أحدهما: وبه قطع الداركيُّ (١): نعم؛ لحصول التفويت.
وأظهرهما: المنع؛ لأن المقصود التشفِّي، وذلك لا يتم بفِعْلِ الجانِي، وأيضًا، فإنه إذا مستْه الحديدة فترت يداه، ولم يحصُل الزهوق، إلا بأن يعذب نفْسَه تعذيبًا شديدًا، وهو ممنوعٌ منه، وعلى هذا، فلو قتل نفْسَه أو قطَع طَرَفًَا بإذن المستحِقِّ، ففي الاعتداد به عن القصاصِ وجهان:
أحدهما: لا يعتد به، كما لو جلَد نفْسَه في الزَنا بإذن الإِمام أو في القَذْف بإذْن المقذوف، فإنَّه لا يُسْقِطُ الحد عنه، وكما أنه لو قبض المبيع من نفْسِه بإذن المشتري، لا يُعْتَدُّ به.
والثاني: يُعْتَدُّ لحصول الزُّهُوق، وإبانة العضو، ويخالف الجَلْد؛ فإنه قد لا يؤْلِم نفسه، ويُرى الإيلام فلا يتحقق حصول المطلوب، وفي البيع، المقصودُ إزالةُ يد البَائِع، ولم تزل قال في "التهذيب": ولو قطع السارق نفسه بإذن الإِمام، اعْتُدَّ به عن الحدِّ، وهل يمكنه إذا قال: أقْطَعُ بنفسي؟ فيه وجهان، يحْسُن ترتيبهما على الخلاف في أنَّه هل يُمَكَّن من الاقتصاص من نفسه، والتمكين هاهنا أوْلَى؛ لأن الغرض هاهنا التنكيل، ويَحْصُل ذلك بفعل السارق أو هو أشدُّ، وهناك الغَرَضُ التشفِّي على ما مَرَّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ القَصَاصَ عَلَى الفَوْرِ فلاَ يُؤَخَّرُ (ح) بِاللِّيَاذِ إلَى الحَرَم بَلْ يُقْتَلُ فِيهِ وَيُخْرَجُ عَنِ المَسْجِد الحَرَامِ فَيُقْتَلُ، وَقِيلَ يُقْتَلُ: فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَيُبْسَطُ الأَنْطَاعُ تَعْجِيلًا، وَلَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ فَلِلْوَلِيِّ قَطْعُ طَرَفِهِ وَحَزُّ رَقَبَتِهِ عَقِيبَهُ إِنْ شَاءَ، وَلَهُ التَّأْخِيرُ، وَلاَ يُؤَخَّرُ قِصَاصُ الطَّرَفِ لِحَرٍّ مُفْرِطٍ وَلاَ لِمَرْضِ الجَانِي، وَلاَ يُمْنَعُ مِنَ المُوَالاةِ فِي قَطْعِ الأَطْرَافِ قِصَاصًا وَإنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ أَطْرَافُهُ بِالجِنَايَةِ مُتَفَرِّقًَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمستحِقِّ القِصَاصِ استيفاؤُه على الفَوْر، إذا أمكن؛ لأنَّ القصاص موجبُ الإتلاف، فيتعجَّل، كقيِّم المُتْلفات، ويتعلَّق بهذه القاعدة صورٌ.
إحداها: مَنْ وجَب عليه القصاصُ، إذا التجأ إلى الحَرَم، جاز استيفاؤه منْه في الحَرَم، سواءٌ كان الواجبُ قصاصَ النفْس أو قصاص الطَّرَف، ومثله يُرْوَى عن مالك، وعند أبي حنيفة: لا يُستَوْفَى قصاص النفس في الحرم، إلا أن ينشئ القتل فيه، ولكن يضيق الأمْر عليه، فلا يكلَّم ولا يُطْعَم، ولا يُعامَل حتى يخرج، فيُقْتل وسَلَّم أنهُ يستَوْفَى قِصاصُ الطَّرَف في الحرم، سواءٌ أنشأ الجنايةَ فيه أو أنشأها خارجَ الحرم، والتجأ إلَيه،
_________________
(١) وما أطلقه عن الداركي من الجواز محله إذا فعله برضى المستحق فإنه فعل بغير رضاه قال الداركي: ففيه وجهان هذا حكاه صاحب الوافي عن شيخه عنه.
[ ١٠ / ٢٦٩ ]
وعن أحمد: أنه لا يُسْتوفَى من الملتجئ قصاص النفس، ولا قصاصُ الطَّرَف، واحتجَّ الأصحاب على أبي حنيفة بالقياسِ على ما سلَّم، وأيضًا بأنه قَتْلٌ، ولو وقع في الحَرَم، لم يوجب ضمانًا، فلا يمنع منه، كقتل الحية والعقْرب، ولو التجأ إلى المسْجد الحرام أو غيره منَ المساجد، فيُخْرَج مِنْه، ويُقْتَل؛ لأن هذا تأخيرٌ يسيرٌ، وفيه صيانة للمسجد، وفيه وجه أنَّه تُبْسطُ الأنطاع، ويُقْتَل في المسْجِد تعجيلًا لتوفية الحقِّ وإقامة الهيبة (١).
الثانية: لو قطع طرفه، فمات بالسراية، فسيأتي أن القصاص يُستوفَى بمثله، فإذا قطع المجنيُّ عليه طرَفَه، فله أن يحز رقبته في الحَالِ، وله أن يُؤخِّر، فإن مات بالسراية، فذاك، وإن لم يمت، حَزَّ رقبته، وذلك؛ لأن المستحَقَّ إزهاق الرَّوح، فإن شاء، عَجَّل، وإن شاء، أَخَّرَ، ويجوز أن يُعْلَم بالحاء قوله: "فللولي قطع طَرَفه" لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الثالثة: لا يُؤَخَّر قصاصُ الطرَف لشدَّة الحرِّ والبرْدِ، ولا يُعْذَر المرض، وإن كان مخطرًا، وكذلك الجَلْدِ في القذْف، بخلاف قطع السرقة، والجَلْدِ في حدود الله تعالى؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة، وحقوقُ العبادِ على المضايقة، هكذا أورده صاحب الكتاب، وهو المذكور في "التهذيب" وغيره؛ وفي "جمع الجوامع" للرويانيِّ: أنه نصّ في "الأم" على أنه يُؤَخَّر قصاص الطرَف بهذه (٢) الأسباب، ولو قطع من غيره أطرافًا، ووجب فيها القِصاصُ فللمجني عليه أن يقتص على التوالي، سواءٌ قطعها الجاني متفرِّقة أو متوالية؛ لأنها حقوق اجنمعت عليه، وفيه وجه أنه إذا قطَعَها متفرِّقة، يقتص منها كذلك لما في الموالاة من زيادة الخطر، ووجه أنه لا يوالي بينهما، وإن قطَعَها متواليةً، والظاهر الأوَّلُ؛ [لأنها حقوق واجبة في الحال.]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يُؤَخَّرُ إلاَّ بِعُذْرِ الحَمْلِ عنْدَ ظُهُورِ مَخَايلِهِ، وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ دَعْوَاهَا عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ يُؤَخَّرُ إلَى الوَضْعِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سِوَاهَا مُرْضِعَةً فَإلَى أَنْ يُوجَدَ، وَفِي الحَدِّ يُؤَخَّرُ بَعْدَ الفِطَامِ إلَى أَنْ يَكْفُلَهُ غَيْرُهَا، وَلاَ يُحْبَسُ فِي الحَدِّ، وَلاَ يُتْبَعُ الهَارِبُ، وَيُحْبَسُ فِي القِصَاصِ الحَامِلُ.
_________________
(١) قال النووي: ولو التجأ إلى الكعبة، أو إلى ملك إنسان، أخرج قطعًا. والله أعلم. اعترضه في المهمات بأن في التتمة حكاية وجه ورد بأن الذي في التتمة موافق لكلام الشيخ وأن في البحر حكاية وجه أنه يبسط له الإقطاع.
(٢) هذا الخلاف محله إذا لم تقع الجناية في مثله بأن وقعت الجناية في حال اعتدال الهواء فأخر المطالبة إلى الحر والبرد، أما إذا جنى عليه في زمان شدة الحر والبرد ويستوفي في ذلك الزمان بلا خلاف قطع به في التتمة وهو ظاهر.
[ ١٠ / ٢٧٠ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المرأة الحاملُ لا يقام عليها قصاصُ النفس، ولاَ قَصاص الطرَّفِ، ولا حَدُّ القذف ولا حدودُ الله تعالى قَبْل الوضْع؛ لما في إقامتها من هلاك الجنين أو الخَوْف عليْه، والجَنينُ بريْءٌ لا يُهْلَك بجريرة غيره، ولا فرْق بين أن يكون الولَدُ من حلاَلٍ أو حرامٍ، ولا بين أن يحدث بعد وجُوب العقوبة أو قَبلَه، حتى أن المرتدَّة إذا حبلتْ من الزنا، لا تقتل حتى تَضعَ، وإذا وضَعت، فلا تستوفي العقوبة أيضًا، حتى ترضع الولَد اللبأ؛ لأنَّ الولد لا يعيش إلا به، هكذا أطلَقَ المُعْظم حكمًا، وتوجيهًا، والقاضي أبو الطيِّب منَع ما ذكروه، وقال: قد تموت المرأةُ في الطَّلْق ويعيش الولَدُ بلَبَن غيرها، ومال إلى أنَّها لا تُمْهَل لإرْضَاع اللِّبأ، وعلَّق الإِمام القول فيه، وقال: إن تُحقِّق أن الولَد لا يعيش دون اللبأ، فيُمْهَل إلى أن ترضعه، واعلم أن ما ذكره القاض من أن الوَلَد قد يعيش دونَه صحيحٌ معلومٌ بالمشاهدة، ولكن يشبه أن المُطْلِقِين أرادوا الغالبَ أو أنَّه لا يَقوَى ولا تشتد بنيته إلا به، على ما بيَّنَّاه في "النفقات"، وحينئذ، فلا يَبعُد أن يقال: مدة إرضاع اللِّبأ مدة يسيرة، فيحتمل تأخيرُ الاسيتفاء فيها؛ لنزول الخطَر عن المولود، يَكْمُل عيْشُه، ثم إذا أرضعته اللبأ، فإن لم يكُنْ هناك مَنْ تُرْضِع، ولا ما يعيش المولودُ به من لَبَنِ بهيمةٍ أو غيره، فعن ابن خيران: أنه يُسْتَوْفَى فيها القصاص، ولا يبالي بذلك، كما لو كان للقاتل عيالٌ يضيعون ظاهرًا لو اقتص منْه، والصحيحُ المشهورُ: أنه لا بد من التأخير إلى أن توجد مرضعة، أو ما يعيش به أو ترضعه هي حوَليْن، وتفطمه؛ لأنه إذا وجَب تأخير العقوبة احتياطًا للحَمْل؛ فَلأنْ يجب، وقد تيقنا بالوضع وجودَه وحياته، كان أَوْلَى ولو بادر مستحِقُّ القصاص، والحالةُ هذه، فقتلها، فمات، ففي تعليق الشيخ أبي حامد: أنه قاتلُ عَمْدٍ يلزمه القَوَدُ إلحاقًا بما إذا حَبَس رجلًا في بيتٍ، ومنَعَه الطعام والشراب، وكذلك حكاه القاضي ابن كج عن النصِّ عن الماسرجسي، قال: سمعتُ ابن أبي هريرة، يقول: عليه دية الوَلَدِ، فقلت له: أليس لو غصب طعام رَجُل في البادية أو كُسْوته، فمات جوعًا أو بردًا، لا ضمان عليه، فما الفرق؟ فتوقَّف، فلما عَادَ إلى الدرْس، قال: لا ضمان فيهما جميعًا، وهذا مصيرٌ إلى نفي القصاصِ بطريق الأَوْلَى.
فهذا إذا لم يكن هناك ما يعيش به المولود أصلًا، ووراءه حالتان:
إحداهما: إذا أمكن تربيةُ المولود بمراضعَ يَتناوبْنَ عليه، أو بلبنِ شاةٍ ونحوه، ولم يوجد مرضعة راتبةٌ، فيُستحبُّ للوليِّ أن يَصْبِر لترضعه هي لِئلاَّ يَفسد خلقه ولا يسوء نشوءه بالألبان المختلفة ولبن البهيمة، ولو لم يصبر وطلب القصاص، أُجِيب، وفي المقدور عليه مما تَحْصُل به التربيةُ بلاغٌ.
والثانية: إذا وجد مرضعةً راتبة، وطلب المستحِقُّ القصاص، استَوْفَى، وإذا كان
[ ١٠ / ٢٧١ ]
هناك مراضعُ، وامتنعْنَ، فيجبر الحاكمُ من يرى منْهن بالأجرة (١)، والجَلْد في القذف كالقصاص. وأما الرَّجْم وسائر حدود الله تعالى، فلا تُستَوْفَى وإن وْجِدت مرضعة، بل ترْضِعُه هي، وإذا انقضت مدة الإرضاع، فلا يُستوفَى أيضًا حتى يوجد للطِّفْل كافلٌ، رُوِيَ أن الغامدية أتتْ رسول الله -ﷺ- فقالت: "زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَاللهِ، إني لَحُبْلَى، قال: اذْهَبِي، حَتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْ بالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، فَقَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدّتُه قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ، أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ، وَفِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَت: قَدْ فَطَمْتُهُ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجْلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِرَجْمِهَا" (٢) قال الإِمام: والفرق بين القصاص وبين الحدِّ ما تحقّق أن [حدود] الله تعالى تُبْنَى على المساهلة؛ ولذلك يُقْبَل الرجوع عن الإقرار فيها، وحقوقُ الآدميين تُبْنَى على التَّضْييقِ.
وتُحْبَس الحاملُ في القصاص، إلى أن يُمْكِن الاستيفاء، على ما ذكرنا فيما إذا كان في المستحِقِّين صبيٌّ أو غائبٌ وفيما إذا كان عليها الرجْم أو غيره من حدود الله تعالى، الظاهر، وهو المذكور في الكتاب: أنها لا تُحْبَس؛ بدليلِ قصة الغامدية، وحكى الإِمام وجْهًا أنها تُحْبَس كما في القصاص، قال الإِمام: وإطلاق هذا بعيدٌ، والأقرب أن يُقيَّد فيقال: إن ثبت بالبيِّنة، فتحْبَس، أما إذا ثبت بالإقرار، فلا معْنَى للحَبْس، مع أنه يعرض للسقوط بالرجوع عن الإقرار، ومما يحقِّق الفَرْق بين الحدِّ والقصاص أن الهارِبَ في الحدِّ لا يُتْبَع على رأي، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في "الحدود" والهاربُ عن القصاص بخلافه.
وجميعُ ما ذكَرْنا فيما إذا ظهرت مخايلُ العمل ودلالاته بالإقرار، أو بشهادة النسوة، ولو ادعَتِ المرأة أنها حامِلٌ، فهل يُمْتَنَع عنها بمجرَّد دعواها؟ فيه وجهان:
قال الإصطخري: لا؛ لأن الأصل عدَمُ الحمل، فلا تترك إقامة [الحد] الواجب إلا بينة تقوم على ظهور مخايله، وقال الأكثرون، نعم؛ لأن للحمل أماراتٍ تظهرُ وأماراتٍ تخفى، وهي عوارض تجدها الحامل من نفْسها، وتختص بمعرفتها، وهذا النوع يتعذَّر إقامة البينة عليه، فينبغي أن يُقْبَل قولها، كالحيض، ولأن ما تدَّعيه محتملٌ احتمالًا لا بعد فيه، فلا وجه للهُجُوم على ما يُهْلِك الجنين، إن كانَتْ صادقة.
والأوَّل أصحُّ عند صاحب الكتاب، ورجَّح المعظم (٣) الثانِيَ، قال الإِمام: ولا
_________________
(١) أطلق الإجبار. وقال الروياني في البحر: هذا الإجبار لا يجوز ما دامت الأم موجودة باقية لأن حياة الولد بحياة الأم.
(٢) رواه مسلم [١٦٩٥] من حديث بريدة وسيعاد في الحدود.
(٣) قال الشيخ البلقيني: محل تصديقها حيث أمكن أن تكون حاملًا عادة فلو كانت آيسة لم تصدق واكتفى بدلالة الإياس، وهو معني قول الشَّافعي أو يعلم أنه لا حمل.
[ ١٠ / ٢٧٢ ]
أدري أن الدين اعتمدوا قولَهَا، يأمرون بالصبر إلى انقضاء مدَّة الحَمْل أو إلى ظهور المخايل، والأظهر الثاني، فإن التأخير أربعَ سنين غير ثبت بعيدٌ، وذكر في "الوسيط" أنَّ على الوجْه الأوَّلَ لا يمكن استيفاء القصاص من منكوحة يخالِطُها زوْجها، وهذا إن كان المراد ما إذا ادعت الحَمْلَ، فكذلك، وإن أراد أنه يمنع الاستيفاء لِمجرَّد المخالطة والوطء من غير دعواها الحَمْلَ، فهو ممنوعٌ؛ لأن الأصل عدم الحَمْل، وجاز أن يقال: إنما يُعْدَلُ عن الأصل بشهادة تستندُ إلى الأمارات الظاهرة، أو بقولها المستند إلى الأمارات الخفية.
وقوله في الكتاب: "ولا يُتْبَعُ الهارِب" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لما سيأتي إن شاء الله تعالى في "الحدود".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَادَرَ الوَلِيُّ فَقَتَلَ الحَامِلَ فَغُرَّةُ الجَنِينِ عَلَى عَاقِلَتِهِ إِذْ لاَ يَتَيَقَّنُ حَيَاةُ الجَنِينِ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَلَو قَتَلَهَا بِتَسْلِيطِ الإمَامِ فَيُحَالُ بِالغُرَّةِ عَلَى الإِمَامِ فِي وَجْهٍ لِتَقْصِيرِهِ فِي التَّسْلِيطِ أَوْ تَرْكِ البَحْثِ، وَعَلَى الوَلِيِّ فِي وَجْهٍ لِمُبَاشَرَتِهِ، وَعَلَيْهِمَا بِالشَّرِكَةِ فِي وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ رَابعٍ يُحَالُ عَلَى الإِمَامِ إنْ كَانَ عَالِمًا، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلاَ، أَمَّا الجَلاَّدُ فلاَ عُهْدَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ جَهْلِهِ بِحَالٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قُتِلَتِ الحاملُ على خلاف ما أمرْنا به، نُظر؛ إن بادر إليه الوليُّ مستقلًا، أَثِمَ، ووجبت غُرَّة الجنين، إن انفصل ميتًا، ويكون على العاقلة على ما هو شأن الغرة؛ لأن الجنين لا يُبَاشَر بالجناية، ولا تُتَيَقَّن حياته؛ فيكون إهلاكه خطأً أو شبه عمد، وإن انفصل متألمًا، ومات، وجبت الدية، وإن مكَّنَه الإِمام وأذِنَ له في قتلها، فقتلها، فقد رتب الأصحاب (١) الكلام في ثلاثة فصول:
أحدها: الإثْمُ، وهو تَبَعٌ للعلم، فإن علم الإِمام والوليُّ أنها حاملٌ، أثِمَا جميعًا، وإن علم أحدُهما دون الآخر، اختص الإثْمُ بمن عَلِمَ وإن جَهِلا، فلا إثْمَ.
والثاني: الضمان؛ فإن لم ينفصل الجنينُ، فلا ضمان، وإن انفصل ميتًا، ففيه الغُرَّة والكفارة، وإن انفصل حيًّا متألمًا، ومات كذلك، فعليه دية وكفارة؛ لأن الظاهر أن تألمه وموته من موتها، وإن انفصل سليمًا، ثم مات، لم يجب فيه شيءٌ؛ لأنه لا يُعْلَم أنه مات بالجناية أم لا.
والثالث: فيمن يَضْمَن، ولا يخلو إما أن يكون الإِمام والوليُّ عالمَيْنِ بالحال، أو جاهلَيْنِ أو كان الإِمام عالمًا دون الوليِّ وبالعكس، وهي أربع أحوال:
_________________
(١) في ز: الإِمام.
[ ١٠ / ٢٧٣ ]
أحدها: إذا كانا عالمَيْن، فظاهر المذْهب، وهو المنصوص: أن الضمان يتعلَّق بالإمام؛ لأن الاجتهاد والنظر إليه والبحث والاحتياط عليه، وفعل الولي صادر عن رأيه واجتهاده، وهو كالآلة ووراءه وجهان:
أحدهما: وهو اختيار المزنيُّ: أن الضمان على الوليِّ؛ لأنه المباشر، والمباشرةُ أقوَى وأولَى بإحالة الهلاك عليْها، وهذا أرجَحُ عند الإِمام وصاحب الكتاب.
والثاني: وعن رواية أبي علي الطبريِّ وصاحب "التقريب": أن الضمان عليهما بالسوية؛ لأن الولي مباشرٌ، وأمر الإِمام كالمباشرة؛ فيشتركان في الضمان.
والثانية: إذا كانا جاهلَيْنِ، ففيمن عليه الضمانُ الوجوة الثلاثةُ المذكورةُ في الحالة الأولَى وفي تعليق الشيخ أبي حامد القطْع بالأوَّل منها.
والثالثة: إذا كان الإِمام عالمًا والوليُّ جاهلًا، فإن أوجبْنا الضمان على الإِمام إذا كانا عالمين فهاهنا أولى وإن أوجبناه هناك على الوليِّ، فهاهنا وجهان يَقْرُبَان من الخلاف فيما إذا أضافَ الغاصبُ بالطعامِ المغصوبِ غيرَهُ، على مَنْ يستقر الضمان؟
والرابعة: إذا كان الوليُّ عالمًا، والإمامُ جاهلًا، فالمشهور الصحيحُ أن الضمان على الوليِّ؛ لاجتماع العلْم وقوة المباشرة، وعن صاحب "التقريب" وجّه أنه على الإِمام لتقصيره في البحث، ويخرج مما سقْناه أربعة أوجهٍ، وجوب الضمان على الإِمام مطلقًا، ووجوبه على الوليِّ مطلقًا، والشركة مطلقًا، ووجوبه على الإِمام، إذا كان عالمًا أو كانَا معًا جاهلَيْنِ، وعلى الوليِّ، إذا اختص الجَهْل، وهذه الوجوه الجارية هي التي ذكرها في الكتاب، إلا أن لفظ الرابع غير وافٍ بالمقصود والوافي ما ذكرناه.
التفريعُ: حيث أوجبْنا الضمان على الوليِّ، فالغرة على عاقلته، والكفارةُ في ماله وحيثُ أوجبناه على الإِمام، فإن كان عالمًا، ذكذلك وإن كان جاهلًا، فعلى القولَيْن في أن ما يَلْزم بخطأ الإِمام في الاجتهاد؛ يكون على عاقلته أم في بيت المال، وسيأتي ذكْرُهما:
أظهرهما: وهو المنصوص هاهنا أنه على عاقلته، وعن أبي الطيِّب بن سلمة، وأبي علي الطبريِّ: القطع به، وإذا قلْنا: إن الغرة أو الدية تكون في بيت المال، ففي الكفَّارة وجهان (١) لقربهما من القربات وبُعْدِها عن التحمُّل، ولو باشر القَتْل نائب الإِمام أو جلادُه دون الوليِّ، فإن كان جاهلًا، فلا ضمان عليه بحال؛ لأنه سيف الإِمام، وليس عليه البحْث عما يأمره [الإِمام] به وإن كان عالمًا ففيه خلاف مرتَّبٌ على الخلاف في الوليِّ، إذا كان عالمًا وأذنَ له الامامُ، والجلاَّد أولَى بأن لا يَضْمَن؛ لأنه لا يستَوْفِي
_________________
(١) وحكاه البندنيجي والقاضي أبو الطيب قولين.
[ ١٠ / ٢٧٤ ]