ذكورته أو أنوثته، عمل بقوله في سقُوط الحضانة، وهل يُعْمَل به في استحقاقها أم لا يعمل للتهمة؟ نقل القاضي الرويانيُّ فيه وجهين (١).
قَالَ الغَزَالِيُّ: السَّبَبُ الثَّالِثُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى مِلْكِ اليَمِينِ وَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِقَدْرِ الكِفَايَةِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالعَادَةِ، وَيُقْتَصَرُ فِي الكُسْوَةِ عَلَى الخَشِنِ، وَلاَ يُقْتَصَرُ عَلَى سَتْرِ العَوْرَةِ، وَلاَ يَجِبُ تَفْضِيلُ النَّفِيسِ عَلَى الخَسِيسِ فِي جِنْسِ الكُسْوَةِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَفْضِيلُ السَّريَّةِ عَلَى الخَادِمَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْلِسَ الرَّقِيقَ مَعَهُ فِي الأَكْلِ أَوْ يُوَزِّعَ لَهُ لُقْمَةً، وَيَجِبُ ذَلِكَ فِي وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَغْنَا بمعونة الله -تعالى- مِنَ القول في نفَقَةِ الزَّوجَات والأقارب، والسبَبُ الثالث لوجوب النفقة مِلْكُ اليَمِين، فيجب على السيد نفقة رقيقة قُوتًا وأُدْمًا وكُسْوةً وسائر مؤناته، قنًّا كانَ أو مُدَبَّرًا أوأمَّ وَلَدٍ، يستوي فيه الصغير والكبير والزَّمِنُ والأعمَى والسليم والمستأجر والمَرْهُون وغيره.
رُوِيَ عن أبي هريرةَ -﵁- أن النبيَّ -ﷺ- قال: "لِلْمَملُوكِ طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ بِالْمَعرُوفِ، وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ (٢) وَإِذَا كَانَ كَسُوبًا، فَكَسْبُهُ لِلسَّيِّدِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ كَسْبَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ" فإن لم يف والشركاء، فالباقي عليه وإن زاد فالزيادة له في الملك عليهم النفقة بحَسَب الملك، ولا تجب النفقة للمُكَاتَبِ على (٣) السيد؛ لاستقلاله، ولذلك توجب نفقة عبده عليه.
ولا تتقدَّر نفقته كنفقة القريب، ولكن تُعتَبَرُ فيه الكفاية، وذكروا فيما تعتبر كفايته وجْهَيْنِ:
أحدهما: تعتبر بما يَكْفي مثلَهُ في الغالب، ولا تُعْتبر حالُهُ في نفْسِهِ.
والثاني: تُعْتَبَر حاله في نَفْسه، ويُرَاعَى رغبته وزهادته، فإن لم يكفه ما يَكْفِي مثْلَه غالبًا، فعلى السيد الزيادة، وهذا ما اختاره صاحب "الشامل" وهو المفهوم من إطلاق لفْظ الكتاب، وعن صاحب "الحاوي" أنه إن كان يُؤَثِّر فقد الزيادة في قُوَّتِهِ وبَدَنِهِ، لزمت على السيد، إلا فلا، وينبغي أن تجيْء هذه الوجوهُ قويُّها وضعيفُها في نفقة القريب.
وأما الجنْسُ، فيعْتَبَرُ غالبُ القوت الذي يَطْعَم منه المماليك في البلد؛ من الحنطة
_________________
(١) قال النووي:. أصحهما: يعمل وهو الجاري على قواعد المذهب في نظائره.
(٢) رواه الشافعي [١١٩٣] ومسلم [١٦٦٢] من هذا الوجه وفيه محمد بن عجلان.
(٣) قال النووي: وهل يلزم السيد شراء الماء لطهارة رقيقة؟ وجهان، أصحهما: نعم، كفطرته، والثاني: لا؛ لأن له بدلًا وهو التيمم، كما لا يلزمه دم بتمتعه بل يصوم.
[ ١٠ / ١١٠ ]
والشعير وغيرهما وكذا الأُدْمُ الغالب والكُسْوة الغالبة؛ من القُطْن والكَتَّان والصوف، ويراعى حال السيد في اليسار والإعسار، فيجب ما يليق بحاله مِنْ رفيع الجنس الغالب وخسيسه ولا يجوز الاقتصار في الكُسْوة على ستر العورة، وإن لا يتأذَّى بحرٍّ ولا بِبردٍ، لأن ذلك يُعَدُّ تحقيرًا وإذلالًا، ولو كان السيد يتنعم في الطَّعَام والإدَامِ والكُسْوة، فيستحب أن يدفع إلَيْه مثْلَهُ، ولا يجب بل يجوز الاقتصار على ما دونه، إذا كان هو الغالِبَ، وما رُوِيَ أنه -ﷺ- قال: "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحتَ يَدِهِ فَلْيُطعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ" (١) حمله الشافعيُّ -﵁- على الاستحباب، أو على أن الخطاب للعَرَب الذِينَ مطاعمهم وملابسهم متقاربة، أو على أنه جوابُ سائلٍ، علم حاله، فأجاب على ما اقتضاه الحال؛ وإن كان السيد يطعم ويلبس دون المعتاد غالبًا، إما بُخْلًا أو رياضةً، فيلزمه رعايةُ الغالب للرفيق، أوْ لَهُ الاقتصار على ما اقْتَصَر عليه لنفسه؟ ذكر في "التهذيب" فيه وجْهَيْن، المشهور منهما الأول، وإذا كان له عبيدٌ، فالأَوْلَى التسوية بينهم في الطعام والكُسْوة (٢)، وفيه وجْه أنه يفضل ذاتَ الجَمَالِ والفراهة للعادة، وإذا وَلَّى رقيقه معالجة طَعَامِهِ، وجاءه به فينبغي أن يُجْلِسَه معه؛ ليتناول منه، فإن لم يفْعَلْ أو امتنع الرقيقُ منْه توقيرًا للسيد، فينبغي أن يروغ له لقمة أو لقمَتيْنِ ويناوله، رُوِيَ أنه -ﷺ- قال: "إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ قد ولى حُرَّه ودخانه، فَلْيُقْعِدْهُ يَأْكُلُ مَعَهُ، وَإلاَّ فَلْيُنَاوِلهُ أُكْلَة من طعامه" (٣)، وَيُرْوَى أنه قال: "إذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طعامه حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَإنْ أَبَى فَلْيُرَوِّغْ لَهُ لُقْمَة" (٤) والأُكْلة بالضم: اللقمة وروغها: إذا رَوَّاها دسمًا، وأشار الشَّافعي -﵁- في ذلك إلى احتمالات ثلاثة:
أحدها: أنه يجبَ التَّرْوِيغُ والمناوَلَةُ، فإن أجلسه معه، فهو أفضل.
وثانيها: أن الواجب أحدُهُمَا، لا بعينه وأصحُّهما: أنه لا يجب واحدٌ منهما، والأمر بهما على سبيل الاستحباب نَدْبًا إلى التواضُع ومكارم الأخلاق، ومنْهم مَنْ نَفَى الخلاف في الوجُوبِ، وذكر قولَيْنَ في أن الإجلاس أفضل أم هما متساويان؟ والظاهر
_________________
(١) متفق عليه البخاري [٣٠ - ٢٥٤٥ - ٦٠٥٠] ومسلم [١٦٦١] من حديث المغرور بن سويد عن أي ذر نحوه، وفيه قصة.
(٢) وهذا الوجه هو قضية العرف ويه أجاب الصيمري فقال: ويختلف حالهم باختلاف أقدارهم ومنازلهم وجزم به الماوردي وغيره فليس كسوة الراعي والسايس ككسوة من قام بالتجارة وغيرها.
(٣) متفق عليه البخاري [٢٥٥٧ - ٥٤٦٠] ومسلم [١٦٦٣] من حديث أبي هريرة، وأخرجه الشَّافعي ثم البيهقي باللفظ الثاني، وإسناده صحيح.
(٤) ينظر تخريج الحديث السابق.
[ ١٠ / ١١١ ]
الأول؛ ليتناول القدْر الذي يشتهيه، وهذا الاستحباب فيمن يعالج الطعامَ آكد، وأصل الاستحباب في مناولة الطعامِ اللذيذِ يَشْمَلُ المعالِجَ وغيره ورعاية هذا الخُلُق في حَقِّ الحاضرين أهم، وليكن ما يناوله من اللقمة كبيرة تَسُدُّ مسدًا دون الصغيرة التي تهيج الشهوة، ولا تقضي النهمة، ونفقة الرقيق كنفقة القريب؛ في أنها لا تصير دَيْنًا في الذمة وتسقط بِمُضِيِّ (١) الزمان، ولو دفع إليه الطعام، ثم أراد إبدالَهُ، ذكر القاضي الرويانيُّ: أنه ليس له ذلك عند الأكل ويجوز قبله، وعن الماوَرْدِيِّ أنه إن تضمَّن الإبدالُ تأخرَ الأكل، لم يجز.
وقوله في الكتاب: "ولا يجب تفضيل النفيس على الخسيس في جنس الكسوة" لفظ الوجوب لم يستعمله أكثر الأئمة في هذا الموضع في أولوية التَّسْويَة وكراهية التفضيل وعدَمِها ثم التفضيل لا يختص بالكُسْوة [بل] الطعام كالكسوة، وقوله: "على الأصح" يعني من ثلاثة أوجُهٍ تحْصُل إذا أخذ مطلق الرقيق.
وقوله:"وقِيلَ يجب تفضيل السرية على الخادمة" وهو الثالث الفارق بين التفضيل في العبيد والتفضيل في الجواري، وهذا هو الأصحُّ عند عامَّة الأصحاب، وهو المنصوص عليه، ولفظ التسوية يُشْعِر بتخصيص التفضيل بها، لكن لفْظ الشافعيِّ -﵁- وعامَّة الأصحاب أن ذاتَ الجَمَال [والفراهة] تُفَضَّل، ولم يُفرِّقوا بين السرية وغيرها، بل صرَّح صاحب "التهذيب" بنَفْيِ الفرق.
وقوله:"ويستحب أن يُجْلِسَ الرقيقَ مَعَهُ" محمول على الرقيق الذي عالج الطعام، وإن أطلق إطلاقًا على ما هو مبيَّن في "الوسيط"، وكان يمكن حمله على الاستحباب الشامل إلا أنه ذَكِّرَ بعده الوجْه الذاهِب إلى الوجُوب والخلافَ، والاحتمالاتُ المذكورةُ في الوجوب مخصوصةٌ بالرقيقِ الذي عَالَجَ الطعام، ولا مجال لها في غيره.
وقوله: "ويجب ذلك" يمكن أن يريد به أحدهما، ويجوز أن يريد شيئًا من ذلك، والله ﷿ أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَجِبُ إرْضَاعُ الوَلَدِ عَلَى المُسْتَوْلَدَةِ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا بِالتَّسْلِيمِ إلَى مُرْضِعَة أُخْرَى، وَلاَ تُكَلَّفُ أَنْ تُرْضِعَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ لَهَا فِطَامُ وَلَدِهَا قَبْل الحَوْلَيْنِ، وَلاَ الزِّيَادَةُ عَلَى الحَوْلَيْنِ إلاَّ بِرِضَا السَّيِّدِ، وَأَمَّا الحُرَّةُ فَلَهَا حَقٌّ فِي الفِطَامِ فَلاَ فِطَامَ إلاَّ بِتَوَافُقِهِمَا، فَإنْ أَبَتِ الفِطَامَ قَبْلَ الحَوْلَيْن فَعَلَيْهِ الأُجْرَةُ.
_________________
(١) قال في الخادم: ينبغي أن يستثنى من ذلك ما إذا أذن له القاضي في الاستقراض وقد صرح به في البحر فقال: لو قال الحاكم لعبد رجل غائب استدن وأنفق على نفسك فذلك دين على السيد ويجوز ذلك.
[ ١٠ / ١١٢ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ولَدَتْ أمته أو أمُّ ولده منه فله أن يجبرها على إرضاعه؛ لأن لَبَنَهَا ومنافعها له، ولو أراد أن يُسَلِّم الولَدَ إلى غيرها، وأرادَتْ هي أن ترضعه، ففي "التتمة": حكاية وجهَيْن في أنه هل يتمكَّن منه؟ أحدُهما.
نَعَم؛ لأنها ملكه، وقد يريد استخدامها والاستمتاع بها.
وأظْهَرُهما، وهو المذكور في الكتاب: المنع لما فيه من التفريق بين الوالِدَة وولَدِها، نعَمْ له أن يضمه في أوقات الاستمتاع إلى غيرها، ولا يكلفها أن ترضع ولدًا آخر مَعَ ولدها بأُجْرةٍ أو بغَيْر أُجرةٍ، إلا أن يفضل لبنها عن ريِّ ولَدِها إما لقِلَّة شُرْبه، أو لكثرة اللَّبَن، أو لاجتزائه بغير اللبن في أكثر الأوْقَات، ولوْ مَاتَ، ماتَ ولَدُها أو استغنى عن اللبن، فله ذلك، وله إجْبارها على الفِطَام قبل الحولَيْن، إذا اجتزأ الولد بغَيْر اللبن، وعلى الإرضاع بعد الحولين، وإن كان يجتزئ بغيْرِ اللبن، إلاَّ إذا تضررت [به]، وليس لها الاستقلال بالفِطَامِ ولا الرضاع، وأما الحُرَّة، فهِيَ صاحبةُ حقٍّ في تربية الولَدِ، فليس لواحدٍ من الأبوين الاستقلالُ بالفِطَامِ قبْل تمام الحولَيْن، وعلى الأب الأجْرَةُ، إذا امتنعت منه الأُمُّ إما لها أو لغيرها، وذكر فيه احتمالٌ: إذا لم يَتضرَّر به الولد، وإن اتفقا عليه جاز إذا لم يَتضرَّر به الولد وبعد الحولين يجوز لكل واحدٍ منهما الفِطَامُ، إذا كان يجتزئ بالطعام، ويجوز أن في اد في الإرضاع بالإنفاق، ولو لم يكن وَلَدُ الأمة مِنَ السيد، بل مملوكًا له، وكان من زوْجٍ أو زنًا، فحضانته على السيد، وحُكْمُ الإرضاعِ على ما ذكرنا، وإن كان حرًّا، فله طلب الأجرة على إرضاعه، ولا يلزمه التبرُّع كما لا يجب على الحُرَّة التبرُّع (١) بالإرضاع، ولو رَضِي بأن ترضعه مجانًا، لم يكن لها الامتناع.
وقوله في الكتاب: "فلا فطام إلا بتوافقهما" يعني قبل الحولَيْن كما قال عقيبة "فإن أَبَتِ الفِطَامَ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ" أما بعد تمام الحولين، فلا حاجة إلى التوافُقِ، ولكلِّ واحدٍ منهما ذلك؛ على ما ذكرنا، كذلك أورده صاحب "التهذيب" وغيره.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَتَعَيَّنُ مَا يُضْرَبُ عَلَى العَبْدِ مِنْ خَرَاجٍ مُعَيَّنٍ بَلْ عَلَيْهِ بَذْلُ المَجْهُودِ، وَلاَ يُكَلِّفُهُ السَّيِّدُ إلاَّ مَا يُطِيقُ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَى عَبْدِهِ بِيْعَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُرْغَبْ فِي شِرَاِئهِ فَهُوَ مِنْ مَحَاوِيجِ المُسْلِمِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
_________________
(١) يستثنى منه اللبأ الذي لا يعيش الولد إلا به فليس للسيد المنع منه، وقد ذكر الرافعي في زوجة المفقود إذا حضر بعد أن تزوجت وأتت بولد من الثاني وحكمنا ببقاء نكاح الأول أن له منها من إرضاع الولد إلا اللبأ الذي لا يعيش إلا به.
[ ١٠ / ١١٣ ]
إحداهما: تجوز المُخَارَجَة وهو ضرب خراجٍ معلوم على الرقيق يؤديه كل يوم أو كل أسبوع ممَّا يكتسبه، وليس للعبد أن يَجْبُر السيِّد عليها، ولا للسيد إجبار العَبْدِ كعَقْدِ الكتابة، وعن القاضي أبي حامِدٍ تخريجُ قولٍ: أن للسيد إجبارَ العَبْدِ عليها، كما ينقل منافعه على كُرهٍ منه إلى غيره، والمذهب الأول، وإذا تراضيا، فليكن له كَسْبٌ دائمٌ [يفي] بذلك الخراج فاضلًا عن نفقته وكسوته إن جعلهما في كسبه، وإذا وَفَّى وزاد ما يكفيه، فالزيادة مبرة من السيد إلى عَبْدِه وتوسيع للنفقة عليه، وإن ضرب عليه خراجًا أكثر مما يليق بحاله، وألزمه أداءه، منعه السلطان منه.
روي أن عثمان -﵁- قال: "لاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ؛ فَيَسْرِقَ، وَلاَ الأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ فَتَكْتَسِبَ بفرجها" ويجبر النقصان في بعض الأيام بالزيادة في بعضها، ولا يخفى أن المُخَارَجَةَ لا تلزم وقوله في الكتاب: "ولا يتعين ما يضرب على العبد من خراج معيَّن" أي لا يلزم العَبْد ذلك، ولا يجبر عليه، ويجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للتخريج المذْكُور.
ولا يجوز للسَّيِّد أن يُكلِّف رقيقَهُ من العمل إلا ما يطيقه، ولا يكلِّفه الأعمال الشاقة إلا في بعض الأوقات، ولا ما إذا [ما] قام به يومًا أو يومين، عَجَزَ وضَعُفَ شهرًا أو شهرين، وإذا عمل بالنهار، أراحه بالليل، وكذا العكس، ويريحه في أيام الصيف في وقت القيلولة ويستعمله في الشتاء النهارَ مع طرفي الليل، ويتبع في جميع ذلك العادةَ الغالبة، وعلى العبد تَرْكُ الكسل، وبَذْل المجهود.
الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على مملوكه، باعَ الحَاكِمُ مالَه في نفقته، وكيف يبيع؟ أيستدين عَليْه، فإذا اجتمع عليه شيْءٌ صالحٌ باعه فيه أو يبيع شيئًا فشيئًا؟ حكى القاضي الرويانيُّ فيه وجهَيْنِ (١)، فإن لم يظْهَر له مالٌ، أمره بأن يبيعه أو يُؤَجِّره أو يعتقه، فإن لم يفعل، باعه الحاكمُ أو أجَّره، فإن لم يرغب فيه، أنفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن فيه مالٌ، فهو من محاويج المسلمين يقومون بكفايته (٢)، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيجِبُ عَلَفُ الدَّوَابِّ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عِمَارَةُ العَقَارِ وَالدَّارِ، وَيَجُوزُ غَصْبُ العَلَفِ وَالخَيْطِ لِجِرَاحِ الدَّابَّةِ عِنْدَ العَجْزِ، وَلاَ يَجُوزُ نَزْفُ لَبَنَهَا
_________________
(١) قال النووي: الثاني أصح.
(٢) وإذا قلنا ينفق عليه من بيت المال فهل يكون قرضًا على سيده من حديث إن بيت المال لا حق فيه لرقيق ولا لكافر أو يكون تبرع من بيت المال من غير رجوع. فيه نظر. وهذا إذا كان الرقيق مسلمًا، فإن كان كافرًا فهل ينفق عليه من بيت المال يشبه أن يكون كالحر الذمي. وفيه كلام سبق في اللقيط. وقال الجوزي: لا يلزم المسلمين القيام بنفقة الكافر.
[ ١٠ / ١١٤ ]
بِحَيْثُ يَضُرُّ بِنِتَاجِهَا، وَإذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ وَجَبَ عَلَفُ السَّائِمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلِفْ بيعَتْ عَلَيْهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من ملك دابَّةَ لزمه علفها وسقْيُها؛ لحرمة الرُّوح، ويقوم مقام السَّقْي والعَلَفِ تخليتها؛ لترعى، وترد الماء، إن كانت مما يَرْعَى ويجتزئ به لخصيب الأرض، ولم يكن مانعُ ثلج وغيره، فإن أجدبت الأرض، وكانت لا تجتزئ بما ترعى، فعليه أن يُضِيفَ إلَيْه من العَلَف ما يكفيها، ويطرد ذلك في كل حيوانٍ محترمٍ، وقد ثبت عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ مَسكَتْهَا حَتَّى مَاتت مِنَ الجُوعِ، فَلَم تَكُنْ تُطْعِمُهَا وَلاَ تُرْسِلُهَا فَتَأْكُلَ مِنْ خَشَاشِ الأَرضِ" (١) وخِشَاش الأَرْض هوامُّها بفتح الخاء وكسره، فإن امتنع المالك من ذلك أجْبَرَه السلطَانُ في المأكول على بيعها أو صيانتها عن الهلاك بالعلف أو التخلية أو ذبحها، وفي غير المأكول على البَيْع أو الصيانَة، فإن لم يفعل، ناب الحاكِمُ عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحالُ، وعن أبي الحُسَيْن: أنه لا يخليها لخَطَرِ الذئب وغيره، فإن لم يُعْرَفْ له مالٌ، باع الدابَّةَ أو جزءًا منها، أو إكراهًا، فإن لم يرغب فيها لعَمًى أو زمانةٍ، أنفق عليها من بيْت المال، ولا تُضيع كالرقيق، وبهذا كلِّه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجبره السلطان على العَلَف ولا يبيع ماله فيه، ولكن يأمره به عَلَى سبيل الأمر بالمعروف.
ولا يكلف الدابَّة ما لا تطيقه من تثقيل العمل وإدامة السير وغيرهما، ويجوز غصب العَلَف لإبقاء الدابة، إذا لم يوجَدْ غيره، ولم يبعه المالك، وكذا غصب الخيط؛ لجراحتها، وذكر فيها وجه، والظاهر الأول، وهو كالعدول إلى التيمم، وسقْيها الماء ومسألة الخَيْط مذكورةٌ مرةً في "الغصب" ولا يجوز نزف لبن الدابة بحيث يضر بنتاجها، وإنما يحلب ما يفضل عن رِيِّ ولدها.
قال القاضي الرويانيُّ: ويعني بالري ما يقيه حتى لا يموت، وقد يتوقَّف في الاكتفاء بهذا، وذكر في "التتمة" أنه لا يجوز الحَلْب، إذا كان يضر بالبهيمة؛ لقلة العَلَف، وأنه يكره ترك الحلب إذا لم يكنِ في الحَلَب إضرارٌ بها؛ لما فيه من تضييع المال والإضرار بالبهيمة وأنَّ المستَحَبَّ ألاَّ يستقصى في الحَلْبِ، ويُبْقى في الضّرْع شيء، وأن يقُصَّ الحالبُ أظفاره، كيلا يؤذيها بالقرص.
وييقى للنحل شيئًا من العسل في الكوارة، فإن كان الاشتيار في الشتاء، وتعذر
_________________
(١) متفق عليه البخاري [٣٣١٨ - ٣٤٨٢]، مسلم [٢٢٤٢] وله طرق من حديث أبي هريرة، ورواه مسلم من حديث جابر، وفي الباب عن عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو، رواهما ابن حبان في صحيحه.
[ ١٠ / ١١٥ ]
الخروج، فينبغي أن يكون المتبقي لها أكثر، وإن قام شيء مقام العسل لغذائها، لم يتعين إبقاء العسل، وقد قيل: يشوي دجاجة، وتعلق بباب الكوارة،. فتأكل منها.
وديدان القَزِّ تعيش بورق الفرصاد، فعلى مالِكِهَا تخليتها؛ لتأكل منها، فإن عز الورق، ولم يعتن المالك بها، بيع ماله في الورق؛ كي لا يهلك من غير فائدة.
نعم، إذا جاء الوقْت، جاز تجفيفها بالشمس، وإن كانت تَهْلَكُ لتحصيل (١) فائدتها، وأما ما لا روح فيه كالعقار والقنى والزرع والثمار، فلا يجب القيام بعمارتها، ولا يكره ترك زراعة الأرْضِ، لكن يكره ترك سقي الزَّرْع والأشجار عند الإمكان؛ لما فيه من إضاعة المال، وفي "التتمة": أنه يكره أيضًا ترْك عمارة الدَّارِ إلى أن تخرب (٢)، ولا يكره عماراتُ الدُّورِ وسائر العقارات؛ للحاجة، والأَوْلَى ترك الزيادة، وربما قيل تَكْرَهُ الزيادة.
وقوله في الكتاب: "وإِنْ لم تجب عمارة العقار والدار" الدار داخلةٌ في العقار، ولو قال "كالدار" أو قدم الدار على العَقَار، لكان أحسن وقوله: "يجوز غَصْبُ العَلَف" أعلم بالواو. وقوله: "وإذا أجدبت الأرض، وجب علف السائمة" وقد يشير إلى أن المراد مِنْ عَلَف الدواب في قوله أو لا تجب علف الدواب القيام بكفايتها بإسامتها أو تهيئة علفها من البيت، وَبَيَّنَ هاهنا أنَّه إذا تعذَّرت الإسامة، تعين العَلَف من البيت.
وقوله: "فإن لم يعلف بيعت عليه" لا اختصاص له بهذه الصورة؛ على ما بيَّنَّا [وبالله سبحانه التوفيق والإعانة، هذا آخر ربع النِّكَاح].
قَالَ الْغَزَالِيُّ: تَمَّ رُبْعُ النِّكَاحِ يَتْلُوهُ رُبْعُ الجِرَاحِ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلاةُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أجْمَعِينَ.
_________________
(١) وفي مناقب أحمد لابن الجوزي أنه سئل عن تشميس دود القز ليموت في ذلك المنسوج لكيلا يعود فيعرض ما عليه من القز. قال: إذا لم يجدوا منه بدًّا ولم يريدوا بذلك أن يعذبوه بالشصى فلا بأس به. قال ابن الجوزي: وهذا من فقهه حيث اعتبر في جواز التعذيب عدم قصد نفس التعذيب.
(٢) قال في الخادم: التعليل بإضاعة المال يقتضي التحريم، وقد قطع الرافعي بذلك في مسألة إلقاء المتاع في البحر إلى آخر ما ذكره ثم قال أيضًا، ينبغي أن يختص هذا بالمطلق التصرف، أما المحجور عليه فيجب على وليه عمارة داره وحفظ ثمره وزروعه بالسقي بل في البحر في باب ترجيح الوجوب، وقد حكى الرافعي آخر الوديعة عن فتاوى القفال أنه لو ترك ورق الفرصاد حتى فات وقته ضمن ولم يحك فيه خلافًا ثم قال أيضًا هذا في الطلق. أما الوقف فكلام الرافعي في باب الوقف يقتضي أن الحكم كذلك وحكى فيه الاتفاق، والصواب ما قاله في الذخائر هناك أنه يجب عمارة المشرف على الهلاك كما ينفق على الحيوان قال: وبه قطع العراقيون. قال صاحب الخادم: وهو ظاهر إذا كانت له غلة أو شرط عمارته من جهة أُخرى حاصلة فإنها تجب حفظًا للموقوف عليه على البطون وعملًا بما يقتضيه الوقف من الإنفاق.
[ ١٠ / ١١٦ ]