وأشبههما: وهو الأصح عند ابن الصبَّاغ والقاضي الرُّويانيُّ: أنه كالانتقال إلى مسافة القَصْر؛ لانقطاع مصلحة التعليم والتأديب وكأن الخلافَ مبنيٌّ على أن المرعيَّ في الانتقال إلى مسافة القصْر حفْظُ النَّسبَ، [أ] وأن يتأدَّب الولَدُ ويَتعلَّم، فَمَنْ قال بالأول، فارق بين الانتقالين، فإنَّ القوافل والأخبار فيما دُونَ مسافة القَصْر تتواصل، ولا يخشى اندراسُ النَّسَب ومن قال بالثاني مسو بين الانتقالين في فوات التأديب، ولو اختلفا، فقال الأب: أريد النقلة، وقالت الأم: بل تريد التجارة، فهو أعرف بنيته، فيُصدَّق، ولكن بيمين أو بغَيْر يمينٍ؟ فيه وجهان:
أحدهما: بغير يمين. ويحكى عن القفَّال.
وأصحُّهما: بيمين؛ لأنه يُبْطِلُ حقِّها من الحضانة، فإنْ نَكَلَ، حلفَتْ وأمسكت الولد، وسائر العصبات من المحارم، إذا لم يكن أبٌ كالجَدِّ، والأخُ والعمُّ بمثابة الأب في انتزاع الولد ونقْله، إذا أرادوا الانتقال احتياطًا للنسب، وكذا من ليس بمَحْرَمٍ كابن العم، إذا كان الوَلَدُ ذكرًا، وأما الأنْثَى فلا تسلم إليه، قال في "التتمة": إذا لم تَبْلُغ حَدًّا يُشْتَهَى مثلُها، وفي "الشامل": أنه إن كانت له بنْتٌ ترافقه، فتُسلَّم إلى بنته، والمَحْرَم الذي لا عُصُوبة له، كالخالِ، والعمِّ لْلأُمً، ليس له نقْلُ الوَلَد، إذا كان ينتقل؛ لأنه لا حقَّ له في النسب.
وإنَّما يثبت حقُّ النقل للأب وغيره، إذا استجمع الصفاتِ المعتبرة في الحضانة، وذكر في "التتمة": أنه لو كان للوَلَدِ جَدٌّ مقيمٌ، فأراد الأب الانتقال، كان له أن ينقل الوَلَد، ولم تُمْنَع إقامةَ الحَدِّ منه، وكذا حكم الجَدِّ عنْد عَدَمِ الأب، ولا تمنعه منْه إقامةُ الأخ والعَمِّ، لكن، لو لم يكن أبٌ ولا جدٌّ، وأراد الأخ الانتقالَ، وهناك ابن أخ أو عم مقيمانِ فليس له انتزاع الوَلَدِ من الأم ونَقْلُه، وفُرَّقَ بأن كلَّ واحدٍ من الأب والجدِّ أصلٌ في النسب، فلا يعتني به كعنايتهما والحواشي يقرب بعضهم من بعض، فالمقيم منْهم يعتني بحِفْظِه والله أعلم.
فَرْعٌ: يشبه أن [يدام] (١) حق الأم إذا كان كل واحد من الأبوين يُسَافِرُ سَفَرَ حاجةٍ، واختلف بهما المَقْصد والطريق، ويجوز أن يقال: يكون مع الذي مقْصِدَه أقْرَبُ أو مُدَّةُ سَفَرِه أَقْصَرُ (٢)، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في اجْتِمَاعِ الحَوَاضِنِ فَإِنْ تَدَافَعُوا، فَالحَضَانَةُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَة، وَإِنْ تَزَاحَمُوا، فَالنَّظَرُ في أَطْرَافٍ الأوَّلُ: فِي الكُسْوَةِ وَالجَدِيدُ أَنَّ الأُمَّ أَوْلَى،
_________________
(١) في أ: يقام.
(٢) قال النووي: المختار أنه يدام مع الأم، وهو مقتضى كلام الأصحاب.
[ ١٠ / ٩٩ ]
ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا المُدْلِيَاتُ بِالإِنَاثِ، ثُمَّ أُمُّ الأَبِ وَجَدَّاتُهُ المُدْلِيَاتُ بالإِنَاثِ، ثُمَّ أُمُّ الجَدِّ وَجَدَّاتُهُ كَمَا سَبَقَ، ثمَّ أُمُّ أَبِ الجَدِّ وَجَدَّاتُهُ كَمَا سَبَقَ، ثُمَّ الأَخَوَاتُ ثُمَّ الخَالاَتُ، ثُمَّ بَنَاتُ الإِخْوَةِ، ثُمَّ العَمَّاتُ، وَفِي القَدِيمِ قَدَّمَ الأَخَوَاتِ لِلأُمِّ وَالخَالاَتِ عَلَى أُمَّهَاتِ الأَبِ لإدْلاَئِهِنَّ بِالأُمِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: معظم الغرض الآن بيان ترتيب المستحقِّين للحضانَة، ومَنْ يستحقها من الأَقَارِبِ، ومن لا يستحقُّها، والكلام في الغرض الثاني مخْلوطٌ بالكلام [في] الأول، فنوردها كذلك، ونقول: مهما اجتمع اثنان فصَاعِدًا مِنْ مستحقِّي الحضانةِ نُظِرَ؛ إن تراضَوْا بواحِدٍ فذاك، وإن تدافعوا، فقد أطْلَق في الكتاب أنَّها تَجِبُ على مَنْ عليه النفقة؛ لأن الحضانة من الكفاية، ولا شَكَّ أنه الصحيح، لكن يجوز إعْلامه بالواو؛ لما ذكرناه عن حكايته الرويانيِّ في أنه إذا امتنع الأبوان مِنَ الحضانة يُقْرعُ بينهما، ويُجْبَرُ عليها من خرجت قرعته، وإن طلبها كلُّ واحد منهم، وتزاحموا، وهم جميعًا بالصفات المشروطة في الحضانة، فهم إمَّا محضُ الإناثِ أو محْضُ الذكور أو مخْتَلِطون من الصنفين، فهذه ثلاثة أطراف:
أحدها: الإنَاثُ المَحْضُ، فأولاهن الأمُّ؛ لقربها ووفور شفقها، ثم أُمَّهاتُها المُدْلِيَاتُ بالإناث؛ لأنهن يشاركِنْها في الإرث والولادة، ويُقدَّم منهن الأقربُ فالأقربُ، ويُقدَّمن عَلَى أمهات الأب والجَدِّ، وإن بَعُدْن، وقَربت أم الأب لاختصاصهن بالولادة المحقَّقة، وولادة [أم] الأَب والجد ظاهرةٌ، ولأنهن أقوى في الإرث لا يَسْقُطْن بالأب، بخلاف أمهات الأب، ثم بَعْد أمهات الأم قولان:
الجديد: أنه تُقدَّم أمُّ الأب ثم أمهاتُها المُدْلِيات بالإناث، ثم أم [أب الأب، ثم أمهاتها المدْلِيَات بالإناث، ثم أمُّ أب] أب الجد، ثم أمهاتها كذلك، وتتقدَّم منهن الأقرب فالأقرب، وتتأخَّر عنهن الأخوات والخالات، وبهذا قال أبو حنيفة، ووُجِّه بأنهن جداتٌ وارثاتٌ، فيتقدمن على الأخت والخالة، كأمهات الأم وبأنهن أكثر شفقةً وأقْوَى قرابةً، ولذلك يعتقن على الوَلَدِ.
والقديم: أنه تقدَّم الأخوات والخالات، على هؤلاء الجدات، أما الأخوات؛ فلأنهن رَقَدْنَ مع المولود في رحِمٍ واحد [ة]، وصلب واحدٍ، وأما الخالات؛ فلما رُوِيَ في قصَّة بنْتِ حمزة -﵄- أن النبيَّ -ﷺ- قال: الخالة بمنزلة الأمِّ، ولأنهن يُدْلِينَ بالأم، وهؤلاء للجدات يُدْلِينَ بالأب، والأم تُقدَّم على الأب في الحضانة، فكذلك مَنْ يدلي بها على مَنْ يدلي به، والقولان متفقان على تقديم جنْس الأخوات على الخالات؛ لِقُرْب الأخوات، وعلى أن الخالاتِ يَتقدَّمْن علي بنات الأخوات وبنات
[ ١٠ / ١٠٠ ]
الأخوة والعمات؛ لأنهن يشاركونهن في المَحْرميَّة والدرجةِ وعدم الإرث، وتختصصن بالإدلاء بقرابة الأم الَّتي هي أقْوَى في الحضانة مِنْ قرابة الأب، ثم الحضانَةُ بَعْدَ الخالاتِ لبنات الأخوات وبنات الإِخوة يَتقدَّمن على العمات، كما يتقدَّم ابن الأخ في الميراث على العمِّ، كذلك رَتَّب الإمام وصاحب الكتاب وصاحب "التهذيب" وحكى الرويانيُّ هذا وجهًا لبعْضِ الأصحاب، وادَّعَى أن الصَّحِيح تقديم العمَّات علي بناتِ الأخَوَاتِ وبنات الإخوة، ثم حَكَى وجهين فيمن يُقدَّم بعد العمات.
أحدهما: أنه تُقدَّم بناتُ الأخواتِ والإخوة، ثم بنات سائر العصبات بعْد الإخوة، ثم بنات الخالات، ثم بنات العمات، ثم خالات الأم، ثم خالات الأب، ثم عماته.
[والثاني: تقدم بعد العمات خالات الأم ثم خالات الأب ثم عماته] ولا حضانةِ لعَمَّات الأم؛ لإدلائهن بِذَكرٍ غير وارث، ثم لخالات الجد، ثم لعماته، وهكذا، فإنْ فُقِدْنَ جميعًا، فالحضانةُ لبنات الأخوات والاخوة، وفي أيَّةِ رُتْبَة وقَعْن، فيتقدَّم بنات الأخوات علي بنات الإخوة، كما تُقدَّم الأخْتُ على الأخ، والَّذِي وَقَعَ في الترتيب من ذكر بنات الخالات والعمات [يتفرَّع على استحقاقهن الحضانة، وفي أصْلِ استحقاقِهِنَّ خلافٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب: "ثم أم الأب وجداته" لا يخفى أن المراد ترتيبُ الجَدَّات على الأم، وأن مَعْنَى "ثم جداتُهُ" على ما ذكر في أمر المحضون، وكذلك الخلاف في قوله: "ثم أم الجد وجداته". وقوله: "كما سبق" يمكن أن يجعل إشارة إلى اشتراط الإدلاء بالإناث إزالتهما جميعًا.
وقوله: "وفي القديم قَدَّم الأخوات" إلى آخره، فيه بيانٌ أن مخالفةَ القديمِ للجديدِ في تقديم الصِّنْفَينِ على أمهاتِ الأبِ، فلا خلاف في التَّرْتيب، قبلهن ولا بعدهن.
وقوله: "قدم الأخوات للأم" قد يُوهِمُ تخْصِيصَ الأخوات للأمِّ بالتقديم، وليس كذلك، بل في القديم يتقدمن، وإن كُنَّ من جهة الأب وحده، على أمهات الأب، فإذا وقع اللفظ هكذا، فليُحْمَلْ على أنهنَّ والخالات يتقدمن على القديم؛ لمعنى إدلائهن بالأم، وأما الاخواتُ للأب، فإنَّهنَّ، وإن تَقدَّمن على القديم، فليس ذلك لإدلائهن بالأم، ولو حذف لفظ الأمِّ، لم يَضُرَّ، وهو محذوف في "البسيط" وفي "الوسيط".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: لأَوَّلُ الأُخْتُ لِلأَبِ مُقَدَّمَةٌ (ح وز) عَلَى الأخْتِ لِلأُمِّ فِي الجَدِيدِ لِقُوَّتِهَا، وَفِي القَدِيمِ وَجْهٌ أَنَّ الأُخْتَ لأُمِّ أَوْلَى، وَالخَالَةُ لِلأَبِ هَلْ تُقَدَّمُ فِي الجَدِيدِ عَلَى الخَالَةِ لِلاُمِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. الثَّانِي: النَّصُّ أَنْ لاَ مَدْخَلَ لِكُلِّ جَدَّةٍ سَاقِطَةٍ فِي المِيرَاثِ وَهِيَ الَّتِي تُدْلِي بِذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ لَهُنَّ الحَضَانَةَ وَلَكِنَّهُنَّ
[ ١٠ / ١٠١ ]
مُؤَخَّرَات عَنِ الكُلِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُنَّ مُقدَّمَاتٌ عَلَى الأَخَوَاتِ وَالخَالاَتِ. الثَّالِثُ: الأُنْثَى الَّتِي لاَ مَحْرَميَّةَ لَهَا كَبِنْتِ الخَالَةِ وَبِنْتِ العَمَّةِ لاَ حَضَانَةَ لهُمَا عَلَى أَظْهَر الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا لَهَا فَبَنَاتُ الخَالاَتِ مُقَدَّمَاتٌ عَلَى بَنَاتِ العَمَّاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: آخر الفروع أنَّ الأخت منْ الأبَويْنِ مقدَّمة على الأخت للأب، وعلى الأخت للأم؛ لزيادةِ قرابتهما، وهل تُقدَّم الأختُ للأبِ عَلَى الأختِ للأمِّ؟ الظاهرُ، وهو الحكاية عن نَصَّه -﵁- في الجديد والقديم معًا: أنها تَتقدَّم لأنهما يستويان في الشَّفَقَةُ والقُرْب، واختصت هي بقوَّة الإرث، وبانها قَدْ تصير عصبة، فتترجَّح، وأيضًا أختان مِنْ أهل الحضانة فيتقدم أقواهما ميراثًا، على الأخرى، كالأخت مِنَ الأبوين مع الأخت مِنْ الأب، وبهذا قال أحمد، وقال المزنيُّ وابن سُرَيْجٍ يتقدم الأختُ منْ الأم على الأخت من الأب، وهو مذْهَب أبي حنيفة؛ لأن من تدْلِي بالأم تتقدم على منْ تدلي بالأب، كما تتقدَّم الجدة أمُّ الأمَّ على الجَدَّة أمِّ الأب، وحكى القاضي ابن كج: أن أبا إسحاق كان يَقُول به برهةً من الدهر، ثم رَجَع عنه، ورجح ابن سُرَيْج للمعنى الذي ذكره تقديم الخالة على الأخْتِ من الأب أيضًا، وعن أبي حنيفة فيه روايتان، وذكر الأئمة بناءً على ظاهِرِ المذهَب أن الشَّافعيَّ -﵁- يُقَدِّم في الجديد بالولادة المحقَّقة ثم بالولادة الظَّاهرة، ثم بقُوَّة الإرث، وأراد بالولادة المحقَّقة بالأم وأمهاتها، وبالولاَدَةِ الظَّاهرةُ [آباء الأمهات] (١)، وأشاروا بقوَّةِ الأَب إلى تقْديم الأخت على الخالة والأُخْتِ للأبِ على الأخْت للأُمِّ، وبقوة الإدلاء: إلىَ تقديم الخالة على العَمَّة.
وأما الخالة للأب مَعَ الخالة للأمِّ والعمَّة، فإن قُدِّمَتِ الأختُ للأمِّ على الأختِ للأبِ، فكذلك هاهنا، وإن قدمت الأخْتُ للأبِ، فهاهنا وجهان:
أحدهما: أنها تَتقدَّم الخالة للأم والعمَّة للأم أيضًا؛ لأن التقديم هناك كان لِقوَّتها في الإرث، وهاهنا، لا إرث لواحدةٍ منهما، وأظهرهما تقديمُ التي هي للأبِ لقُوَّة الجهة، واستدلَلْنا هناك بالإرْثِ على قوة الحجة ولا يراعى غير الإرث.
وفي الخالة للأب وجْهٌ: أنَّها لاَ تستَحِقُّ الحضانةَ أصْلًا؛ لأنها تدْلِي باب أب الأم، فأشبهت أمُّ الأبِ.
وقوله في الكتاب: "الأخت للأب مقدَّمةٌ على الأخت للأم في الجديد" ويجوز أن يُعْلَم مع الحاء والزاي بالواو؛ لأنهنَّ خصصن في الذكر وجه تقديم الأخت بالقديم،
_________________
(١) في ز: أما الأمهات.
[ ١٠ / ١٠٢ ]
حيث قال: "وفي القديم وجْهٌ وذلك الوجه مطرد على الجديد والقديم، ويجوز أن يكون تخصيصه بالذِّكْر؛ لأنَّه على القديم أظْهَر وأشار بعْضُهم إلى أنَّه منْصُوصٌ عليه، وبجوز أن يُعْلَم قوله: "أولى" بالألف، وأن يُعْلَم قوله في الفصل السابق: "ثم الأخوات ثم الخالات" بالواو، لتقديم ابن سُرَيْجٍ الخالة على الأخْتِ للأب.
الفَرْعُ الثاني: النَّصُّ أنَّه لا مدْخَل في الحضانة لكل جَدَّة ساقطةٍ في الميراث، وهي التي تُدْلِي بذكَرِ بَيْن أنثيين؛ كأمِّ أب الأمِّ، وهو ظاهر المَذْهَب، ووُجْه بأنَّها تُدْلِي بمَنْ لا حَقَّ له في الحضانة بحالٍ، فأشَبَهَتِ الأجانب، وتخرج علَيْه أم الأم إذا كَانَتِ الأمُّ فاسقةً أو مزوَّجةً؛ لأن لها حقًّا في الحضانة [فى الجملة والتوجيه، مبني على أن أب الأم لا حق له في الحضانة بحال] (١)، وفيه خلاف سيأتي -إن شاء الله تعالى- وفي الجدَّات الساقطات وجْهان آخران:
أحدهما: أنَّ لهنَّ الحضانة؛ لقرابتهن، وشمول أحكام البعضية لهن؛ مِنْ رد الشهادة والعِتْق ولزوم النفقة، وغيرها؛ لكنهن يتأخَّرْن عن جميع المذكورات مِنْ قَبْلُ لضَعْفِهِنَّ.
والثاني، عن رواية الشيخ أبي عليٍّ: انَّهنَّ "يَسْتَحْقِقنَ" الحضانة، ويتقدمن على الأخوات والخالات؛ لأنهن أصول ويتأخَّرْنَ عن الجَدَّات الوارثات، وفي معنى الجَدَّة الساقِطَةِ كلُّ مَحْرم تُدْلي بذَكَر لا يرث، كبنت ابن البنت وبنت العم [للأم].
الفرع الثالث: الأُنْثَى التي لَيْسَتْ بمَحْرَم؛ كبنت الخالة وبنْتِ العمة وبنْتِ الخال وبنت العم، في استحقاقِهِنَّ الحضانَةَ وجْهان مذكورانِ في الكتاب:
أحدهما: أنه لا تستَحِقُّها؛ لأن الحضانة تُحْوِج إلى معرفة بواطن الأمورِ، ويقع فيها الاختلاط التَّامُّ، فالأَوْلَى تخصيصها بالمحارم.
ووجه الثاني: شفقتهن بالقرابة، وهدايتهن بالأنوثة، والأول أظْهَرُ عنْد صاحب الكتاب، والأشْبَهُ بكلام غيره ترجِيحُ الثاني، وعليه ينطبق إيراد الفورانيَّ وصاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيَّ ويُفَرَّق بينهن وبيْن الجَدَّة الساقِطَةِ بأنَّها تُدْلِي بغير وارث بخلاف هؤلاء، وإذا قُلْنا بالوجه الثاني، فإذا كان المولود ذكرًا، فإنما يكونُ لَهُنَّ حضانَتُه، إذا لم يبلغ حَدًّا يُشْتَهَى مثله، وتُقدَّم بنات الخالات عَلَى بنات الأخوال، وبنَاتُ الأعمام علي بنات العمات، وبناتُ الخُئُولَة علي بنات العمومة.
فِرْعَانِ: لبنت المجنون حضانَتُهُ، إذا لم يكن له أبوان، ذَكَره القاضِي ابن كج، وذكر الرويانيُّ أنه لو كان للمحضون زوجةٌ كبيرةٌ، وكان له استمتاعٌ بها، أو لَهَا استمتاعٌ
_________________
(١) سقط من: ب.
[ ١٠ / ١٠٣ ]
به، فهي أَوْلَى بكفالته منْ جميع الأقارب، وإن لم يُفْرض استمتاعٌ، فالأقارب أولَى، وكذا لو كان للمحضونة زوْجٌ كبيرٌ، وفرض استمتاع، فهُو أَوْلَى، وإلا، فالأقارب، فإن كان لها قرابَةٌ أيضًا، فهل يرجع بالزوجية؟ فيه وجهان (١)، والله أعلم بالصواب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي اجْتِمَاعِ الذُّكُورِ وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ مَحْرَمٌ وَارِثٌ فَيَتَرتَّبُونَ تَرْتِيبِ العَصَبَاتِ فِي الوِلاَيَة إِلاَّ الأَخَ لِلْأُمَّ فَإنَّهُ يُؤَخَّرُ عَنِ الأُصُولِ وَعَنْ إِخْوَةِ الأَبِ (و)، وَهَلْ يُؤَخَّرُ عَنِ العَمِّ لِلْوِلاَيَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ الثَّانِي وَارِثٌ لَيْسَ بِمَحْرَم كَابْنِ العَمِّ (و) لَهُ الحَضَانَةُ فِي الصَّغِيرِ وَفِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لاَ تُشْتَهَى دُونَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُشْتَهَى الثَّالِثُ: المَحْرَمُ الَّذِي لَيْسَ بِوارِثٍ كَالخَالِ وَأَبِ الأُمَّ وَالعَمِّ لِلأُمَّ وَابْنِ الأخُتِ فَهُمْ مُؤخَّرُونَ عَنِ الوَرَثَةِ، وَهَلْ لَهُمْ حَقٌّ عِنْدَ فَقْدِهِمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ الرَّابعُ قَرِيبٌ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ وَلاَ وَارِثٍ كَابْنِ الخَالِ وَالخَالَةِ فَالصَّحِيحُ أَنْ لاَ حَقَّ لَهُمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا الطَّرَفُ لبيان مَنْ يستحق الحضانة من المذكور، ومَنْ لا يستحقُّ، وأنه إذا اجتمع منْهُمْ مستحقُّون، كيف يرتبون، والذَّكر، إما أن يكون مَحْرمًا، أو وارثًا ليس بمَحْرَمٍ، أو بالعكس، أوْ لاَ محرمًا ولا وارثًا، فهذه أربعةُ أَقْسَامٍ:
الأول: المَحْرَمُ الوارِثُ كالأَب والجَدِّ والأخِ وابْنِ الأخِ والعمِّ، فهؤلاء يثبت لهم الحضانة لوفور شفقتهم، وقوَّة قرابتهم بالإرْثِ والولايةِ والمَحْرمية، وفي "التهذيب" وغيره: حكايته وجْهٍ: أنه لا حضانة إلا للأب والجَدّ؛ لتكامل شفقتهما واعتنائهما بأمر الوَلَدِ، وإلاَّ، فالذكور بعيدون عن الحضانة وفي الأخ منْ الأم خاصَّةً وجْهٌ أنَّه حضانة له لأنه لا عصوبة له، ولا ولاية، وظاهر المذهب: الأَوَّلُ، ثم يُقَدَّم [منهن] الأب ثم الجَدُّ، وإنْ علا، ويَتقدَّم منْ الأجداد الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم الحق بعْدهم للإخْوة، وَيتقدَّم منهم الأخ للأبوَيْنِ، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للأم (٢). وعلى ما ذكره ابن سرَيْجٍ -﵀- يُقَدَّم الأخُ منْ الأمِّ في هذا القِسْم؛ لأنهم لا يرتبون.
ثم الحق بعدهم للعَمِّ منْ الأبوين ثم للعَمِّ مِنَ الأبِ، ثم لعَمِّ الأب، ثم لعمِّ الجَدِّ. هذا هو الظَّاهِر.
_________________
(١) وحكاية الوجهين هكذا عن الروياني فيه نظر، فإن الظاهر فإنما أخذها من الحاوي، والذي في الحاوي حكايتها فيما كان للزوج قرابة، وهل يترجح بها كالزوجية. ثم هذا التفصيل المذكور هنا فيه مخالفة لبعض ما ذكروه في كتاب الصداق في تسليم الصغيرة.
(٢) قال في القوت: ابن الأخ للأم ليلى من هذا القسم لأنه غير وارث ولا حضانة له على الأصح فضلًا عن تقدمه.
[ ١٠ / ١٠٤ ]
وحكى القاضي الرويانيُّ وجهًا آخَرَ: أن الأعمام يتقدَّمون علي بني الإخْوة (١)، وفي الأخ منْ الأمِّ وجْه: أنه يتأخَّر عن الأعمام؛ لاختصاص العَمِّ بالعصوبة والولادة، والظاهر تقديمه عليهم لاختصاصه بمزيد القُرْب والشفقة، وعلى ذلك يُبْنَى أمر الحضانة، بخلاف ولاية النكاح؛ فإنها منوطَةٌ بمن يدفع العار عن النسب، والوجهان فيمَنْ يُقدَّم ويُؤخَّر من الأخ للأم والعمِّ مذكوران في الكتاب، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "فَيَتَرَتَّبُونَ ترتيب العَصَبات" بالواو؛ لأن ترتيبهم مبنيٌّ على ثبوت الحضانة لجَمِيعِهِمْ، وقد ذكَرْنا وجْهًا: أنه لا حضانة إلا للأبِ والجَدِّ، وأيضًا، للوجه المرويُّ بتقديم الأعمام علي بني الإخوة، فإنهم على ذلك الوجْه لا يترتَّبون ترتيب العصبات، وقوله: "إلا الأخ للأم" ليس الغرض استثناء الأخ من العصبات؛ فإنه لا يَدْخُل فيهم، بل المعْنَى إلا أن الأخ من الأم يدْخُل فيهم، ولا مدخل له في ترتيب العصبات، ولفظ "الوسيط" يترتَّبون ترتيب العصبات في الولاية فإنهم باجمعهم أولياءُ يترتَّبون ترتيبهم في الولاية؛ إلا الأخ من الأم ثم ذكر حكمه وقوله "وعن إخوة الأب" مُعْلَم بالواو ولوجه ابن سُرَيْجٍ -﵀-.
القسم الثاني: الوارِثُ الذي ليْسَ بمَحْرَم كابْنِ العَمِّ وابنه وابن عم الأب والجد، والوجه المذكورُ في غَيْر الأبِ والجَدِّ من المحارم الوارثين يجيْء فيهم بطريق الأوْلَى، والظاهر ثبوتُ الحَضَانَةِ، فإن كَان الولد ذكرًا أو صغيرةً لا تُشْتَهى مِثْلُها سلمت إليه وأنْ بلَغَتْ حَدًّا يشتهى مثلُها لم تسلَّم إليه، ولكن له أن يطالب بتسليمها إلى امرأة ثِقَةٍ، وتُعْطى أجرتَهَا، فلو كانت له بنْتٌ، سُلِّمت إليه، وإذا أثبتنا الحضانَةَ لهؤلاء، ففي ثبوتها للمُعْتَقِ وجهان:
أحدهما: تثبت؛ لأنَّ حقَّ الولاء يَلْحَق بالقرابة في الإرْث، وتحمل العَقْلَ وولاية النِّكَاح، فكذلك في الحضانة.
وأظهرهما: المنْعُ؛ لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة؛ وعلى هذا، فلو كانَتْ له قرابةٌ، وهناك مَنْ هو أقرب منه، فهل يترجَّح لانضمام عصوبة الولاء إلى عصوبة القرابة فيه وجهان نقلهما القاضي الرويانيُّ.
ومثاله: عم أب مُعْتَق (٢)، وعمُّ [القسم] الثالث المَحْرَم، والذي ليس بوارث
_________________
(١) عبارة الروضة: يتقدم الأعمام علي بني الإخوة من الأم قال الأذرعي في القوت: قوله "من الأم" تبع فيه بعض نسخ الشرح وهو سبق قلم من ناقل. والصواب حذف قوله "من الأم" كما هو نسخ الشرح الصغير والنسخ المعتمدة من الكبير وغيرهما. وقد قال الرافعي قبل نقل هذا الوجه أنه لا مدخل لبني الإخوة من الأم، في هذا القسم لانهم لا يرثون.
(٢) قال النووي: الأصح لا يرجح. والله أعلم. هذا الذي صححه جزم به الماوردي لكنه مخالف لمسائل ذكرها في كتاب النكاح منها: ابنا عم =
[ ١٠ / ١٠٥ ]
كالخال وأبي الأم والعم [للأم] وابن الأخت وابن الأخ للأم، ففي استحقاقِهِمُ الحضانةَ وجهان:
وجه الاستحقاق: أنَّ لهم قرابةً تدْعو إلى الشفقة والتربية، وأيضًا، فالخالة مُلْحَقَةٌ بالأم، فكذلك الخال مُلْحَقٌ بالأب، والأظهر المَنْع؛ لضَعْفِ القرابة؛ ألا ترى أنها تقاعدت عن إفادة الولاية والإرثِ وتحمل العَقْل، فكذلك تتقاعد عن إفادة هذا الحَقَّ، وإنما تثبت الحضانة للخالة؛ لانضمام الأنوثة إلى القرابة، ولها أثر في الحضانة على ما سبق، وإذا أثبتنا لهُمُ الحضانة، فيتأخرون عن المحارم الوارِثينَ، وعن [الوارثين] الذين لا محرميَّة لهم.
القسم الرابع: من ليس بمَحْرَمٍ ولا وارِثٍ من الأقارب؛ كابن الخال والخالة وابن العمة، لا حضانَةَ لهم، وفيه وجْهٌ ضعيف؛ لقيام أصل القرابة، والصحيح الأول، ومنهم مَنْ قَطَع به، وإذا أثبتنا الحَضَانَةَ لجميع المذكورين في الأقسام الأربعة تفريعًا على الأصحِّ في بعضهم، والأضْعَفِ في بعضهم، وتركنا التقْسيم قلنا: الأَوْلَى الأب، ثم أب الأب [وإن علائم] الإخوة، ثم بنوهم، ثم الأعمام، قال في "التتمة": ثم بنوهم، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، ثم أعمام الجد، ثم بنوهم، ثم الجَدُّ أب الأم وكلُّ جَدٍّ يدلي بذكر بين أُنْثَيَيْن يقدم الأقرب منهم فالأقرب، ثم الخال، ثم العم للأم، ثم ابن الخال ثم ابن العم للأم ثم المُعْتَق، ثم عصباته ومنهم مَنْ يقتضِي كلامُه بني العمِّ عن أعمام الأب والجَدِّ؛ لأن لهم محرمية مع الوراثة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَف الثَّالِثُ فِي اجْتِمَاعِ الذُّكورِ وَالإِنَاثِ، وَأَوْلاَهُمُ الأُمُّ وَأمَّهَاتَهُا المُدْلِيَاتُ منْ جِهَةِ الإِنَاثِ، ثُمَّ بعْدَهُنَّ الأَبُ أوْلَى مِنَ الجَدَّاتِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الأَخَوَاتِ لِلأبِ لأَنَّهنَّ فُرْوعُهُ، وَفِي تَقْدِيمِ الأُخْتِ لِلأُمِّ وَالخَالاَتِ عَلَى الأَبِ خِلاَفٌ، وَكُلُّ جَدَّةِ لَيْسَتْ فَاسِدَةً فَهِيَ أَوْلَى مِنْ كُلِّ ذَكَرٍ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ، وَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى الحَوَاشِي إِذَا استَوَوا فِي القُرْبِ وَالإِرْثِ فَالأُنْثَى أَوْلَى مِنَ الذَّكَر، وَالأُخْتُ أَوْلَى مِنَ الأَخِ، وَالخَالَةُ مِنَ الخَالِ، وَالأُنْثَى البَعِيدَةُ هَلْ تُقَدَّمُ عَلَى الذَّكَرِ القَرِيب؟ وَجْهَانِ.
_________________
(١) = أحدهما أخ لأم أو ابنا أبناء عم أحدهما ابنها أوابنا عم أحدهما الأبوين والآخر لأب لكنه يدلي بأخوة الأم وإذا كان الراجح بهذا الأكثرين تقديم الأخ للأم في الأولى وتقديم الابن في الثانية وتقديم الذي يدلي بأخوة الأم في الثالثة لزم أن يكون الأصح هنا التقديم وبأن الحضانة ترجح فيه بكثرة الأسباب، ولا يرد شيء منْ المسائل المذكورة على ما رجحه هنا لأن المعتق بعدت رتبته عن القريب الآخر فلم يترجح على الأصح.
[ ١٠ / ١٠٦ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع الذكور والإناث من أهْل الحضانة، فإن كان فيهم أمٌّ فهي أوْلَى من الأب وغيره، على ما وَرَدَ في الخَبَر "أنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي" (١) والمعنى فيه أنَّها تساوي الأب في القرب والشفقة وتختص بالولادة المحقَّقة ولصلاحية الحضانة بسبب الأنوثة، وأيضًا، فالأب لا يَسْتَغْنِي في الحضانة عن النِّساء، ولا يكاد يباشرها وهي تباشرها، ثم أمُّ الأمِّ، وإن علَتْ كالأم؛ لأنها تشاركها في الشفقة [والأنوثة] والولادة المحقَّقة، ولو نكَحَتِ الأمُّ، ورضِيَ أبُ المولود بأن يكون عنْدها، ورضِيَ زوْجُها أيضًا، فيسقط حقُّ الجدة أو يقال: لها الحضانة، ولا يتأثر حقُّها بتراضيهما؟ ذَكَرَ في "التهذيب" فيه وجهَيْن، وجَعَل أصحَّهما (٢) أوَّلَهُما، وأما الجَدَّات من قِبَلِ الأب، إذا اجتمعْنَ مع الأب [قدم عليهن]؛ لأنهن يُدْلِينَ به، فيبعد أن يتقدَّمن عليه، هذا هو الصحيح المشهور، وفيه وجْهٌ، ويقال: قول: مخرج أنهن يتقدَّمْن عليه لولادتهنَّ وزيادة صلاحيتهن (٣)؛ للحضانة.
قوله في الكتاب: "على أصح القولين" يعني المنصوص، والمُخرَّج على أن أكثرهم سكَنُوا عن الخلاف في المسألة، وأجرى الخلاف مثبتوه في الأخْتِ من الأب، مع الأب وإن كانَتْ فَرْعًا له ومُدْلِيَةً به، [لصلاحيتها] وأما الأخت من الأبوين أو من الأم والخالة، فإن قلنا: بالقديم وقدَّمْناهُنَّ على أمهات الأب فكذلك يتقدَّمن على الأب، لا سيَّما إذا قدَّمْنا أمهات الأب على الأب، وإن قلنا بالجديد، وقدَّمنا أمهاتِ الأبِ على الأخْتِ والخالة، ففي الأخت المدْليَة بالأم والخالة مع الأب وجهان:
أحدهما: أنهما يتقدَّمان عليه، وبه قال أبو حنيفة وابن سُرَيْجٍ وأبو إسحاق والإصْطَخْريُّ؛ لأنوثتهما وإدلائهما بالأم، فأشبها أمهاتِ الأُمِّ.
وأظهَرُهُمَا، وبه قال صاحب "الإفصاح": أن الأب يتَقدَّم عليهما؛ لقربه وولادته وعصوبته، وهو ظاهر رواية المزنيِّ، ونص رواية الربيع واختيار الأكثرين، وإذا قدَّمْناهُمَا على الأبِ، فلو اجتمعَتْ مع الأب أو الأخت للأم، والخالة أم الأب فوجهان: قال
_________________
(١) تقدم.
(٢) وعبارة المصنف "ذكر في التهذيب وجهين وجعل أصحهما أولهما" انتهى وقد يستشكل هذا التصحيح بما ذكره فيما إذا نكحت الأم أجنبيًا ورضي بالولد فإنهما جزما بأنه لا أثر لذلك لجواز الرجوع فيتضرر الولد، وقد يعرف تأكد الرضى هنا برجوده من الأبوين، وقد استغرب في المطلب ما ذكره البغوي والمراد بالجدة أم الولد وإن أطلقها البغوي.
(٣) تعليله الوجه في تقديم الأب بالولادة والصلاحية لا معنى له؛ لأنه إما أن يعني بها ولادة المحضون فالأب يشاركها في ذلك بل هو أولى بهذا الوصف، وإما أن يعني به ولادة الأب التي هي محققة، فهذا الوصف لا يتعلق بالمحضون.
[ ١٠ / ١٠٧ ]
الإصطخريُّ: تكون الحضانة للأب؛ لأن الأخْتَ تسقط بأم الأبِ، وهي تَسْقُطُ بالأب ويجوز أن يَسْقُطَ الشخْص، ثم لا يحصل له ما كَانَ يأخُذه المحجوب، كما أن الأخوين مع الأبوين يَرُدَّان الأمَّ من الثلث إلى السُّدُس، ولا يَحْصُل لهما ما حجَبَاها عنه، وقال أكثرهم: تكون الحضانة للأخْتِ من الأم؛ لأنها مقدَّمة على الأب على الوجْه الذي عليه يُفَرَّع وتسقط أم الأب بالأب، وإذا اجتمعَتِ الأختُ من الأب والأختُ من الأمِّ مع الأب وقلْنا بالظاهر، وهو تقديم [الأخت للأم على] الأخت من الأب، تكون الحضانةُ للأب أو الأخت من الأم؟ فيه هذان الوجهان، وإذا فرَّعنا على الصحيح، وهو تقديم الأب على الجدات من قبله، وعلى الظاهر في تقديمه على الأخوات للأم والخالات، فالمُقَدَّم بعد أمهات الأمِّ الأبُ ثم أمهاتُهُ المُدْلِيَاتُ بالإناث، ثم الجَدَّ أبو للأب، وفيه مع أمهاته ما ذكَرْنا في الأب مع أمهاته ثم أبو الجَدِّ وأمهاته كذلك، ويتقدَّمون جميعًا على الأقاربِ الواقِعِينَ على حواشي النَّسَب، وُيؤَدِّي بعضَ هذا المعْنَى قولُه في الكتاب: "وكلُّ جَدَّة ليْسَتْ فاسدةً، فهِيَ أوْلَى مِنْ كُلِّ ذَكَرٍ على حاشية النَّسَب".
وأما الجدات الساقطاتُ، فقد سبق الكلام في استحقاقهن وفي ترتيبهن، إن استحْقَقْنَ، وإذا لم يوجد أحد من مستحقي الحضانة من الأجداد والجدات فثلاثة أوْجُهٍ:
أحدها: أن نساء القرابة، وإن بَعُدْنَ أوْلى بالحضانة من الذكور، وإن كانوا عصباتٍ؛ لأنهن أصلح للحضانة على ما تكرَّر، فعلى هذا تقدَّم الأخوات والعمات والخالات وبناتهن على الإخوة والأعمام وبنيهم.
والثاني: العصَبَاتُ أوْلَى منهن؛ لقُوَّةِ نسبهم وقيامهم بالتأديب والتعليم.
والثالث: وهو الأصحُّ؛ على ما ذكر القاضي الرويانيُّ: أنه لا يترجَّح واحد من الفريقين على الآخر، ولكن يُقدَّم منهم الأقْربُ فالأقْربُ كما يُقدَّم في الإرث الأقربُ فالأقرب من العَصَبات، فإن استوى اثنان في القرب، قدَّمنا بالأنوثة، فعَلَى هذا الحَقِ بعْد الآباء والأمهات للإخوةُ والأخواتُ وتُقدَّم الأخوات على الإخوة، [ويقدم بعد الأخوات والإخوة] (١) بناتُ الأخواتِ ثُمَّ بنوا الأخوة، وتُقدَّم بنت الأخ على ابن الأخت؛ اعتبارًا بمَنْ يحضن لا بمن يُدْلِي به فإن فقدوا جميعًا، فالحضانة لِمَنْ في درجة الأمِّ وهم الخئولة، ومن في درجة الأب، وهم العمومة، وتُقدَّم الخئولة على العمومة، والخالات على الأخوال، والعمات على الأعمام، فإن فقدوا، فالحضانة لأولادهم، وترتيب الأولاد وتقديم الإناث على المذكور كما في الأصول ثم يرتقي إلى مَنْ في درجة الجَدِّ والجَدَّة، وهم خئولة الأبوبن وعمومتها، فيُرَاعَى فيهم هذا الترتيب، وإذا استوى
_________________
(١) سقط من: أ.
[ ١٠ / ١٠٨ ]
اثنانِ مِنْ كل واحد كأخوين أو خالتين، وتنازعا، قَطَعْنا النزاعَ بالقرعة، وكان يجوز أن يُقدَّم بما يقدم به المتزاحمان على اللقيط، فإن لم يوجدُ أحد من نساء القرابة، ولا من العصبات، وهناك رجال من ذوي الأرحام، فحكمهم ما ذكَرْنا في الطرف (١) الثاني.
وقوله في الكتاب: "والأنثى البعيدة هلى تُقدَّم على الذَّكَر القريبِ؟ وجهان" يشير إلى الخلاف الذي نقَلْنا في الأقارب الواقِعِينَ على الحواشِي، فإن قلْنا بالتقديم بالأنوثة، قَدَّمناها على الذَّكَر القريب. مثاله: ابن الأخ مع بنت بنت الأخ، وإن لم نُقدِّمها بالأنوثة، فيقدِّم الذكر القريب ترجيحًا بالعصوبة أو بالقرب.
فرُوعٌ: الأختُ مع الجدِّ، كهي مع الأب، قال المتولِّي: ويخالف الميراث، فإنه يقبل التبعيض، والحضانة لا تقبله.
ولو كان في أهْلِ الحضانة خَنْثَى [مُشْكِلٌ]، فهل يتقدَّم على الذكر في موضع لو كان أنثى لاحتمال الأنوثة، أو لا يتقدم، لعَدَم الحُكْم بها؟ فيه وجهان (٢) وإذا أخبر عن
_________________
(١) قال في الخادم: هذا مخالف لما قدمه في الكلام على محض الإناث وهو قوله والقولان متفقان على تقديم صنف الأخوات على الخالات، وعلى أن الخالات يتقدمن علي بنات الإخوة والأخوات، وهذا صريح في تقديم الخالة علي بنت الأخت وبنت الأخ بلا خلاف، وقضية كلامه هنا أن الأصح تقديم بنت الأخ وبنت الأخت على الخالة فكيف يمكن جعله أصح مع مخالفة الجديد والقديم أيضًا، ووقع الموضعان أيضًا في الحاوي للماوردي والبحر للروياني، وقد نقل للرافعي فيما سبق عن الروياني أنه صحح عند انفراد النسوة تقديم الخالات والعمات علي بنات الأخوات، وبنات الأخوة وصحح هنا هذا الوجه وهو مناقض لذلك وممن نبه على هذا التناقض العلامة نجم الدين بن الرفعة، ثم ذكر جواب شيخه البلقيني ولم يصرح به، وعبارة شيخه البلقيني وعندي له جواب وهو أن يكون محل هذا الخلاف فيما إذا اجتمع ابن الأخ وبنت الأخت مع الخالة، فإن لنا وجهًا من الثلاثة المذكورة في الكتب المذكورة أن العصبات مقدمون على من عد الأصول وحينئذ فهذا اجتمع من ابن الأخ الخالة وبنت الأخ كان ابن الأخ مسقطًا للخالة وأخته تحجبه من الحضانة فقدمت على الخالة حينئذ على الأصح كما في النوعين المذكورين في الكتاب في التفريع على الوجه الضعيف، والكلام الذي ذكرتموه لا يتم عليه لأن ابن الأخ وابن الأخت مقدمان علي بنت الأخ وبنت الأخت على هذا الوجه، ولا يصح أن يقال الأنثى مرجحة حينئذ لأنا نقول إنما فرعنا على الثالث المرجح لرجحان الأُنثى على المشار في الحالة فصح بمقتضى ذلك إثبات الخلاف في تقديم بنت الأخت وبنت الأخ على الخالة واجتمع مع نفي الخلاف عند تمحض الإناث، وأيضًا فإنا إذا فرعنا على المرجح الثالث لم يقطع النظر عن قوة العصوبة من على وجه بل الذكر حينئذ يساويها، وأخته مقدمة عليه، والمقدم على أحد المتساويين يقدم على الآخر على أن الذي اعتقده تقديم الخالة علي بنت الأخ وهو الذي جرى عليه صاحب الحاوي الصغير انتهى ومما قدره الشيخ يدفع الاعتراض على الشرح وكذا الروضة.
(٢) قال النووي: الأصح: الثاني.
[ ١٠ / ١٠٩ ]