لنفسه شيئًا، وإنما يمتثل مأمورًا لمنصب الإِمام؛ ولذلك قيل إنه آلة سياسة الإِمام، وأنه لا كفارة عليه، إذا جرى على يده قَتْلٌ بغير حقٍّ، ونقل أبو الفرجِ السرخسيُّ وجهَيْن في أنه هل يعتبر علْمُ الوليِّ والإمامِ والمباشرِ الجلاَّدِ، وقال: أصحُّهما: أنه يعتبر حتى إذا كان عالمًا، وهما عالمان يكون الضمان عليهما أثلاثًا، وهذا كلامُنا في ضمان الجَنين.
وأما الأمُّ، فلا يجب ضمانُها؛ لأنها تَلِفَت في حدٍّ أو عقوبة، وجَبَتْ عليها.
قال في "التهذيب": هذا إذا ماتَت من ألم الضَّرْب، فإن ماتَتْ من ألم الولادة تجب ديتُها، وإن ماتَتْ منهما يجب نصف ديتها، وكأن المراد ما إذا ضربها في الحدِّ فَأَفْضَى إلى الإجهاض والولادة، فماتَتْ من الألمَيْنِ أو من أحدهما.
فَرْعٌ: إذا لم يعلم الإِمام بالحمْل، فأذن للوليِّ في القتل، ثم علم، فرجع عن الإذْن ولم يعلَمِ الوليُّ رجوعه، فقتل، فعَلَى مَنِ الضمان؟ يُبْقَى ذلك على ما إذا عفا الموكِّلُ عن القصاص، ولم يعلَمِ الوكيل، وسيأتي، ذَكَره القاضِي ابن كج.
واعلم أنه ليْس المرادُ فيما أطلقْنا من العلْم بالحَمْل، وعدم العلم حقيقةَ العِلْم، وإنما المراد الظنُّ المؤكَّد؛ لظهور مخايله، وعبر عنه الإِمام بأن قال: إن كان عالمًا بالحَمْل عِلْمَ مثله.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّالِث فِي كيْفيَّةِ المُمَاَثَلَةِ وَهِيَ مَرْعيَّةٌ (ح) فَمَنْ قَتَلَ بِالقَطْع أَوْ بِالإحْرَاقِ أَوْ بِالْتَّغْرِيقِ أَوْ بِالتَّخْنِيقِ قُتِلَ بِمِثْلِهِ إلاَّ إِذَا قَتَلَ باللِّوَاطِ وَإيجَارِ الخَمْرِ فَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ إِيْجَارِ، وَقِيلَ: يُوجَرُ خَلًاّ وَيُدَسُّ خَشَبَةً، وَمَهْمَا عَدَلَ المُسْتَحِقُّ إِلَى السَّيْفِ مِنْ غَيْرِهِ مُكِّنَ لأَنَّهُ أَسْهَلُ، فَلَوْ جَوَّعَ الجَانِيَ أَوْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ بِمِثْلِ تِلْكَ المُدَّةِ أَوْ ضَرَبَهُ بالسِّيَاطِ مِثْلَ تِلْكِ الضَّربَاتِ فَلَم يَمُتْ فَيَزِيدُ فِي الضَّرْبِ وَالتَّجْوِيعِ أَمْ يَعْدِلُ إِلَى السَّيْفِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو لَمْ يَمُتِ الجَانِي بِقَطْع مِثْلِ الأَطْرَافِ المَقْطُوعِ جِنَايَةً فَلاَ يُقْطَعُ طَرَفٌ آخَرُ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ بِمِثْلِ تِلْكَ الجَوَاِئفِ فَهَلْ يُوَالِى بِالجَوَاِئفِ فِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المماثلة مَرْعِيَّةٌ فِي استيفاء القِصاصِ؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وعن رسول الله -ﷺ- قال: "مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ" (١) ويروى: "أن يَهُودِيًا رَضَخَ رَأَسَ جَارِيةٍ بِالْحِجَارَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِرَضْخِ رَأْسِهِ بِالحِجَارَةِ" (٢) فإذا قتل إنسانًا قتْلًا موجبًا إما
_________________
(١) رواه البيهقي في المعرفة من حديث عمران بن نوفل بن يزيد بن البراء عن أبيه عن جده، وقال: في الإسناد بعض من يجهل وإنما قاله زياد في خطبته.
(٢) تقدم.
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
بمحدَّد من سيف أو غيره، أو بمثقل أو خَنَقَه أو غَرَّقَه في ماء أو ألقاه في نَارٍ، أو جوَّعه حتى مات أو ألقاه من شاهق، فللولي أن يقتله بمثل ما قتل به، وبه قال مالك، وخالف أبو حنيفة فيه، وقال: يتعيَّن القتْل بالسيْف، واحتج الأصحابُ بما سبق، وأيضًا، فإن المقصود من القصاص أو مِنْ مقاصده التشفِّي، وإنما يكمل التشفِّي إذا قُتِلَ القاتِلُ بمثل ما قَتَل، ويُستثنى عن القاعدة ثلاثُ صوَرٍ:
إحداها: إذا قَتَل بالسِّحْر، يقتصُّ منه بالسيف؛ لأن عمل السْحر مُحرَّمٌ على أن ذلك مما لا ينضبط، وتختلف تأثيراته.
والثانية: إذا قَتَل باللِّواط، ففيه وجه أنه لا يجب القصاصُ؛ لأنه لا يقصد به الإهْلاَك، وإنما يبغي اللذة وقضاءَ الشَّهْوة فإذا أفضى إلى الهَلاَك، كان خطأً أو عمْدَ خطأٍ، والصحيح وجوبُه إذا كان يقتل غالبًا بأن لاط بصغير وعلى هذا؛ ففي كيفية استيفاء القصاص وجهان:
أحدهما: ويحكى عن أبي إسحاق والإصطخري: أنه تدس خشبة في دبره قريبة من آلته (١)، ويقتل بها تحقيقًا للمماثلة بقَدْر الإمكان.
وأصحُّهما: أنه يقتل بالسَّيف؛ لأنه قَتَل بفعْلٍ محرَّم في نفْسه، فيقتل بالسيف، كما لو قتل بالسِّحْر، قال في "التتمة": وموضع الوجهَيْن ما إذا كان موْتُه متوقَّعًا من المقابلة بمثل ما فعله، أما إذا كان لم يُتوقَّع، وكان موت المجنيِّ عليه لطفولية ونحوها، فلا معنى للمقابلة.
الثالثة: إذا أوجره خمرًا، حتى مات، فقد حكى أبو الفرج السرخسي فيه وجهين: أنه لا يتعلَّق به القصاص؛ لأنه لا يقصد به الإهلاك، والصحيح خلافه، وفي كيفية استيفاء القصاص وجهان:
أحدهما: أنَّه يوجَرُ مائعًا آخر من خَلٍّ أو ماء أو شيْء مُرٍّ، والأصح: أنه يُقْتل بالسيف، ولو سقاه البَوْل، حتى مات، فعن القاضي حسين وجهان في أنه يُسقَى مثله أو يكون كالخَمْر، وفرق بين البول والخمر بأن البول يُبَاح للضرورة بخلاف الخَمْر، ولو
_________________
(١) نازعه ابن الرفعة في هذا القيد وقال: ولم يقيده غيره بهذا وهو الأقرب كما هو ظاهر إطلاق الجمهور، وينبغي أن يعمل قدر ما يقتل مثل القاتل لأن به يقرب المماثلة. قلت: وعبارة الشاشي في الحلية ويتخذ له مثل تلك الآلة. ومثله عبارة القاضي الحسين في التعليقة وكذا الإِمام والمتولي، وقد استشكل في المهمات منع الاقتصاص بالمحرم إلى آخره. فقد أجاب القاضي الحسين عن هذا بأن اللواط كره ومعصية لا من حيث الجناية وليس في القطع معصية لا من حيث كونه جناية فيباح قصاصًا لوجود الجناية.
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
أوجره ماءً نجسًا، قال صاحب "التهذيب": يُوجَر ماءً ظاهرًا.
وكما تراعى المماثلة في طريق القتل، تُرَاعَى في الكيفيات والمقادير، ففي التجويع؛ يُحْبَسُ مثل تلك المدَّة، ويُمْنَع الطعام والشراب، وفي الإلقاء في الماء والنار، يلقى في ماء ونار مثْلِهما، ويترك تلْك المدة، وتشد قوائمه عند الإلقاء في الماء، إن كان يُحْسِن السباحة، وفي التخنيق يُخْنَق بمثل ما خنق مثل تلْكَ المدَّة، وفي الإلقاء من الشاهق يُلْقَى من مثله، وتُراعَى صلابة الموضع أيضًا، وفي الضرب بالمثقل يراعَى الحجْم وعدد الضربات، وإذا تعذَّر الوقوفُ على قدْر الحجر أو قدْر النار أو عدَدِ الضربات، فعن القفَّال أنه يُقْتلُ بالسيْف، وذكر بعضُهم أنه يؤخذ باليقين (١).
ومهما عدل المستحِقُّ من غير السيف إلى السيْف، مُكِّنَ منه؛ لأنه أوحَى وأسهلُ، قال في "التهذيب": وهو الأولَى وفي "النهاية": أنه لو قتل بالتخنيق، فأراد الوليُّ أن يقتلَه بالسيف، فقد قطع الشيخ أبو محمَّد بأن له ذلك [و] في الطُّرُق رمزًا إلى خلافه؛ لأن الخنق قد يُظنُّ أنه أقرب إلى إزالة الحسِّ المدْرِك للألَم، والضرْب بالسيْفِ يختلفُ باختلاف الضاربين، والمشهور الأولُ، وإذا جُوِّع الجاني مدَّةَ تجويعه، أو أُلْقِيَ في النارِ مثْلَ تلْك المدة التي ألْقَى فيها، فلم يمت، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يُزَاد في التجويع، ويدام في النار، حتى يموت؛ ليكون قتله بالطريق الذي قتل به، ولا يبالي بزيادة الإيلام والتعذيب، كما لو ضرَبَ رقبة إنسان بضربةٍ واحدةٍ، ولم تُحَزَّ رَقَبَتُهُ إلا بضربتين فصاعدًا.
والثاني: يعدل إلى السيف؛ لأنه فعل به مِثْل ما فَعَل، وبقي الإزهاقُ، فيحْصُل بأسهل الطُرقِ، ولا يزاد عليه [العذاب] (٢)، هكذا أطلقَ مطلِقُون الخلافَ، وعلى ذلك جرى صاحب الكتاب، إلا أنه أبدل القولَيْن بالوجهَيْن، وقد فعله غيره أيضًا؛ لأنه قد قيل: إن قول العدول إلى السيف مخرَّجٌ على ما سيأتي، والأصحُّ عند صاحب "التهذيب" القولُ الأول، وفصَّل الإِمام وغيره فقالوا: إن كان القتلُ بالسيف أسْهَلَ مِنْ زيادة التجويع والإلقاء في النار، فيُقْتل بالسيف، فإن تراضَيَا على الإبقاء في النار، ففيه تردُّد عن الشيخ أبي محمد، والأظهر: أنه لا أثَرَ لتراضيهما، ولا يبقى فيها، وإن كان الإبقاءُ في النار أهْوَنَ فوجهان:
أحدهما: يبقى فيها؛ لأنه أسهلُ، ولتتَّحدَ جهةُ العقوبة، فإن النفْس تستشعرُ مزيد العذَاب في الانتقال من جنْس إلى جنْس.
_________________
(١) قال النووي: هذا الثاني أصح.
(٢) في ز: بالضربات.
[ ١٠ / ٢٧٧ ]
والثاني: يعدل إلى السيف؛ لأنه أوحَى لما فيه من العمل بظاهر ما وَرَدَ أنَّه لا قوَد إلا بالسيف، وعن الشيخ أبي محمَّد مضايقة في تصوير القسْم الثاني، وهو أن يكون الإبقاء في النارِ ونحوه أهونَ من السيف، [وهذا] ذهابًا إلى أن القتْل بالسيْفِ أهْوَنَ بكلِّ حالٍ، وصوَّره الإِمام فيما إذا لم يتأت قتلُهُ بالسيف في النار، وكان يَعْظُم الشقاء في إخراجه منها، ويخرج من التفصيلِ والاطلاقِ المذكورَيْنِ ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنه يزاد في ذلك الجنس.
والثاني: يُعْدَلُ إلى السيف.
والثالث: يراعَى الأهونُ منهما، وترجيعُ هذا الثالثِ قريبٌ، فلو قتله بالضرب بالسوْط والحَجَر، ففعل به مثله، فلم يمت، فهل هو على الخلاف المذكورِ في التجْويع، والإلقاء في النار؟ فيه طريقان:
أظهرهما: نعم، ووجه الزيادة في الضرْب أنَّه ضَرَبَ إلى الموت، فيضرب إلى المَوْت.
والثاني: القطع بالعدُول إلى السيف؛ لأن السيف أوحى وأسهل منه بكل حال، ولأن كلَّ ضربة منقطعةٌ عما قبلها، فصار كقطع طرَفٍ بعد طَرَفٍ، قال الإِمام: ولو قتل نحيفًا بضرباتٍ تَقتُل مثله غالبًا، وتيقَّنَّا أو ظننا ظنًّا مؤكدًا أن الجانيَ في جثته وقوته لا يَهْلِكُ بتلك الضربات، فالوجه القطع أنَّه لا يضرب تلْك الضرباتِ؛ لأنها لا تقتله، وإنما تراعَى المماثلة، إذا توقَّعنا حصولَ الاقتصاص بذلك الطريق ثم بدَا لَهُ بالآخر (١) احتمال آخر، هذا هو الكلام في استيفاء القصاص [في] المقتل الموحي. وأما غير الموحي من القَتْل؛ كالجروح وقطع الأطراف، إذا سرَتْ إلى النفْس، فله حالتان.
إحداهما: أن تكون الجراحَةُ بحَيْث يقتص فيها، لو وقعت كالمُوضِحَة، وقطع اليد من الكوع، فللمجنيِّ عليه أن يحز رقبته، وأن يوضِحَه أو يَقْطَع يده، ثم إن شاء، حَزَّ رقبته في الحال، وليس للجاني أن يقول: أمْهِلُونِي مدةَ بقاء المجنيِّ عليه بعْد جنايتي؛ لثبوت حق القصاص ناجزًا، عن أبي الحسين بن القطَّان أن له أن يقولَ: افعلوا بي مثْلَ ما فعلْتُ؛ لأنه قد يَخْطُر لبعضهم العفْو في مدة التأخير، والمشهور الأول، وإن شاء، أمهله إلى السراية؛ على ما تقدَّم، وليس للجاني أن يقول أريحوني بالقتل أو العَفْو بل الخِيَرةُ إلى المستحِقِّ، وعند أبي حنيفة: يُقْتَصَرَ على حَزِّ الرقبة، ولا يقتص في الجراحة والعُضْو، وسلَّم أنه لو قطع الجاني يَدَه ثم حَزَّ رقبته، كان للوليِّ أن يقطع يده
_________________
(١) لم يفصح ورجح في المحرر والمنهاج أنه يزاد في تجويعه وصححه الشيخ في تصحيح التنبيه.
[ ١٠ / ٢٧٨ ]
ثم يَحُزَّ رقبته، وإذا اقتص من مُوضِحَة الجناية أو من الطَّرَف المقطوع، لم يكن له أن يُوضِعَ موضعًا آخر، أو يقطع عضوًا آخَر، بل ليس له إلا حَزُّ الرقبة؛ لأن الإيضاح في موضِعٍ آخرَ وقطع عضو آخَرَ عدولٌ إلى غير محلِّ الجناية، فليس له زيادةٌ في إيراد العقوبةِ على محلِّ الجناية بخلاف ما ذكرنا في التجويع والإبقاء في النار.
والحالة الثانية: أن تكون الجراحةُ بحيث لا يقتص منها، لو وقفت كالجائفة وقطْع اليد من نصْف الساعد، فهل يجوز استيفاءُ القصاصِ بهَذَا الطريقِ أم يُعْدَل إلى السيف؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يستوفَى بهذا الطريق تحقيقًا للمماثلة في طريق الإزهاق كَمَا في الحالة الأُولَى وما قبلها.
والثاني: يُعْدَلُ إلى السيْف؛ لأن ما لا قصاصَ فيه لا ينضبط، ولا يوثق فيه بالمماثلة؛ ولذلك لم يَجُزِ القصاصُ فيه إذا وقفت، ومن قال بالأول، قال: يجوز أن لا يجب القصاص في الجناية لو وقفت، ويجري القصاص عند السراية؛ ألا ترى أنه لو ضربه بمثقل، فلم يمُتْ، لم يجب فيه القصاصُ، ولو مات منه وجب القصاص، وضُرِبَ بمثله، وأظهر القولَيْنِ عند صاحب "التهذيب": العدول إلى السيف، وعند الشيخ أبي حامد وغيره من العراقيين والرويانيِّ أيضًا: أنه يستوفَى بذلك الطريق، وإذا قلْنا به، فلو كان قد أجافه، فمات، وأُجِيفَ مثْل جائفته، فلم يمُتْ، فهل يُزَاد في الجوائف؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: لا، لاختلاف تأثير الجوائف باخْتلاف محالِّها، وهو كقَطْع الأطراف المختلفة. والثاني: نعم؛ ليكون إزهاق الروح قصاصًا بطريق إزهاقه، عدوانًا، وفي "التهذيب": أن هذا مخرج من مسألة التجويع والإلقاء في النار ونحوهما، وأن العدول إلى السيف مخرج من هذه المسألة، وأن الصحيحَ الفرْقُ؛ لأن القتل هناك مُوحٍ، فالزيادة من الجنْس الذي بدئ به، لا تطول عليه العذاب والقتل والجراحات هاهنا ليست مُوحِيَة، وقد يخنقه، ولا يموت، ويدع الوليُّ قتلْه، فيكون قد عذبه بما لا قصاصَ فيه، وأنا إذا قلْنا: يستوفى القصاص بطريق الجائفة، فإن قال: أجيفه وأعفو عنه، إن لم يمت، لم يُمَكَّن منه، وإنما يُمَكَّن، إذا قال: أجيفه ثم أحز، وكذا لو قال: أرميه من الشاهق، ثم أعفو عنه؛ فإنه لو أجافه ثم عفا عنه، عُزِّر على ما فَعَل، ولم يُجْبَر على قتله، فإن مات، بأن بطلان العفْو، والقولانِ في أنه، هل يُستوفَى القصاص بالجائفة ونحوها؟ يجريان فيما إذا قطع يدًا شلأَ فسرى، ويد القاطع صحيحةٌ أو ساعدًا مِمَّن لا كفَّ له والقاطعُ سليمٌ، هل يستوفي القصاص بقطع اليد والساعد؟ واعلم أن المماثلة مرعيةٌ في قصاص الطرف كما هي مرعية في قصاص النفْس، ولكن إذا أمكن
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
رعايتُها، فلو أبان طرَفًا من أطرافه بمثقل أو أوضَحَ رأسه بحجر، لم يستوف القصاص إلا بالسيف، ولو أوضَحَ رأسه بالسيف، لم يوضح رأسه بالسيف، بل بِحديدةٍ خفيفة، وإن كان الطريقُ موثوقًا به مضبوطًا، قوبل بمثله، كَفَقْءِ العين بالأصبع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنَ الكُوع وَآخَرُ مِنَ المرْفَقِ فَمَاتَ فَهَلْ يقْتَلُ قَاطِعُ المِرْفَقِ بِقَطْعِ مِرْفَقِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَوجْهُ المَنْعِ أنَّهُ قطَعَ سَاعِدًا بِلاَ كَفٍّ فَلاَ يَقْطَعُ سَاعِدًَا مَعَ الكَفِّ، فإذَا مَاتَ الجَانِي بِسَرَايَةِ القَطْعِ أَوّلًا ثُمَّ مَاتَ المَجْنِىُّ عَلَيهِ فَفِي وُقُوعِهِ قِصَاصًا وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إحداهما: قطَع يَدَ إنسانٍ من الكُوع، فجاء آخرُ، وقطَع الساعِدَ من المِرْفَق قبل اندمال الأول، ومات المقطوع بالسراية، فقد مَرَّ أنه يجبُ عليهما القصاص، وأن أبا حنيفة ذهب إلى أن القصاص على الثاني دون الأوَّل، ثم طريق الاستيفاء من الأول أن تُقْطَع يدُهُ من الكوع، فإن لم يَمُتْ تُحَزُّ رقبته.
وأما الثاني: فإن كان له ساعدٌ بلا كف، اقتص منه بقطع مرفقه، ثم يُقْتَل، وإن كانت يدُه سليمةً، فتقطع من المرفق، ثم يُقْتَل بالحزِّ أو يُقْتصر على الحز؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: أنه يُقتصر على الحز، ولا يقطع مرفقه؛ لأنه لو قطَع من المِرْفَق، فقد يَعْفُو الوليُّ عن القتْل بعْد القطْع، فيكون قد استوفَى ساعدًا من الكَفِّ بساعدٍ من غير الكَفِّ.
وأظهرهما: على ما ذكَر الإمامُ، وهو المنصوصُ في "المختصر" أنه يقطع ثُمَّ يقتل؛ لترد الحديدة على موردها في الجناية، ولا عبرة بزيادة الكف الهالِكَة بهلاك النفْس والنفس مستحَقَّة وبنَى أصحابُنا العراقيُّون وغيرهم الخلافَ على الخلافِ في أنَّ مَنْ أجافَ غيره، ومات، فليقتص منه بالجائفة؛ من حيْثُ إنه لا تُقطَع اليد السليمة بساعدٍ لا كفَّ لها، كما لا يقتص من [الجائفة، ولو وقفت] (١) ولم يَرْتَضِ الإِمام هذا البناء؛ لأن سبب الخلاف في الجائفة؛ أنَّها لا تنضبط، ويختلف أثرها ونكايتها باختلاف غَوْصِ الحديدة وترديدها؛ ولذلك لا يَجْرِي فيها القصاصُ بحال، وأما قطْع المِرْفَق، فهو مضبوطٌ والمِرْفَقُ محلُّ القصاص في الجُمْلة، وعن القفَّال نحْو من هذا، وإذا أراد الوليُّ العفْوَ عن الأول بعْدما قطَع يده من الكُوع، قال الأصحاب: لا يجوز أن يعفو على المال؛ لأن الواجبَ عليه نصْفُ الدية، فإنه أحد شريكَيِ القتل، وقد استوفى
_________________
(١) في ز: الجناية لو وقعت.
[ ١٠ / ٢٨٠ ]
النصف باليد التي قطعها، وإن أراد أن يعفُوَ عن الثاني على المال، فله نصف الدية إلا قَدْر أرْش الساعد؛ فإنه لم يُسْتَوْفَ إلا الساعد.
الثانية: إذا اقتص من قاطع اليد، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية، فللوليِّ أن يحز رقبته، أنفه، أو قُتِلَ وله أن يعفو، ويأخذ نصف الدية، واليدُ المستوفاةُ مقابلةٌ بالنصف، وإن مات الجاني حتف أنفه أو قُتِل ظلمًا، أو في قصاص آخر، وجب عليه أخْذُ نصْف الدية منْ تركته، ولو قطع يد إنسان فقطعت يداه قصاصًا، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية، فللوليِّ أن يحز رقبة الجانِي، ولو عفا، فلا دية له؛ لأنه قد استوفَى ما يقابل الدية، وهو اليدان، وهذه صورةٌ يجب فيها القصاصُ، ولا يجوز العفْو عن الدية، ولو اقتص منْ قاطِعٍ اليد، فمات بالسراية، فلا شيْء على المقتص، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: تلزمه الدية.
لنا: أن القطع قصاصًا، قطع بحق، فلا تكونُ سرايته مضمونةً كقطْع السرقة، وقد روي عن عمَر وعليٍّ -﵄- أنَّهما قَالاَ: من مَاتَ من حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، فَلاَ دِيَةَ لَهُ فَإِنَّ الحق قَتْلُه (١) ولو ماتَا جميعًا بالسراية بعد الاقتصاص في اليد، نُظِر؛ إن مات المجنيُّ عليه أولًا أو ماتَا فالمشهور أنَّ اليَدَ باليدِ قصاصٌ، والسراية بالسراية قصاصٌ، ولا شيء على الجاني، وهذا نسبه القاضي ابن كج إلى ابن علي الطبريِّ وحكى عن عامَّة الأصحاب أو لوليِّ المجنيِّ عليه نصْفَ الدية في تركة الجانِي؛ لأن سراية الجاني مهدرةٌ، وسرايةَ المجنيِّ عليه مضمونةٌ، وإن مات الجاني أولًا، ففيه وجهان مشهوران:
أحدهما: ويروى عن أبي إسحاق: أنه يحْصُل القصاص بما جرى؛ لأن الجاني مات من سراية بفعل المجنيِّ عليه، وحصَلَت المقابلة.
والثاني: ويروى عن ابن خيران: المنعُ؛ لأن القصاص لا يسبق الجناية، وهذا ما رجَّحه أكثرهم، وادعى القاضي الرويانيُّ: أن الصحيح الأول، وإذا قلْنا: إنه لا يحْصُل القصاص، فلوليِّ المجنيِّ عليه نصْفُ الدية في تركة الجاني، ولو اتفق ذلك القصَاص في الموضِحَة، فتُؤْخَذَ من تركة الجاني تسعة أعشار الدية، ونصْف عُشْرها، وقد أخذ بقصاص الموضِحَة نصْف العُشْر.
فروع: قَطَعَ يدَ إنسانٍ، فحز المقطوعُ يدَهُ رقبةِ الجانِي، فإن ماتَ المقطوعُ بالسراية، صار قصاصًا، وإن اندمل قتل قصاصًا، وفي تركة الجانِي نصفُ الدية؛ لقطعه
_________________
(١) أخرجه البيهقي [٨/ ٦٨] من حديث عبيد بن عمير عن عمر وعلي أنهما قالا: الذي يموت في القصاص لا دية له، قال ابن المنذر: ورويناه عن أبي بكر أيضًا، وفي الصحيحين عن علي قال: ما كنت لأقيم على أحد حدًا فيموت، فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته.
[ ١٠ / ٢٨١ ]
اليد، ذكره في التهذيب. ولو قطع يدَ إنسانٍ، وَقَتَل آخَرَ، ثم مات المقطُوعُ بالسراية، فقد قتل شخصين وحكاية صاحب "الشامل" عن الأصحاب: أنه يُقْتَل بالمقتول دون المَقْطُوع؛ لأن قصاص النفْسِ للمقطوعِ وجب بالسراية، وهي متأخِّرة عن وجوبه للمقتول، لكن لوليِّ المقطوعِ أَن يقتص في الطَّرَف، فهذا قُتِلَ بالآخر، أخذ نصْف الدية من تركته، وتوقف فيما إنه يقتل بالمقتول دون المقطوع.
ولو أنه بعْد ما قطع واحدًا، وقتل آخر، قُطِعَت يده قصاصًا، ومات من القطْع، فلوليِّ المقتول الدية في تركته، وإن قَطَعَ قصاصًا، ثم قُتِلَ قصاصًا، ثم مات المقطُوعُ الأوَّل، فلوليِّه في مال الجانِي نِصْفُ الدية.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوِ اسْتَحَقَّ القِصَاصَ فِي اليَمِينِ وَأَخْرَجَ الجَانِيْ يَسَارَة فَقَطَعَهُ فَأمَّا القِصَاصُ فِي اليَسَارِ فَيَسْقُطُ (و) إِنْ قَصَدَ بِإخْرَاجِهِ الإبَاحَةَ لأَنَّهُ فِعْلٌ مَعَ القَصْدِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ سَاكِتٍ فَهَلْ يَكُونُ سُكوتُهُ إِهْدَارًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا حَقُّ القَاطِعِ فِي اليَمِينِ لاَ يَسْقُطُ إلاَّ إِذَا قَالَ: قَصَدتُّ بِقَطْعِ اليَسَارِ أنْ آخُذَهُ عِوَضًا عَنِ اليَمِينِ فَفِي سُقوطِهِ وَجْهَانِ لأَنَّهُ بُنىَ عَلَى ظَنٍّ خَطَأٍ، فَإنْ أَسْقَطْنَا بَقِيَ لَهُ الدِّيَةُ، وَلَو قَالَ المُخْرِج: قَصَدتُّ بِإخْرَاج اليَسَارِ إِيقَاعَهُ عَنِ اليَمينِ فَقَالَ القَاطِعُ: ظَنَنْتُ بالإخراج إبَاحَةٌ فلاَ قِصَاصَ فِي اليَسَارِ لِتَأكُّدِ الظَّنِّ بِالإخْرَاجِ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ حَالَة لأَنَّ بَذْلَهُ عِوَضًا عَنِ اليَمِينِ تَسْلِيطٌ، وَأَمَّا حَقُّهُ عَنِ اليَمِينِ لاَ يَسْقُطُ إلا إِذَا قَالَ: أَخَذْتُهُ عِوَضًا عَنِ اليَمِينِ فَيَكُونُ تَطَابُقُ القَصْدَيْنِ مُعَاوَضَةٌ فَاسِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ المُخْرَجَ يَمِينٌ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ظَنَنْتُهُ قَاِتِلَ أَبِي، وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتهُ يُجْزِئُ عَنِ اليَمِينِ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يَجِبُ القِصَاصُ لأنَّهُ انْضَمَّ إلَيْهِ قَرِينَةُ الإخْرَاجِ، وَإِنْ جَرَى ذَلِكَ في السَّرِقَةِ وفُرِضَ دَهْشَتُهُ أَوْ ظُنَّ وَقَعَ عَنْ جِهَةِ الحَدِّ لأَنَّ الحَدَّ مَبْنَاهُ عَلَى المُسَاهَلَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه مسألةٌ كثيرةُ التشعُّب، وحقُّ مثلها التثبت وإحْضارُ الذِّهْن، فيقدم عليها أن اليمين لا تُقْطَع باليسار، والعكس على ما مَرَّ، وإذا وجب القصاصُ في اليمين واتَّفقا على قطْع اليسار بدلًا عن اليمين، لم يكن بدلًا، كما لو قَتَل في قصاص النفْس غيرَ القاتِل برضاه [لم يقع بدلًا] ولكنْ لا قصاصَ في اليسار؛ لشبهة البذْل من صاحبها ورضاه بقطْعها، وتجب ديتُها، ومَنْ عَلِم منْهما أن هذه المصالحةَ فاسدةٌ، لحقه الإثْم بحق اليسار، وهل يسقط قصاص اليمين بما جَرَى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه، إنما رَضِيَ بإسقاط حقِّه في اليمين؛ لتَكُونَ اليسار بَدَلًا عنه، فإذا لم تكُنْ بدلًا، وجب أن يبقى حقُّه في اليمين، كما لو صالح على الإنكار، لم يَسْقُط حقُّه، حيث لم يثْبُت المعوض له.
[ ١٠ / ٢٨٢ ]
والثاني: يسقط؛ لأن الرضا بأخْذِ اليسار عوضًا عن اليمين عفْوٌ عن اليمين، قال ابن الصبَّاغ: وهذا أصحُّ؛ لأن ما جعله عوضًا، وهو قطْع اليسار قدْ حَصَلَ، وإن لم يقع بدلًا حكمًا، بخلاف عِوَض الصُّلْح، إذا عرَفْتَ ذلك، فلو أن مستحِقَّ القصاص في اليمين طالَبَ الجانِيَ بإخْراج اليمين، فأخرج الجاني يسارَهُ، فقطعها المستحِقُّ فللمخْرِجِ أحوالٌ:
إحداها: أن يعْلَمَ أن اليسار لا تُجْزئ عن اليمين، وأنه يخرج اليسار، ويقصد بإخْراجها الإباحةَ للمقتص، فلا قصاص في اليسار ولا دية نص الشافعيُّ -﵁- عليه، واتفق عليه الأصحابُ، وقالوا: إن صاحبها قد بَذَلَها مجانًا، وإن يتلفَّظْ بالأباحة، ووجَّهوه بطريقين:
أحدهما: أنه وجد فعل الإخراج مقرونًا بقصد الإباحة، وقد يقام الفعْلُ مقام النطْق؛ ألا ترى أن تقديم الطَّعَام إلى الضيف نازلٌ منزلةَ الإذْن لفظًا.
والثاني: أن الفعْلَ بعد السؤال والطلب نازلٌ منزلة الإذن في المسؤول حتَّى لو قال: أخرج يدك أقطعْها أو مَلِّكني قطْعَها، فأخرج، كان ذلك إباحةً، ولو قال: ناولْني متاعَكَ، لألقيه في البَحْر، فناوله، كان كما لو نَطَق بالإذن فيه، حتى لا يجب عليه الضمان، إذا ألقاه في البَحْر، ولو قدَّم الطعامَ إلى مَنِ استدعاه، كان كما لو قال له: كُلْ، ولك أن تقول، على الأول: إنما يُقَام الفعْل مقامَ النطْق، إذا انضمت إليه قرينةٌ، كالعادة الغالبة في تقديم الطعام إلى الضيْف، وليس الإخراج، والحالةُ هذه، قرينة دالةٌ على قصْد الإباحة، وعلى الثاني: أن الفعْل بعد السؤال، إنما يكون كالإذْن في المسؤول، إذا لم يختلف المفعول والمسؤُول، كما في الأمثلة المذكورة، وهاهنا المسؤول إخراج اليمين، والموجود إخراجُ اليسارِ، قال الإِمام: وقد ذُكِرَ وجّه ضعيفٌ: أن الضّيفَانَ لا يستبيحون الطعام ما لم يتلفَّظ المقدَّم بالإباحة، ولا نأمن أن يَطْرُد صاحبُ ذلك الوجه مذْهَبَه هاهنا، ولم يعتقد طَرْد ذلك الوجّه هاهنا، بل قال: ينبغي أن يستدل بمواضع الوفاق على فَسَاد الوجُوه الضعيفة، ولا يُعْترضُ بالوجوه الضعيفة على مواضع الوفاق، لكن القاضي ابن كج ذَكَر أن أبا الحُسَيْن بن القطَّان حَكَى وجهًا: أنه يجب الضمان، إذا لم يأذن المُخْرِجُ في القطْع لفظًا، وحَمَل نصَّ الشافعيِّ -﵁- على ما إذا أذن فيه صريحًا، والظاهرُ المشهورُ ما سبَقَ، ولا فرق بين أن يكونَ القَاطِع عالمًا بأن ما يقطعه اليسار، وأن اليسار لا تجزئُ عن اليمين، وبين ألاَّ يكون عالمًا بذلك، لكن إذا كان عالمًا يُعَزَّرُ وعن أبي الطيب ابن سلمة: أنه يُحتمل أن يجب القصاصُ عند العلْم؛ لأنه قَطَع عضوًا لا حَقَّ له فيه عن علْم بالحال، ومَن قصَد قطْع يَدِ الغير ظلمًا، فلم يدفعْه المقصود، وسكت حتى قَطع فهل، يكون سكوته إهدارًا؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: لا؛ لأنه لم يؤخَذ منه لفْظٌ ولا فعْلٌ، فصار كما إذا سكت عن إتْلاف مالِهِ.
[ ١٠ / ٢٨٣ ]
والثاني: نعم؛ لأنه سكت في محلٍّ يحرُم فيه السكُوت، فدل على الرضا.
والوجهان؛ على ما ذكر الإِمام، مفرَّعان على أنه لا يجوز الاستسلامُ ومأخوذَانِ من تردُّد الأصحاب في أن الزانية لم لا تستحق المَهْرَ، فَمِنْ قائل إنها لا تستحقُّ؛ لأن الوطء محرَّم، ومن معلِّل بأن التمكين رضًا في العُرْف؛ وعلى هذا، فالتمكينُ من القطْع إباحةٌ، ولو سرى قطْع اليسار إلى النفس، ففي وجوب الدية الخلافُ المذكور، فيما إذا قال: اقتلْنِي، فقَتَلَه، وبنى وجوب الكفَّارة المقْطُوع يساره على الخلاف في أن قاتِلَ النفْس، هل يلْزمُه الكفَّارة؟
هذَا هو الكلام في قطع اليسار في هذه الحالة، وأما قصاص اليمينِ، فإنه يبقى كما كَانَ.
نعم، إذا سرى قطْع اليسار إلى النفس، فات محلُّ القصاص، فيعدل المستحِقُّ إلى الدية، ولو قال: قطعْتُ اليسار على ظَنِّ أنها تجزئُ عن اليمين، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يسقط قصاصُ اليمين؛ لأنه لم يسقطْه ولا اعتاض عنه.
وأظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب" واختيار الشيخ أبي حامد والقاضِي الحُسَيْن، على ما حكى الإِمام: أنه يسقط؛ لأنه رَضِيَ بسقوطِه اكتفاءً باليسار، وإذا كنَّا نجعلُ الإخراجَ مع قصْد الإباحة كالتصريح بالإباحة، لم يبعد أن يُجْعل قطع اليسار على قَصْد الاكتفاء بها كالتصْريح بإسقاط القصاص في اليمين، وعلى هَذَا فيعْدِلُ مستحِقُّ اليمين إلى الدية، واليسار هدرٌ بالإباحة، ويجري الوجهان فيما إذا جاء الجانِي بالدية، وطَلَب من مستحِقِّ القصاص متضرعًا إليه أن يأخذها وينزل القصاص، فأخَذَها، هل يُجْعَل الأخذُ عفوًا، ولو قال: علمت أن اليسار لا تجزئُ عن اليمين شرعًا، لكن جعلتها عوضًا عن اليمينِ من عندي، اطَّرَدَ الخلاف، وجعل الإِمام هذه الصورة أولَى بالسقوط؛ لأن ما صدَرَ منْه، والحالةُ هذه، يَظْهَر حمله على معاوضة فاسدةٍ، وهناك ظَنَّ حكمَها وهو مخطئ فيه، فإسقاط حقِّه بذلك الظنِّ كالمستبعد.
وقوله في الكتاب: "فأما القصاص في اليسار فيسقط" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للاحتمال الذي أبداه ابن سلمة.
وقوله: "وأما حق القاطع في اليمين" يعني قاطع اليسار.
وقوله: "قصدتُّ بقطع اليسار أن آخذه عوضًا عن اليمين يشمل الصورة المرتبة والمرتَّب عليها؛ لأن أخذه عوضًا عن اليمين يجوز أن يكُون لِظَنِّه جوازَ الإبْدَالِ شَرْعًا، ويجوز أن يكونَ لجعله اليسارَ عوضًا منْ عنده مع العِلْم بأنه لا يَجُوز.
الحالة الثانية: إذا قال قصدتُّ بإخراج اليسار إيقاعَها عن اليمين، لظَنِّي أن اليسار
[ ١٠ / ٢٨٤ ]
تقوم مقامَ اليمينِ، فنسْألُ المقتص، لِمَ قطَعَ اليسار، ويفرض جوابه من عدة وجوهٍ.
أحدُها: أن يقول: ظننتُ أنه أباحَها بالإخراج، فلا قصاص علَيْه في اليسار؛ لأن ما يقوله محتملٌ، وفي إخراج اليسارِ، والمطلوبُ اليمينُ، ما يوهمه، هكذا يُحْكَى عن القفَّال وغيره، قال الإِمام: وفيه احتمالٌ؛ لأن اللائقَ بالحال الدهشةُ، أو جعْلُها بدلًا عن اليمين، أما الإباحة، فهي بعيدةٌ، والظنونُ البعيدةُ لا تَدْرَأُ القصاصَ، وتحقيقُ الإباحةِ مع اعتراف المُخْرِج بأنه [قصد بإخراجها الإباحة]، فيه تكلف، كما سبق، فكيف، والحالةُ هذِهِ، ويَحْسُنُ أن يقام ما ذكَره وجهًا، ويُعْلَم له قوله في الكتاب: "فلا قصاص في اليسار" وأما قصاص اليمين فإنه يبقى كما كان.
والثاني: وهو غيرُ مذكورٍ في الكتاب: أن يقول: علمتُ أن المخرَجَ اليسارُ، وأنها لا تجزئ عن اليمينُ، ولا تُجْعَلُ بدَلًا عنْها، ففي وجوب القصاص وجهان، قال ابن الوكيل: يجب؛ لأنه قَطَع بلا استحقاق عن علْم بالحال، والأصحُّ: المنع؛ لتسليط المُخْرِجِ عليه؛ بجعله عوضًا وإخراجه على هذا القصْد، ولكن تجبُ الديةُ وعلى الوجهَيْن؛ يبقى قصاصُ اليمين، كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
والثالث: أن يقول: قطعتُها عوضًا عن اليمين، وظننتُ أنها تجزئُ عنها، كما ظنَّ المخرِجُ، فقد ذكر الإِمام وصاحب الكتاب في "الوسيط": أنه لا قصاص في اليسار؛ لما سبق من شبهة تسليطِ المخرِج بقصد الإيقاع عن اليمين، وأن العراقيِّين حكَوْا عن ابن الوكيل: وجوبَ القصاصِ، وأن سقوط القصاص في اليَمينِ يُخَرَّج على الخلاف المذكور في الحالة الأُولَى والظاهرُ سقوطُه تنزيلًا للفعْل مع توافُقِ القصدَيْن على اعتياضٍ فاسدٍ، وكُتُبُ العراقيين ساكتةٌ عن رواية الوجُوب عن ابن الوكيل في هذه الصورة، إنما رووه، إذا قطَع، وقال: علمتُ أن اليسار لا تجزئُ عن اليمين، على ما قدَّمْنا، والذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره في اليمين: سقوطُ [القصاص، وإذا سقط] (١) عن كل واحدٍ منهما، وجبَتِ الديةُ لكل واحدٍ منْهما على الآخر.
والرابع: أن يقول: ظننتُ أن التي أخرجَها اليمينُ، فلا قصاصَ في اليسار؛ لما ذكرنا عن معنى التسليط، وقد نقل الإِمام عن العراقيِّين القَطْعَ به، وصوَّبهم فيه، وفي "التهذيب" وجه آخر: أنه يجبُ القصاص، كما لو قتل إنسانًا، وقال: ظننته قاتِلَ أبي، فلم يكن، وإذا قلْنا: يجب، وهو الظاهر، ففي وجوب الدية وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأن المخرِجَ قصَّر حيْث لم يتثبت، وسلَّط على القطْع.
_________________
(١) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٢٨٥ ]
وأصحُّهما: الوجوب؛ لأنه ما بذَلَها مجانًا وإنما قصد إيقاعها عوضًا، فهذا لم يقَعْ عوضًا، وجَب بدَلُها، كما لو باع سلعةً بيعًا فاسدًا، وسلَّمها إلى المشترِي، وتَلِفَتْ أو دَفَع المُسلَّم إليه الشعيرَ بَدلًا عن الحنْطة، وتَلِف عنْد المُسلّم، يجب ضمان التالف، وأما قصاص اليمين، فإنه يبقى بحالِهِ ويجيْء فيه الخلافُ السابقُ.
الحالة الثانية: إذا قال: دهشتُ، فأخرجتُ اليسار، وظَنِّي أني أُخرج اليمين، فيُسْأَل المقتص عن قصده في قطْع اليسار ونفرض جوابَه من وجوه:
أحدها: أن يقول: ظننتُ أن المخرِجَ قصَد الأباحة، فقياسُ مثله في الحالة الثانية؛ أَلاَّ يجب القصاصُ في اليسار والذي قاله في "التهذيب": أنه يجب كمن قتل إنسانًا، وقال: ظننتُ أنه أذِنَ لي في القتل، وهذا يوافق الاحتمالَ المذكور هناك، وهو المتَوجِّه في الموضعَيْن.
وثانيها: أن يقول: علمتُ أن المُخرَجَ اليسارُ، وأن اليسار لا تجزئُ عن اليمين، فقد نقل العراقيون فيه الوجهين المذكورين في مثْله من الحالة الثانية، وَجْه ابن الوكيل، ووجه سائر الأصحاب، واقتصر الإمامُ وصاحب "التهذيب" وغيرهما على الحُكْم بوجوب القصاص، وسبب ترجيح الوجوبِ هاهنا؛ أنَّه لم يوجدُ من المُخْرِج بذلٌ وتسليطٌ.
وثالثها: أن يقول: ظننتُ أن اليسار تجزئُ عن اليمين، قال الإِمام: الذي رأيتُه في الكتب: أنه لا يجبُ القصاصُ، وينهض ظنُّه عذرًا ويحتمل أنه يجب، ولا يبالَى بهذا الحُسْبَان، كما إذا قتل مَنْ أمسك أباه، حتى قُتِل، وقال: ظننتُ أن القصاص يجبُ على المُمْسك، فإن الرأْي الظاهرَ أن القصاصَ لا يندفع بمثْل ذلك.
ورابُعها: أن يقول: ظننتُ أن المُخْرَجَ يمينٌ، فلا قصاص في اليسار؛ لأن هذا الاشتباه قريبٌ وفيه الوجه المذكور في مثله من الحالة الثانية، وحكى الإمامُ هاهنا أنَّه على الخلافِ المذكورِ فيما إذا قتل إنسانًا، وقال: ظننته قاتلَ أبِي، وفي جميع هذه الصُّوَر يبقى القصاصُ في اليمين، إلاَّ إذا قال: ظننت أن اليسار تجزئُ عن اليمين، فيه الخلاف السابق، والظاهرُ سقوطُه، وإذا سقَطَ القصاص من الطرفين فلكلِّ واحدٍ منهما الديةُ على الآخر، ولو قال القاطع: دُهِشْتُ، فلم أدر ما صنعْتُ، قال الإِمام: لا يُقْبَل منه وُيلْزَمه القصاصَ في اليسار؛ لأن الدهشة [السالبة] للاختيار لا تليق بحالة القاطِع، وفي كُتُب الأصحاب لا سيَمَا العراقيين: أن المُخرَج لو قال: لم أسمَعْ من المقتص: أَخْرِجْ يمينك، وإنما وقَع في مَسْمَعِي؛ أخْرِجْ يسارَك، فأخرجتها، فالحُكْم فيه كالحُكْمُ فيما لو قال: دُهِشْتُ، فأخرجت اليسار، وأنا أظن أني أُخْرِج اليمين، لكن قضية ما مرَّ أن الفعْل المطابِقَ للسؤال نازلٌ منزلةَ الإذن لفظًا أن نُلْحق ذلك بصورة الإباحة.
[ ١٠ / ٢٨٦ ]
وقوله في الكتاب: "لتأكد الظن بالإخراج، وكذا في كل حالةٍ؛ لأن بذْلَه عوضًا عن اليمين تسليط" كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها لِتَأَكُّدِ الظنِّ بالإخراج، ولأن بذله عوضًا" وطرح قوله: "وكذا في كل حال" فإن طرح، فذاك، وإن أثبت، فالأحوال التي يمكن تنزيل اللفظ عليها هي [الفصول التي فصَّلْناها و] (١) التأويلات التي فصَّلْناها من قوله: "تعمَّدت القطع مع العلْم بأنها يسارٌ وأنها لا تجزئُ عن اليمين" ومِنْ قوله: "قطعتها عوضًا عن اليمين".
وقوله: "ظننت أن المُخْرَجَ اليمين" أعلمت الكلمة بالواو؛ لما ذكرنا من الخلاف في الفصل الثاني والرابع من الترتيب الذي ذكَرْناه، لكنه ذَكرَ على الأَثَر ما إذا قَالَ: "ظننتُ أن المُخْرَجَ يمينٌ، وما إذا قال: "ظننتُ أنها تُجْزِئ عن اليمين" فلا يبقى لقوله: "وكذا في كل حالٍ" كبيرُ فائدةٍ.
وقوله: "ولو قال: ظننتُ أن المخرَجَ يمينٌ، فهو كما لو قال: ظننتُه قاتل أبِي" هذا صحيح في الحقيقة؛ لما ذكرنا في الصورة من الخلاف، لكنه لم يذكر في "الوسيط" الخلافَ في هذه الصورة في الحالة الثانية، وكذا الإِمام، وإنَّما ذكراه في الحالة الثالثة المغفلة في الكتاب، وهي أن يقول المُخْرِج: دُهِشْتُ، وهو في الغالب يَنْحُو نحْو الإِمام، ونحو ما ذكره في سائر كتبه، وإذا كثرت الشعب والأقسام، لم يُؤْمَن مِنْ أن يدخلُ حُكْمُ بعْضها في بعْضٍ، ثم يجوز أن يُعْلَم قوله: "وهو كما لو قال ظننته قاتِلَ أبي" بالواو؛ للقطع الذي حكاه الإِمام وصَّوبه، وكذلك قوله: "ففي هذه الصورة، لا يجب القصاصُ" ليعلم بالواو.
وجميع ما ذكرناه في القصاص، فأما إذا وجب قطْع اليمينِ في السَّرقة، فقال الجلاَّد للسارِق: أَخْرِجْ يمينَكَ، فأخْرَجَ يساره، فقطَعها، فعن القفَّال وغيره حكايةُ قولٍ أن الحُكْم على ما ذَكَرْنا في القصاص، وهذا القولُ يُنْسَب إلى القديم، ويقال أيْضًا: إنه مُخرَّج.
وظاهر المذهب أنه يُكْتَفَى للحدِّ بما جَرَى، ويسقط قطْع اليمين، والفَرْق أن المقصود من الحدِّ التنكيل وتنقيص الآلة الباطشة، وقد حصَل ذلك، والقصاصُ مبنيٌّ على المماثلة، وأيضًا، فالحدود مبنيةٌ على المساهمة، ولليسار مدْخلٌ في قطْع السرقة في الجملة، فجاز أن يكْتفَى بها، وحقوق الآدميين مبنيةٌ على المضايقة، فلا يقطَعُ اليسارُ باليمين بحالٍ، وأيضًا، فقطع القصاصِ أخصُّ بالطَّرَف من قطع السرقة؛ ألا ترى أن مَنْ قَطَع يمين غيره، ولا يمين له، لا تُقطَع يساره بحال، ولو سرق مَنْ لا يمينَ له، فقد تُقطَع يساره واستدركَ القاضي حُسَيْن؛ فحمل ما أطلَقَه الأصحابُ على الحالتَيْن
_________________
(١) في ز: المقصود من.
[ ١٠ / ٢٨٧ ]
الأخيرتين من الأحوال الثلاث، وقال في الحالة الأُولَى: وهي أن يُخْرِج يساره على قصْد الإباحة أو البدل، وجَب أن لا يسقط القطْع في اليمين، كما لو قطع السارقُ يسارَ نفْسِه أو قطَعَها غيره بعْد ما وجَب قطع اليمين بالسَّرقة.
ثم في المسألة فروعٌ:
أحدها: لو كان المقتصُّ منه مجنونًا، فهو كما لو أخرج اليسارَ مدهوشًا، ولا يتحقَّق منه البذلُ والتسليطُ ولو كان المقتص منه عاقلًا، والمستحِقُّ مجنونًا، فقطع يمين المقتص منه مكرهًا له فهل يكون مستوفيًا لحقه؟ فيه خلاف قد تقدَّم، وإذا قلْنا: لا يصير مستوفيًا، وهو الصحيح، فينقل حقه إلى الدية، ويجب للجانِي ديةُ يدِهِ، فإن جعلْنا عمْدَهُ عمدًا، فالدية في ماله، والصورةُ من صُوَر التقاصِّ، وإن جعلْناه خطأً، فدية اليسار على عاقلته ولا (١) تقاصَّ، ولو قال لمن عليه القصاص: أَخْرِجْ يمينَكَ، فأخرَجَها، فقَطَعَها المجنونُ، قال الأئمة: لا يصح استيفاؤه، وينتقل حقُّه إلى الدية، ولا ضمان عليه؛ لأنه أتلفها ببذْلِهِ وتسليطِهِ، وإن أخرج يسارَهُ، فقَطَعها، فهي مهدرة، ويبقى القصاصُ في اليمين.
الثاني: حيْثُ أوجبْنا دية اليسار فهي في مال القاطِع؛ لأنه قطَع متعمِّدًا، وعن نصه في "الأم": أنها تجب على العاقلة.
وحيث يبقى القصاصُ في اليمين فلا يُستوْفَى حتى يندمل قطْع اليسار؛ لما في توالي القطعَيْن من خَطَر الهلاك، نص عليه، ولو قطَع طرَفَيْ إنسانٍ معًا، فيقتص فيهما معًا، ولا يفرق، فعَنْ بعض الأصحاب فيما حكى الفورانيُّ وغيره: أنهما على القولَيْن بالنقل والتخريج، والصحيحُ الفرقُ؛ لأن الخطَرَ هاهُنَا لو والينا لا ينشأ من القَطْع المستَحقِّ، بل منه ومن غيره، فيُؤخَّر إلى أن يزول ما ينشأ من غير المستَحقِّ، ويخالف ما إذا قَطَعَ يمينَ واحدٍ ويسار آخر، حيث لا نُوالي بين القصاصين؛ لأنه يجتمع خطر [عليه، ولم يوجد منْه ذلك، وإذا قَطَعَهَما من واحِدٍ، فقد جَمَعَت جنايتُهُ خطَر القطْعَيْن] (٢) على واحدٍ فيقابل بمثله، ويُخَرَّج من النقل والتخريج وجْهٌ أنه لا يُوالَى في قصاص الأطراف، وإن والى الجاني في قطْعها وقد ذكرناه من قبل.
_________________
(١) قال الشيخ جلال الدين البلقيني: أي إذا قلنا بجريانه في غير النقدين أما إذا قلنا بالمذهب فلا تقاص إذا كان الواجب إبلًا على ما عرف في موضعه. وقال الشيخ جلال الدين أيضًا، قوله فدية اليسار على عاقلته كذا هو في الرافعي وهو وهم سبق إليه القلم وإنما الصواب فدية اليمين على عاقلته لأن صورة المسألة أن المقتص المجنون قطع يمين العاقل مكرهًا.
(٢) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٢٨٨ ]
الثالث: قال المُخْرِجُ: قصدت بالإخراج إيقاعَهَا عن جهة اليمين، وقال القاطع: أخرجْتَها على قصْد الإباحة، فالمصدَّق المخرجُ بيمينه؛ لأنه أعرف بقَصْده.
فرْعٌ: نبت له قصاصٌ في أنملةٍ، فقَطَعَ من الجاني أنملتَيْن، سئل فإن اعترف بالتعمد، قُطِعَتْ منه الأنملة الثانية، وإن قال: أخطأتُ، وتوهَّمتُ أني أقْطعُ أنملةً واحدةً، صُدِّق بيمينه، ووجب أرْشُ الأنملةِ الزائدةِ، ويكون في ماله أو على العاقلة؟ فيه قولان أو وجهان، قال الروياني: والأصحُّ الأَوَّلُ: