد أن يقتل أباه حدًّا وقصاصًا، وللغازِي أن يَقتل أباه الكافِرَ، وستعود صورة الغازِي في " [كتاب] السير".
والأمُّ كالأب، وكذا الجدات والأجداد لا يُقْتلُون بالأحفاد، سواءٌ قَربُوا أو بَعدُوا، وسواء كانوا من قبل الأب أو من قبل الأم.
وعن صاحب "التلخيص" وأبي الطيِّب بن سلمة روايةُ قول في الأجداد والجدات، قال الإِمام وهذا لا يقبله الأصحابُ منْصوصًا ولا مُخرَّجًا، ولعله أخِذَ من قول الشَّافعيِّ -﵁- في أن الرجُوعَ في الهبة تختص بالأبَويْنِ، وليس هذا على وجهه، فإن اللائق بالهبة منْعُ الرجوعِ والاقتصار على مورد الخبر، واللائق بالقِصَاصِ إذا عهد ما يَدْرَأ العقوبة ألاَّ يخصّص وحَكَى خلافًا ذُكِرَ في أن القصاص لا يَجِبُ على الأبِ أو يجِبُ ثم يسقُط؛ لتعذُّر الاستيفاء؟
قال: وهذا من حشْوِ الكلامِ، والمانعُ من الاستيفاء مانعٌ من الوجوب، ولو قضى قاضٍ بقتل الوالد بولده قال القاضي ابن كج: يُنْقَضُ حكمه، وليكُنْ هذا في الموضع
_________________
(١) [أخرجه الترمذي [١٤٠٠] عن عمر، وفي إسناده الحجاج بن أرطأة، وله طريق أخرى عند أحمد [١٤٨]، وأخرى عند الدارقطني والبيهقي أصح منها، وفيه قصة، وصحح البيهقي سنده لأن رواته ثقات، ورواه الترمذي أيضًا من حديث سراقة وإسناده ضعيف، وفيه اضطراب واختلاف على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فقيل عن عمرو، وقيل عن سراقة، قيل بلا واسطة وهي عند أحمد، وفيها ابن لهيعة، ورواه الترمذي أيضًا وابن ماجه [٢٦٦١] من حديث ابن عباس، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، ولكن تابعه الحسن بن عبيد الله العنبري، عن عمرو بن دينار قاله البيهقي رواه الحاكم [٢/ ٢١٦] وقال عبد الحق: هذه الأحاديث كلها معلولة لا يصح منها شيء، وقال الشافعي: حفظت عن عدد من أهل العلم لقيتهم أن لا يقتل الوالد بالولد، وبذلك أقول: قال البيهقي: طرق هذا الحديث منقطعة، وكده الشافعي بأن عددًا من أهل العلم يقولون به].
[ ١٠ / ١٦٦ ]
الذي يساعدنا فيه مالك، ويُقْتَلُ الولدُ بالوالِدِ، وكذا سائرُ المحارِم يُقْتَل بعضُهم ببعض، ولو قَتَل الأبُ الرقيقُ عَبْدَ ابنه، فلا قصاص العبد لأن قصاص العبد لسيده والابن لا يقتص من أبيه، [ولو قَتَلَ الابْنُ الرقيقَ عبد الأب فله أن يقتصَّ] (١).
ثم في الفصْل مسألتان:
إحداهما: لو قَتَل مَنْ يرثه ولَدُ القاتل، لم يجب القصاص، كما لو قتل زوجةَ ابنه، أو زوجته ولها منه ولدٌ أو قتلت أم الولد سيِّدَها، وورثه ولدُها منه، ولو ثبت القصاص لغَيْر ولدِ القاتل، ثم انتقل أو بعْضُه إليه، كما إذا قَتَل أبا زوجته، ثم ماتَتِ الزوجة، ولها منه ولد، أو قَتَلَ ابْنُ معتق ابنه، ثم مات المُعْتَق، وورثه ابنه، فلا قِصَاص، وكذلك الحُكْم، لو ورث القاتلَ مستَحِقَّ القصاص الواجب عليه، كما إذا قتل أباه، وثبت القصاص لأخيه، ثم مات الأخ، ولم يُخلِّف إلا القاتل أو خَلَّف معه بنتًا.
قال الإِمام -﵀-: والوجه هاهنا أن يُقَال: ورث ولده القِصَاصَ ثم قتل أو وَرِث القصاص الواجب عليه، ثم سقط لأنه لو لم يرث القصاص، لورثه غيره، ولَمَا سقط، وقد يتعلَّق بهذا من يقول: يجب القصاصُ على الأب بِقَتْلِ الابن، ثم يسقط، لكن سبب السقوط هاهنا استحقاقُ الولَدِ واستحقاقُه قصاصُ نفسه، مما لَمْ يَثْبُت الاستحقاق، لا يتوجه السقوط، فهو كما لو اشترى قريبه الذي يُعْتَق عليه، لَمَّا لم يتصوَّر العتق، إلا في المِلْك، ثبت الملك ثم زال، وإذا اشترى نفسه من سَيِّده، ملك نفسه، ثم ترتَّب العِتْق عليه.
المسألة الثانية: إذا تداعَى رجلان مولودًا مجهولًا ثم قَتَله أحدهما أو قتلاه، فلا قصاص في الحال؛ لأن أحدهما اْبوه ثم إن ألحقه القائف بأحدهما، فإن كانا قد اشتركا في قتله، فلا قصاص على الذي ألْحَقَ به، ويُقْتَصُّ من الآخر فإنه شريكُ الأب، وحكَى القاضي ابن كج وجهًا: أنه لا يقتص من الآخر أيضًا، ووجَّهه بأن إلحاق القائف، مبني على الإمارات وهو ضعيف، فلا يُنَاط به القصاص الذي يَسْقُط بالشبهات، بخلاف الإلحاق بالفراش، وإن كان قد قتله أحدهما، فإن ألحقه بالقاتل، فلا قصاص، وإن ألحقه بالآخر، اقُتُصَّ من القاتل، وكذا لو ألحقه بغيرهما، وينْبَغِي أن يَعُودَ الوَجه الذي حكاه القاضي (٢) [ابن كج].
وإن رَجَعا عن الدعوة، لم يُقْبَل رجوعهما؛ لأنه صار ابنًا لأحدهما، وفي قَبُول
_________________
(١) سقط من: أ.
(٢) وما بحثه من جريان الوجه هنا هو المجزوم به في الحاوي للماوردي في كل من الصورتين. وكذا جعل محل الوجوب إذا ألحقه القائف بغير قاتله قبل القتل.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
الرجُوعِ إبطالُ حقِّه من النسب، وإن رجع أحدهما، وأصر الآخر، فهو ابن الآخر، فيُقْتَصُّ من الواجع، إن اشتركا في قتله، أو كان هو القاتلَ هذا إذا لَحِقَ المولودُ أحدَهما بالدعوة، أما إذا لَحِقَ بالفراش، كما إذا نَكَح معتَّدةَ، فأتت بولد يتصوَّر أن يكون من الزوج الأول، وأن يكون من الثاني، أو فرض وطء شبهة، فإنما يتعيَّن أحدهما بإلحاق القائف أو بانتساب المولود بعْدَ البلوغ فلو نفاه أحدهما، فيتَعيَّن للثاني، أو يبقى الإبهام حتى يُعْرَض على القائف أو يَنْتَسب؟ فيه قولان مذكوران في باب القائف، والأصح الثاني، وإذا ألحقه القائف بأحدهما، [وقد قتلاه، فيقتص من الآخر، وإنْ قتله أحدهما، لم يَخْفَ الحكم، وإن ألحقه بأحدهما،] (١) أو انتسب بعد البلوغ إلى أحدهما، ثم قتله الَّذي لَحِقَه، لم يقتص منه، فإن أقام الآخر بَيِّنةً على نسبه لحقه، واقْتُصَّ من الأول وحيث فرضْنا إلحاق القائف بعْد القتل، فذاك مُفَرَّعٌ على جواز عرْضِ المولود بَعْدَ موته على القائف وهو الصحيح، وفيه وجه آخر يذكر في موضعه ويمكن أنْ يُفْرَض العَرْض في حياته، وتأخيرُ الإلحاق إلى ما بعد المَوت.
وقوله في الكتاب: "ولا يُقْتَل والدٌ بولَدِه" مُعْلَم بالميم.
وقوله: "وكذا الأجْدَاد والجدَّات" ويجوز أنَّ يقرأ وكذلك باللام وقوله: "ولذلك لا يَقْتُل الجَلاَّد أباه" يجوز أن يقرأ "لذلك" ويجوز أن يقرأ "ولذلك" بالواو وقوله: "وإن ألحقه بالثاني اقْتَصَّ" قياس ما حكاه القاضي ابن كج إعلامه بالواو، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَتَلَ أَخَوَانِ؛ أبوَيْهِمَا مَعًا أَحَدُهُمَا الأَبُ وَالآخَرُ الأُمُّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ قِصَاصَ صاحِبِهِ فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا إلى الاقْتِصَاصِ سَقَطَ قِصَاصُهُ لِأنَّهُ وَرِثَ مِنْ أَخِيهِ قِصَاصَ نَفْسِهِ إِذَا قُلْنَا: القَاتِلُ بِالحَقِّ لاَ يُحْرَمُ المِيرَاثَ، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الأَبَ أوَّلًا ثُمَّ قَتَلَ الثَّانِي الأُمَّ سَقَطَ القِصَاصُ عَنْ قَاتِلِ الأَبِ لِأنَّهُ وَرِثَ مِنَ الأُمِّ حِصَّةَ قِصَاصِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَرِثْ قَاتِلُ الأُمِّ مِنَ الأُمِّ لأنَّ القَاتِلَ مَحْرُومٌ هَذَا إِنْ كَانَتِ الأُمُّ زَوْجَةَ الأبَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَكُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ قِصَاصَ صاحِبِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أخوانِ لأَبٍ ولأُمٍّ، قَتَل أحدُهما الأَبَ، والآخَرُ الأمَّ، فإما أن يقْتُلاَهما معًا أو عَلَى التعاقُبِ، والاعتبار في المعيَّة، والتعاقبُ بزهوق الرّوح لا بالجُرْح.
الحالَة الأُولَى: إذا قتلاهما معًا، فكلُّ واحدٍ منهما يستحقُّ القصاص على الآخَرِ، فإنْ عفا أحدهما، فللمعفو عنه أن يقتصَّ من العافي يُقَدَّم لاستيفاء القصاص مَنْ خرجَتْ
_________________
(١) سقط من: أ.
[ ١٠ / ١٦٨ ]
قرعته، وإذا استوفَى أَحَدُهُما القِصاصَ بالقرعة، أو بادر إليهِ مِنْ غير قرعة، فإنْ قلْنا: القاتل بالحَقِّ لا يُحْرَم الميراث، ولم يكن للمقتصِّ منه مَنْ يحجبه سَقَطَ القِصَاصُ عن المُبَادِرِ؛ لأنه ورث القصاص المستَحقَّ على نفسه أو شيئًا منه، وإن قلْنا يحرم الميراث، وهو الأظهر أو كان هناك من يَحْجّبه، فللوارث المقتَصِّ منه أن يقتص من المُبَادِرِ.
الحالة الثانية: إذا وَقَعَ القَتْلان على التعاقُب، فإن كانت الزوجية قائمةً بين الأبوين، فلا قصاص على مَنْ قَتَل أولًا؛ ويجب على من قَتل آخرًا؛ وذلك لأنه إذا سَبَق أحدُهما إلى قتْل الأب، لم يَرِثْ من الأب، وكان حقُّ القصاص للابْنِ الآخِر، وللأم بالزوجية، فهذا قَتَل الآخرُ الأمَّ، كان الأوَّل هو الذي يرثُهَا، فينتقل إليه القِصَاص المستحَقُّ عليه، ويَسْقُطِ، ولو تقدَّم قتْلُ الأمِّ وتأخَّر قَتْل الأب، سقَّطَ القصاص عن قاتل الأم، وَثَبَت على قاتل الأب، وإذا اقتص القاتل الأوَّلُ من الآخر، وقلْنا: القاتل بالحق يحرم عن الميراث، أو كان للمقتصِّ منه مَنْ يحجبه، فلورثة المقتص منه نصيب من دية القتيل الأول، يُطَالِبُون به القاتِلَ [الأول]، وإن لم تَكُنِ الزوجيةُ قائمةً بين الأبوين، فلكل واحد منهما حقُّ القصاص على الآخر، ويكون التقديمُ بالقُرْعة أو يقدَّم للقصاص مَنِ ابتدأ بالقَتْل؟ فيه وجهان: ميل الإِمام والقاضي الحُسَيْن إلى الأوَّل منهما، وبالثاني أجاب القاضي الرويانيُّ وغيره (١)، ولو بادر الذي أردْنا الاقتصاص منْه، إما بالقرعة أو لابتدائه بالقَتْل، عاد النَّظَر في أن القاتل بالحقِّ، هل يُحْرَمُ الميراث، وأنه هل خَلَّف المقتُول من يحْجُبه على ما بيَّنا وحكى القاضي الرويانيُّ عن الأصحاب فيما إذا وقَع القتلان معًا، وأقْرَعْنا للبداية فخرجَتِ القرعة لأحدهما؛ أنه لو وَكَّل مَنْ خرجَتْ له القرعة جاز؛ لأنه يقتصُّ له في حياته، ولو وكَّل الآخَرَ، لم يَجُزْ؛ لأنه يقتص له بعد قتله ولا تبقى الوكالة حينئذ، قال: وعندي أنَّ توكيله صحيحٌ أيضًا؛ ألا ترى أنَّه لو بادر وكيلُه، فقَتَل، لم يلزمْه شيْءٌ، لكن إذا قتل الموكّل، بطَلَتِ الوكالة (٢).
وقوله في الكتاب: "كُلُّ واحدٍ منهما يستحق قِصَاص صاحبه" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لأن القاضي أبا القاسم ابن كج حكى وجهًا عن أبي علي بن أبي هريرة وأبي الحُسَيْن بن القطَّان فيما إذا قتل زيد ابنًا لعمرو وعمرو ابنًا لزيد، وكلّ واحد من الأبوين متفرد بالإرث أنه يقَعُ التقاص، ولا قصاص بينهما وفي "الرقم" للعبَّادِيِّ مثلُه ذلك الوجه
_________________
(١) قال النووي: لم يعبر عن ترجيح الوجهين بما ينبغي، فقد قطع بالإقراع الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ وغيرهم، وقطع بالثاني القاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهم، ونقله الإِمام عن الأصحاب، مع أنه رجح الاقراع، والأرجح ما نقله عن الأصحاب.
(٢) قال النووي: ولو وكل كل واحد من الأخوين وكيلًا قبل الاقراع، صح، ثم يقرع بين الوكيلين، فإذا اقتص أحدهما، انعزل الآخر.
[ ١٠ / ١٦٩ ]
لا بد وأن يجيْء فيما نحْنُ فيه .. وقوله: "لأنه ورث من أخيه قصاص نفسه، إذا قلْنا: القاتل بالحَقِّ لا يُحْرَمُ الميراثَ" التفريعُ على هذا القول لا يكفي لميراثه أنه قصاصُ نفسه بل له شَرْطٌ آخَرُ، وهو أنه لا يخلف المقتص منه مَنْ يحجبه على ما تَبيَّنَ.
وقوله: "هذا إنْ كانت الأم زوجةَ الأب" يرجع إلى صورة تعاقب القَتْلَيْن، فأمَّا في الحالة الأُولَى، وهو وقوع القتلين معًا، فلا فرق بين أن تكون زوجته أو لا تكونُ؛ لأنهما إذا ماتا معًا، لم يرث واحدٌ منهما من الآخر وقد يُؤدَّى مقصود الفصْل في إيراد آخر، فيقال: إن لم تكن الأمُّ زوجةَ الأب، فلكلِّ واحدٍ منهما القصاصُ على الآخر، وإن كانَتْ زوجته، فيُنظَر، أوقع القتلان معًَا أو على التعاقُبِ، والمعنى لا يختلف.
فرْعٌ: أربعة إخوة، قَتلَ الثاني أكْبَرَهم ثم الثالثُ أصْغَرَهُمْ، ولم يُخلِّف القتيلان غير القاتلين، فللثاني أن يقتص من الثالث، ويَسْقُط عن الثاني القصاصُ؛ لأنه لَمَّا قَتلَ الأكبَرَ، كان القصاص للثالثِ وللصغير، فإذا قَتَل الثالثُ الصغيرَ، وَرِثَ الثانِي حقَّ الصغيرِ مِنْ قصاصه.
آخر عن ابن أبي هريرة: شهادةُ الابن علي الأب بما يوجب القَتْل لا تُقْبَل؛ لأنه لا يُقْتَل بقَتْلِه، فلا يُقْتَل بقوله: كيلا يصير سببًا لهلاك الأب، نقلَه عنه القاضي ابن كج، والظاهر خلافُه. والله أعلم.
قَالَ الْغَزَاليُّ: الخُصْلَةُ الرَّابِعَةُ التَّفَاوُتُ فِي تَأْبُّدِ العِصْمَةِ وَذَلِكَ لاَ يُعْتَبَر فَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالمُعَاهَدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يقتل الذميُّ بالمعاهَدِ، وبالعكس، كما يُقْتَل الذميُّ بالذميَّ والمعاهَدُ بالمعاهدِ لحصول العِصْمة في الحال، ولا أثر للتفاوُتِ في تأبُّدها وتأقيتها، ويشهَدُ له تساوي الذميِّ والمعاهَدِ في الدية.
وعند أبي حنيفة: لا يُقْتل الذميُّ بالمعَاهَدِ، وعنه في قتل المعاهَدِ بالمعاهد روايتان، وأبْدى الإمامُ تردُّدًا في قتل الذميِّ بالمعاهد، وإن أطلقه الأصحاب، قال: لأني رأيتُ نصوصًا ثُقِلَتْ في أن المعاهَدَ إذا سَرَق، هل يُقْطع، ويترتَّب عليه تردُّدٌ في أنه لو سَرَقَ ماله، هل يجب القطع، وينشأ منه تردُّد في القِصَاصِ، فإن أقيم ما ذكره وجهًا، فليُعْلَم قوله في الكتاب: "فيقتل الذمي بالمعاهد" مع الحاء بالواو، وبه يُشْعر نَظْم "الوسيط".
فَرْعٌ: إذا أسر الإِمام بالغًَا مِنْ أهل الحرْب، فقتله ذميٌّ قبل أن يرى الامامُ فيه رأَيَهُ مِنَ الإرقاق وغيره، فلا قصاص عليه؛ لأنه باقٍ على حُكْمه الذي كان [حتى] يرقه الإِمام.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَصْلَةُ الخَامِسَةُ فَضِيلَة الذُّكُورَةِ لاَ يُعْتبَرُ فَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالمَرْأَةِ.
[ ١٠ / ١٧٠ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال: ويُقْتل الرجلُ بالمرأة، وبالعكس، والخُنْثَى بهما، وبالعكس، كما يُقْتل العالِم بالجاهِلِ، والشريفُ بالخسيس، والشِّيْخُ بالشابِّ، وبالعكس، ويُرْوَى عن عمرو بن حزم: "أنَّ النبيَّ -ﷺ- كَتَبَ في كِتَابِهِ إلى أَهْلِ اليَمَنِ أَنَّ الذَّكَرَ يُقْتلُ بِالأُنْثَى" (١) وكما لا يؤثر اختصاص القاتِلِ بفضيلة الذكورة في منْع القصاص لا يؤثِّر
_________________
(١) رواه مالك والشافعي عنه، عن عبد الله بن بكر بن أبي محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه: أن في الكتاب الذي كتبه رسول -ﷺ- لعمرو بن حزم في العقول، ووصله نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده، وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد النبي -ﷺ- ولكن لم يسمع منه، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر، ومن طريقه الدارقطني، ورواه أبو داود والنسائي [٨/ ٥٧ - ٥٨] من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلًا، ورواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب قال: قرأت في كتاب رسول الله -ﷺ- لعمرو ابن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، ورواه النسائي وابن حبان [٧٩٣ موارد] والحاكم [١/ ٣٩٥] والبيهقي موصولًا مطولًا، من حديث الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وفرقه الدارمي في مسنده عن الحكم مقطعًا، وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث، فقال أبو داود في المراسيل: قد أسند هذا الحديث ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وهم، إنما هو سليمان بن أرقم، وقال في موضع آخر: لا أحدث به، وقد وهم الحكم بن موسى في قوله سليمان بن داود، وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأه في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم، وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي: أنه الصواب، وتبعه صالح بن محمد جزرة، وأبو الحسن الهروي وغيرهما، وقال جزرة ناد حيم قال قرأت في كتاب يحيى بن حمزة حديث عمرو بن حزم، فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: كتب هذه الحكاية عني مسلم بن الحجاج: قلت: ويؤكد هذا ما رواه النسائي عن الهيثم بن مروان عن محمد بن بكار، عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري، وقال: هذا أشبه بالصواب، وقال ابن حزم: صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا تقوم بها حجة، وسليمان بن داود متفق على تركه، وقال عبد الحق: سليمان بن داود هذا الذي يروي هذه النسخة عن الزهري ضعيف ويقال: إنه سليمان بن أرقم، وتعقبه ابن عدي فقال: هذا خطأ إنما هو سليمان بن داود، وقد جوده الحكم بن موسى، انتهى. وقال أبو زرعة: عرضته على أحمد، فقال: سليمان بن داود هذا ليس بشيء، وقال ابن حبان: سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعفه فإنما ظن أن الراوي له هو اليمامي، قلت: ولولا ما تقدم من أن الحكم بن موسى وهم في قوله سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم لكان لكلام ابن حبان وجه، وصححه الحاكم وابن حبان كما تقدم والبيهقي، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا، قال: وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، قال الحاكم: وحدثني أبو أحمد الحسين بن علي عن ابن أبي حاتم عن أبيه أنه سئل عن حديث عمرو بن حزم، فقال: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به، وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي =
[ ١٠ / ١٧١ ]
اختصاص القتيل بهذه الفضيلة في ضمِّ شَيْء من الماء إلى القصاص، وعن عطاءٍ والحسَنِ البَصْرِيِّ: أَنه إنْ قتل الرَّجُل المَرْأَةَ يُخَيَّر الوليُّ بين أنَّ يأخُذَ دِيَتَها، وبيْنَ أن يَقْتُلَه ويبْذُل نصْف ديته، وإن قتَلَتِ المرأةُ الرجُلَ يخيَّر الوليُّ بين أنَّ يًاخذ جميع ديته مِنْ مالها، وبين أن يَقْتُلَها، ويأْخُذَ نصْفَ الدية، ويُرْوَى مثلُه عن عليٍّ -كرم الله وجهه- روايةً وإنما ذكَرْنا مذهَبَهم في المسألة؛ لما بينا أنه تَكلَّم في الصفات التي لها أَثَرٌ في القِصاصِ عنْد بعض العلماء.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ إِذَا قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَشَفْرَيْهِ فلاَ قِصَاصَ لاِحْتِمَالِ أَنَّ المَقْطُوعَ امْرَأَةٌ، وَلَوْ عَفَا عَنِ القِصَاصِ سُلِّمَ إِلَيْهِ دِيَةُ الشَّفْرَيْنِ وَحُكُومَة أَخْذًا بِأحْسَنِ التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّهُ المُسْتَيْقَنُ، فَإِنْ لَمْ يَعْفُ فَلاَ تُقَدَّرُ دِيَةُ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ القِصَاصَ فِيهِ مُتَوَقَّعٌ بَلْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الأمْرَيْنِ مِنْ حُكُومَةِ الشَّفْرَيْنِ بِاعْتِبَارِ الذُّكُورَةِ، أَوْ دِيَةُ الشَّفْرَيْنِ وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالأُنْثَيَيْنِ عَلَى تَقدِيرِ الأنُوثَةِ، وَإِنْ كَانَ القَاطِعُ امْرَأَةً فَلاَ تُقَدَّرُ دِيَةُ الشَّفْرَينِ بَلْ تُصْرَفُ حُكُومَة الذَّكَرِ وَالأُنْثَيَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ الأُنُوثَةِ فَإنَّهُ أَقَلُّ مِنْ تَقْدِيرِ حُكُومَةِ الشَّفْرَيْنِ مَعَ دِيَةِ الذَّكَرِ، وَإِنْ كَانَ القَاطِعُ خُنْثَى لَمْ نُصْرِفْ إِلَيْهِ قَبْلَ العَفْوِ شَيْئًا إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَا مُتَوَافِيَيْنِ فَنُجْرِي القِصَاصَ فِي العُضْوِ الزَّائِدِ مَعَ الأَصْلِيِّ، وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يَعْفُ عَنِ القِصَاصِ لَمْ يُصْرَفْ إِلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدْرِي أَنَّ المَأْخُوذَ دِيَةٌ أَوْ حُكُومَةٌ، وَلَوْ كَانَ القَاطِعُ رَجُلًا فَقَالَ: أَقْرَرْتِ بأنَّكِ امْرَأَةٌ فَلاَ قِصَاصَ فِي الذَّكَرِ وَقَالَ المَقْطُوعُ: بَلْ أَقْرَرْتُ بِأنِّي رَجُلٌ فَالقَوْلُ قَوْلُ الجَانِى فِي قَوْلٍ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمَ القِصَاصِ، وَقَؤلُ الخُنْثَى فِي قَوْلٍ لأَنَّا نَحْكُمُ لَهُ بِالذُّكُورَةِ بِقَوْلِهِ مَهْمَا قَالَ إِنِّي رَجُلٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفَرْعُ يَنْظُر إلى أَصْلَيْنِ:
_________________
(١) = في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله -ﷺ-، وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب عن مالك عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: وجد الكتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله -ﷺ-، وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله -ﷺ- والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم، وقال الحاكم: فشهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره والزهري، لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما.
[ ١٠ / ١٧٢ ]
أحدهما: أنَّه هلْ يجبُ القِصَاص في شُفْرَي المرأة، وفيه خلافٌ.
وجوابُ الكتابِ: أنه يجب.
والثاني: أن العضْو الأصليَّ لا يُقْطَع بالزائد، ويُقْطع الزائد بالزائد بشَرْط اتحاد المحلِّ، وهل يشترط أن يكون ما للجانِي أكْبَرَ أوْ لا يُنْظر إلى الصغر والكبر فيه وجهان، وسيأتي شرْح الأصلَيْن في موضعهما -إن شاء الله تعالى- إذا عُرِفَ ذلك.
فلو قطع رجلٌ ذكَرَ خنْثَى مشكِل وأنثييه، وشُفَريْه، فلا قصاص في الحال؛ لاحتمال أن المقطُوع امراةٌ، وأن الذكر الأنثيين منْه زائدةٌ، ثم يُنْظَر؛ إنْ صبر المقطوعُ إلى أن ينكشف حاله في الذكورة والأنوثة، فذاك، فإن بأن ذكَرًَا، اقتصر من القاطع في الذكَر والأنثيين، وأخذت حكومة الشُّفْرَين، وإن بأن أنثى، فلا قصاص وتؤخذ دية الشفرين، وحكومةُ الذكر والأنثيين، وإن لم يصبر إلى انكشاف الحال، فإن قال عفَوْتُ عن القصاص، إن كان لي قصاصٌ، وطالب بحقه من المال، فالذي يستحقه بتقدير الذكورةِ مائةٌ من الإبل للذَّكَر، ومائة للأنثيين، وحكومةُ الشَّفْرَيْن معتبرةٌ بهذه الدية وبتقدير الأنوثة خمسون من الإبل للشفرين وحكومة الذكر معتبرة بهذه الدية، وحكومة الأنثيين كذلك فإن حكومة كلِّ عضو بتقدير الأنوثة تعتبر بدية الإناث، والمَبْلَعُ الثاني أقل من الأول بكثير، فيُدْفَعْ إليه هذا المبلغُ المستيقَنُ، ثم إن بأن بعد ذلك أُنْثَى، فقد أخذ حقه، وإن بأن ذكَرًا، سُلِّم إليه تتمة المبلغ الأول.
وحكى الإِمام عن بعض الأصحاب أنَّا نوجب في كل عضْوٍ الحكومةَ؛ لأنه يُحْتَمَل أن تكون واجبةَ الحكومة، فلا نوجب الدية بالشك.
قال: وهذا ضعيف؛ لأن استحقاق القدر المذكور مستيقَنٌ، وإن لم تتحقَّق جهَتَه، وإنما يتجه ذلك إذا تعدَّد الجاني، فقطع قاطع ذكره وأنثييه، والآخر شفريه، وعفا المقطوعُ عن القصاص، لا نوجب على كل واحد إلا حكومة ما قطعه، وإن لم يَعْفُ عن القصاص، وقال القصاص غير متوقَّع في جميع ما قَطَعَ منى، وطالب بما يجبُ له مع القصاص، فهل يُعْطَى شيئًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وبه قال ابن أبي هريرة، ويُحْكَى عن القفَّال أيضًا؛ لأنا لا ندري أن الواجب ديةٌ أو حكومةٌ، وأنه إن وجَبَتِ الحكومةُ، فهي حكومةُ الذَكَرِ والأنثيين أو حكومة الشَّفْرَيْن وأيضًا، فإن حكومة الذكر مشكوك فيها لجواز كونه رجُلًا، وكذا حكومة الشَّفْرَيْن؛ لجواز كونه امرأة، نوجب شيئًا بالشَّك.
وأصحُّهما: نعم؛ لأنا نستيقن وجوب شيْء من المال، وإن اتفق القِصَاصُ، فليعطَ المستيقَنُ، وعلى هذا، ففيما يُعْطَى أوجه:
[ ١٠ / ١٧٣ ]
أحدهما: أقلُّ الحكومَتَيْنِ من حكومة الشَّفْرَيْن على تقدير المذكورة، وحكومة الذكر والأنثيين على تقدير الأنوثة، حكاه الإِمام وغيره.
والثاني: حكومة العضْو المقطُوع آخِرًا؛ لأنه قَطَعَه، والدمُ سائلٌ مِنَ الأول، فتكون حكومَتُهُ أقلَّ.
والثالث: حكومةُ الشَّفْرَيْنِ؛ لأنَّ القصاص متوقَّع في الذَّكَر والأنثيين، فلا يقدر لهما مالًا فتردد الشفرَيْنِ بين أن يجب فيهما الديةُ أو الحكومةُ، فتجب الحكومة التي هي أقلُّ، وهذا أصح عند العراقيين وغيرهم، وذكر الإِمام في تهذيب هذا الوجه أن حكومة الشَّفْرَيْنِ [بتقْدير الذكورة قد تزيد على حكُومة الذَّكَر والأنثيين بتقدير الأنوثة؛ لأن حكومة الشَّفْرَيْن] بتقدير الذكُورة تُعْتَبَر بدية الرَّجُل، وقد تزيد على دِيَة المَرْأَةُ هي الواجبة على تقْدِير الذُّكُورة، وعلَى تقْدِير الأنوثة تجب دية الشَّفْرَيْن، وحكومةُ الذكر والأنثيين والمسلك المهذَّب أن يقال: يُعْطَى أوَّلَ الأمرَيْنِ من حكُومَة الشفْرَيْن بتقدير الذكورة وحكومةُ الذكر والأنثيين مضمومةٌ إليها دِيَة الشفرين، وهذا حَسَنٌ سواء قدر تلخيصًا للوجه الثالث أو وَجْهًَا رابعًا، وهو الذي أورده صاحب الكتاب تفريعًا على القول بأنه يُعْطَى شيئًا هذا إذا كان القاطعُ رَجُلًا.
ولو قَطَعَتِ امرأة ذَكَرَهُ وأنثييه وشفرته، فإن صبر إلى انكشاف الحال، توقَّفنا كما يُفْعَل في الرجُلِ، فإن بان ذكرًا، فله ديتان للذَّكَرِ والأنثيين وحكومةُ الشفرين، وإن بأن أنثى، فلها حكومة الذَّكَر والأنثيين، ولها القصاص في الشفرين، إن أجرينا فيهما القصاص، وإلا، فلها ديتُهما، وإن لم يصبر إلى انكشاف الحَالِ، فيبنى على أن القصاص هَلْ يجري في الشفْرَيْن، إن قلْنا: نعم، قيست الصورة بما ذَكَرْنا فيما إذا كان القاطعُ رجلًا، فإنْ عفا عن القصاص، سُلِّم إليه دية الشَّفْرَيْن، وحكومةُ الذَّكَر والأنثيين، لأن لم يَعْفُ، ففي وجهٍ: لا يُعْطَى شيئًا أصلًا، وفي وجْهٍ: يُعْطَى أقلَّ الحكومتين، وفي وجه: حكومة المقطوع آخرًا وفي وجه: حكومة الذكر والأنثيين؛ ليُوقَعَ القصاصُ في الشفرين وذلك على تلخيص الإِمام؛ لأن حكومة الذكر والأنثيين التي تَجِبُ بتقدير الأنوثةِ أقلُّ لا محالة من ديتي الذَّكَرِ والأنثيين، وحكومة الشفرين الواجبة بتقدير المذكورة، فإنْ قلنا: لا يجري القصاص فيهما، فالحكم كما لو أجريناه، فعفا.
ولو قطَع رجُلٌ ذكَرَه وأنثييه وامرأةٌ شُفْرَيْهِ، ولم يَعْفُ، فلا يطالب واحدٌ منهما بمالٍ؛ لأن توقُّع القصاص ثابتٌ في حقِّهما جميعًا، كذلك ذكره الإِمام وغيره؛ بناء على أن القصاصَ يجري في الشفرين، فإن منع، فلا يوقع في حق المرأة فعليها حكومة الشفرين، ولو قَطَع رجلٌ شفْرَيْهِ وامرأةٌ ذكَرَهُ وأنثييه، فلا مجال للقصاص، ويُطَالَبُ كلُّ واحد منهما بحكومةِ ما قَطَعَ، ولو قطَعَ مُشْكِلٌ جميعَ ذلك من مُشْكِلٍ، فلا قصاص في
[ ١٠ / ١٧٤ ]
الحال، فإن بانا ذكرين أو أنثيين، قطع الأصلىُّ [بالأصليّ] والزائد بالزائدة إن تساويا على ما أشرنا إليه، وإلا، ففي الزائدِ الحكومةُ، وإن بان أحدهما ذكرًا والآخر أنثَى، فقد تبيَّن الحكم، ولو عفا المجنيُّ عليه قبل تبين الحال، دُفِعَ إليه مِنَ المستيقن وهو دية الشفرَيْنِ، وحكومة الذكر والأنثيَيْنِ، وإذا لم يَعْفُ، فقد نقل الإِمام وأبو الحَسَن العبَّاديُّ: أنهُ يدْفَع إليه أقلُّ الحكومتين، والصحيح أنه لا يُدْفَع إليه شيْءٌ في الحال، إذ كان القصاص متوقَّعًا في الكلِّ، واعلم أن انكشاف حال الخُنْثَى قد يكون بشَيْءٍ من الإمارات الخِلْفية، كالبول والمَنِيِّ، فالحُكْم على ما بينا، وقد يكون بالرجوع إلى قوله: ليخبر عن ميله إلى الرجال، فيكون امراة أو إلى النساء فيكون رجلًا، فإن أخبر عن حاله، ثم جَرَتِ الجناية، اعتمد قوله حتى إذا كان القاطِعُ رجلًا، وكان قد قال: أنا رجلٌ، استوفى القصاص، وإن جرَتِ الجنايةُ، ثم قال: أنا رجلٌ، فهل يُقْبَل قوله، لإيجاب القصاص، ولإيجاب دية الذكر والأنثيين؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم كما يقبَل قبل الجناية؛ ولأنه أعرف بحاله وأظهرهما؛ على ما ذكره القفَّال والإمام: المنْعُ؛ لأنه متَّهَم فيه وشُبِّهَ ذلك بما إذا شَهِدَ برؤبة هلالِ شَوَّال فلم يَقْبَل القاضِي شهادَتَه، ثم رآه يَأْكُلُ، لا يعزره، ولو رآه يأكل، فقال: رأيت الهلال، يعزره؛ لأنه متَّهم بالدفع، ولو ثبت الغَصْب عليه بشهادة رجل وامرأتينِ، ثم قال: إن كنت غَصَبْت، فامرأتي طالقٌ، يقع الطلاق، ولو قال أولًا: إن كنت غَصَبْتُ، فامرأتي طالقٌ، فأقامت رجلًا وامرأتين على أنه غصب، لا يقع الطلاق على الأظهر، ولو اختلف الجاني والمقْطُوع، فقال الجاني قد أقررتِ بِأنَّكِ امرأةٌ، فلا قصاصَ لك، وقال: بل قلْتَ: إنِّي رجُلٌ، فقولان في أن القولَ قولُ من الحكايةُ عنْ نَصه -﵁- في مواضع، وهو الذي رجَّح أن القول قولُ الجانِي؛ لأن الأصْل أنَّه لا قصاصَ والمقطوع متهم في قوله.
والثاني: ويُنْسَب إلى رواية ابن سُرَيْج: أن القول قوْلُ المَقْطُوع؛ لأنه أعرف بحاله، واختلاف الجانِي والمقْطُوع يجوز أن يُفْرَض في. إخباره عن الذُّكُورة والأنوثة قبل الجناية، ويجوز أن يُفْرَض في إخباره بعْد الجناية، إذا قلْنا: إنَّ قوله بعد الجناية مقبولٌ معمولٌ به.
وقوله في الكتاب: " إذا قطع رجلٌ ذكَرَ خنْثَى مشكِل وشفْريْه" يريد قطع الذكر مع الأنثيين وإن لم يتلفَّظ بالأنثيين؛ ألا تراه كرَّر ذكْرَهما في الفَرْع غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقوله: "سُلِّم إليه دية الشفرين" يجوز إعلامه بالواو؛ للوجه الذي نقل الإِمام أن الواجِبَ في كلِّ واحدٍ منهما الحكومة.
وقوله: "بل يصرف إليه أقلُّ الأمرين" إلى آخره ينازع فيه الوجه الذاهِبُ إلى أَنَّ الواجب أقَلُّ الحكومتين والوجْه الآخر: إن الواجب حكومةُ المَقْطُوعِ آخرًا وللإعلام فيه
[ ١٠ / ١٧٥ ]
مجال، وكذا يجوز أن يُعْلَم لفظ "الحكومة" من قوله: "وحكومة الذَّكَر والأنثيين" فيما إذا كان القاطع امرأةً لوجه ذكرناه أن الواجب أقلُّ الحكومتين، ووجّه أنَّ الواجب حكومةُ المقطوع آخرًا.
وقوله: "عقيب الكلام فيما إذا كان القاطع خنثى" وقيل: "إذا لم يُعْفَ عن القصاص" إلى آخره يرجع إلى الصورتَيْنِ السابقَتَيْنِ في قطْع الرَّجُل وقطْع المرأة، ويجوز أن يُعْلَم قوله فيما إذا كان القاطع خنثى: "لم تُصْرَف إليه قبل العفو شيئًا" بالواو.
وقوله: "لأنا نحكم له بالذكورة، مهما قال: إنِّي رجُلٌ" هذا لا يسلمه مَنْ يقول: لا يُقْبَل قوله بعد الجناية.
فَرْعٌ: لو قُطِعَتْ يد الخنثى، وجب القصاص، قطَعَها رجُلٌ أو امرأة، لكن لو آل الأمر إلى المال، لم يؤخذ إلا المستيقن وهو نصْفُ دية المرْأَة، وكذا لو قتل، لا يؤخذ لديته إلا المتيقن. وهو دية المرأة.
آخر: لو قَطَع المُشْكِل ذكَرَ رَجُلٍ وَأُنْثَيَيْه، وقف، فإن بأن أنه ذَكَرٌ اقتص منه، وإن بَانَ أُنثَى، فعليه ديتان، ولا قصاص، وقبل التبين، لو طلب المجنيُّ عليه مالًا، ولم يعْفُ، لا يُجَاب؛ لأن القصاص متوقَّعُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَصْلَة السَّادِسةُ التَّفَاوُتُ فِي العَدَدِ لاَ يُؤَثِّرِ بُلْ يُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ، وَالوَاحِدُ إِذَا قَتَلَ جَمَاعَةً قُتِلَ بِوَاحِدٍ وَللبَاقِينَ الرُّجُوعُ إِلَى الدِّيَّاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: إذا قَتَل الجماعةُ واحدًا، قُتِلوا به سواءٌ قتلوه بمحدَّد أو مُثَقَّل، أو ألْقَوْه من شاهق أو في بحْر أو جرَحُوه جراحاتٍ مجتمعةً أو متفرِّقة، وهكذا قال أبو حنيفة وأحمد، ويُحْتجُّ له بأن القصاص عقوبةٌ تجب للواحِدِ على الواحِدِ، فتجب للواحد على الجماعة، كحد القذف، وبأن القصاص شُرعَ لحقْنِ الدماء، فلو لم يجبْ عند الاشتراك، لاتُخِذُّ ذريعةً إلى سَفْكِهَا، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ -﵁-: "قَتَلَ خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ قَتَلُوهُ غِيلَةً، وقال: "لَوْ تَمَالأ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ، لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا (١) " أو كيف التقدير في قتل الجماعة بالواحد، قال الجمهور: دمُ كلِّ واحدٍ منهم مستحَقٌّ للوليِّ، وعن الحليميِّ: أن
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطإ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب بهذا، ورواه البخاري من وجه آخر، ورواه البيهقي من حديث جرير بن حازم عن المغيرة بن حكيم الصنعاني عن أبيه مطولًا، وقال البخاري قال لي ابن بشار نا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أن غلامًا قتل غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به.
[ ١٠ / ١٧٦ ]
القصاص مفروض عليهم، فإذا قَتَل عشرةٌ واحدًا، فالمستَحَقُّ لوليَّ العُشْرُ مِنْ دم كل واحد، إلا أنه لا يمكن استيفاؤه، إلا باستيفاء الباقي وقد يَسْتَوْفى من المتَعدِّي غَيْرُ المستَحِقِّ، [إذا لم يمكن استيفاء المستَحقِّ] (١) إلا به، كما إذا أدْخل الغَاصِبُ المغصوبَ في بيْتٍ ضيقٍ، واحتاج في ردِّه إلى قلْع الباب أو هدم الجدار، قال الإِمام: وهذا بعيدٌ، فإنه لو قَطَع يَدَ غَيْره مِنْ نصْف الساعد، لا يجري القصاص فيه خوفًا من استيفاء الزيادة على الجناية بجُزْء يسيرِ، فكيف يُريقُ تسْعة أعْشَار الدَّمِ من غير استحقاقٍ لاستيفاءِ عُشْرِ واحدٍ، ولا يمكن اعتبار القصاص بالدية حَيْثُ لا يجب على كلِّ واحد إلا العُشْر، كما أن الرجل يُقْتَل بالمرأة، وإذا آل الأمر إلى المال، لم يلزمه إلا نصْف دية نفْسِه، فهذا هو المشهور في قتل الجَمَاعة بالوَاحِد، ووراءه شيئان:
أحدهما: عن أبي حفص وعن ابن الوكيل إثبات قولٍ: إن الجماعة لا يُقْتَلُون بالواحدِ؛ أخْذًا مما قال الشَّافعيُّ -﵁- في "الأم" "لو قَتَلَ عَشَرَةٌ رجُلًا، فَقَتَل ولي المَقْتُولِ أحدَهُمْ وَعَفَا عَنِ البَاقِينَ كَانَ لَهُ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الدِّيَةِ فِي قَوْلِ مَنْ يَقْتُلُ الجَمَاعَةَ بِالوَاحِدِ" فأشعر بأن له قولًا آخر.
والثاني: نقل الماسرجسي والقفَّال قولًا عن القديم: أن الوليَّ يَقْتل واحدًا من الجماعة، أيَّهم شاء، ويأخذ حصَّة الآخرين من الدية، ولا يَقْتل الجميع، ويَكْفي للزَّجْر كوْنُ كلِّ واحدٍ منهم على وَجَلٍ من القتل، ويُرْوَى هذا عن مالك، ويُرْوَى عنه مثْلُ مذهبنا المشهور، والأشهر الرواية الثانية.
وقال الرويانيُّ: الأصح الرواية الأولَى، وليُعْلَمْ؛ لما بيَّنا قوله في الكتاب: "ويقتل الجماعة بالواحد" بالميم والواو، وإذا قلنا بظاهر المذهب، فللوليِّ أن يقتل جميعهم، وله أن يقتل بعْضَهم، ويأخذ حصَّة الباقين من الدية، وإن اقتصر على الدية، فتكون الدية موزَّعة على عدَدِ رؤوسهم سواءٌ كانت جراحةُ بعْضِهم أفحَشَ أو عدد الجراحات من بعضهم أكْثر، أو لم يكن كذلك؛ لأن تأثير الجراحات لا تضبط، وقد تزيد نكاية الجراحةِ الواحدةِ على نكايات جراحات كثيرةٍ، فلا نظر إلى أعدادها، وكذلك لا فَرْقَ بين أن يكون لجراحة بعْضِهم أرْشٌ مقدَّر أو لا يكون.
الثانية: إذا قَتَل الواحدُ جماعةً، قُتِلَ بواحدٍ منهم، ووجَبَتْ دية الباقين في ماله، والقول في أنه مَنْ يَقْتُل منهم؟ مذكور في "الفن الثاني" ولو قطع واحدٌ أيدِيَ جماعة، فكذلك، يُقْطع بواحد، وللباقين الدية.
وعند أبي حنيفة ومالك: يُقْتل الواحدُ بالجماعة، ولا يَجب شيْءٌ من الدية، وإذا
_________________
(١) سقط من: ز.
[ ١٠ / ١٧٧ ]
بَادَرَ واحدٌ من الأولياء، فقتله، سقَطَ حقُّ الباقين، وقال في الطَّرَف: إذا قطَعَ واحدٌ يدَيْ رَجُلَيْنِ، يُقْطَع بهما، ولكلِّ واحدٍ منهما نصْفُ دية اليد، فقاس الأصحاب النفْسَ على الطَّرَف في أنه لا يتأدَّى بالشيء الواحد حقوقُ الجماعة التي يتأدَّى بها الواحد منهما عند الانفراد، والطَّرَف على النفس في أنه لا يُجْمَع في حقِّ الواحد بين القصاص والدية.
وقال أحمد: إن اجتمع أولياءُ القتيل على طلب القصاص، قُتِلَ بالكل، وإنْ طَلَب بعضُهم القصاص، والبَعْضُ الديةَ، قُتِل بمَنْ طَلَب وليُّه القصاص، وللباقين الدِّيَة فقال الأصحاب: إذا كان لواحدٍ منهم أن يقتص عند إنفراده بالمطالبة، فإذا ازدَحَمُوا على المطالبة، لم تتداخَلْ حقوقُهم كما في سائر الحقوق، ولْيُعْلَم لمذاهبهم.
قوله في الكتاب: "قُتِلَ بواحد وللباقين الرجوع إلى الديات بعلاماتهم، ويجوز أن يُعْلَم بالواو، أيضًا؛ لأن القاضي الرويانيَّ حَكَى في "جمع الجوامع" أنه إذا وقَعَتِ الجنايات دفعةً واحدة يُقْتَلُ أو يُقَطَعُ بهم جميعًا، وَيرْجِع كلُّ واحد من المستحِقِّين إلى حصته من الدية، واعْلَمْ أنَّ ما ذكرناه فيما إذا كان القاتِلُ حرًَا، وقتل جماعة لا في المحاربة، فأما إذا كان القاتِلُ عبْدًا أو قَتَل الحرُّ جماعةً في المحاربة، فسيأتي -إن شاء الله تعالى-.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ قصَاصَ عَلَى شَرِيكِ الخَاطِئِ، وَيَجِبُ عَلَى شَرِيكِ الأَبِ، وَشَرِيكُ كُلِّ عَامِدٍ ضَامِنٌ، وَفِي شَرِيكِ الحَرْبِيِّ وَشَرِيكِ الجَلاَّدِ وَمُسْتَوْفِي القِصَاصِ وَالجَارحِ فِي حَالَةِ الرِّدَّةِ وَكُلِّ عَامِدٍ لَيْسَ بِضَامِنٍ قَوْلاَنِ، وَالسَّبُعُ مُلْحَقٌ بِالخَاطِئِ فِي أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ لاَ بِالحَرْبِيِّ، وَشَرِيكُ السَّيِّدِ كَشَرِيكِ الأَبِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْن؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ الكفَّارَةَ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنِ الدَّيَةَ، وَشَرِيكُ مَنْ جَرَحَ بِنَفْسِهِ كَشَرِيكِ السَّيِّدِ إِنْ قُلْنَا: تَتَعَلَّقُ الكَفَّارَة بِقَتْلِ النَّفْسِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجناياتُ الصادِرَةُ من الجماعة الواردة عَلَى الواحد المستعقبة للموت، إن كان بحَيْثُ يجب القصاص بكل واحدٍ منها، لو انفردت، فيجبُ القصاص على الشركاء؛ كما ذكرنا، وإلا فإما أن لا يجبَ القصاصُ بواحدٍ منها، إما لتقاعُدِ الفعل عن إيجاب القصاص، كما إذا قَتَل اثنانِ أو جماعةٌ واحدًا خطأً، أو لعَدَمِ الكفاءة إذا قَتَل حران عبدًا ومسلمان ذميًّا، فلا قصاص على واحدٍ منهم، وإما أن يجبَ القصاصُ ببعْضها دون بعْضٍ، ولعدم الوجوب في حقِّ البعْضِ أسبابٌ.
أحدهما: أن تكونَ جنايةُ بعضهم ضعيفةً لا تؤثِّر في الزهوق؛ كالخدشة الخفيفةِ، فلا اعتبار بها وكأنه لم توجدْ سوى الجناياتِ الباقِيَةِ.
والثاني: أن يُغَلَّبَ بعضُها؛ لقوته بحيث يقطع نسبة الزهوق إلَى سائر الجنايات، كما إذا جَرَحَ اثنانِ أو جماعةٌ ثم جاء آخرُ، وَحَزَّ الرقبةَ، فقِصَاص النفْسِ عَلَى الحَازِّ،
[ ١٠ / ١٧٨ ]
والأولون جارحون يتعلَّق بفعلهم مقتضاه من قصاص أو ديةٍ مغلَّظة أو مخفَّفة وقد سبق ذكْر ذلك في الطَّرَفِ الرابعِ من الركنِ الأول، وعُدَّ من نظائره أن يصْعَد به على كرسيِّ ويربط في عنقه حبلًا ويشده إلى فوق، فيجيء الآخر فيُنحِّي ما تحْتَ قدميه عنه، فالقاتل الثاني.
والثالث: أن تندمل بعضُ الجراحاتِ، ثم يوجد سائرُ الجراحات، فعلى مَنِ اندملت جراحتُه ما تقتضيه الجراحة، ولا يلزمُه قصاصُ النفسِ والقتل، وهو الجراحة الساريةُ، وإذا جَرَح اثنان على التعاقب، وادَّعى الأولُ الاندمال، وأنكر الوليُّ، فلا قصاص على الأوَّل بقَوْلِ الوليِّ، وإذا عفا عن الثاني، لم يأخذ منه إلا نصْفَ الدية، ولا يُقْبل قولُه عليه، وإنما يأخذ كمالَ الدية، إذا قامت بيَّنَة: على الاندمال.
والرابع: أن يكون امتناعُ القصاصِ على بعْضِهم لكَوْن فعله خطأً، كما إذا جرحه أحدُهما عَمْدًَا، والآخَرُ خطأ، فلا قصاص على واحدٍ منهما، وعلى عاقلة الخاطئ نصف دية الخطَأ، وفي مال العامِدِ نصْفُ دية العَمْد، إن كانتْ جراحتُه لا توجِب قصاصًا، أو آل الأمر إلى الدية، وعليه قصاصُ الطَّرَفِ، إن كانَ قَدْ قطعَ طَرَفًا، وكذا لو جرح أحدَهُما عمْدًا، والآخر شبه عمْدٍ، لا قصاص على واحدٍ منهما، ويجب نصف دية شبه العمد على عاقلة صاحِبِهِ وقال مالك: يجب القصاصُ عَلَى شريكِ الخاطئِ وشريك الجارح شبْه العَمْد، وبه قال أحمد في رواياته واختاره المزنيُّ ويجوز أن يُعْلَم قوله: "ولا قصاص على شريك الخاطئ" مع الميم والألف والزاي بالواو؛ لأن القاضي أبا المحاسِنِ الرويانيُّ ذكر في "جمع الجوامع" مع أنه قد قيل: إنه قول للشافعيِّ -﵁- وذكره المزني في "العقارب"، وهذا لم ينقلْه الإمامُ، ولكن تمناه فقال: وَدِدتُّ أن يكون هذا قولًا معدودًا في المذْهَب، وقد يوجَّه ذلك بأن العامد لو انفرد بقتله، قُتِلَ فإذا شارك غيره، قُتِلَ، كالأجنبي، إذا شارك الأب، واحتج لظاهر المذْهب بأنَّ الزهوقَ حَصَل بجراحَتَيْن عمْد وخطأ، فلا يجب القصاص، كما لو جرحه واحدٌ جراحَتيْنِ إحداهما عمْدٌ والأخرَى خطأٌ.
الخامسُ: أن يكون امتناعُ القصاصِ على بعْضِهم لمعنًى في نفسه، فله حالتان:
إحداهما: أن يكون فعْل مَنْ لا قصاصَ عليه مضمونًا، كما إذا شارك الأبُ أجنبيًّا في قَتْل الابن، فعلى الأبِ نصْفُ الدية المغلَّظة، وعلى الأجنبيَّ القصاصُ، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا قصاصَ علَيْه.
لنا: أنه لو انفرد بقَتْله، وجَبَ عليه القصاص، فإذا شارَكَ مَنْ لا يقتص منْه لا لمعنى في فعله، وجب أيضًا كما لو كانا عامِدْينِ، فعفا الوليُّ عن أحدهما، وأيضًا، فإن الزهُوق حصَلَ بجنايتَيْن عمْدَيْن مضمونَيْنِ، فامتناعُ وجوب القِصاص عَلَى أحدهما، لا يمنع الوجوب على الآخَرِ، كما لو رَمَى اثنانِ سهْمًا إلَى واحدٍ، ومات أحَدُ الراميَينِ قبل
[ ١٠ / ١٧٩ ]
الإصابة، يجب القِصَاصُ على الآخر، وليس شريكُ الأب كشريكِ الخاطِئِ، فإنَّ الخطأ شبهةٌ في فعل الخاطئ، والفعلان مصادِفَان لمحلٍّ واحدٍ فأورث الخطأ في أحدهما شبهةً في القصاص، كما لو جرح واحدٌ جراحتين إحداهما (١) عمدٌ والأخرى خطأٌ، وشبهة الأبوة في نَفْسِ الأب لا في الفِعْل، وذات الأب يتميز عند ذات الأجنبيِّ، ولا تُؤثِّر شبهة في حقِّه وعلى هذا القياس، لو شارك حر عبدًا في قتل عبد أو مسلمٌ ذميًّا في قتل ذميٍّ، لا قصاص على الحرِّ والمُسْلِم، ويجب على الذميِّ والعبْد.
وأبو حنيفة: يوجب القصاص عليهما جميعًا. ولو جرح ذميٌّ ذميًا ثم أسلم المجروح، فجرحه مسلمٌ، أو عبدٌ عبدًا، ثم عَتَق المجروح، فجَرَحَه حرَّ ومات منهما، فيجب القصاص عليهما جميعًا؛ لأن القصاصَ يجبُ عَلَى كلِّ واحدٍ منهما بتقدْير الانْفِرَادِ.
والثانية: ألا يكون مضمونًا، كما إذا جرح حربىٌّ مسلمًا، وجرحه مسلمٌ أيضًا، ومات منهما أو قُطِعتْ يَدُ إنسان في سرقة أو قصاصٍ ثم جرَحَه جارحٌ متعدَّيًا أو جرح مسْلمٌ مرتدًّا أو حربيًّا، فأسْلَم فجرحه غيْره أو ذميٌّ حربيًا، ثم عقَدَتِ الذمة للمَجْرُوح، فجَرَحَه ذميٌّ آخَرُ أو جَرَح الصَّائِل عليه ثم جرحه آخر، ففي وجوب القصاص على الشَّرِيك في الصور قولان:
أصحُّهما: على ما ذكر الرويانيُّ وغيره: أنه يجبُ؛ لحصول الزهوقِ بفعلَيْن عَمْدين، وامتناع القصاصِ على الآخر؛ لمعنى يَخُصُّه، فصار كشريك الأب.
والثاني: لا يجبُ؛، بل عليه نصْفُ الدية؛ لأن مَنْ لا يضْمَنُ أخفُّ حالًا من الخاطئِ الَّذي فعْلُه مضمونٌ بالدية، فهذا لم يجبْ على الشريك الخاطئِ، فأَوْلَى أن لا يجبَ عَلَى الشريكِ في هذه الصورة وفي شريك الجلاَّد ومستَوْفِي القصاصِ طريقة قاطعة بالوجوب؛ لأن فعلهما في مقابلة ما سبق من جناية المقطُوع، فهو كالمضمون به.
ولو جرحه سَبُعٌ أو لدغته حيَّةٌ أو عقرب، وجرحه مع ذلك آدَمِيٌّ، ففي وجوب القصاص عليه طريقان: أشهرهما: طرد القولَيْن.
والثاني: القطْع بأنَّه لا قصاص (٢) علَيْه؛ لأنه لا تكْليفَ على السَّبُع، فكان شريكه
_________________
(١) سقط من: ز.
(٢) وذكر في المهمات أن النووي خالف في تصحيح التنبيه فصحح المنع ولم يبين المعتمد وقد رأيت في تذكرة العالم لابن سريج تصحيح المنع. وقال الشيخ أبو خلف الطبري في شرح المفتاح: إنه أظهر، واختاره الصيدلاني في شرح المختصر. قال: لأن فعل السبع لا يوصف بالعمد بل هو أبعد من العمد من فعل الخاطئ والصواب الوجوب فقد نص عليه في الأم.
[ ١٠ / ١٨٠ ]
كشريك الخاطِئِ، ولأنَّ فعْل السَّبُع لا يَصْدُر عن فِكْر وَرَويَّة، فلا يوصف بالعمدية، وهذا الأصحُّ عند القاضي الحُسَيْن والإمام وصاحب الكتاب، وهذان الطريقان على ما يقتضيه كلامُ الإِمام فيما إذا قصد السبعُ الجُرْحَ، ففي طريق يجيْء في شريكه الخلافُ المذكورُ، فيمن شارك عامدًا غيْرَ ضامن، وفي طريقٍ لا يُنْظَر إلى صفة فعله، ويُجْعَل عمْدُه كالخطأ، وأما إذا وَقَع السبُع عليه من غير قصد، فليس ذلك مَوْضِعَ الخلاف [فلا قصاص قطعًا].
وفي "التهذيب" أنَّا إذا أوجبْنا القصاصَ على شريك السَّبُع، فلا فرق بين أن يقْصده السبعِ بالجرح، أو لا يقصده، وهذا ذَهَابٌ إلى تنزيل خطئه منْزلةَ العَمْد على خلاف ما حَكاه الإِمام وعلى كل حَالٍ، فالخلاف فيما إذا كان جُرْح السَّبُع بحَيْث يَحْصُل منه الموت غالبًا فإن كان لا يُفْضِي إلى الموْت غالِبًا، فشريكه كشريك الجارح شبهه، العمْد ولو جرح رجُلٌ عبْدَه، وجرحه عبد أيضًا وعتق فجرحه عبْدٌ أو حرٌّ، ومات من الجرحَيْن ففي وجوب القصاص على الجارحِ الآخَرِ طريقان.
أشهرهما: طرد القولين.
والثاني: القطْع بالوجوب؛ لأن فعل السيد مضمونٌ بالكفارة، فشريكه شريكُ عامدٍ ضامنٍ، كشريك الأب، والخلافُ راجعٌ إلى أن المُعْتَبَر مُطْلَقُ الغُرْم أو كون الفِعْل مضمونًا بالدِّيَة، فإنَّها التي تتعلَّق بحقِّ القتل، والكفَّارة تجبُ لحَقِّ الله تعالَى ولو جَرَحَ نفْسَه وجَرَحَهُ غيره، فوجوب القِصَاصِ على الشَّريك ينبني عَلَى أن قاتل نفسه هل تلزمه الكفَّارة إن قلْنا: نعم، فهو كشريك السيِّد، وإن قلنا: لا، فكشريك الحربي، وكيفما كان، فالظاهر الوجوب، ولو رمى اثنان سهمَيْنِ إلى صَفِّ الكفار، وأصابا مسلمًا في الصفِّ وقد علم أحدهما أن هناك مسلمًا، ولم يَعْلَمِ الآخرُ، فوجوب القصاص على الذي عَلِمَ يبنى على الخلافِ في شَرِيك السَّيِّد؛ لأن فعْل الجاهل مضمونٌ بالكفارة.
وقوله في الكتاب: "وشَرِيكِ الجلاَّد و[شريك] مستوفي القصاص" يجوز إعلامهما بالواو إشارةً إلى الطريقةِ القاطعةِ بوُجُوب القِصَاصِ عَلَى الشريك في الصورتَيْنِ.
وقوله: "والسبع ملحَقٌ بالخاطئ في أصح الوجهين" الوجهان محمولان على الطريقين الذين بيَّناهما.
وفي قوله: "لا بالحربي" بيان أن المقابل للأصح أنه كالحربيَّ، فيكون في شريكه القوْلاَن المذكور أن في شريك الحربيِّ، وكذا الحال في قوله: "وشريك السيد كشريك الأب على أحد الوجهين"، والوجه والطريق قَدْ يقام أحدُهُما مقامَ الآخر.
فَرْعٌ: وجوب القصاص على شريك الصبيِّ والمجنونِ العامدين يُبْنَى على الخلاف في أن عمْدَهُما عمْدٌ أو خطأٌ، إن قلْنا: عمد، وجَبَ، وهو الأصح، وإن قلْنا خطأٌ،
[ ١٠ / ١٨١ ]
فلا، كشريك الخاطئ، وبه قال أبو حنيفة، هكذا أطْلَق مُطْلِقون، وعن القفَّال وغيره: أن الخلاف في الصبيِّ الذي يعقل عقْلَ مثله، وفي المجنون الذي له نوْعُ تمييز فأما من لا تمييز له بحال، فعَمْده خطأٌ، وشريكه خاطئٌ، لا محالة، وهذا ما جرى عليه الأئمة منهم صاحب التهذيب ﵀ وإيانا والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: إِذَا صَدَرتْ جِرَاحَتَانِ مِنْ وَاحِدٍ وَإِحْدَاهُمَا غَيْرُ موجِبةٍ فَلاَ قِصَاصَ كمَا لَوْ جَرَحَ عَمْدًا وَخَطَأ، أَوْ جَرَحَ حَرْبيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ فَجَرَحَهُ ثَانِيًا، أَوْ جَرَحَ مُسْتَوفِي القِصَاصِ والحَدِّ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أحد الفروع، إذا صدَرَتْ جراحتان مِن شخص، إِحداهُمَا عَمْدٌ، والأخرى خَطَأٌ، ومات المجْرُوحُ منْهما، لم يلزمْه قصاصُ النَّفْسِ؛ لأن الزهوق لم يَحْصُل بالعمْد المحضِ، ولكن يجبُ نصف الدية المخففة على العاقِلة، ونصف الدية المغلَّظة في ماله، وقد يتعلَّق القصاصُ بجراحة العَمْد، كما إذا قطع طَرَفًا، وكذلك لو جرح حربيًّا أو مرتدًّا، فأسْلَم وجرَحَه ثانيًا أو قطع يَدَ إنسانٍ قصاصًا أو في سرقة، ثم جرحه، أو قَطَع يده الأخْرَى، ظُلْمًا أو قَطَع يد الصائل عليه دفعًا، فلما وَلَّى، جرَحَه أو قطَع يده الأخرى ظُلمًا، لا يجب قصاص النفْس ويثبت موجِب الجراحةِ الواقعةِ في حال العصمة من القصاص أو الدية المغلَّظة وكذا لو جَرَح العادِلُ الباغِيَ في القِتَال ثم جَرَحَه بعد انقضاء القِتَال أو السيدُ عبْدَه ثم جرَحَه بعد ما عَتَقَ، أو جرح حربيٌّ مسلمًا ثم أسلم القاطع، فجرحه ثانيًا، ولو قطَع مسلمٌ يَدَ ذميٍّ، فأسلم، فقطع يده الأخرى، أو حز يد عبْدٍ، فعَتَق، فقطع يده الأخرى، ومات بالسراية، لم يجبْ عليه قصاصُ النفْس، ويجب قصاصُ الطَّرَف المقطوع بعْد الإِسلام والحرية، فإن اقتصَّ المستحِقُّ الطرَفِ، أخذَ نصف الدية، وإنْ عفا أخَذَ دية حُرٍّ مسْلِّم، ولو قَطع ذميٌّ يَدَ ذِمِّيِّ، فأسلم الجارحُ، ثم قطع يده الأخرى، ومات بالسراية، لمَ يجب القصاص في النفس، ويجب قصاصُ الطَّرَف المقطوع أولًا فإن عفا المستحقُّ، أخذ دية ذمِّيِّ.
قال الإِمام: "وقد انتظم من هذه المسائل أن الجراحتين من شخص واحد، إذا أفْضيا إلى الزهُوق وأحدَهُما ممَّا لا يتعلَّق به القصاص لا يجب القصاص قولًا واحدًا، يستوي فيه ما إذا كان أحدُهما عمدًا، والآخر خطأ، وما إذا كان العمْدُ الذي لا يتعلَّق به القصاص موجبًا للضمان، أو لم يكنْ وإذا كان الجُرْحان من شخصَيْن، فَرَّقْنَا بين ما إذا كان أحدُهما عمْدًا، والآخر خطأ فنفينا القصاص عنهما، وبين ما إذا كانا عمْدَيْن فقلْنا: إذا كان الذي لا يتعلَّق به القصاص موجبًا للضمان، وجب القصاص على الشريك، وإذا لم يكن موجبًا للضمان، ففي القصاص على الشريك قولان، ولم يجعلوا الإنسانَ بأحَدِ فعْلَيْهِ شريكًا لنفسه في الفعْل الآخر.
[ ١٠ / ١٨٢ ]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ دَاوَى المجْرُوحَ بِنَفْسِهِ بِسُمٍّ مُذَفَّفٍ يَسْقُطُ القَصَاصُ عَنِ الجَارحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَفَّفًا صَارَ الجَارحُ شَرِيكَ النَّفْس، وَكَذَا إِذَا خَاطَ المَجْرُوحَ جُرْحَهُ فِي لَحْمِ حَيٍّ، وَقِيلَ: إِنَّ المُتَدَاوِيَ مُخْطِئٌ فَهُوَ شَرِيكُ الخَاطِئِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ قُرُوحٌ أَوْ بِهِ مَرَضٌ وَالجَارحُ لاَ يَصِيرُ بِهِ شَرِيكًا لِأنَّ ذَلِكَ لاَ يُضَافُ إلى الاِخْتِيَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفرْع الثانِي فيه صورتان:
إحداهما: إذا داوَى المَجْرُوحُ نفْسَه بسُمٍّ قاتلٍ، إما بأن شربه أو وضعه على الجراحَةِ، فإما أن يكون مذفَّفًا أو لاَ يَكُون، وحينئذ فإما أن لا يَقْتُل غالبًا أو يَقْتل غالبًا، فهذه أحوالٌ ثلاثةٌ.
إحْداها: إذَا كانَ مَذَفَّفًا، فالمجروح قاتِلُ نَفْسه، كما لو جرحه إنسانٌ، فَذَبَح المجروحُ نفْسَه، ولا يجبُ عَلَى الجارح، قصاصُ النفْسِ، وإنما الذي عليه أرْش الجراحَةِ أو القصَاص، إن تعلَّق بها قصاصٌ كما لو قطعَ طَرَفًا.
والثانية: إذا لم يَقْتُل غالبًا، فهو شبْه عمد، والجارح شريكٌ لصاحب شبْه العَمْد، فلا قصاص عليه، وإنما الذي يلزمه نصْف الدية المغلِّظة أو القصاصُ إن كانتِ الجراحةُ ممَّا يجب فيها القصاصُ.
الثالثة: إذا كان السمُّ قاتلًا غالبًا، فإن لم يَعْلَم المجروجُ أنَّه كذلك، فكما في الحالة الثانية، وإن عَلِمهُ، ففِي وجوب القصاصِ على الجارحِ طريقان:
أحدهما: أنه كشريك منْ جرَح نفْسَه، وقدْ مرَّ حكمه، وهذا أظهر عند ابن الصباغ، وهو قضية إيراد الكتاب.
والثاني: القَطْع بنفي القصاص؛ لأنه قصد التَّداوي والإصلاح دون الهلاك والإفساد، فشريكه شريك خاطئ.
الثانية: إذا خاطَ جَرْحَه في لَحْمِ ميِّتٍ، لم يُؤَثِّر؛ لأنه لم يُؤْلِم وعلى الجارح القصاصُ أو كمالُ الدية، وإن خاطَه في لحْمِ حيٍّ تدَاوَيا، وكان ذلك ممَّا يُهْلِك غالبًا، ففي وجوب القِصَاص على الجارح الطريقان المذكوران في التَّداوِي بالسَّمِّ الذي يَقْتل (١) غالبًا، وفي الصورتَيْن لا فَرْقَ بين أن يَفْعَل المجروحُ ذلك بأمْر نفسه أو يَأْمُر به غيره، ولا شيء على المأمور، ولو استقل به الغير، فهُوَ والأول جارحان متعدِّيان ولو تولاه الإمامُ فِي مجْرُوحٍ، فإن كان بالغًا رشيدًا، فكذلك؛ لأنه لا ولاية للإمامِ علَيْه وإنْ كان
_________________
(١) قضيته ترجيح وجوب القصاص هنا، وهي ما حكاه الماوردي عن جمهور أصحابنا. ثم قال: وعندي أنه يجري عليه حكم عمد الخطأ لأنه قصد به حفظ الحياة فأفضى به إلى التلف.
[ ١٠ / ١٨٣ ]
صغيرًا أو مجنونًا، ورأى المصلحَةَ فيه، فمات، ففي وجوب القصاصِ قولانِ، كما لو قَطَع سلعةً مِنْ صغيرٍ أو مجنونٍ، فمات منْه، فإن قلْنا: لا قصاص، وجَبَ نصْفُ دية مغلَّظة، ويكون على عاقلة الإِمام أو فِي بَيْت المال؟ فيه قولان يُذْكَران في موضعهما، وحُكُم الجَارِحِ يُبْنَى على الخلافِ فيما إذا تولاَّه المجْرُوح بنَفْسه، إن جعَلْنا وجوبَ القِصاصِ عليه على الخلاف، فيما إذا شَارَكَ عامدًا غيْر ضامِنٍ، فهاهنا يجب القصاص عليه؛ لأنه شارَكَ مَنْ فِعْلُه مضمونٌ بالقصاص أو الدية، فإن نزَّلْنا المجروحَ منزلة الخاطئ لقصده التداوي، ولم يوجب القصاص على شريكه فلذلك هاهنا؛ لأن الإِمام أيضًا قصد الإصلاح والتداوي، ولو قصد [الخياطة] (١) في لحْم ميتٍ، فغلط، وخاط في لحْمِ حيٍّ، فالجارح شريكُ الخاطئ لا محالة، قال القفَّال: وَكذلك، لو قَصَد الخياطَةَ في الجِلْد، فغلظ، وأصابت الإبرة اللحْم، والكيُّ كالخياطةِ، فيُنظر أَكَوَى لحْمًا ميتًا أو حيًّا يُؤْلِم، ويَكُون له سرايةٌ ونكايةٌ ولا اعتبار بالمداواة بما لا يضُرُّ ولا يخْشَى منه الهلاك، وكذلك لا اعتبار بما على المَجْرُوح من القروح، وبما به من المرض والضَّنَى، فإن ذلك لا يضاف إلَى أحَدٍ، ولا يَدْخُل تحْت الاختيار.
ولو قطع أصبع رَجُلٍ فتآكل موضع القطع فقطَعَ المقطوعُ كفَّة خوفًا من السراية، نُظِر؛ إن لم يتآكل إلا موْضِعُ القَطْعِ، فليس على الجَارحِ، إلا القصاص في الأصبع أو أرشها، إن لم يَسْرِ إلى النفسِ، وإن سَرَى، ففي وجوب القصاص على الجانِي في النفس الخلافُ المذكورُ في الخياطة، فإن سرَتِ الجراحةُ إلى الكفِّ ثم قطعها، فيُنْظَر أقطع من لحمٍ حيٍّ أو من لحْمٍ ميِّتٍ، ويكون الحُكْم كما ذكَرْنا في الخياطة ولو جَرَح عضوًا فداواه المجْرُوحُ فتآكل العُضْو، وسقط فإن كان ما داواه به مما لا يورثُ التآكل، فعَلَى الجارحِ ضمانُ العُضْو، وإنْ كان ممَّا يورث التآكل، فليس عليه إلا أرْش الجراحة، ولو قال الجاني: داوَيْتُه بما حدث منه التآكل، وأنكر المجنيُّ عليه، فهو المصدَّق بيمينه؛ لأنَّ الجناية معلومةُ الأسباب وغَيْرُها من الأسباب غير مَعْلُومٍ.
قال صاحب "التهذيب": ويُحْتَمَلُ أن يقال: القول قول الجانِي بيمينه لأن الأصْل براءة ذمَّتِهِ عمَّا سوى أرْش الجراحةِ، كما لو قَطَع يد إنْسانٍ، فمات، وقال الجانِي: إنَّه قتل نفْسَه، فليس عليَّ إلا نِصْف الدِّيَة، وقال الوارث: بل ماتَ بالسرايةِ، فمَنِ المصدَّق منهما فيه وجهان:
أحدهما: يُصدَّق الوارثُ، وهو الحكاية عن نصِّهِ في "الأم" فيما إذا قال الجارح: داوي نفسه بما يهلك، وقال الوارثُ: بل بمَا لا يَضُرُّ ولا يُهْلِكُ.
_________________
(١) في ز: الإصلاح.
[ ١٠ / ١٨٤ ]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ تَمَالَأَ جَمْعٌ عَلَى وَاحِدٍ وَضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ سَوْطًا سَقَطَ القِصَاصُ فِي وَجْهٍ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ خَاطِئٌ، وَوَجَبَ فِي وَجْهٍ حَسْمًا للذَّرِيعَةِ، وَوَجَبَ فِي الثَّالِثِ إِنْ كَانَ عَنْ تَوَاطُؤٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الثالث: إذا ضرب جماعةٌ واحدًا بِسُيُوطٍ أو عصِيٍّ خفيفةً حتى قتلوهُ نُظِر؛ إن كانت ضرباتُ كلِّ واحد منهم قاتلةً، لو انفرد، فعليه القصاص، وإذا آل الأمر إلى الدية، فتُوزَّع عليهم جميعًا. ويكون التوزيع على عدَدِ الرؤوس أو على عدد الضربات؟ فيه قولان:
أحدهما: على عدد الرؤوس كما في الجراحات، لو جرَحَه واحدٌ جراحةً، والآخر جراحاتٍ توزع الدية على عدد الجارحين دون الجراحات.
والثاني: على عدد الضربات؛ لأن الضربات تُلاَقِي الظاهر، ولا يَعْظُم فيها التفاوتُ، والجراحاتُ تؤثِّر في الباطِنِ، ونكاياتُ الباطنِ كبيرةُ التفاوت لا يمكن ضبْطُها، فقَصَرْنا لذلك النظَرَ على الجارحين، وهذا الخلاف كالخلافِ فيما إذا زاد الجلاَّد على المائة، أو على الثمانين في الحدِّ يكون عليه نصْف الدية أو يُوَّزع على عَدَدِ الجلدات، وكالخلاف فيما لو استأْجَرَ دابَّة لحمل مائة مَنٍّ مثلًا، فزاد على المائة، وهو غير منفرد باليد، فتلفت الدابَّة؛ أن الضمان ينتصف أو يتوزَّع على مقدار المحمول، وقد سبق في الإجارَةِ ذكْرُ المسألتين، وأن الشيخ أبا محمد رجَّح قول التنْصيف، وأن الأقرب مقابِلُهُ، وإن لم يكن ضَرْبُ كلِّ واحدٍ منهم قاتلًا، كما لو اجتمع عددٌ كبيرٌ وضربه كلُّ واحدٍ ضربةً، فمات فقَدْ أطلق الإِمام وصاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا قصاص على واحدٍ منهم؛ لأن فِعْل كل واحد منهم ليس عمدًا مقتضيًا للقصاص، ومَنْ عداه شركاؤه، ولا قصاص على شركاء الخاطئ، ولا شركاء صاحب شبه العمد.
والثاني: يجب؛ لئلا يصير ذلك ذريعةً إلى سفْكِ الدماء.
والثالث: أنهم إن تَوَاطَؤوا على أن يضربوا تلْكَ الضربات، لَزِمَهم القصاص، وإن وقَعَت اتِّفاقًا، لم يلزم، وتخالف الجراحات لا يُشْتَرط فيها التواطُؤُ لأن نفْسَ الجُرْح قَصْدٌ إلى الإهلاك والضرب بالسوط الخفيف لا يَظْهر فيه قصد الإهلاك إلا بالموالاة مِنْ واحدٍ أو المواطأةِ مِنْ جماعة، وهذا ما اختاره القاضي الحُسَيْن، وأورده أصحابُهُ، منهم صاحب "التهذيب" ثم رأى الإِمام طرْحَ الوجه الذاهب إلى وجُوبِ القِصَاص على الإطلاق، وقال: الوجه القَطْع بنفيه، إن لم يكن تواطؤٌ، وإن كان، فوجهان، وأيد وجه الوجوب؛ بأن هذه الضرباتِ إذا والَى عليها الواحِدُ، لزمه القصاص، وإن لم تكنْ واحدةٌ منهما عمْدًا مقتضيًا للقصاص وكما لا يجب القصاص على شريك غير العامد، لا
[ ١٠ / ١٨٥ ]
يجب القصاص على مَنْ قَتَلَ بفعلين عَمْدٍ وغيرِ عمْدٍ، وكما جُعِلَ الواحدُ عامدًا بموالاته عليها، جُعِلَتِ الجماعةُ عامدِينَ بموالاتهم.
قال: وإذا لم يجب القصاصُ، فيجب الضمان لا محالة، وإن كان فعلُ كلِّ واحدٍ لا يقتضي ضمانًا لو انفرد، وذكر في "التهذيب": أنه لو ضَرَب واحدٌ سوطين أو ثلاثةً، وجاء آخر وضرَبَ خمسين أو مائةً قبل أن يزُولَ ألمُ الضَّرْب الأوَّل ولا تواطؤ، فلا قصاص على كلِّ واحد منهما؛ لأن ضرب الأول شبْهُ عَمْدٍ، وَالثاني شريكٌ له، ويجب بضَرْب الأوَّل نصفُ دية شبْهِ العمد، وبِضَرْب الثانِي نصْفُ دية العمد، وأنه لو ضَرَبَ واحدٌ أولًا خمسين، ثم ضرب آخرُ سوطَيْن أَو ثلاثةً قَبْل أن يزول ألَمُ الأول، فإن كان الثاني عالمًَا بضَرْب الأولِ، فعليهما القصاصُ؛ لظهور قصد الإهلاك (١) منهما، وإن كان جاهلًا، فلا قصاص على واحدٍ منهما؛ لأنه لم يَظْهَرْ قصد الإهلاك من الثاني، والأولُ شريكه، ويجب بضَرْب الأول نصْفُ دية العمْدِ، وبِضَرْبِ الثاني نصْفُ دية شبْه العمد. وفرق بينه وبيْن ما إذا ضَرَب مريضًا سوطَيْن أو ثلاثةٍ، وهو جاهل بمرضه؛ حيث يُوجَبُ القصاصَ؛ بأنَّ هناك لم يَجِدْ من يُحَيَّل القتل عليه سوى الضارب، وليكن القول بتنصيف الديةِ في الصورتين جوابًا على أن التوزيع على عَدَدِ الضارِبِينَ دون الضرَبَاتِ.
وقوله في الكتاب: "ولو تمالأ جمْعٌ على واحدٍ وضَرَبَ كلُّ واحدٍ سوطًا، سَقَطَ القصاصُ" التمالُؤُ التعاون، وقد يُظَنَّ اختصاص "لفظ التعاون" بما إذا كان هناك تواطُؤٌ، فإن كان كذلك، كان التصويرُ فيما إذا تواطأ، وحينئذ، فلا يحسُن إيرادُ الوجوه الثلاثة فيه.
وقوله: "وسقط القصاص" لا يخفى أن المراد أنه لم يَجِبْ؛ لأن ما هناك سقُوطٌ بعد ثبوتٍ، ويجوز أن يُعَلَم [الثاني] (٢) من الوجوه الثلاثة بالواو، لقطع الإِمام بنفيه، وأن يُعْلَم قوله: "ووجب" في الوجهين الآخرين بالحاء؛ بناء على أصله في القتل بالمثَقَّل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ جَرَحَهُ وَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوْ جَرَحَهُ مَعَ ذَلِكَ سَبُعٌ فَعَلَيْهِ ثلُثُ الدِّيَةِ، وَقِيلَ: النِّصْفُ وَلاَ يُنْظَرُ إلى عَدَدِ الحَيَوَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو جرحه إنسان ونهشَتْه حيَّة، ومات المجروح منهما، فالجارح شريكُ الحية، وقد سبَق حُكْم القصاص، وإذا آل الأمر إلى المَالِ، فعليه نصْف الديةَ، ولو جَرَحَه مع ذلك سبُعٌ، ففيه وجهان:
أحدهما: أن عليه ثلُثَ الدية؛ لأنه شارك حيوانَيْنِ مختارَيْنِ؛ فأشبه ما إذا جَرَحَه
_________________
(١) وهذا ذكر في المطلب أن البغوي تفرد به عن شيخه القاضي ثم قال وفيه نظر متلقى مما إذا ضرب الشخص مريضًا يقتل المريض دون الصحيح.
(٢) في أ: الأول.
[ ١٠ / ١٨٦ ]