المصيرَ إلى وقُوعه قصاصًا؛ لأن السراية منسوبةٌ إلى فعْل الجارح، فكانت الجراحة كالسراية، وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخلافُ فيما لو قَتَلَ مستحِقٌّ القصاص الجانِيَ خطأً أو ضربه بسَوْطٍ خفيفِ، فمات؛ لأنه لم يقصد قَتْلَه، لكن الحقّ متعيِّن، وقد استوفاه؛ ولذلك لو وثب الصبيُّ أو المجنونُ على مَنْ قتل مورثه فقتله، هل يكون مستوفيًا لحَقِّه؟ فيه وجهان.
أَحَدُهُمَا: نعَمْ، كما لو كانَتْ له وديعة عنْد غيره، فأَتْلَفَها.
وأَصحُّهما: على ما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: لا؛ لأنه ليْسَ من أهل استيفاء الحقُوق، ويخالف الوديعةَ، فإنَّها لو تلِفَتْ من غير فعْل أحدٍ يبرأ المودع، وها هنا لو مات الجانِي لا يبرأ، فعَلَى هذا ينتقل حقُّه إلى الدية، ووجبت الدِّيَةُ بقَتْل الجانِي، وتَكُون عليه أو على العاقلة، ينبني على الخلاف في أن عمْدَهما عمْدٌ وخطأٌ، ويجري الخلاف فيما إذا ثَبَتَ قصاصُ الطرَفِ لصبيٍّ أو مجنونٍ، فوثبت على القاطِع، فقَطَع طرفه، هل يكون مستوفيًا لحقِّه؟ وموضع الخلاف ما إذا لم يوجَدْ منه تمكين، فأما إذا أخرج يدَهُ إلى الصبيِّ أو المجنونِ، حتى قطَعَه، لم يكن مستوفيًا لحَقِّه بلا خلاف ويكون قطْعُه هدرًا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في المُمَاثَلَةِ، وَالتَّفَاوُتُ فِي ثَلاثَةٍ التَّفَاوُتُ الأوَّلُ تَفَاوُتُ المَحَلِّ وَالقدْرِ فَلاَ تُقْطَعُ اليُمْنَى بِاليُسْرَى، وَلاَ السَّبَّابَةُ بِالوُسْطَى، وَلاَ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ بِأخْرَى عِنْدَ تَفَاوُتِ الْمَحَلِّ، وإنْ تَسَاوَتِ الزَّائِدَتَانِ فِي الحُكُومَةِ وَاخْتَلَفَتَا فِي الحَجْمِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، إِذْ لَيْسَ لَهُمَا اسْمٌ أَصْلِيٌّ بِخِلافِ يَدِ الصَّغِيرِ مَعَ الكَبِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هجم هاهنا وفي "الوسيط" على ذكْر الفصْل الثاني من غَيْر أن يذكر فصلًا أولًا، وكأنه قصَدَ ترتيبَ مسائِل قصاصِ الطَّرَف بإيداعها في فصْلَيْن.
أحدُهما: فيما يوجب القصاص من الجنايات عَلَى ما دون النَّفْس.
والثاني: في المماثَلَةِ المعتَبَرة فيه، ثم غَفَلَ عن التنْصيص على الأَوَّل، وإن أتى بمقصُوده، والوجه أن يزاد قَبْل قوله: "والجنايات ثلاثة" وفيه فصلان:
أحدهما: فيما يُوجِبُ قصاص الطَّرَف أو لا يزادُ هناك شيء ويُجْعَل مكان الفَصْل الثاني: "فصْل في المُمَاثَلَةِ" وقد يقال: قد عقد في فنِّ الاستيفاء مِنْ بعْدُ فصلًا في المماثلة، وهذا الفصْل مترجَمٌ بالمماثلة أيضًا، فهلا جمَعَ بين مسائل الفصْلَيْن، فاعْلَمْ أن غرَضَ الفصلَيْن مختلفٌ؛ فالغرض هناك بيانُ أن المماثلةَ في طرِيقِ الإزْهاق مرعيَّةٌ في الاستيفاء والغرَضُ هاهنا الكلامُ في المماثلة التي هي معتبرةٌ في وجُوب القصاصِ وهي في الطَّرَفِ بمثابة الكفاءة التي تُطلَق في قصاصِ النَّفْس، إذا تقرَّر ذلكَ، فالذي نُقدِّمه
[ ١٠ / ٢٢١ ]
على وضوحه أنَّه لا يُقَابَلَ طَرَفٌ بطَرَفٍ من غَيْر جنسه، كاليد والرِّجْل والعين والأنف، فإذا اتحد الجنْسُ، لم يؤَثِّر التفاوت في الصَّغَر والكبر والطول والقِصَر والقوَّة والضعف والضخامة والنَّحافة، كما لا تعتبر مماثلةُ النفسين في هذه (١) الأمور، والسبب فيه أن مماثلة النفُوس والأطْرَاف فيها وفي نحوها، يكاد تَتَّفِقُ، وفي اشتراطِها إبطالُ مقصودِ القِصاصِ، ولذلك تُقطَع يد الصانع بيد الأَخْرَق، كما يقتل العالِمَ بالجَاهِل، وإنما يُؤثِّر التفاوت في أمور.
أحدها: تفاوتُ المَحلِّ والقدر.
أما المحلُّ، فلا تقطع اليد اليُمْنَى باليُسْرَى، وبالعكس، وكذلك في الرِّجْل والعين والأذن، ولا يقطع الجفن الأعلَى بالأسْفَل، وبالعكس، وكذلك في الشَّفَة، وذلك لاختلافِ المنافع، واختلاف تأثير المحالِّ بالجراحات، وكذلك لا تُقطَع أصبعٌ بأصبعٍ، كالسبابة والوسْطَى، ولا أنملةُ أصبعٍ بأنملةٍ أخْرَى من تلك الأصبع ولا أصبع زائدةٌ بزائدة أخرى، إذا اختلف محلُّهما بأن كانت زائدةُ الجانِي أو المجنيِّ عليه في جانِب الخِنْصِرِ، وزائدةُ الآخر بجنب الإبهام، بل تؤْخَذ الحكومةُ، وأما القدْر فالتفاوت في الحَجْم صغرًا وكبرًا وطولًا وقصرًا لا يُؤَثِّر في الأعضاء الأصليَّة وأما في الأعضاءِ الزائدةِ، كالأصبع والسِّنِّ الزائدتين، فقد أطلق مُطْلِقُون، منهم صاحب "التهذيب" فيه وجهَيْنِ.
أحدهما: وبه قال صاحب "التقريب": أنه لا يؤثر أيضًا كما في الأصلية. والثاني: يؤثر؛ لأنه ليس لها اسمٌ مخصوصٌ حتى يُكْتَفَى بالاتفاق في الاسم، كما يكتفى في اليمين واليسار وفي السَّبَّابة والوسْطَى، فيُنْظَر إلى القَدْر، وتراعى الصورة، وهذا ما حكاه القاضي ابن كج عن أبي الطيِّب بن سلمة في السِّنِّ، ونسب الأوَّلَ إلى أبي إسحاق، وغيره ينسب إليه الثاني فإذا جعل التفاوت في الحَجْم مؤثرًا فإن كانَتْ زائدةُ الجاني أكْبَرَ؛ لم يقتص منْه، وإن كانت زائدةُ المجنيِّ عليه أكبر اقتص، وأُخِذَتْ حكومةٌ تقدر النقصان، ومنْهم مَنْ خصَّص ذكْرَ الخلاف بالسِّنِّ وسكَتَ عنه في الأصبعِ، ثم الوجهان فيما رأى الإِمام مخصوصانِ بما إذا لم يؤثِّر تفاوتُ الحجْم في الحكومة، فإن أَثر، اختلفت نسبتُهما إلى الجُمْلة، وذلك ممَّا يمنع القِصَاص، ولذلك لم تُقْطَعِ الصحيحةُ بالشَّلاَّء؛ لأن الصحيحةَ نصْفُ الجملة، والشلاء ليستْ نصفًا على ما سبق، قال: والاختلاف في اللوْن وسائر الصفات، لا يُؤثِّر بعد التساوي في الحُكُومة، بخلاف التفاوُتِ في الحجْم، وتقطع الزائدةُ بالأصليَّةِ، إذا لم يختلِفِ المحلُّ ولا شيء له
_________________
(١) وقد ذكر في التفاوت الثالث ما يخالف هذا الإطلاق وهو ما لو كانت أصابع إحدى يديه وكفيها أقصر من الآخر. ففي التهذيب لا قود في القصرى لأنها ناقصة وفيها دية ناقصة محكومة.
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
لنقصانِ الزائِدَةِ، كما إذا رَضِيَ بالشلاء عن الصحيحة.
قوله في الكتاب: "وَإنْ تساوت الزائدتانِ في الحُكُومة واختلفتا في الحَجْم، ففيه وجهان إشارةٌ إلى ما ذكَرَه الإمامُ، والمعْنَى ولا أصبع زائدة بأخْرَى عند تفاوت المَحَلِّ أو تفاوت الحكومة وإن تساوَيَا فيهما جميعًا واختلفا في الحجْم، فوجهان، وحَيْثُ جرى الوجْهَان، فالأظهر أنَّه لا أثَرَ للتفاوت وفي الحجم؛ كذلك ذكره القاضي الرويانيُّ وصاحب "العدة" وغيرهما، ونقلوا عن النصِّ، أنه لو كانَتْ زائدةُ الجانِي أتَمَّ بأن كانَت لأصبعه الزائدةِ ثلاثُ مفاصِلَ، ولزائدة المجنيِّ عليه مَفْصِلٌ واحدةٌ أو مَفْصِلان، لا يُقْطَع بها؛ فإنَّ هذا التفاوتَ أعْظَمُ من تفاوُتِ المحلِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالتَّفَاوُتُ فِي المُوَضِّحَةِ يُؤَثِّرُ أَعْنِي فِي بَيْعَتِهَا لاَ فِي عِوَضِهَا، وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ اسْتَوْعَبْنَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَكمَّلْ بِالقَفَا بَلْ ضَمَمْنَا إلَيْهِ الأَرْشَ، وَلَوْ كَانَتْ نَاصِيَةُ الجَانِي أَصْغَرَ وَقَدْ أَوْضَحَ نَاصِيَةَ غَيْرِهِ كَمَّلْنَا بِمَا حَوَالَيْهِ لِشُمُولِ اسْمِ المُوَضِّحَةِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى ما اسْتَحَقَّهُ قِصَاصًَا فَعَلَيْهِ أَرْشٌ كَامِلٌ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ؛ لأنَّهُ فَارَقَ البَقِيَّةَ في الحُكْمِ فَأُفْرِدَ بِحُكْم، وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِسْطُ لِأَنَّ الكُلَّ مُوَضِّحَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوِ اشْتَرَكُوا فِي إيْضَاحٍ احْتُمِلَ (و) أَنْ يُوَزَّعَ المِقْدَارُ عَلَيْهِمْ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُوضَحَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في قصاص الموضِّحة في المساحَة والمَحَلِّ؛ أما المساحة، فمرعيَّةٌ في قصاص الموضِّحة طولًا وعرَضًا، فلا تقابل ضيِّقةٌ بواسعةٍ، ولا يقنع بضيقة عن واسعة، وتذرع موضِّحة المشجوح بخشَبَةٍ أو خيطٍ، ويُحلَق ذلك الموضِعُ من رأس الشاجِّ، إن كان عليه شعْر، وخِيطَ عليه سوادٌ، أو حمرةٌ، ويضبط الشاج حتَّى لا يضطرب (١)، ويُوضَح بحديدة حادَّة كالمُوسَى، ولا يوضَحُ بالسيف، وإن كان قد أوضَحَ به؛ لأنه لا تُؤْمَنُ الزيادة، وكذلك لو أوْضَحَ بحَجَرٍ أو خشَب يوضحُ بالحديدة، ذكره القفَّال وغيره وتردَّد فيه القاضي (٢) الرويانيُّ، ثم يفعل ما هو أسهل عليه من الشق دفْعةً
_________________
(١) قضية كلام التتمة أن الضبط واجب فإنه قال: فعليه أن يضبط لكن البغوي شبهه بضبط الصبي عند الختان كيلا يضطرب قال في الخادم: وقضيته الاستحباب وفيما قاله نظر.
(٢) يفهم أن الروياني لم يجزم بشيء وليس كذلك، فإنه نقل عن القفال إيجاب الحديدة سواء أوضحه بها أو بغيرها لأنه لم تحصل المماثلة إلا بها. ثم قال: وفيه نظر عندي، وقياس المذهب أنه يقتصر بمثل ما فعل إن أمكن ولعله أراد إذا لم يمكن. وما ذكره الروياني أنه القياس هو الذي نقله البغوي فقال في تعليقه على المختصر ولو أوضح بحجر أو خشبة قال القاضي الحسين: إن أمكن أن يوضح بمثله من غير هشم فعل. انتهى ولم يذكر غيره وهو الظاهر لكن ما قاله القفال جرى عليه المتولي وهو قضية كلام التهذيب.
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
واحدةً، والشق شيئًا فشَيْئًا، ويرفق في موْضِع العلامة، ولا عبرة بتفاوتِ الشاجِّ والمشجوج مِنء غلظ الجلد واللَّحْم؛ لأن اسم الموضِّحة يتعلَّق بإنهاء الجراحة إلى العَظْم والتساوي في قَدْر الغوص قليلًا مَا يتَّفِق، فينقطع النَّظَر عنْه، كما ينقطع النَّظَر عن الصِّغَر والكبر في الأطْراف، وعن أبي إسحاق أنَّه يعتبر التساوِي في العُمْق، ولا يغوص شعيرتين في مقابلة شعيرة، وهذا حمله الأئمة على السهْو منْه أو مِمَّنْ رواه عنه.
وأما محلُّ الموضِّحة، فإن أوْضَحَ مِن إنسان جميع رأْسِه، ورأسُ الشاجِّ والمشجوج متساويانِ في المساحَةِ، أوْضَحَ جميعَ رأْسِه، فإن كان رأْسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، استوعبْنا رأْسَهُ إيضاحًا ولا نكتفي به، بخلاف اليد الصغيرة، فإنه يكتفى بها في مقابَلَة الكبيرة، وفرق بأن ما به التفاوُتَ بين اليدَيْن على تجرُّده ليْس بِيَدٍ، وما به التفاوت بين الموضِّحتين على تجرُّده موضِّحة، فلا يجعل تابعًا وأيضًا، فالمرعيُّ هناك اسم اليد، وهاهنا المعتبر المساحة؛ ألا ترى أن يد القاطع، لو كانت أكبر قُطِعت، ورأس الشاجِّ لو كان أكبَرَ، لا يستوعب وَلاَ ينزل الإتمام المساحة إلى الوجّه، ولا إلى القَفَا، فإنهما عضوان وراء الرأْس، فلا تقابل موضِّحة عضْوٍ بموضِّحة عضْوٍ، كما لا يقابل عضْوٌ بعضْوٍ، ولكن يُؤْخَذ قسْطُ ما بَقِيَ منَ الأرش، إذا وُزِّع على جميع الموضِّحة فلو كان المستوفَى في إيضاح جميع رأسِهِ قَدْر الثلثينُ، أُخِذَ ثلثُ الأرش، وشبه ذلك بما إذا قطع ناقصُ الأصابعِ يدًا كاملةَ الأصابع، فإنه تقطع يده الناقصةَ، وتؤخذ أرْشُ الأصبع الناقصة، وعند أبي حنيفة: لا يَأْخُذ شيئًا من الأرْش مع القصاص، ويتخيَّر في الابتداء بين أن يقنع بإيضَاحِ رأْسِه، وبين أن يَدَع القصاص، ويأخذ أرشَ الموضِّحة.
وإن كان رأسُ الشاجِّ أكَبَر، لم يُوضَحْ جميع رأسه، بل يُقدَّر ما أوْضَح بالمساحة، والظاهر الذي أورده أكثرهم أن الاختيار في موْضِعِهِ إليه؛ لأن جميع رأسِه محَلُّ الجناية، ووراءه وجهان:
أحدهما: أنه يبتدئُ من حيْث ابتدأ الجاني، وَيذْهَب في الصوب الذي ذَهَب إليه إلى أن يتم القدْر، ويقال: إن هذا اختيار القاضِي حُسَيْنَ -﵀-.
والثاني: أن الاختيار إلى المجنيِّ عليه، فإن كان في رأْس الشاجِّ موضِّحة، والباقي يُقدِّر ما نريد القصاص فيه تعيَّن وصار كأنه كلُّ الرأس، ولو أراد أن يستوفِي في بعْض حقِّه من مُقدِّم الرأس، والبعْضَ من مؤخره، فقد حكى صاحب "التهذيب" في تمكينه منه وجهَيْن:
أحدهما: يُمَكَّن؛ لأن الموضعَيْن محلُّ الجناية مِنْ رأسه.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه مقابلةُ موضِّحتين بموضِّحة، ومَنِ استحق القصاصَ في موضحة وَتمكَّنَ من استيفائها، فأراد أن يستوفي البعْضَ ويأخُذَ للباقي قَسْطَه من الأرش، هل له ذلك؟ فيه وجهان في "النهاية":
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
أحدهما: نعم؛ لأن الذي أفرده بالقصاص قائلٌ للقصاص، فأشبه ما إذا قطَع أصبعَيْنِ، فإن للمجني عليه أن يَقْتصَّ في إحداهما، ويأخذ أرش الأخْرَى. وأصحُّهما: وهو الجواب في "التهذيب": المنع؛ لأنه متمكِّن من استيفاء الكلِّ، والبعض الذي يستوفيه يقابل الأرش التامَّ فليس له أن يأخذ شيئًا آخر، بخلاف ما لو أوضَحَ في موضعين له القِصَاص في أحدهما، وأخذ الأرش من الآخر؛ لأنهما جنايتان منفصلتانِ.
ولو أن الجانِيَ لم يُوضِعْ جميع الرأس، ولكن أوضح طرفًا منْه، كالقَذَال والناصية، فيُوضَح في ذلك المَوْضِع، فإن أوضح ناصيةً فأوضحنا ناصية فلم يبلغ مساحة الموضِّحة التي جنى بها؛ لصغر ناصيته فيكمَّل من باقي الرأْس؛ لأن الرأس كلَّه عضْوٌ واحدٌ، فلا فرق بين مقدَّمة ومؤخَّرة، وعن صاحب "الإفصاح" واختاره القاضي الحُسَيْن: أنه لا يجوز مجاوزةُ ذلك الموضِع، كما لا يجوز النُّزول إلى الوجّه والقفا؛ لتكميل موضِّحة الرأس، والمشهور الأوَّل، وهو المحكيُّ عن نصه في "الأم" ولو أوضَحَ جبهته، وجَبْهَةُ الجانِي أضيقُ، فلا يرتقي إلى الرأْس، وليجيء في مجاوزة موضِعٍ من الوجْه إلى موضِعٍ يلاصقه الخلافُ.
وإذا أوجبنا القصاصَ في الموضِّحة على سائر البَدَن فلو أوْضَح ساعِدَه، وساعدُ الجانِي أصغَرُ، لا يسع لموضحه الجناية، لم يجْرِ النزولُ إلى الكفِّ، ولا الصعود إلى العَضُد كما في الوجْه والرأس، ثم في الفصْل مسألتان: إحداهما: لو زاد المقتص على القدر المستحَقِّ، نُظِر؛ إن زاد باضطراب الجانِي، فلا غُرْم، وإن زاد عمْدًا اقتص منه في الزيادة، ولكن بعد إندمال الموضِّحة التي جَنَى علينا الجانِي بها، وإن آل الأمر إلى المال أو أخطأ باضطراب يَدِهِ، وجب الضمان وفي قَدْره وجهان:
أحدهما: وينسب إلى القفَّال: أنه يوزَّع الأرشُ عليهما، فيجبُ قسْط الزيادة؛ لأن الجراحة والجارحَ متحدانِ، وهذا كما ذكَرْنا أنه يجب القسْط فيما إذا كان رأْسُ الشاجِّ أصغَرَ.
وأصحُّهما: أنه يجب أرشُ كاملٌ؛ لأن حكْمَ الزيادة يخالفُ حكْم الأصل، فالأصل عمْدٌ مستحق والزيادةُ خطأ وغير مُسْتَحَقِّه وتغايَرَ الحكْم لتعدّد الجاني على ما سيأتي، ولو قال المقتص: أخطاتُ بالزيادة، وقال المقتص منه بل تعمَّدتَّ، فالمصدَّق المقتص بيمينه، ولو قال: تَوَلَّدَتِ الزيادةُ باضطرابه فأنكر، ففي المصدَّق منهما وجهان؛ لأن الأصل براءة الذَّمة، والأصل عدم الاضْطراب (١).
_________________
(١) لم يصرح المصنف ﵀ بترجح. قال في الخادم: الظاهر أن المصدق الجاني. وكلام الحاوي يقتضي أنه المذهب ولأنه منكر العمد به. صاحب الخادم. ينبغي أن يكون الوجهان في الغرم فلا يجب قطعًا.
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
الثانية: إذا اشترك جماعةٌ في موَضِّحَة؛ بأن تحاملوا على الآلة وأجْرَوْها معًا، ففيه احتمالان للإمام:
أحدهما: أنه يوزَّع عليهم القصاص، ويُوضَحُ كلُّ منهم قدْرَ حصته؛ لأن الموضِّحة قابلةٌ للتجزئة، والقصاص جازٍ في أجزائها فصار كما لو أتلفوا مالًا، يوزَّع عليهم الغرم، وعلى هذا، فتعيين الموضح إلى اختيار المقتصِّ أو المقتص منه وجهان:
والثاني: أنه يُوضَح من كل واحدٍ منهم مثْلُ تلْكَ الموضِّحة؛ لأنه لا جزء إلاَّ وكُلُّ واحدٍ منْهم جانٍ عليه، فأشبه ما إذا اشتركوا في قَطْع يدٍ، وهذا ما أجاب به صاحب (١) "التهذيب" ويجري الاحتمالان فيما إذا آل الأمرُ إلى المال؛ أنه يجبُ الأرْشُ مَوَزَّعًا عليهم أو يجِبُ على كلِّ واحدٍ منهم أرْش كاملٌ، قال الإِمام: والثاَني أقربُ، والأول هو المذكور في "التهذيب" وقوله في الكتاب: "لا في عِوَضِها" مُعْلَم بالواو وقوله "بل ضممنا إليه الأرش" بالحاء.
وقوله: " كمَّلْنا بما حَوَالَيْه" بالواو، لما بيَّنا، وليس المراد من قوله: "ضممنا إليه الأرشَ" الكاملَ بل قسْطًا من الأرش على ما قدَّمنا، وقد يُفْهَم ظاهر اللفظ خلافُه.
وقوله: "لشمول اسم الرأس" يعني أن اسم الرأْس يقع على الناصية وغيرها، فالكل عضوٌ واحدٌ، وفي بعض النسخ "لشمولِ اسْم الموضِّحةَ في الرأس" وقد يوجد في النسخ اسم الموضحة ولا وجه له.
واعلم أن ما ذكرنا أنه يُخْلَقُ شعْر رأْس الشاجِّ، إذا أُريدَ الاقتصاصُ مفروضٌ فيما إذا كان على رأْس كلِّ واحدٍ منهما شَعَر، أمَّا إذا لم يَكُنْ على رأس الشاجِّ شَعْر فلا حلْقَ، وإن لم يكنْ على رأْسِ المشْجُوج شعْر، فلا يُمْكُنُ القصاص؛ لما فيه من إتْلاف الشعْر الذي لم يتلفه، وحكي ذلك عن نصه -﵁- في "الأمِّ" ولا يؤثِّر التفاوُت في خِفَّة الشعْر وكثافته.
وأنه إذا شكَّ في أنه هل أوضَح بالشَّجَّة أم لا، لم يقتصَّ بالشك، ويتفحص عن الحال بالمسمار حتى يعرف، فيَشْهَدَ به شاهدان أو يعترف به الجاني، فإنَّ حكم الإيضاح يتعلَّق بالإنهاء إلى العظْم حتى لو غرز إبرةً حتى انتهتْ إلى العَظْم، كان ما أتى به موضِّحةً، وإن كان لا يظهر العَظْمُ للنَّاظِرِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: التَّفَاوْتُ الثَّانِي فِي الصِّفَاتِ وَلاَ تُقْطَعُ اليَدُ الصَّحِيحَة بِالشَّلاَّءِ، وَتُقْطَعُ
_________________
(١) فيه إشعار بترجيح الثاني وجرى عليه في المحرر فقال: إنه أورد الوجهين وهو المنقول عن الماوردى والغزالي وصاحب البيان.
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
(و) الشَّلاَّءُ بِالصَّحِيحَةِ إنْ قَنِعَ بِهَا وَلاَ يُضَمُّ إِلَيْهَا أَرْشٌ، وَكَذَا ذَكَرُ الأَشَلِّ، وَشَلَلُ الذَّكَرِ أَلاَّ يَتَقَلَّصَ في بَرْدٍ وَلاَ يَسْتَرْسِلَ فِي حَرٍّ، وَيقْطَعُ ذَكَرُ (ح م) الصَّحِيحِ بِذَكَرِ العِنِّينِ وَالخَصِيِّ وَالصَّبِيِّ إذْ لاَ خَلَلَ فِي نَفْسِ الْعُضْوِ، كمَا تُقْطَعُ أُذُنُ السَّميعِ بِالأَصَمِّ، وَأَنْفُ السَّلِيمِ بِالأَخْشَم وَأَنْفُ الصَّحيحِ بِالمَجْذُومِ إِلاَّ إِذَا أَخَذَ الْجُذَامُ فِي الَّتَفَتُّتِ، وَحَدَقَةُ العَمْيَاءِ وَلِسَانُ الأَبْكَم كَالشَّلاَّءِ، وَتُقْطَعُ الأُذُنُ الصَّحِيحَةُ بِالمَثْقُوبَةِ مِنْ أُذُنِ النِّسَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَيْنٌ، وَلاَ تُستَوْفَى كَامِلَةٌ بِأُذُنِ مَجْذُومَةِ قُطِعَ بَعْضُهَا، وَلَوْ كَانَ أَظْفَارُ المَجْنيِّ مُتَقَرِّعَةَ أَوْ مُحْصَرَةً أَوْ مَقْلُوعَةً قُطِعَ بِهَا الصَّحِيحَة نَظَرًا إِلَى كَمَالِ أَرْشِ الأُنْمَلَةِ مِنْ غَيْرِ ظُفُرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يَخْفَى أن مُطلَق تفاوُتِ الطَّرَفَيْنِ في الصفات لا يؤثِّر، بل تقطع اليد البيضاءُ بالسوداءِ أو السليمةُ بالبرصاءِ، ويد الصانع بيد الأخرق، وإن أطلق الترجمة إطلاقًا، فالمراد الصفات التي يؤثر التفاوت فيها أو يتخيَّل تأثيره، وفيه صور:
إحداها: اليَدُ والرِّجْل الصحيحتان لا تُقْطَعان بالشلاوَيْنِ، وإن رضي به (١) الجاني، وإنما الواجبُ في الطَّرَفِ الأشلِّ الحكومةُ، وهذا كما أنَّه لا يقْتَلُ الحرُّبالعبد، والمسلمُ بالذمِّيِّ وإن رضيَ الحرُّ والمسلمُ، ولو خالف المجنيُّ عليه، وقطع اليد الصحيحة، لم يقعْ قصاصًا، بل عليه نصْفُ الدية، فلو سَرى، فعليه قصاص النفس، فإن قَطَع برضا الجانِي، فلا قصاص عنْد السراية؛ لأنه قطعٌ بالإذْن، ثم يُنْظر، إن كان الجاني قال: اقطع يَدِي، وأطْلَق، جعل المجنيُّ عليه مستوفيًا لحَقِّه ولم يلزمه شيءٌ وإن قال: اقطعها؛ عِوَضًا عن يدك أو قصاصًا، ففيه وجهان:
أحدهما: إن على المجنيِّ عليه نصفُ الدية، وعلى الجانِي الحكومةُ؛ لأنَّه لم يبذل يده مجانًا، وهذا ما أجاب به في "التهذيب".
والثاني: أنه لا شيْءَ على المجنيِّ علَيْه وكأن الجاني أدى الجيد عن الرديء، وأخذه المستحِقُّ، وقد يتوقف في كونه مستوفيًا لِحَقِّهِ عند الإطلاق فلا يبعد تنزيل الإذن المطلق على الإذن عن جهة القصاص.
وأما اليدُ الشلاَّء والرِّجلْ الشلاء، فهل يُقْطَعان بالصحيحتين، في شرح "المختصر"
_________________
(١) قال الزركشي: هكذا أطلقوه هنا وهو مقيد ببقاء الحياة، أما لو مات المجني عليه بالقطع فقد قال الرافعي في كتاب الاستيفاء: أنه لو سرت الجائفة وقطع اليد من نصف الساعد جاز الاقتصاص بهذا الطريق تحقيقًا للمماثلة على الأظهر عند الأكثرين. ثم قال والقولان يجريان فيما لو قطع يدًا شلاء ويدا القاطع صحيحة وساعد من لا كف له والقاطع سليم هل يستوفى القصاص لليد والساعد.
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
للجويني: نقلُ وجهٍ عن أبي إسحاق أن الشَّلاء لا تُقْطع بالصحيحة مطلقًا؛ لأن الشرْع لم يَرِدْ بالقصاص فيها، والمشْهُور أنه يراجع أهل البصر، فإن قالوا: إنَّها لو قُطِعت، لم ينسد فمُ العروق بالحَسْم، ولم يَنْقَطِع الدمُ، فلا يُقْطَع بها؛ لِمَا فيه من استيفاء النفْس بالطَّرَف، وللمجنىِّ عليه الديةُ وإن قالوا: ينقطع، فله قطْعها، ويقع قصاصًا، كقتل الذمىِّ بالمسلم، والعبْدِ بالحر، وليس له أن يَطْلُبَ بسبب الشَّلَل أرْشًا، وَوُجِّهَ ذلك بأن الصحيحة والشَّلَاء متساويتان في الحرمة، والاختلاف بينهما في الصفة والصفة المجرَّدة لا تقابل بالمال، ولذلك إذا قُتِل الذميُّ بالمسلمِ، والعبدُ بالحرِّ، لم يجب لفضيلة الإِسلام والحرية شيْءٌ، وشبه أيضًا بما إذا تعيب العبد في يد البائع، فإن للمشتري إما أن يردَّه ويستردَّ الثمن، أو يرضى به بجميع الثمن، وليس له أن يُمْسِكَ، ويستردَّ بعض الثمن.
وهل تُقْطع الشلاءُ بالشَّلاء في "المهذب" وجّةٌ عن أبي إسحاق أنَّها لا تُقْطع بها لأن الشَّلَلَ علةٌ والعِلَل تختلِفُ مقاديرُها وتأثيرُها في البدن، فلا تتحقَّق المماثلة ويحكى مثْلُه عن أبي حنيفة، والمشْهور أنَّهما إن استويا في الشَّلَل، أو كان الشَّلَل في يدِ المقطوع أكثرَ، فتقطع بها، والشرط أن لا يخاف نزْفُ الدم، على ما ذكَرْنا وإنْ كان الشَّلل في يد المقطوع أكثرَ، فلا يُقْطَع بها، قال الإِمام: لأن تفاوتهما في الشلل يوجب التفاوُتَ في البدل، فلا تتحقق المقابلة، ويحكى مثله عن أبي حنيفة، والمشْهُور أنه إذا اختلفت نسبةُ الطرفَين إلى الجُمْلَتَيْنِ، لم يجب القصاص، وما المراد من الشلل في اليد والرجل؟ عن الشيخ أبي محمد: أن الشلَل زوالُ الحسِّ والحركةِ، ولذلك تُسمَّى اليدُ الشلاءُ ميِّتةً، وقال الإِمام: لا يُشْترط زوال الحسِّ بالكلية، وليست الشلاءُ ميتةً؛ ألا ترى أنَّها لا تنتن، وإنما الشلَلُ بطلانُ العمَلِ حتى تصير اليدُ بحيث لو أعمَلَها صاحبُها كان كإعمال ألةٌ من الآلات.
ولا أثر للتفاوت في البطش بل تُقْطَع يد الأيْد بيد الشيخ الذي ضَعُفَ بطشُه، لكن لو كان النقصانُ بجناية؛ بأن ضرب إنسان على يده، فنقص بطشه، وألزمناه الحكومة، ثم قَطَع تلْكَ اليَدَ رَجُلٌ كاملُ البطش، فقد حكى الإِمام أنه لا يُقْطَع يده بها؛ وأنه لا تجب عليه ديةٌ كاملةٌ على الأصح، وهذا كما مرَّ أن من صار إلى حالة المحتضرين وحَزَّ حازٌّ رقبته، يلزمه القصاص، بخلاف ما لو انتهَى إلى تلْك الحالةِ بجنايةِ جان [فلا قصاص على حازه].
وتقطع يد السليمِ ورِجْلُه بيد الأعسم، ورِجْل الأعرج؛ لأنه لا خَلَل في اليد والرِّجل، والعسم تشنج في المرْفق، أو قِصَر في الساعد أو العَضُد، وقيس به العَرَجَ.
ولا اعتبار باخضرار الأظفار، واسودادها، وزوال نضاَرَيها، فإن هذه الأحوال علَّةٌ ومرضٌ في الظفر، والطرف السليمُ يستوفى بالعليل، وأما التي لا أظفارَ لها، فالَّذي ذكره أصحابنا العراقيُّون وغيرهم: أنه لا تُقْطع بها السليمةُ الأظفار وأنَّها تُقْطَع بالسليمةِ،
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
وكذلك حكاه الإِمام عنهم منسوبًا إلى النص، وهو موافق للنصِّ الذي حكيناه فيما إذا اختص رأْس الشاج بالشعر على موضع الموضحة، لكن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه يكمل فيها الدية، فقال الإِمام، على سبيل الاحتمال: القياس جريانُ القصاصِ، وإن عدمت الأظفار؛ لأنها زوائدُ ولو لم يَجُزْ القصاصُ، لَمَا تمتْ دية اليد، ولا الأصبع الساقطة الظُّفُر، وجرى صاحب الكتاب على ما أبْدَاه الإِمام احتمالًا وترك المنقول الظاهر، ووَفَّى صاحب "التهذيب" بقياس المنقول عن القصاص، فقال: ينقص عن الدية شيْءٌ وكما لا تُقْطَع اليد الصحيحة بالشلاء، لا تقْطَع بالتي فيها أصبع شلاء، ولا يجير الشَّلَلُ في أصبع بالصحة في أخرى، فلا يجري القصاص في الكُوع بين اليد التي مَسَبِّحَتُها شلاء، والتي وسطاها شلاء، فإن استويا في الشلل، فهما كالشلاوين.
فرْعٌ: سليم اليد إذا قَطَعَ يدًا شلاء، ثم شَلَّتْ يَدُهُ، ذكر الإِمام أن شيْخَه قال: خرَّج القفَّال قولَيْن في الاقتصاص منه، ثم رجَعَ، وقطع بالمنع وهو الذي رآه الإمامُ مَذْهَبًا والجواب في "التهذيب": أنه يقتص منه، وكذا لو قطع يدا ناقصةٌ بأصبع، ثم سقَطَتْ تلك الأصبع من القاطع، بخلاف ما لو قَطَع ذميٌّ حرٌّ يدَ عَبْدٍ، ثم نقض العهد فسبى، واسترق، لا تقطع، ولو قتله، لا يقتل، وفرق بأن القصاصَ هناك امتنع لَعَدَمِ الكفاءة، والكفاءة تراعي حال الجناية؛ ألاَ تَرَى أنه لوْ قتل ذميٌّ ذميًّا أو عبدٌ عبدًا، ثم أسلم القاتل، أو عتق، يقتص منه، والامتناع هاهنا لزيادةٍ محسوسةٍ في يد القاطع والاعتبار فيها بحالة الاستيفاء، فإذا زالَتْ، قطع ولذلك لو قَطَع الأشلُّ يدًا شلاَّء، ثم صحَّت يد القاطع، لا يقتص منه؛ لوجود الزيادة عند الاستيفاء، قال: وكذلك اليدُ بأظفارها لا تُقْطع بالتي لا أظفار لها، فلو سقَطَتْ الأظفار القاطع، قُطِعَتْ بها، واليد التي لا أظْفار لها تُقْطَع بمثلها، فلو نبتَتْ أظفارُ القاطِعِ لم تقطع لحدُوث الزيادة.
الثانية: يجب في قطع الذَّكَر، وفي قطع الأنثيين أو في شَلِّهما القصاصُ، ولو دق خصيتيه، ففي "التهذيب" أنه يقتص بمثله، إن أمكن، وإلا وجَبَتِ الديةُ ويشبه أن يكون الرِّقُّ ككسر العظام، ولو قطع أو أشل إحْدَى الأنثيين (١)، وقال أهل البصر: يمكن القصاص من غير إتلاف الأخْرَى اقتص، وذكر القاضي الرويانيُّ: أن الماسرجسيَّ قال: إنه ممكن، وأنه وقع في عهْدِه لرجُلٍ من أهل فراوه وفي قطْع الذكر والأنثيين جميعًا القصاصُ سواء قطْع العضوَيْنِ معًا أو على الترتيب.
وعند أبي حنيفة إِنْ قطعهما معًا أو الذَّكَرَ أولًا، ففيهما القصاص، وإن قطع
_________________
(١) وهذا تحريف غير متعقل إذ الأنثيان لا يمكن إشلالهما، ولو تصور فلا قصاص في الإشلال إذ لا يمكن التماثل فيه على المذهب.
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
الأنثيين أوَّلًا، فلا قصاص في الذَّكَر بناءً عَلَى أن عنْده لا تُقْطع ذكَرُ الفحْل بذَكَر الخصيِّ.
والقول في قطْع ذكَرِ الصحيح بالأشلِّ وبالعكس، والأشل بالأشل على ما ذكَرْنا في اليدِ والرِّجل، وشلَلُ الذكَر بأن يكون منقبضًا لا ينبسط، أو منبسطًا لا ينقبضُ، هذه العبارة هي المتدَاوَلَة في أكثر، ويقالل: الذكَرُ الأشلُّ الذي لا يتقلَّص في البردْ، ولا يسترسلُ في الحَرِّ، وهما راجعانِ إلى المَعْنَى الأول، أي لا يتَأَثر بالبَرْد والحرِّ تقلُّصًا واسترسالًا، بل [يبقى] (١) على هيئة واحدةٍ ولا اعتبار بالانتشار وعدمه، ولا بالتفاوت [في] القوة والضعف، بل يقطع ذكَر الفحْل الشابِّ بذكر الخصيِّ والعِنِّين والشيخ؛ لأنه لا خلَل في نفْس العضْو، وتعذر الانتشار لضَعْف في القلْب أو الدِّمَاغ.
وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: لا يُقْطَع ذكر الفحل بذَكَر الخصيِّ والعنين، ولا فرق بين الأقْلَفِ والمَخْتُون، والجلْدة الزائدةُ حقُّها أن تكون زائدة زائلَةً.
الثالثة: تقطع أذن السميع بأذن الأصمِّ، وبالعكس؛ لأن السمع لا يحل حرم الأذن، وإنما هو سبيل السمع وآلته، وفي "جمع الجوامع" للرويانىِّ: أن مالكًا ذهب إلى أنه لا تقطع أذن السميع بأذن الأصم، وفي قطْع الأذنِ الصحيحةِ بالمستَحْشَفَة قولان:
أحدهما: لا تقطع، كما لا تقطع اليدُ الصحيحةُ بالشلاء.
والثاني: تُقْطَع، البقاء الجمال فيها وبقاء المنفعمة من جمع الصوت، وردِّ الهوامِّ، بخلاف إليه الشلاء (٢)، قال في "العدة": وهذا أصحُّ، والقول في الاستحسان يعود في الديات، ولا فرق بين المثقوبة وغيرها، إذا كان الثُّقْب للزينة، ولم يورث شيئًا ونقصانًا، فإن أورث نقصانًا، فلتكن المنقولةُ كالمخرومة، فلا تُقْطع الصحيحةُ بالمخرومة، وهي التي قطع بعضها، ولكن يُقْطَع منها بقَدْر ما كان قد بَقِيَ من المخرومة وهذا إذا قلْنا: يجب القصاصُ في بعْضِ الأذنِ، على ما سبق، وإن شُقَّت مِنْ غَيْر أن يبان منها شيْءٌ، فقد نقل الإِمام عن العراقيِّين؛ أنه لا تُقْطَع الصحيحةُ بها أيضًا، لفوات الجمال فيها،
_________________
(١) ف ز: يكون.
(٢) قال الشيخ البلقيني: فيه اعتراض بأمور: الأول: إن البغوي والرافعي وغيرهما صححوا أن الواجب على من جنى على أذن فاستحشفت الدية لا الحكومة وأن الواجب على من قطع المستحشفة الحكومة فكيف يحسن تصحيح قطع الصحيحة بها. الثاني: إن في جملة العلة هنا، رد الهوام، وهذا مخالف لما ذكره الرافعي في كتاب الديات من أن منع الهوام يسقط بالاستحشاف.
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
قال: ولست أرى الأمْرَ كذلك؛ لبقاء الجرم بصفة (١) الصحة، وتقطع المخرومة بالصحيحة، ويؤخذ من الدِّية بقدر ما كان قد ذهب من المخرومة.
الرابعة: تُقْطَع أنف الصحيح بانف الأخشم؛ لأن الشم ليس في جرم الأنْفِ وهل يقطع أنفُ السليم بأنف المجذوم قال في "التهذيب": إن كان في حال الاحمرار قُطِع به، وإن اسودَّ، فلا قصاص لأنه دخل في حد البلى وإنما الواجب فيه الحكومة، ولم يفرق وقالوا: عامة الأصحاب بين الاحمرار والاسوداد وقالوا: يجب القصاص مَا لَمْ يسقطْ منه شيْءٌ، ولا يجعل استحكام العلَّة واليأس من زوالها منزلةَ الشَّلَلِ في اليدِ؛ لأن منفعة اليدِ تبطل بالشَّلَل، وأصل الجمال والمنفعة في الأنف باقٍ ما بقيَ جرمه، أما إذا سقط منْه شيْءٌ، فلا يقطع به الصحيح، ولكن يقطع منه بقَدْر ما كان قد بَقِيَ من المجنيِّ عليه إن أمكن، وإن كان بأنف القاطِع نقصانٌ مثْل نقصان أنف المجذوم جَرَى القصاص.
قال الإِمام: وظن بعض الأصحاب أن الشافعيَّ -﵁- أسقَطَ القصاصَ فيه، إذا سقط منه شيءٌ بالجذام، وإن كان نقصان أنْفِ القاطعِ مثْلَ نقصانه وهو غلَطٌ.
الخامسة: لا تؤخذ العيْنُ الصحيحةُ بالحدقة العمياء، والصورة القائمة من الحدقة كاليد الشلاء وتؤخذ القائمة بالصحيحة، إذا رضي المجنىٌّ عليه به، ويقطع جفْن البصير بجفن الأعمى؛ لتساوى العضْوَيْن في الجرم والصحة، وفقد البصر ليس في الجَفْن.
السادسة: لسان الناطِقِ لا يُقْطَع بلسان الأخرس؛ لأن النطق في جرم اللسان، واللسان العاطلُ كاليد الشلاء، والحدقة القائمة كأذن الأصم، وأنف الأخشم، ويقطع لسان الأخرس بلسان الناطق، إذا رضي به المجنيُّ عليه ويقطع لسان المتكلِّم بلسان الرضيع، إن ظهر فيه أثر النُّطْق بالتحريك عند البكاء وغيره، وإلا لم يُقْطَع.
وعند أبي حنيفة: أنه لا يُقْطَع به حالٍ، وإن بَلَغ، أو آن المتكلم ولم يتكلَّم، لم يقطع به لسان المتكلم، وقد وقع في ترتيب صور الكتاب بعض التقديم والتأخير للحاجَةِ، وليعلم قولُه: "وتُقطع الشَّلاءُ بالصحيحة" للوجه المُعْزَى إلى أبي إسْحَاق.
وقوله: "ولا يضم إليها أرشٌ" مغنٍ عن قوله: "إن قنع بها"، والشرط أن لا يخاف نزْف الدم، كما بيَّنَّا، ولم يتعرض له.
وقوله: "ويقطع ذكر الصحيح" مُعْلَم بالحاء والميم والألف.
وقوله: "كما تقطع أذُنُ السميع" بالميم.
وقوله: "إلا إذا أخذ الجذام في التَّفتُّت" أي فلا يقطع به الصحيح كلُّه، وإنما
_________________
(١) قال النووي: هذا الذي قاله الإِمام ضعيف.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
يقطع قِسْطُ الصحيح بما بقي من المجذوم عند الإمكان، وقوله: "وحدقة العمياء" الأقوم بهذه اللفظة "والحدقة العمياء" لا حدقة العمياء وكلٌّ يوجد في النسخ.
وقوله: "كالشلاء" يعني اليد الشلاء. قوله: "من أُذُنِ النساء" لا اختصاص لمسألة الأُذُن المثقوبة بالنساء، لكنه فيهن أغلَبُ، فلذلك ذكر "أن النساء".
وقوله: "إذا لم يكن شيْنٌ" أي لم يحْدُث به شين ولفظ "الوسيط" وإذا لم يُرِث الثُّقْب شيئًا، كأذن النساء. وقوله: "قُطِعَ بعضُها" كالتفسير للمجذومة.
وقوله: "ولو كانت أظفار المجني عليه متَقَرَّعَة" قد تقرأ الزاي، يقال: تَقَزَّع القوم أي تفرَّقوا، وهي التي لم تبْقَ ملاستها واستواؤها، وصارت كالقِطَع المتفرِّقة، وقد تُقْرأ بالراء ويجعل "مُتَفَعِّلًا" من القَرْع، وهو الإصابة، كأنه أصَابها شيْءٌ بعْد شيءٍ في الأعمال الشاقَّة، حتى تقرَّعت وتفرجت، والجواب المذكور في المقلوعة خلافُ ظاهرِ المذْهَبِ، كما عرفْتَ، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الكمال" من قوله: "إلى كمال أرش الأنملة من غير ظفر" بالواو.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قُطِعَ أُذُنُهُ ثُمَّ الْتَصَقَ فِي حَرَارَةِ الدَّمِ لَمْ يَسْقُطِ القِصَاصُ، وَوَجَبَ قَطْعُهُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ نَجِسٌ، وَلاَ يُقْلَعُ سِنُّ البَالِغِ بِسِنِّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ، وَكَذَا إِذَا فَسَدَ مَنْبِتُ الصَّبِيِّ لَكِنْ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، لِأَنَّ سِنَّ الصَّبِيِّ فَضْلَةٌ فِي الأَصْلِ وَسِنُّ البَالِغِ أَصْلِيُّ، وَإنْ أَعَادَ سِنُّ البَالِغِ فَفِي سُقُوطِ القِصَاصِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ عَادَتِ المُوَضِحَةُ مُلْتَئمَةً لَمْ يَسْقُطِ القَصَاصُ، وَلَوْ قَطَعَ فلْقَةً مِنْ طُولِ لِسَانِهِ فَعَادَ فَهُوَ مُتَردِّدٌ بَيْنَ المُوَضِّحَةِ وَالسِّنِّ، فَإن حَكَمْنَا بِسُقُوطِ القِصَاصِ وَكَانَ قَدِ استَوْفَاهُ لَزِمَهُ الدِّيَةُ، وَإنْ كَانَ العَائِدُ سِنَّ الجانِي فَهَلْ يَقْلَعُهُ عَلَى هَذَا القَوْلِ ثَانِيًا وَثَالِثًَا إلى إفْسَادِ المَنْبَتِ فِيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مَسْألتان:
احداهما: إذا قطع أذُن إنسانٍ، فألصقها المجنيُّ عليه في حرارة الدَّمِ، فالتصقت، لم يسقط القصاصُ، ولا الدية عن الجانِي؛ لأن الحُكْم يتعلَّق بالإبانة، وقد وجدتُّ ثَمَّ ذكْرَ الشافعيِّ -﵁- والأصحاب: أنه لا بدَّ من قطع المُلْصَق؛ لتصح صلاته، وسببه نجاسة الأذن المبانة في نفسها، إَن قلْنا: إنَّ ما يبان من الآدميِّ نجسٌ، وان لم نقل به، فالسبَبُ أن الدمَ قد ظهر في محلِّ القطع، وثبت له حكْم النَّجاسة، فلا يزول بالاستبطان، ويجيء فيه ما مرَّ في "كتاب الصلاة" في وصْل العَظم النَّجِس بالعَظْم، والتفصيل بين أن ينبت اللحم على موضِعْ النجاسة أَوْ لا ينبت، وبين أن يخاف المُتْلف من القَطْع أو لا يخَاف، ولو قطَعها قاطعٌ، فلا قصاص عليه، إذا كانتْ مستحقة الإزالةِ، وان لم نوجب إزالتها لخوف التلف مثلًا، فسرى قطْع القاطع إلى النفْس، فقد حكى
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
الإِمام عن المحقِّقين أن علَيْه قِصاصَ النفْسِ، ولم يستبعد خلافه؛ لأن اختلاف العلماءِ في وجُوب القصاص يجوز أن يصير شبهة دارئة للقصاص، ثم هي، وان كانت مستحقَّة القطع، فليس للجاني أن يَقُول: أبينوا أذنه ثم أبينوا أُذُنِي، فإن مِنْ قِبَلِ الأمر بالمعروف، لا اختصاص له به، والنظر. في مثله إلى الأمام، ولو اقتص المجنيُّ عليه، فألصق الجاني أذُنَه، فالقصاص حاصلٌ بالأبانة، وقَطْع ما أُلْصِقَ بعد الإبانة، لا يختص به المجنيُّ عليه، ولو قطع بعْض إذنه، ولم يُبِنْ، ففي القصاص في ذلك القَدْر خلافٌ سبق، وذلك إذا بقي غيْر ملتصق، أما لو ألصقه المجنيُّ عليه، فالتصق، سقَطَ القصاصُ والديةُ عن الجاني، ورجع الأمر إلى الحكومة كالإفضاء، إذا اندمل، تسقُطُ الدية، ولذلك نقول: لو جاء آخر، وقَطَع الأذن بَعْد الالتصاق، يلزمه القصاصُ أو الديةُ الكاملةُ، هذا أصحُّ الوجهين والمحكيُّ عن النص.
والثاني: عن صاحب "التقريب" أنه لا يسقط القصاص في القَدْر المقطوع، كما لا يَسْقُط قصاص الموضِّحة بالاندمال، ولو وان كان قد أوضَحَ آخَرُ، يلزمه القصاص، ولا يجب قَطْع الملصق قبل تمام الإبانة، هكذا أطلقوه، وهو ظاهِرٌ إن بنينا وجوبَ القطْع على نجاسة المبان بالإبانة، وغير ظاهر، إن بنيناه على ظهور المَوْضِع والدم النجس علَيْه ولو استأصل أذنه، وبقيت متعلِّقة بجلْدة، فلا خلاف في وجوب القَصاص؛ لإمكان رعاية المماثلة، وقد ذكْرنا نحوًا مته، لكن لو ألصقَهَا المجنيُّ عليه، فالتصقت، لم يجب قطْعُها، وفي سقوط القصاص عن الجانِي هذا الخلاف، ولو أبان أذنه، فقطع المجنيُّ عليه بعْضَ أذنِه مقتصًّا، فألصقه الجاني، فللمجنيِّ عليه أن يعودَ، فيقْطع؛ لاستحقاقه الإبانَة.
وربط السنِّ المقلوعة في مكانِها وثبوتها كإلصاقِ الأذُن المقطوعة والتصاقها.
المسألة الثانية: في السنِّ القصاصُ، وإنما يجب عند القلْع، فأما إذا كسر سن غيره، فلا قصاص؛ بناءً على الأصْل الذي تقدَّم: أنه لا قصاصَ في كسْر العظام؛ لأنه لا يمكن حفْظ المماثلة فيه؛ ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، وحكى القاضِي ابن كج عن نصه -﵁- في "الأم": أنه إذا كَسَر بعض سنه، يراجع أهل الخبرة، فإن قالوا: يمكن استيفاء مثله بلا زيادة، ولا صدع في الباقي، اقتص منه، وهذا ما أورده الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" (١) وقد يوجه ذلك بأن السِّنَّ عَظْم مشاهدٌ من أكثر
_________________
(١) قال في الخادم: ليس فيه تصريح بترجيح لكن جزم في المحرر بما قاله البغوي وتبعه في المنهاج والصواب ما حكاه ابن كج لأنه قول صاحب المذهب وبه جزم الماوردي والمتولي في التتمة وصور بعضهم الإمكان بأن يكون قد كسر نصفها بالطول. انتهى ما أردته منه، وما ذكر أنه قول صاحب المذهب نقله شيخه البلقيني عن نص الأم وساق النص.
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
الجوانب، ولأهل الصنعة آلات قطَّاعة يُعْتَمَدَ عليها في الضَّبْط، فلم تكن كسائر العظام، ولا تُؤْخَذ السنُّ الصحيحةُ بالمكسورةِ، وتُؤْخذ المكسورةُ بالصحيحة" مع قِسْط الذاهب من الأرْش، وتُؤْخَذ الزائدةُ بالزائدةِ بالشرط الذي سبَق، ولو قَلَع سنَّ رجُلٍ، وليس للجاني تلك السنُّ، فلا قصاص، وتُؤْخَذ الديةُ، فلو نبتت بعد ذلك، فلا قصاص أيضًا؛ لأنها لم تكنْ موجودةً يوم الجناية، ونظيرُهُ مَن أوضَحَ، واقتص، واندملت جراحته، ولم تنْدَمِلْ جراحَةُ الشاجِّ، وأوضح في ذلك الموضع ثانيًا، ثم اندملت جراحةُ الشاجِّ، قال الرويانيُّ في "التجربة": والذي يجيْء على المذْهَب؛ أنَّه لا يقتض منه؛ لأن مَحَلَّ القصاصِ لم يكُنْ موجودًا يومئذ، ثم إذا قلع سن غيره، فذلك يفرض على وجوه:
أحدها: إذا قلَع مثغورٌ سنَّ صبيٍّ، لم يثغر، فلا يوجد في الحال قصاصٌ ولا دية لأنها تنبت وتعود غالبًا، فإن نبتتت، فلا قصاص ولا دية، ولكن عليه الحكومة إن نبتت سوداءَ أو معوجةَ أو خارجة عن سمت الأسنان، أو بقي شَيْنٌ آخَرُ بعد النبات، وإن نبتت أطولَ ممَّا كانَتْ أو نبَتَ مَعها ساغية (١)، فكذلك في أشبه الوجهَيْن، وإن نبتت أقصر ممَّا كانتْ، وجَب بِقَدْرِ النقصان من الأرْش، فإن جاء وقتُ نباتها بأن سقطت سائر الأسنان، وعادت، ولم تنبت المقلوعة، أُرِيَ لأهلْ البصير، فإن قالوا: يتوقع نباتها إلى وقت كذا، توقفنا تلْك المدة، فإن مضت، ولم تنبت، أو قالوا: قد فسد المنبت، ولا يتوقع النبات، فقد حكى صاحب الكتاب فيه قولَيْن.
أحدهما: لا يجبُ القصاصُ؛ لأن سِنَّ الصبيِّ فضلةٌ في الأصل نازلةٌ منزلةَ الشعْر الذي ينبت مرَّة بعد أخرى، وسن البالغ أصلية.
والثاني: يجب؛ لأنه قَلَع السِّنَّ الحاصلة في الحَالِ، وأفْسَد المنبت، فيقابل بمِثْلِه، وهذا الثاني هو الذي أوردَهُ الجُمْهور مقتصرين علَيْه، وليس لهم ذكْر القولَيْن، حتى لَمْ أره في كتاب الإِمام، إلا أنه يُعَدُّ ما نقل إطلاق الأصحاب من القول بوُجُوبِ القصاص.
قال: وفي القلب منه شيْءٌ، لأن غير السِّنِّ من المثغور عُضْوُ قصاصٍ، ومن غير المثْغُور ليس عُضْوَ قَصاصٍ، فلا يتَّجه فيهما المقابَلَة، ثم إذا أوجبْنا القصاص، فالاستيفاء إنَّما يكون بعْد البلوغ، فإنْ ماتَ الصبيُّ قبل البلوغ، اقتص وارئه أو أخَذ الأرْشَ، وإنْ مات قبل حصول البأس وتبين الحال، فلا قصاص، وفي الأرْشِ وجهان، وهذه الصورة مذكورةٌ في الكتاب في "الديات".
والثاني: إذا قلع مثْغُورٌ سنَّ مثغورٍ، فلا كلام في تعلُّق القصاص به، لَكِنْ لو نبتَت
_________________
(١) السنن الساغية: هي الزائدة على الأسنان والمخالفة لنبتة غيرها.
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
سنُّ المجنيِّ عليه، ففي سقُوطِ القصاص قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه يسقط القصاص؛ لأن ما عاد قائم مُقَامَ الأوَّل، فكأنه لم يَفُتْ، فصار كما لو عَادَ سن غير المثغور.
والثاني: لا يسقط، وهو اختيار المزني؛ لأنه لم تجر العادةُ بنبات سنٍّ من المثغور، وما اتفق نعمةً وهبةً جديدةً من الله تعالى، فلا يسقط به حقُّه على الجاني، وكلامُ الأئمَّةِ إلى ترْجيح هذَا القوْل أمْيَلُ، وقد صرَّح به صاحب "العُدَّة" وسواء قلْنا: يسقط أوْ لا يسْقُط فلا ينتظر العود بل للمجنىِّ عليه أن يَقْتصَّ أو يأخذ الدية في الحال؛ لأن انتظار ما هو في غاية الندرة مستبعدٌ، ومنهم مَنْ يقول: إن قلْنا بالسقوط، فيراجع أهْل الخبرة، [فإن] قالوا: قد تَعُود إلى مُدَّة كذا ينتظر تلْك المدة، ويكون الحُكْم كما ذكرنا في غير المثْغُور، ولو التأمت الموضِّحة، والتحمَتْ، لم يسقط القصاص ولا الدية؛ لأن العادة المستمرَّة فيها الالتحامُ والغذاء يستحيل لحمًا، فلو جعلْنا الالتحام مغيرًا لموجبها قَصاصًا ودية؛ لاخْتصَّتِ المؤاخذةُ بما إذا بقي العظْم بارزًا، وصارت مُعْظم المواضِحِ هَدَرًا، وكذلك الحُكْم في الجائفة.
وعن صاحب "التقريب" وجْه أنَّها إذا التحمتْ، زالَ حُكْمها، ورأى الإِمام تخصيصَ هذا الوجه على ضعْفه بما إذا نفذَتِ الحديدة في الجَوْف، وحصل الخَرْق من غَير زوالِ لَحْم من البدن دون ما إذا زال شيْءٌ، ونبت لحْمٌ جديدٌ، ورأى طَرْدَه في مثْلِها في الموضِّحةَ أيضًا، ولو قَطَع لسانَ إنسانٍ، فنبت، ففي سُقُوط القِصَاص طريقان.
أحدهما: أنَّه على القولَيْن في عوْد السِّنِّ.
وأصحُّهما: القطع بالمنع؛ لأن عوْده بعيدٌ بمرةِ، فإن اتفق، فهُو محضُ نعمةِ من الله جديدةٍ، وجنسُ السنِّ يعتاد فيه العَوْد، فلا يبعد أن يُلْحَقَ نوع منه بنوع.
التفريع على القولَيْن في عود السن.
إذا اقتصَّ المجنىُّ عليه أو أخذ الأرْشَ، ثم نبت سنَّه، فليس للجاني قلْعُها، وهل يُسترَدُّ الأرْشِ، إن أخذ المجنىُّ عليه الأرش؟ فيه وجهان أو قولان، إن أقمنا العائدَ مُقَامَ الأوَّل، فنعم، وإن جعلْناه هبةً محددةً فلا، وهذه الصورةُ مذكورةٌ في الكتاب في "الديات" كان كان المجنيُّ عليه قد اقتصّ، فهل يطالبه الجانِي بأرْش السنِّ يبنى على هذا الخلاف، وعن رواية صاحب "التقريب" عن أبي الطيِّب بن سلمة: أنه لا يُطالب في صورة الاقتصاص بشَيْء؛ لأن استرداد الأرْش المدْفُوع ممكنٌ بخلاف القصاص المستوفَى، وهو ضعيفٌ، ولو تعدَّى الجاني، فقَلع السنَّ العائدةَ، وقد اقتص منه، فإن أقمْنا العائدَ مُقامَ الأول، فعليه الأرْش بهذا القَلْع؛ لتعذُّر القصاص، وقد وَجَبَ له على
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
المجنيِّ عليه الأرْشُ بالعود، ففيه الكلام في التقاصِّ، وإن جعلناه هبةٌ مجددةً، فعليه الأرش للقلع في الثاني، وقد استوفى موجِب الأول بالقِصاص، وعلى هذا القَوْلِ؛ لو لم يقتصَّ منه أَوَّلًا أو أخذ الأرش، فللمجني عليه أن يقتص، للقلع الثاني، ولو لم يقتصَّ، ولا أخَذَ الأرش، فعليه قصاصٌ وأرش أو أرشان، وإذا اقتصصنا من الجانِي، فعاد سنُّه دون سنِّ المجنيِّ عليه، فإن أقمْنا العائدَ مُقام الأوَّل، فهل للمجنىِّ عليه القلْع ثانيًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه قابل قلعاٌ بقلع، فلا تُثَنِّى عليه العقوبة، لكن له الأرش، لخُروجِ القلع الأول عن أن يقع قصاصاٌ، وكأنه تعدَّر القصاص بسبب من الأسباب.
والثاني: نعم؛ لأن الجاني أَفْسَدَ منبته فيُكرِّر عليه القلْع إلى أن يفسد منبته، وإن جعلْناه هبة مجددة، فلا شيء للمجنيِّ عليه، وقد استوفَى حقه بما سبق، وهذا هو الأظهر، ولو اقتصَصْنا، وعاد سن الجانِي والمجني عليه معًا، فلا شيء لواحد منْهما على الآخر باتفاق القولَيْن، أما إذا أقمنا العائدَ مُقامَ الأول، فكأنه لا جناية ولا قصاص، وأما إذا جعلْناه هبةً مجددةً، فقد وفَّينا بموجب الجناية بالاقتصاص، ثم إنَّ اللهَ تعالى أنعم عليهم بنعمتَيْنِ جديدَتَيْن.
قال الإِمام: ومَنْ بَدِيعِ التفريع إفضاء قولَيْن مختلفَيْنِ إلى مقْصُودٍ واحدٍ.
والثالث: إذا قلَع غيرُ مثغور سنَّ مثغورٍ، ذكر القاضي ابن كج؛ أن المجني عليه يأخُذ الأرشَ، إن شاء، ويقتص [إن شاء، وليس له مع القصاص شيْءٌ آخر، كما في أخذ الشَّلاَّء بالصحيحة] (١) وهذا، إذا كان غير المثْغُور قدْ بَلَغ، هالا فلا قصاص وفي "أمالي" أبي الفرج: أنَّه يقال له: إن قلعْتَ سنَّه الآن، فالظاهر منها العَوْد، فاصْبِرْ إلى أن يصير مثغورًا، فإن استعجل، أجيب، وشرط عليه أنه لا حَقَّ له [عليه] فيما يعود.
والرابع: إذا قلَع غيرُ مثغورٍ سنَّ من غيرِ مثغورٍ، فلا قصاص في الحال؛ لأن الغالب في السن المقلوعة النبات، فإن نَبَتَتْ، فلا قصاص ولا دَية، على ما ذكرنا في قلْع المثغور سنَّ غير المثغور، وإن لم تَنبت، وقد دخل وقته، فللمجنيِّ عليه أن يأخذ الأرْش، ويقتص، فإن اقتص، ولم يعُدْ من الجانِي، فذاك، وإن عادَتْ، فهل يقلع ثانيًا؟ فيه وجهان:
أظهرهما: على ما ذكر الإِمام: نعم.
وقوله في الكتاب: "ولا يقلع سن البالغ بسن الصبي الذي لم يَثْغر" ولا يخفى أن
_________________
(١) سقط من: ز.
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
المراد المَثْغُور وَغير المثغور، وأن التعرُّض للبالغِ والصبيِّ جَرَى على العادة الغالبة في الحالَتَيْنِ، ويقال: ثَغَرَ الصبيُّ إذا سقطت رواضعه فهو مثغور، فإذا نبتَتْ قيل بالتاء على الادغام بعْد قلب الثاء تاء "وأثغْر" إظهارًا للحرف الأصلي وقوله: "ولو قطع فلقة من طول لسانه". المسألة لا تختصُّ بالفلْقة بل الحُكْم في جميع اللسان كذلك، إلا أنَّ عوْدَ جميع اللسان أبعدُ عن التصوُّر، ففَرَضَ في الفلقة، واتَّبَعَ فيه الإِمام.
وقوله: "وكان قد استوفاه، لزمه الدية" يجوز إعلامه بالواو.
فرُوعٌ: وإن نبتت، قلتَ: أصل المستحبِّ في قصاص الجروح والأطراف التأخيرُ إلى الاندمال واستقرار الجناية، وظاهر المذْهَب أن المستحِقَّ، لو طلب القصاصَ في الحال، يجاب ولا يؤخر إلى الاندمال، والظاهر على ما ذكر صاحب "التَّهذيب" وغيره: أنه لو طالب بالمال، لا يجيبه ويُنْظَر إلى الاندمال، قال: والفرق أن القصاص في تلْك الجراحةِ، وفي ذلك الطَّرَف ثابت للمجنيِّ عليه، وإن سرَتِ الجراحةُ إلى النَّفْس أو شارَكَ غيره في الجُرْح، والمال لا يَتقدَّر، فقد تعود الديتَان فيما إذا قَطَع يديه ورجَلْيه إلى دِيَة واحدةٍ بالسراية، وقد يشاركه واحدٌ أو جمْعٌ، فيقل واجبه، وإذا لم يتيقن قدْر الواجب، لم يؤخذ، وفي كل واحدٍ من القصاص والمال خلافٌ، وفي كيفية الخلاف طرقٌ.
أحدها: أن فيهما جميعًا قولَيْن بالنقل والتخريج، ونَصُّه في القصاص أنَّه يعجِّله وفي المال أن لا يُعجِّل.
أحدهما: أن يُستوفَى ما يطلُبُه المجنيُّ عليه منهما؛ لوجود الجناية الموجِبَة.
والثاني: المنْع إلى أن تستقر الجناية بالاندمال.
والثاني: قَطَع بعضُهم في القَصاص بأنهُ يعجَّل قالُوا: والنص في المال أنه لا يُؤخَذُ قبل الاندمال، ونصَّ فيما إذا جنى السيد على مكاتَبه على أنه يعجِّل الأرش، ليصرفه إلى النُّجُوم، فحصل من النصيْنِ قولانِ في تعجيل المال.
والثالثُ: قطَع آخرونَ بأنَّه يُعجِّل القصاص، ولا يعجل الماء إلا في مسألة المُكَاتَب، والفرْق أن المكاتَبَ يخاف سقُوط المالِ؛ بأن يموت رقيقًا أو يعْجز، والحرُّ لا يخاف سقوطه، وأيضًا فالكتابة موضوعةٌ على تعجيل العتق ما أمكن، وكذلك لو عجَّل المكاتَبُ النجْمَ قبل المحلِّ، يُجْبر السيد على القَبُول، وفي سائر الديون المؤجَّلة تفصيلٌ وخلافٌ، وإذا قلْنا: يعجل المال قَبْلَ الاندمال، ففي قَدْرِهِ وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق لا يعجِّل إلا ديةَ نفْسٍ؛ لأن احتمالَ السرايةِ قريبٌ ليس بنادرٍ، فبتقدير السراية لا يَجِبُ إلا دية نفْس.
والثاني: تجب أروش الجراحات ودياتُ الأطرافِ، كما كانت؛ لأن أسبابها
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
حاصلة ونقصانها بالسراية غير محقَّق، فإن اتفقتِ السرايةُ استردَدْنا الزيادةَ، وحكى الإِمام وجهَيْن عن الصائرين إلى التعجيل في "مسألة المكاتَبِ" في أنه هل يخص الحُكْم بما إذا كان المالُ المأخوذُ وافيًا بالنجوم أو بما بَقِيَ منها أَو يعمَّم قال: ولو كانتِ الجراحةُ جراحةَ حكومةٍ، فلا بد من التوقُّف إلى تبيُّن العاقبة، وعن بعض الأصحاب فيما رواه الشيخ أبو محمَّد: أنه يُؤْخَذ أقلُّ ما يُفْرض حكومةً لتلْك الجراحة، وعند أبي حنيفة [ومالك وأحمد]: لا يستوفى قصاص الطرف قبل الاندمال، بناءً على أصْلِهِمْ؛ أنه إذا صارت الجنايةُ نفْسًا، سقَطَ قصاصُ الطَّرَف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّفَاوُتُ الثَّالِثُ فِي العَدَدِ فَإنْ كَانَ يَدُ الجَانِي نَاقِصًا بِاُصْبُع قُطِعَتْ (ح) وطُولبَ بِالأرْشِ، وإنْ كانَ النَّاقِصُ يَدَ المَجِنيِّ عَلَيْهِ كَانَ (ح) لَهُ لَقْطُ الأَصَابعِ الأَرْبَعِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى يَدِ الجَانِي أُصْبُعَانِ شَلاَّوَانِ فَلَهُ لَقْطُ الأصَابِعِ الثَّلاَثِ وَلَهُ دِيَةُ الأُصْبَعَيْنِ، وَحُكومَةُ الكَفِّ تَنْدَرجُ تَحْتَ جَمِيعِ الأَصَابعِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَلْ يَنْدَرجُ تَحْتَ قِصَاصِ الأَصَابِعِ، وَهَلْ يَنْدَرجُ بَعْضُهُ تَحْتَ دِيَةِ بَعْضِ الأَصَابع فِيهِ وَجْهَانِ، وَالصَّحِيحُ (و) أَنَّهُ لاَ يَنْدَرجُ تَحْتَ حُكُومَةِ الأصْبُعِ الشَّلاَّءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تفاوت العضوَيْن في العدَدِ قد يكون بالنقصانِ في طرَف الجانِي، وقد يكون بالنقصانِ في طرف المجنيِّ عليه، وفيهما صور:
إحداها: لو كانَتْ يد الجانِي ناقصةً بأصبعٍ، وقد قطع يدًا كاملةً، فالمجنيُّ عليه يأخذ ديةَ اليدان إن شاء، وإن شاء قطع يده الناقصةَ وأخذ الأرش للأصبع، ولو كانت ناقصة بأصبعين فله قطْع يده وأرْشُ أصبعين، وقال أبو حنيفة: لا أرش له مع قطْع اليد.
لنا: أنَّ الجانِيَ قد قطع منه أصبعًا، لم يستوْفِ قِصاصَها، فيكون له أرشُها لقوله -ﷺ-: "فِي كُلِّ أصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ" (١) وَأَيْضًا، فإن تلْك الأصبع، لو كانت، لكان له استيفاؤُها، فهذا لم توجَدْ، استوفى بدَلَها، كما لو قطع أصبعين، وليست له إلا واحدةٌ [ويخالف] ما إذا كانتْ يد الجاني شلاء، وأراد المجنيُّ عليه قطْعَها، فإنه لا يأخذُ معها شيئًا؛ لأن النقصانَ هناك نقصانُ صفةٍ، وجرمُ الأصابع باقٍ، والنقصان هاهنا نقصانُ جزء، وحكْمُ النقصانين مختلفٌ؛ ألا ترى أنه لو أتلَفَ إنسانٌ عليه صاعَيْ حنطةٍ، ووجد للمتلف صاعًا، كان له أن يأخذُهُ، ويطلب بدل الباقي، ولو أتْلَفَ عليه جيدًا، ووجد له رديئًا من جنْس المُتْلف، فأراد أن يأخذه ويطلب أرشًا، لم يكن له ذلك، وكذا لو قطَع
_________________
(١) رواه أبو داود من حديث أبو موسى، ومن حديث ابن عباس أيضًا، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
أصبعَيْن من غيره، وله أصبع واحدة، فللمجنيِّ عليه أن يقتصَّ في الموجودة، ويطلب بدل المعدُومة، ولو قطع أصبعًا صحيحةً وتلْك الأصبع منه شلاء، فأراد المجنيِّ عليه قطع الشلاء وأخذ شيء للشل لم يمكن التائية لو كان النقصان في يد المجني عليه كما إذا قطع السليم يدًا ناقصةً بأصبعٍ، فليس للمجني عليه قطعُ اليدِ الكاملةِ من الكُوع لما فيه من استيفاء الزيادة، لكنه يلقط الأصابع الأربع إن شاء، ويأخذ ديتها إن شاء، قال الإِمام أبو حنيفة: يأبى هذا النوْع من القصاص، ولا يجيز أن تلقى حديدة القصاص غير الموضع الذي لقيته حديدة الجاني، وقد تقدَّم مثله، فإن لقَطَ الأربع، فقد استبقى كفَّ الجاني مع استيفَائه كله فهل له حكومتها أما حكومة خمسها الذي تقابل منبت أصبعه الباقية، فيجب، وأما حكومة أربع أخماسِها، فوجهان.
أحدهما: لا يجب، وتدخل تحت قصاص الأصابع، كما تدخل تحْت ديتها، فإنه أحد موجِبَي الجناية.
وأصحُّهما: الوجوب، وبه قال أبو إسحاق، ووُجَّه بأن الحكومة من جنْس الدية، فلا يبعد دخولُها فيها، والقصاصُ ليس من جنْسِها، وبأن الدية بَدَل حكمي، فجاز أن يجعل بدلًا عن الكلِّ، والقصاصُ استيفاءُ المثل حسًّا، فلا يمكن أن يجعل الأصابع وحْدَها في مقابلة الأصابع ومنابتها، مع التفاوت المحسُوس بين الجملتَيْن، ويجري الوجهان فيما إذا كانَتْ على يد الجانِي أصبعٌ زائدةٌ، ويد المقطوع بصفة الاعتدال، فلقط الخمس؛ لتعذر القطْع من الكوع بسبب الزائدةِ هل تدخل حكومةُ الكفِّ تحْت قِصاص الخمس؟ وهذه الصورة هي التي ينطبق عليها قولُه في الكتاب: "لكن هل يندرج تحت قصاص الأصابع؟ فأما إذا لقط الأربع في الصُّورة التي قبل هذه، فليس البخاري قصاصَ الأصابعِ، بل قصاصُ بعضِها، ولو أخذ في تلْك الصُّورة دية الأربع، ولم يلقطها، دخَلَت حَكومةُ منابتها فيها، وعلى ظاهر المذهب، كما أن حكومة جميعَ الكفِّ تندرج تحت دية الأصابع، فإنَّ الواجبَ في لقط الأصابع خمْسُونَ من الإبل، وفي القَطْع من الكوع، ولا يجِبُ إلا ذلك، وإذا اندرجَتْ حكومة الكفِّ تحت ديات الأصابع، اندرج بعضها تحت البعض؛ لأن البعْضَ من البعْضِ كالكل من الكل، وحكى الإِمام وغيره وجْهًا أنه لا تندرج، وتختص قوة الاستتباع بالكلِّ وأما حكومة الخمسِ الباقي من الكفِّ، فيجب على الصحيح، وحكي وجهٌ أنَّ كل أصبع تستتبع الكفّ كما تستتبعها كل الأصابع، ورتَّب الإِمام الخلاف في أن دية بعض الأصابع، هل تستتبع قسطًا من حكومة الكفِّ على الخلاف في أن قصاص بعْضها] (١) هل يستتبع؟ إن قلْنا بالاستتباع في
_________________
(١) سقط من: ب.
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
القصاص، ففي الدية أَوْلَى، وإلا ففي الدية وجهان، وإذا وفيت حقَّ التأمل فيما ذكَرْنا، ظهر لك أن الخِلاَفَ في أن القِصَاص في بعض الأصابع، هل يستتبع حكومة مثابتها من الكفِّ؟ يحصُلُ من وجهين: أحدُهما: أن القصاص هل يَسْتتبعُ الحكومة.
والثاني: أن البعض هل يستتبع البعْض. ولو قطَع كفًّا لا أصابع علَيْها، فلا قصاص إلاَّ أن يكون كفُّ القاطع مثلَها، ولو قطَع صاحبُ هذه الكفِّ يدًا سليمةً، فله قطْع كفِّه ودية الأصابع، حكاه القاضي ابن كج عن النِّصِّ.
الثالثة: إذَا كانَتْ في يدِ الجانِي أصبعانِ شلاَّوان، ويدُ المجنيِّ عليه سليمةٌ فإنْ شاءَ قَطَع يده، وعليه أن يقنع بها، فإنا ذكرنا فيما إذا عمَّ الشلل اليد، أنه إذا قطعَها، يَقْنَع بها، وإذا كان الشَّلَل في بعْضها، فالقناعة أوْلَي وإن شاء، لقط الثلاث السليمة، وأخذ ديةَ أصبعين، ويعود في استتباع القِصاص في الثَّلاَثَ حكومةُ منابتها، وفي استتباع حكومةِ ديةِ الأصبعين حكومة منبتهما الخلافانِ السابقانِ، ولو كانت في يدِ المجنيِّ عليه أصبعان شلاوَانِ، ويدُ الجاني سليمةٌ، لم يجز القصاص من الكوع، ولكن للمجني عليه أخذُ الثلاثِ السليمةِ، وحكومةُ الأصبعَيْنِ الشلاوَين، ويعود الخلاف في استتباع القصاص في الثلاثِ حكومةُ منابتها، وفي استتباعِ حكُومةِ الشلاوين حكومةُ منبتهما وجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده أصحابُنا العراقيون: أنها تستتبعها؛ لأن حكومتها هي المال الواجبُ فيها فأشبهتْ ديةَ الصحيحةِ.
وأصحُّهما: عند صاحب الكتاب والإمام والحُسَيْن الفراء: المنع؛ لأن الحكومة ضعيفةٌ غيْرُ مقدَّرة، فلا يليق بها الاستتباع، بخلاف الدية، وفي لفْظ "المختصر" ما يوافِقُ هذا الوجْه ويؤيِّده، والوجهان يجِيئَان على قوْلنا: إنَّ ديةَ بعْضِ الأصابع تستتبع قسْطًا من حكومة الكفِّ.
أما إذا قلْنا: إنَّ ديةَ بعْضِها لا تستتبع بعْض الحكومةِ، فحكومةُ بعضها أوْلَى.
فرْعٌ: لو قطع كفًَّا ليست لها إلا أصبع واحدٌ خطأً، وجبت دية تلْك الأصبع، والظاهر أنه تدْخُل حكومة منبتها فيها، وأنه يجب حكومةُ باقِي الكفِّ، وعلى الوجه الذي قلْنا: إن كل أصبع يستتبع كلّ الكف؛ لا يجب شيْءٌ من الحكومة.
آخَرُ في "التهذيب": أنه لو كانتْ أصابعُ إحْدَى يديه وكفها أقْصَرَ من الأخْرَى، فلا قصاص في القُصْرَى؛ لأنها ناقصة (١) وفيها ديةٌ ناقصةٌ بحكومةٍ.
_________________
(١) قال في الخادم: سكتا عليه وليس كذلك بل قضية كلام الشَّافعي والأصحاب أنها إن كانت تامة الأنامل والبطش فإنه يجب فيها القصاص.
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإنْ كَانَ عَلَى يَدِ الجَانِي سِتُّ أَصَابِعَ مُتَسَاوِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا زَائِدٌ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَلْقُطَ خَمْسًا وَيُطَالِبَ بِسُدُسِ دِيَةِ اليَدِ وَيُحَطُّ شَيْئٌ بِالاجْتِهَادِ لِأَنَّ كُلَّ سُدُسٍ استَوْفَاهُ كَانَ في صُورَةِ خُمُسٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا زِيَادَةٌ بِالفِطْرَةِ الْتَبَسَ عَلَى أَهْلِ الصَّنْعَةِ فَلاَ قِصَاصَ خِيفَةً مِنْ أَخْذِ الزِّيَادَةِ بِالأَصْلِيَّةِ، فَإنْ بَادَرَ وَلَقَطَ خَمْسًَا فَهُوَ تَمَامُ حَقِّهِ وَلاَ أَرْشَ لَهُ بَعْدَهُ وَإِنِ احْتُمِلَ أَنْ تكُونَ الزَّائِدَةُ هِيَ المُسْتَوْفَاةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سبق أن الزائدَ مِن الأعضاء يُقْطِع بالزائد، إذا اتحدَ المحلُّ، وذكَرْنَا خلافًا في اشتراط التساوِي في الحَجْم، فلو فُرِضَ شخصانِ لكلِّ واحدٍ منهما أصبعٌ زائدةٌ، فقطع أحدهما زائدةَ الآخر، اقتص منه، إذا حصل شرطه، وكذا لو قطع أحدُهما يد الآخر، ولو قطع شخص معتدلٌ الخِلْقة يدًا عليها أصبعٌ زائدةٌ تُقْطَع يدُه بها، وتؤخذ الحكومةُ للزائِدَةِ، سواءٌ كانتْ معلومةً بعينها أو لم تكُنْ، وإن شاء المجنيُّ عليه، أخَذَ دية اليد وحكومة الأصبع الزائدة، ولو قطع صاحبُ الأصابعِ السِّتِّ يدَ معتدلِ الخلقة، لم تُقْطع يدُه من الكوع إلا أن تكون الأصبع الزائدة نابتة من الذراع، [فلا يمكن القطْع من الكوع]، وإذا تعذَّر القصاص من الكوع، فللمجنيِّ عليه لَقْطُ الخمس الأصليات، وتعود الوجهان في استتباع قصَاصِها حكومةَ الكَفِّ فإن كانتِ الزائدةُ بجنب أصلية؛ بحيث لو قُطِعت الأصليةُ، لسَقطتِ الزائدةُ، فلا تقطع، بل يقتصر على قطع الأربع، ويأخذ دية أصبع، ولو كانت نابتةً على أصبع، وأمكن قطْع بعضها من الأربع، فَعَل كما إذا كانت نابتةً على الأنملة الوسْطَى أصبعٌ، فيُقْطَع الأنملة العلْيا مع الأربع، ويؤخذ ثلُثَا دية أصبُع، هذا إذا كانتْ في الست الزائدة معلومةً بعينها، ووراءه صورتان، هما المذكورتان في الكتاب.
إحداهما: لو كانت الست كلُّها أصليةً؛ بأن قسمت الطبيعة مادَّةَ الأصابع بتقدير العزيز الحكيم بستة أجزاء متساوية في القوَّة والعَمَل بَدَلًا عن القسمة إلى خمْسة أقسام، هذا لفْظ الإِمام، وكلمتا "الطبيعة والمادة" من اصطلاحات القوْم، وإن أسند إلى تقدير الحكيم الخبير، ومِن الأصحاب من عبر عن الغرض بأنَّ الله تعالَى نقص من جرم كلِّ أصبع من الخمس وقُوَّتها شيئًا، وخَلَق منها أصبعًا تساويها في الصورة والقُوَّة، وبالجملة، فإذَا قال أهل البصير: إنها جميعًا أصليةً، ليست فيها زائدةٌ، فللمجنيِّ عليه أن يلقط خمْسًا منها على الولاء من أي جانِبٍ شاء هكذا أطلق، ولك أن تقول: إن لم تكنِ الستُّ المفروضةُ على تقطيع الخمس المعهودة وهيئاتها، فهذا قريبٌ، وإن كانتْ على تقطيعها، فمعْلُومٌ أن صورة الإبهام من الخمس تباين صورة سائرها، كان كانتِ الَّتي تشبه الإبهام على الطرَف، فينبغي أن يلقط الخمس من ذلك الجانب، وإن وقعَتْ ثانية، وكانت التي على الطَّرَف كالملحقة بها، فينبغي أن يلقط الخمْس من الجانِب الآخَرِ.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
قال الإِمام: ويختلج في النفس أن يُقال: ليس له لقط الخمس؛ لوقوع الست على نَظْمٍ يخالف نظم الخمس المعتدلة، وغموض القطْع منها ثم حقُّه لا يتوفر بقطع الخمس منها؛ لأنها خمسة أسداسِ اليد، ويده مقطوعةٌ [بكمالها] (١)، فله مع ذلك سدُسُ الدية، لكن يُحطُّ من السدس شيْءٌ لأن الخمس الملقوطة، كان كانت خمسة أسداس، فهي في صورة الخمس المعتدلة، والأمرُ في قدْر المحطوط مفروضٌ إلى رأْي المجتهد ونَظَرِهِ، ولو بادر المجنيُّ عليه، وقَطَع الستَّ، قال صاحب "التهذيب": يعزر، ولا شيْء عليه، ولو قلت: يلزمه شيْء، لزيادة الصورة، لم يَبْعُدْ، وهو القدْر المحطوط من سُدُس الدية لواحدة مع قطْع الخمس، ولو قطع صاحبُ الأصابع الستِّ أصبعًا من معتدل، تقطع أصبعه، ويُؤْخَذ ما يفضل به خمس دية اليد على سُدُسِها، وهو بعيرٌ وثُلُثا بَعِيرٍ؛ لأن خمُسَها عشرة، وسدسها ثمانية وثلث، وقياس ما سبق أن يُقال: يحط من قَدْر التفاوتِ شيْء؛ لأن المستوفَى سُدُسٌ في صورة خُمْسٍ، ولو قطع معتدل اليد التي وصفنا أصابِعَها، قطعت يَدَه ويُؤْخَذ منه شيءٌ للزيادة المشاهدة، كذلك حكاه الإِمام وغيره ولو قطَع أصبعًا منْها، لم يقتص؛ لما فيه من استيفاء الخُمُس بالسُّدُس، ولكن يؤخذ منه سدُسُ ديةِ يَدٍ ولو قَطَع أصبعَيْن، قُطِعت منه أصبعٌ ويؤخَذ فضْل ثلث الدية على خمسها، وهي ستة أبعرة وثلثان، ولو قطع ثلاثًا منها قُطِعَتْ منه أصبعان، ويُؤْخَذ من دية اليَدِ فضْلُ النصْف على الخمسين، وهو خمسة أبعرة، ذكره الشيخ إبراهيم المروروذي وغيره، ولو بادر المجنيُّ عليه، وقطَع بأصبعه المقطوعةِ أصبعًا منها، قال الإِمام: هو عنْدَنَا كَمَنْ قطَع يدًا شلأً، فابتدر المجنيُّ عليه، وقطع بها الصحيحةَ.
الثانية: إذا قال أهل البصر: نعْلَم أن واحدةً منها زائدةٌ، فإن القوَّة لم تقسم اليد إلى أجزاء متساوية، ولكن الزائدةَ ملتبسةٌ علينا، لم يكن للمجنيُ عليه قطْع الخمس؛ لأن الزائدةَ لا تُقْطع بالأصليَّة مع اختلاف المحلِّ، ولا يؤمن أن تكون الزائدةُ إحْدَى المستوفيات، ولو بادرَ، وقطَع خمسًا، عُزِّر، ولا شيء عليه [لاحتمال أن] (٢) المقطوعاتِ أصلياتٌ، ولا شيء له كان احتمل أن تكون الزائدةُ فيما استوفَى؛ لأنه تَعدَّى بما فعَل، والاحتمالان قائمان، فلا نَجْعَل له شيئًا كما لا نَجْعل عليه شيئًا، ولو بادر، وقَطَع الكلَّ، فعليه الحكومة للزائدة، كان قال أهل البصر: لا نَدْرِي أهي كلها أصلياتٌ، أم خَمْس منْها أصليةٌ، وواحدةٌ زائدةٌ، فلا قصاص أيضًا، ولو قطع جميعَها أو خمسًا منه، يعزَّر، ولا شيء له، ولا عليه؛ لأنه إن قَطَع الجميع، فيحتمل أنها أصلياتٌ، وإن قطع خمسًا منها، فيحتمل أن تكونَ الأصليات والباقيةُ الزائدةُ [وقوله في الكتاب: "فلا
_________________
(١) في ز: مما فيها.
(٢) في ز: لأن.
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
قصاص خيِفَةٌ من أخذ الزائدة بالأصلية] (١) أي مع اختلاف المحلِّ، فأما إذا لم يختلفِ المحلُّ، فلا يمتنع أخذ الزائدة بالأصلية، على ما مَرَّ، وذلك كما إذا كانَتْ له أربعُ أصابعَ أصليةِ وخامسةٌ زائدةٌ، فقطع يد من أصابعه أصلية، يجوز للمجنيِّ عليه أن يقْطع يده، ويرضى بالزيادة عن الأصليَّة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَسَّمَتِ القُوَّةُ المُدَبِّرَةُ بِإِذْنِ اللهِ -تَعَالَى- أُصْبُعًا وَاحِدَةً بِأرْبعِ أَنَامِلَ مُتَسَاوِيَةٍ قَقَطَعَ صَاحِبُهَا أُنمُلَةً مِنْ مُعْتَدِلَةٍ قَطَعْنَا وَاحِدَةً وَطَالَبْنَاهُ بِمَا بَيْنَ الرُّبُعِ وَالثُّلُثِ، وَإنْ قَطَعَ ثِنْتَيْنِ قَطَعْنَا ثِنْتَيْنِ وَطَالَبْنَاهُ بِمَا بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ قَطَعَ ثَلاثَةَ قَطَعْنَا ثَلاَثَةَ وَطَالَبْنَاة بِمَا بَيْنَ الكُلِّ وَثَلاَثةِ أَرْبَاعٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "ولو قسمت القوة المدبرة بإذن الله تعالى" عبارة اتبع فيها الإِمام حيْثُ قال في تصوير المسألة: "صادَفَتِ القُوَّةُ المُدَبِّرة بإذْن الله تعالى مزيدَ مَادَّةٍ، فزادت في الأصبع قِسْمًا"، وهو كما حكيناه عنه في تصوير الأصابع الستِّ، والمقصود أنَّ كلَّ أصبعٍ سوى الإبهام منقسمةٌ فيما أجرى اللهُ تعالَى العادَةَ به ثلاثَ أقسام، وهي الأناملُ الثلاثُ، فلو انقسمتْ على خلاف العادَة أصبع بأربعِ أناملَ، فلها حالتان.
إحداهما: وهي المذكورة في الكتاب أنْ تكون الأربعُ أصليةً عند أهل النظر، وقد يستدلُّ عليه بأن تكُون غيْر مُفْرطةِ الطُّول بل قريبة من الاعتدال، وتناسب سائر [الأصابع]، فإذا قطَع صاحبُها أنملةً من معتدلٍ، فيقطع منه أنملة، لكنَّ حقَّ المجنيِّ عليه لا تتأدِّى بها على التمام؛ لأن أنملته رُبُع الأصبعِ، وأنملةُ المجني عليه ثُلُثٌ، فيُطالَبُ بما بين الربع والثلثِ من دية أصبع، وهو خمسة أسداس بِغيرِ؛ لأن [ثلثا] دية الأصبع ثلاثةٌ وثلثٌ، وربُعُها اثنانِ ونصْف، ويقال: إن القفَّال حكى هذه الصورة عن نصِّ الشافعيِّ -﵁- وإن قَطَع أنملتين، قطعنا منه أنملتين، وأنملتَاهُ نصْف أصبعه، وأنملتا المجنيِّ عليه ثلثا أصبعه، فيُطَالَب بما بين نصْف دية أصبع وثلثها، وهو بعير وثُلثَا بعيرِ، وإن قطع أصبع معتدل بتمامها، فهل يقطع أصبعه بها؟ نقل صاحب "التهذيب" فيه وجهين:
أحدهما: نَعم، وهو الذي أورده القاضي الرويانيُّ، وصاحب الكتاب في "الوسيط" و[هو الذي] صحَّحه الأمام، لأنه لا تفاوُتَ في أصْلِ الخِلْقة، وإنما التفاوتُ في كيفية الانقسامِ وعدد الأقسام، ويدُلُّ على المقابلة بين الأصبَعيْنِ جَعْل كلِّ أنملةٍ منها مقابلةً بربع ما يقابل به أصبع المعتدل.
_________________
(١) سقط من: أ.
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
وأصحُّهما: عند صاحب "التهذيب": المنع؛ للزيادة في عدد الأنامل، كما لا تقطع اليد التي [فيها] ستُّ أصابع بيد المعتدل؛ للزيادة في عدد الأصابع، وقد يُؤَيَّد ذلك بنصِّ تقدَّم في الأصبع الزائدة، أنه إذا كانت لها ثلاثةُ مفاصِلَ، لا تقطع بالتي لها مَفْصِلان، وعلى هذا يقطع منه ثلاث أنامل، هي ثلاثة أرباع حقِّه، ويطالب بالتفاوت بيْن جميع الدية، وثلاث أرْبَاعها، وهو بعيران ونصْفٌ، ولو بادر المجنيُّ عليه، وقطع أصبعه عُزِّر، ولا شيْء عليه.
وقوله في الكتاب: "وإن قطع ثلاثًا قطعنا ثلاثةً" جواب على ما رجَّحه صاحب "التهذيب" لأن قطع الثلاث من المعتَدِل هو قطْع الأصبع كلّها، وليُعْلَم بالواو؛ للوجْه الآخر على أن الأشبه أنه لم يَقْصِد الجوابَ بما ذكَره؛ لأنه لم يذْكُره في "الوسيط" ولا اختاره الإِمام وإنَّما وقع عن غفلةً.
ولو قطع معتدلٌ أنملةَ مَنْ له هذه الأصبع، لم تقطع أنملته، ولكن تُؤْخَذ منه رُبُع دية أصبع، ولو قطع أنملتين، فللمجنيِّ عليه أن يقطع منه أنملةً، ويأخذ ما بين ثلُث الدية ونصْفها، وهو بعيرٌ وثلثان، ولو قطَع ثلاثَ أناملَ، فله أن يقطع أنملتَيْن، ويأخذ ما بين الثلثين، وثلاثة أرباع، وهو خمسة أسداس بعير، ولم يذكروا هَاهُنَا أنه يُحَطُّ من المضموم إلى الأنملة المقطوعة شيْءٌ؛ لأنها ربع في صورة ثلث، كما [فعلوا] في مسألة الأصابع السِّتِّ، ولو قطع الأصبع بتمامه، قُطِعت أصبعه ولم يلزمه شيْء آخر، ذكره الإِمام والقاضي الرويانيُّ.
والحالة الثانية: أن تكون الأنملةُ العلْيا زائدةً خارجة عن أصْلِ الخلقة فلو قطع صاحبها أصبُعَ معتدلٍ، لم تقطع أصبعه؛ لما فيها من الزيادة (١)، وأُخِذَت منه الدية ولو قَطَعَها معتدلٌ، قُطِعَتْ أصبعه، وأُخِذَت منه حكومة للزائدة، وتختَلِفُ الحكومة بأن تكُون الزائدةُ ساقطةَ العمل أو منقادَة له، ولو قطع المعتدلُ أنملة منْها، فلا قصاص؛ لأن الأصلية لا تُؤخَذ بالزائدة، وتجب الحكومة، ولو قطع منه أنملتين، قطعت منه أنملة، وأخذت الحكومة [للزائدة] (٢)، ولو قطع ثلاثًا، قطعت منه أنملتان، وأخذ الحكومة.
فرُوعٌ: إذا كان لأنملته طرفانِ؛ أحدهما أصليٌّ عاملٌ، والآخر زائدٌ غير عاملٍ، ففي الأصلي القصاصُ والأرشُ الكاملُ، وفي الزائِدِ الحكومةُ، ولو قطع صاحبُها أنملةً معتدلةً، قُطِع منه الطرف الأصليُّ، إن أمكن إفرادُه بالقَطْع، وإن كانا عاملَيْن مشتدين قال الإِمام: الأمر فيهما قريبَ من القول في الأصابع الستَّة الأصليات، كان قطع معتدلٌ أحد
_________________
(١) وهذا حكاه في البحر عن حكاية أبي بكر الصيدلاني.
(٢) في ز: للزيادة.
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
الطرفيْن، لم تُقْطع أنملتُه، وإن قطَعَهما جميعًا، قُطِعت أنملته، ولزمه لزيادةِ الخِلْقة شيْءٌ وإن قطع صاحبها أنملةً معتدلةً، لم يقطع طرفا أنملته، ويقطع أحدهما، ويتخير فيه المقتص، ويؤْخَذ منه نصف الأرش محطوطًا منه شيْء؛ لأن المقطوع نصْف في صورة الكُلِّ، وجميع هذا فيما إذا نبت طرفا تلْك الأنملةِ عَلَى رأس الأنملة الوُسْطَى، فلو لقى رأسها عَظْم، ثم انشعب الطرفان مِنْ ذلك العَظْم، فإن لبم يكنْ مفْصِل بين العظْم، وبينهما فليس ذلك موضع القصاص، وإن كان لكلِّ طرفٍ مِفْصل هناك، فالعَظْم الحائل بين الشعبتين، والأنملة الوسْطَى أنملة أخرَى، فهي أصبعٌ لها أربع أَنَامِل، والعليا منها ذاتُ طرفَيْن، هكذا رتَّب الإِمام الفَرْعَ، وهو أحسن ترتيب فيه، وأصلُ الفرْع منصوصٌ في "المختصر" وإذا كان على الساعِد كَفَّان، أو على الساق قَدَمانِ، فالحكَم كما في أنملتين على رأْس الأصبع، وسنعود إلى ذلك "في الديات" إن شاء الله تعالى.
ولو [صادفنا] أصبعًا، ليست لها سوى أنملتان، وهي تناسب سائر الأصابع في الطول، فللإمام فيه احتمالان.
أحدهما: أنها ليستْ أصبعًا تامَّةً، وإنما هي أنملتان؛ لأن طول الأنامل لا يقتضي مزيدًا؛ ألا ترَى أن ذات الأنامل لو طالَتْ أناملُها لو لم تزد لها حكومة بالطُّول، ولم يكن الطُولُ كأنملة زائدة.
وأظهرهما: أنها أصبع تامَّةٌ، لكنها ذات قسمين، كما أنه إذا كانتْ فيها أربع أنامل كانت أصبعًا ذات أربعة أقسام، ولو فُرِضَت أصبعٌ لا مَفْصِل لها، قال الإِمام: الأظهر عندي نقصانُ شَيْء من الدية؛ لأن الانثناء، إذا زال بالكلية، سقَط مُعْظَم منافِع الأصبع، وقد ينجر هذا الكلام إلى أن يقتص أصبع السليم بها، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ الأُنْمُلَةَ الوُسْطَى مِمَّنْ لاَ عُلْيَا لَهُ وَجَبَ القِصَاصُ وَتَعَذَّرَ الاسْتِيفَاءُ، فَإنْ سَقَطَتْ عُلْيَا الجَانِي بِآفَةٍ أَوْ جِنَايَة اسْتُوفِيَتِ الوُسْطَى، وَهَلْ يُطَالَبُ فِي الحَالِ بأَرْشٍ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ المَجْنُونَ إِذَا ثَبَتَ لَهُ القِصَاصُ هَلْ يُطَالَبُ لَهُ بأَرْشٍ لِلْحَيْلُولَةِ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ يُطَالَبُ، وَفِي الصَّبِيِّ لاَ يُطَالَبُ فَقِيلَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا نَفْيًا وَاِثْبَاتًا تَخْرِيجًا، وَفِي طَلَبِ الأَرْش لِأَجْلِ الحَيْلُولَةِ بِعُذْرٍ الحَمْلِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ؛ عَلَى الصَّبيِّ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يُطَالَبَ لِأَنَّ أَمَدَ الحَمْلِ قَرِيبٌ فَتَوَقُّعُ سُقُوطِ العُلْيَا بِآفَةٍ كتَوَقُّعِ المَجْنُونِ الإِفَاقَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: رجلٌ سليمُ اليدِ، قطع الأنملة الوسطَى ممن هو فاقدُ الأنملة العليا، فلا سبيل إلى القِصاص مَعَ بقاء الأنملةِ العلْيَا، فإن سقطَتْ هي بآفة أو جنايةٍ، حصلت القُدرةُ على القصاص من الوسْطَى، فيقتص وفي "الشامل": أن أبا حنيفة قال: لا قصَاصَ في الوسطى إذا تعذَّر الاستيفاء في حال الجناية.
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
لنا: أن امتناع القصاص كان لاتصالِ محلِّ الجناية بغيره، فإذا زال الاتصالُ، استُوفِيَ القصاصُ، كالحامل إذا وضعتِ الحَمْلَ.
فإن صبر المجنيُّ عليه إلى أن يمكن الاقتصاص أو عفا وطلب الأرش، فذاك وقد حُكِيَ عن نصِّ الشافعيِّ -﵁- ما يناظرُه، قال: لو قطع كفًّا لا أصابع لها، وليَدِ القاطعِ أصابعُ، قلْنا للمجنيِّ عليه: لا يمكنُكَ القصاص في الكفِّ، لأجل الأصابع، فإن اخترت، فاعف، وإلا فاصبر، فلعل أصابع الجاني تذهب، فتأخذ كفه بكفك، ولو بادر المجنيُّ عليه، فقَطَع الوسطَى مع العليا، فقد تَعدَّى، وعليه أرش العليا، وإن أراد طلَبَ الأرْش في الحال للحيلولة، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وقد يُعبَّر عن الخلاف بأن أخْذ المال هل يكون عَفْوًا عن القصاصِ، وقد يقال إذا أخذ المال، ثم سقطَتِ العليا، هل يردُّه وَيسْتوفِيَ القصاص؟ قال الإِمام: وكلُّ ذلك راجِعٌ إلى أن الحيلولةَ في القصاص، هل يثبت الرجوعَ إلى المال؟ وشبه الوجهين بالوجهين في أن من أتلف حنطة، وغُرِّم القيمة لإعواز المِثْل، ثم وجد المثْلَ، هل يرد القيمة، ويطالب بالمثل؟ ويالوجهين في أنَّ مَنْ أخذ أرش العَيْب القديم؛ امتنع الرد بالعَيْب الحادث، ثم زال العَيْبُ الحادثُ، هل له أن يرد المبيعَ والأرْشَ، ويستردَّ الثمَنَ؟ وبنى الإِمام وصاحب الكتاب الخلافَ في أنه هل يطالب بأرش الوسطَى في الحال، على أنه إذا ثبت القصاصُ لصبيٍّ أو مجنونٍ، هل لوليِّهما طَلَبُ المالِ في الحالِ؟ وإذا ثبت المّصاص على حاملٍ، هل تُطَالَبُ؛ في الحال بالمالِ؟ فعن نصِّ الشافعيِّ -﵁- أنه لو قُتِلَ إنسانٌ، ووارثُهُ مجنونٌ، يجوز لوليه أخذُ الدية، وعن نصه -﵁- فيما إذا ثبت القصاص لصبيٍّ: أن وليَّه لا يأخُذ المال، فجرى جَارُونَ على النَّصيْن، والفَرْق أن الجنون ليستْ له غايةٌ منتظرةٌ، فلو لم نُجَوِّز أخْذَ المال، ولا سبيل إلى استيفاء القصاص، كان ذلك قريبًا من التعطيل، والصبيُّ له غاية منتظرةٌ، وهو البلوغ، وعن بعْضِهم: التصرُّف فيهما، والتخريج من كل واحدٍ منهما في الآخَر، ولو ثبَتَ القِصاصُ على حاملٍ، فعن الصيدلانىِّ: أن في طلب المستحق الديَةَ في الحال مِثْلَ الخلافِ المذكورِ في أن وَليِّ الصبيِّ هل يَطْلُبُ؛ لأن لوضع العمل أمدًا يُنْتظَرُ، كما لزوال الصِبا.
فإذا عُرِفَ ذلك، فزوال العلْيا في مسألة الأُنْملُةِ يشبه بمسألة الجنون؛ لأنه ليس له غاية منتظرةٌ كإفاقة المجنون، والظاهرُ عنْد الأئمة أنه ليس له أخْذُ المال، إذا لم يعْفُ وقالوا: إن أخْذه الديةَ عفْوٌ عن القصاص، والظاهر في المجنونِ أن لوليِّه أخْذَ المال، ولكن لا على الإطلاق، كان حكى الإِمام النصَّ في المجنون مطلقًا، وكذا ذكره القاضي الرويانيُّ عن رواية أبي إسحاق الخرَّاط، بل يشترط أن يكون فقيرًا، فإن كان غنيًا، فالظاهر أنه لا تُؤْخَذ، وفي الصبيِّ الفقيرِ الظاهرُ أنه لا يَأْخُذ، وقطعوا به فيما إذا كان غنيًّا، أو كان له قريبٌ يُنْفِق عليه، وقد سبق هذا كلُّه في اللقيط، إذا ثبت له القصاصُ
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
في الطَّرَف وفي الحامل أيضًا الظاهرُ أنها لا تُطالَبُ بالدية، ولو كانتِ العليا مستَحقَّةَ القَطْعِ بالقصاص فتوقع القصاص في الوسْطَى بين التوقع في صورة المجنون والتوقع في صورة الصبيِّ والحمْل؛ لأن استيفاء القصاصِ يُرْتَقَب ويُنْتظر بخلاف الإفاقة من المجنون، لكن ليس له أمدٌ معلومٌ بخلاف زوال الصبا ووضع الحَمْل، والذي رجَّحوه، وإن كانت العليا مستَحَقَّةً بالقصاص؛ أنه لا يطالبه بأرْشِ الوسطَى من غير عفْوٍ، ومن صور استحقاق العلْيا بالقصاص ما نَصَّ عليه في "المختصر" وهو أن تقطع الأنملةَ العلْيا منْ إنسانٍ، والوسْطَى من آخر، وهو فاقدٌ للعليا، فلصاحب العلْيا القصاص فيها أولًا، وإن كان قطعه لاحقًا، فإن جاء طالبا للقصاص، اقتص ويُمَكَّنُ مُستحِقُّ القصاصِ من الوسطى استيفائه، قال أبو بكر الطوسي: ولو اتفقا على وضْع الحديدة على مفْصِل الوسطَىئ، واستوفيا الأنملتَيْنِ بقطعةٍ واحدةٍ، جاز وقد هَوَّنَا الأمر علَيْه، وإن لم يطلب صاحب العلْيا القصاصَ، صبر صاحب الوسطَى، أو عفا كما ذكرناه.
وقوله في الكتاب: "فإن سقطت علْيا الجانِي بآفة أو جناية استُوفِيَتِ الوسطَى" ليُرَقَّمْ بالحاء؛ لما سبق، وبالواو؛ ولأن الشيخ أبا محمَّد في آخرين حَكَوْا أن القفَّال تردَّد في استيفاء (١) الوسطَى، وأن أكثر ميْلِهِ إلى أنَّها لا تستوفى؛ لأن الجناية جرَتْ، والقصاص غير ممكنٍ حالة جريانها، وأنه لو كانتِ العليا مستحَقَّةً بالقصاصِ عند الجناية على الوسطَى، فليس ذلك موْضِعَ ذلك التردُّد، ولأن المستَحقَّة كالملقوطة.
وقوله: "هل يُطَالَبَ له بأرش للحيلولة" أي هل يُطالَبُ الجانِي، وكذلك هو في بعض النسخ.
وقوله: "لأن أمد الحمل قريب" هذا يختلف؛ فقد يكون الباقي من مدَّة الحمل أكْبَرَ مِنَ الباقِي من مدة الصبيِّ إلا أن يريد أن مدَّة الحَمْل أقصرُ من مدة الصِّبَا.
فرْعٌ: قطع الأنملة العليا من أُصْبُع إنسان، والعليا والوسطى من تلْك الأصبع من آخر، نُظِرَ إن سبق قطع الأنملتين، فلِمَقطوع الأنملتين أن يقتصَّ، ويأخذ الآخرُ أرْشَ العليا، وإن سبق قطْعُ الأنملة، فلصاحبها أن يقتص، ثم الآخر يتخيَّر بين أن يقطع الوسطَى، ويأخذ دية العليا، وبين أن يعفو، ويأخذ دية الأنملتين ولو بادَرَ صاحبُ الأنملتين، فقطعهما، كان مستوفيًا لحقِّه، ويأخُذ الآخر ديةَ العلْيا من الجانِي، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوْ قَدَّ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ بِنِصْفَيْنِ فَادَّعَى مَوْتَةُ فَالأَصْلُ عَدَمُ القِصَاصِ مِنْ جَانِبِهِ وَاسْتِمْرَارُ الحَيَاةِ مِنْ جَانِبِ المَلْفُوفِ فَيُخَرَّجُ التَّصْدِيقُ عَلَى تَقَابُلِ
_________________
(١) قال في الخادم: محل احتمال القفال فيها إذا لم تكن العليا مستحقة حالة الجناية فلو كانت مستحقة فالقصاص عند الجناية على الوسطى وقد ذكره الرافعي فيما بعد ولا وجه للإسقاط.
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
الأَصْلَيْنِ، وَلَوِ ادَّعَى نُقْصَانَ يَدِ المَجْنيِّ عَلَيْهِ بِأصْبُعٍ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَوْلٍ إذِ الأَصْلُ عَدَمُ القَصَاصِ، وَقَوْلُ المَجْنِيِّ فِي قَوْلٍ إذِ الأَصْلُ السَّلاَمَةُ، وَفِي الثَّالِثِ يُفَرَّقُ بَيْنَ العُضْوِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ فَيُصَدَّقُ المَجْنِيُّ فِي العُضْوِ البَاطِنِ لِعُسْرِ البَيِّنَةِ، وَالبَاطِنُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ شَرْعًَا عَلَى رَأْيِ، وَمُرُوءَةً عَلَى رَأْيٍ، وَفِي الرَّابعِ يُفْرَقُ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ نَفْيَ السَّلاَمَةِ أَصْلًا، أَوْ زَوَالَهَا طَارِئًا، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ فَقالَ وَلِيُّ الدَّمِ: مَاتَ بَعْدَ الاِنْدِمَالِ وَعَلَيْكَ دِيَتَانِ وَقَالَ الجَانِي: بَلْ قَبْلَ الانْدِمَالِ فَإنْ كَانَ الظَّاهِرُ يُصَدَّقُ أَحَدُهُمَا صُدِّقَ وَإِلاَّ فَهُوَ خَارجٌ (و) عَلَى تَقَابُلِ الأَصْلَيْنِ إذِ الأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ جَانِبٍ وَعَدَمُ التَّدَاخُلِ مِنْ جَانِبٍ، وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ مُوْضِحَتَيْن فَقَالَ الجَانِي: رَفَعْتُ الحَاجِزَ قَبْلَ الانْدِمَالِ وَعَلَيَّ أَرْشٌ وَاحِدٌ وَقَالَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ بَعْدَهُ وَعَلَيْكَ ثَلاَثة أُرُوشٍ وَاقْتَضَى الحَالُ تَحْلِيفَ المَجْنِيِّ فَحَلَفَ ثَبَتَ الأَرْشَانِ، وَفِي الثَّالِثِ وَجْهَانِ، وَجْة قَوْلِنَا لاَ يَثْبُتُ أَنَّ اليَمِينَ إنَّمَا يَصْلُحُ لِنَفْيِ التَّدَاخُلِ لاَ لإِثْبَاتِ مَالٍ عَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه مسائلُ في الاختلافاتِ الواقعةِ، بيْن الجانِي والمجنيِّ عليه أو وليِّه منها لو قدَّ ملفوفًا في ثوْبٍ بنصفَيْن، وقال: إنه كان مَيَّتًَا، وادَّعَى الوليُّ أنه كان حيًّا، فمَنِ المصدق منهما باليمين؟ فيه قولان:
أحدهما: أن المصدَّق الجانِي؛ لأن الأصل براءة ذمته عن القصاص.
وأظهرهما: ويحكى عن رواية الربيع: أن المصدَّق [ولي] (١) المجنيِّ عليه؛ لأن الأصل استمرارُ الحياة، وأيضًا، فإنه كان مضمونًا، والأصل استمرار تلك الحالة فأشبه إذا قَتَلَ مَنْ عُهِدَ مسلمًا، وادعى رِدَّته، وعن بعض الأصحاب: أن يُفْرَق بين أن يكون ملفوفًا على صورة الكفن، وبين أن يكون ملفوفًا في ثياب الأحياء، قال الإِمام: وهذا لا أصل له، ويجري القولان فيما لو هَدَم عليه بيتًا، وادعى أنه كان ميتًا، وأنكر الولي.
وسواء قلْنا: إن القول قولُ الجانِي أو الوليِّ، فلو أقام الوليُّ بيِّنة على حياته [عمل] بها، ويجُوز أن يُصدَّق الشخص تارةً بالبينة، وتارة باليمين، كالمودع في دعْوَى الردِّ، وللشهود أن يَشْهَدُوا عَلَى الحياة، إذا كان قد رأَوهُ يتلفف في الثوب، ويدخل
_________________
(١) قال الشيخ البلقيني: ينبغي أن يكون محل القولين في ملفوف تحققت جناية قبل ذلك إما بالبينة أو باعتراف الجاني أو غير ذلك أما لو كان الملفوف سقطًا مثلًا لم تتحقق حياته بطريق من الطرق فالذي ينبغي القطع به أن القول قول الجاني لأن الأصل براءة الذمة ولم يعارضه أصل آخر. انتهى. ولا خفاء أنه حيث قلنا بصدق الولي أي مع يمينه، والواجب خمسون يمينًا على الصحيح واختار ابن الصباغ وجوب يمين واحدة.
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
البيت وإن لم يتيقنوا حياته حالة النقد والانهدام استصحابًا لما كان، ولكن لا يجوز أن يَقْتَصِروا على أنهم أَوْ يدخل البيت، ويتلفف في الثوب قاله صاحب "التهذيب" (١) وغيره. ولو قتل إنسانًا، وادعى رقَّهُ، وأنه ليس عليه إلا القيمة، وقال قريبه: بل كان حرًّا فعن النص أن القول قول القريب، وأنه لو قَذَفَ امرأة، وادعى رقَّها، وأنكرتْ، فالقول قولُ القاذِفِ، وفيهما طريقان:
أحدهما: تقرير النصَّيْن، وفرق بأنا إذا لم نوجِبِ الحدَّ، نوجب التعزير، والتعزير زاجر أيضًا، وأما في القتل فهذا لم نُوجبِ القصاصَ، لم نوجب ما يصلح زاجرًا.
وأظهرهما: أن فيهما قولَيْن:
أحدهما: يُصدَّق الجاني؛ لأن الأصل عدمُ القصاص.
والأظهر: تصديق القريبِ؛ لأن الغالب والظاهر الحرية ولذلك يُحْكَم بحرية اللَّقيطِ المجْهول الحال.
ومنْها قطع طَرَفِ إنسانِ، واختلفا في سلامته، فادَّعَى الجاني نقصانًا، كالشلل في الذكَر واليد والرَّجْل أو نقصان الأصبع فيهما أو الخَرَس في اللسان أو العَمَى في الحدقة، وأنكر المجنيُّ عليه، فالقول قول المجنيِّ عليه، والتصويرُ فيما إذا اختلفا في أن الأنثيين كانتا مرضوضَتَيْنِ أم لا، ونصَّ في "الديات" وإذا اختلفا في سلامة الذَّكَر؛ أن القول قولُ الجانِي، وكذلك إذا اختلفا في شَلَل اليد، وللأصحاب طرق:
أظهرها: ويُحْكَى عن أبي إسحاق وَأَبَوَيْ علي بن أبي هريرة والطبري، والقاضي أبي حامد وابن القَطَّان: أنه إن كان العضْو ظاهرًا؛ كاليد والرِّجْل واللسان والعين، فالمصدق الجاني، إن أنكر أصل السلامة؛ لأن الأصل أنه لا قصاص؛ ولأنه لم يفوت ما يدعيه المجنيُّ عليه والمجنيُّ عليه متمكن من إقامة البينة على السلامة التي تدعيها؛ لظهور العضو، وإن اتفقا على أنه كان سليمًا، وادعَى الجاني حدوثَ النقصانِ والشَّلَلِ، فقولان:
أحدهما: أن الجواب كذلك لأن الأصل البراءة عن القصاص.
وأظهرهما: أن المصدَّق المجنيُّ عليه؛ لأن الأصل استمرار السلامة التي كانت، وإن كان العضْو باطنًا، كالذكر والأنثيين، فقولان، سواءٌ أنكر الجانِي أصْل السلامة أو سَلَّمه وادعى زوالها:
أصحُّهما: تصديق المجنيِّ عليه؛ لأن الأعضاء الباطنة لا يُطَّلَع عليها، فيعسر إقامة البينة على سلاَمَتِها.
_________________
(١) قال النووي: وإذا صدقنا الولي بلا بينة، فالواجب الدية دون القصاص، ذكره المحاملي والبغوي، وقال المتولي: هو على الخلاف في استحقاق القود بالقسامة. والله أعلم.
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
والثاني: طرْدُ القولَيْن في الأعضاء الظاهرة والباطنة، ويُحْكَى هذا عن ابن الوكيل، وطَرَدَهما في إنكار أصل السلامة، وفي تسليمه ودعْوَى الزوال، ووَجْهُ تصديقِ المجنيِّ عليه مع إنكار الجانِي أصْلَ السلامة، بأن الغالب السلامة؛ ولذلك [أثبتنا] الرد بالعيب في البيع.
والثالث: القطع في الأعضاء الظاهرة بتصديق الجاني، وفي الباطنة بتصديق المجنيِّ عليه، والفَرْقُ أن الظاهر يُطَّلَع عليه وتعرف سلامته، فيمكن إقامة البينة عليها، بخلاف الباطن؛ ولذلك قلْنا: إنه لو علَّق طلاق امرأته على الدُّخُول وسائر الأفعال الظاهرة وادعَتْ حصولها لا تصدق فيه، ولو علَّق على الحيض، فادعته صُدِّقَتْ.
والرابع: عن أبي الطيب بن سلمة: أنه إن أنكر الجانِي أصلَ السلامة، فهو المصدَّق بلا خلاف، وإن سلَّم السلامة وادَّعَى حدوث النقصان، فالمصدَّق المجنيُّ عليه بلا خلاف، ويُخرَّج من الطرق عند الاختصَار أقوالٌ، كما في الكتاب جمعها صاحب "التهذيب".
أحدُها: تصديقُ الجانِي على الإطلاق وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: تصديق المجنيِّ عليه على الإطلاق، وبه قال أحمد.
والثالث: الفرْق بين العضو الباطِنِ والظاهر.
والرابع: الفرْق بين أن يُنْكر السلامة أصلًا، وبيْن أن يعترف بها، ويدعي زوالها، فإن اقتصرت على الجوابِ الظاهِرِ، ولم تتعرض للخلافِ، قلْت: المصدَّق المجنيُّ عليه، إلا في العضْوِ الظاهر عند إنكار أصل السلامة.
وليعرف بعد هذا أمور:
أحدهما: ما المعْنِيُّ بالظاهر والباطن اللَّذَيْنِ أطلقناهما؟ قال الإِمام: تلقيت من كلام الأصحاب فيه وجهَيْن:
أحدهما: أن الباطِنَ ما يجب ستْرُه عنِ الأعْيُن، وهو العورة والظاهر ما عدا ذلك، وأَلْيَقُهما وبفقه الفصْل: أن الباطن ما يُعْتاد ستْرهُ إقامةً للمروءة، والظاهر ما لا يُسْتَر غَالبًا؛ وذلك لأن الفَرْقَ بيْن النوعيْن مبنيٌّ على عُسْر إقامة الشهادة وسهولتها، وما يستر غالبًا لا يُطَّلَع على حاله، فيعسر إقامة الشهادة فيه، وعن بعض التعاليق أن الوجهَيْن متولدان من لفْظ الشَّافعيِّ -﵁- حيث قال فيما إذا اختلفا في سلامة الأنثيين: إن القول قول المجنيِّ عليه؛ لأن هذا مغيَّبٌ عن أنظار الناس، ولا يجوز كشْفُه لهم، فاعتبر بعضهم المعنَى الأول، وآخرون الثانِيَ.
والثاني: إذا صدَّقنا الجانِيَ، فيحتاج المجنيُّ عليه إلى إقامة البينة على السلامة،
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
وكيف يقيمها؟ قال ابن الصبَّاغ وغيره: يُبنى ذلك على القولَيْن فيما إذا اعترفا بأصْل السلامة، وادعى الجاني زوالَهَا فإن صدَّقْنا الجَانِيَ، فيحتاج المجني عليه إلى أن يقيم البينة عَلَى السلامة عند الجناية، ويستغْنَى عن اليمين، فإن أقامها على أنَّه كان سليمًا فتسمع أيضًا، ولكن يَحْلِف مع هذه البينة لجَوَازِ حدُوث الخَلَلِ والشَّلَل.
والأصحُّ عند القاضي الرويانيِّ وغيره: أنَّه يكْفِي قولُ الشهود؛ إنه كان صحيحًا، ولا يشترط التعرض لوقْت الجناية، ويجوز الشهادةُ على سلامة العيْن، إذا رآه يتبع بصره الشيْء زمانًا طويلًا ويتوقى المهالك، ولا يجوز بأن يراه وَيُتْبع بصَرَه الشيْءَ الزمانَ اليسير؛ لأن ذَلِكَ قد يوجَدُ من الأعْمَى، وكذلك تجوزُ الشهادةُ على سلامة اليد والذَّكَر برؤية الانقباضِ والانبساطِ.
والثالث: في تعليقِ الشيخِ أبي حامِدٍ وغيره: أن القَوليْن فيما إذا ادَّعى الجانِي زوالَ السلامة التي كانت منصوصان في "الأم" وذهب جماعةٌ إلى أنهما مخرَّجان من القولَيْن في "مسألة الملفوف"، وأنهما متفقان على أصْل الحياة هناك، وعَكَس الإِمام القضيَّةَ؛ فجَعَل الخلافَ في "مسألة الملفوف" مبنيًّا على الخلاف في هذه الصورة.
والرابع: إذا اختلفا في أصْل العضو، فعن بعضهم إطلاقُ الخلافِ في أن المصدَّق أيُّهما؟ واستدرك الإِمام وقال: مَنْ أنكَرَ أصل العضو أنكر الجناية، فيقطع بتصديقه وإنما موضع الخلاف ما إذا اتفقا على أصْل العضْو والجناية عليه، واختلفا في حال العضْو صحةً وشللًا وعمًى وإبصارًا، ومِنْ هذا القبيل ما إذا قَطَع الكف، واختلفا في نقصان أصبع، وليس منه ما إذا ادَّعَى المجنيُّ عليه أنهُ قطَعَ الذَّكَر والأنثييْن، وقال الجاني: لم أقطَعْ إلا أحدهما؛ لأن الأصبع جزءٌ من العضْو الذي وردَتِ الجناية عليه، وقطْع الكفِّ قَطْع الأصبع، بخلاف الذَّكَر والأنثيين.
ومنها: لو قطَع يدَيْه ورجلَيْه، فمات، واختلف الجاني والوليُّ، فقال الجاني: مات بالسراية، فعلَّى دية، وقال الوليُّ: بل مات بعد الاندمال، فعليك ديتان فيُنْظَر؛ إن لم يمكنْ الاندمال في مثل تلْك المدة؛ لقصر الزمان؛ كيوم ويومين، فالقولُ قول الجانِي بلا يمين، وفي تعليق الشيخ أبي حامد: أنه يحْلِف؛ لجواز أن يكون الموت بسببٍ حادثٍ؛ كَلسْعِ حَيَّةٍ، وشُرْبِ سُمٍّ مذفَّفٍ، ولم يستحسن ما ذكره؛ لأن تنازعهما في الاندمال والسبب الآخر لم يَجْرِ له ذكْرٌ، حتى ينفي، وإنما يجري التحليف بحسب الدعْوَى والإنكار، وإن أمكن الاندمال في تلْك المدَّة، فقد فصل فيه تفصيلان:
أحدهما: ذكر جماعة، منْهم ابن الصباغ والقاضي الرويانيُّ: أنه، إن مضتْ مدَّةٌ طويلةٌ لا يمكن أن تبقى الجراحةُ فيها غير مندملة، فالقول قول الوليِّ بلا يمين، وإن أمكن الاندمال وعدمه في تلْك المدة، فالقول قوله مع اليمين، ويشبه أن يقالَ: ليس
[ ١٠ / ٢٥١ ]
لمدَّة الاندمال ضبْطٌ، وقد تبقى الجراحةُ سنين كثيرة، والشخصُ ضمن بسَبَبِهَا إلى أن يَمُوت منْها، فينبغي إلاَّ يكُون التصديقُ عند إمكان الاندمال، إلا باليمين، وهكذا ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
والثاني: قال الإِمام: إن أمكن الاندمالُ، لكنه كان بعيدًا، وكان الظاهر خلافَه، فالقولُ قول الجانِي؛ بناءً على ظاهِرِ الحالِ، وادعَى وفَاقَ الأصحاب فيه، والذي يوجَدُ للأكثرين أن المصدَّق الوليُّ، وربَّما قطَعُوا به وعن أبي الطيِّب بن سلمة تخريجُ قولٍ من "مسألة الملفوف" أو من الصورة المذكورة مِنْ بَعْدُ: أنه يصدَّق الجانِي؛ لأن ما يقوله محتَمَلٌ، والأصل براءة الذمة، وعلى هذا ينطبقُ قوله في الكتاب، فهو خارج على تَقَابُل الأصلَيْن إلى آخره، ويجوز إعلامه بالواو؛ لقَطْع مَنْ قطع بتصديق الوليِّ.
ولو اختلفا في مضيِّ زمان الاندمال، فالمصدَّق الجاني؛ لأن الأصْل أنه لم يمْض، ولو قال الجانِي ماتَ بالسراية، أو قتلتُه قبل الاندمال، وادعَى الوليُّ أنه مات بسببٍ آخَر؛ بأن قال: قتل نفسه أو قتله آخر أو شرب سُمًّا مُوحِيًا، فوجهان:
أحدهما: أن المصدَّق الجاني؛ لأن ما يقوله محتملٌ والأصل براءة الذمة، ويُحْكَى هذا عن أبي إسحاق.
وأظهرهما: وبه قال أبو عليٍّ الطبريُّ، أنه يصدَّق الوليُّ؛ لأن الأصل بقاء الديتين الواجبتين بالجنايتين، والأصل عدَمُ السبب الآخر، ولو اقتصر الوليُّ على أنه ماتَ بسببٍ آخَر، ولم يعينه، فعن الصيدلانيِّ: أنه لا يلتفت إلى قوله إن قَصُر الزمان، ولم يمكن فيه الاندمال؛ لأن تَرْك التعين يُشْعِر بأنه لا سَبَبَ، وأن مراده دعوى الاندمال، وإن أمكن الاندمال، فإن صدَّقناه بيمينه، ولم نُحْوِجه إلى البينة قبل قوله، وحلَف على أنه ماتَ بسبَبٍ غير الجناية، وإن لم نُصدِّقْه وأحوجناه إلى البينة، فلا بد من التعيين؛ لتصوُّر إقامة البينة، قال الإِمام: ولاَ يَبْعُد التخريج على الوجهَيْن، وإن لم يُمْكن الاندمالُ، فلو اتفقا على أن الجانِيَ قتله، ولكن قال: قتلته قبل الاندمال، فعَلَيَّ ديةٌ وقال الوليُّ: بل بعده، فعليكَ ثلاثُ دياتٍ، والزمان يحتمل الاندمال، فيصدَّق الوليُّ في بقاء الديتين، والجاني في نفي الثالثة، ويجيء وجهٌ أنه يصدَّق الجاني على الإطلاق.
ولو قطَع إحْدَى يديه ومات، فقال الجاني: مات بسبب آخَرِ مِنْ قَتْلِ أو شُرْبِ موح، وليس عليَّ إلا نصْفُ دية.
وقال الوليُّ: مات بالسراية، وعليكَ ديةٌ تامةٌ، فوجهان قال في "التهذيب": أصحهما: أن القول قولُ الوليِّ؛ لأن الأصل أنَّه لم يوجَدْ سببٌ آخر.
والثاني: يصدَّق الجاني؛ لأن الأصْل براءة ذمته، ولو قال الجانِي: مات بعْدَ
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
الاندمالِ، وليس عليَّ إلا نصفُ الدية، وقال الوليُّ: مات بالسراية، والزمان زمانٌ محتملٌ للاندمال، فالظاهر أن المصدَّق الجاني؛ لأن الأصْل براءة الذمَّةِ، ولم يَثْبت ما يوجب الديَة، بخلاف قطع اليدين والرجلين المُوجِب لديتين، وفيه وجه أنه يصدَّق الوليُّ؛ لأن الأصل بقاءُ الجناية وسرايتها، ولو اختلفا في مضيِّ زمان الإمكان، فالمصدَّق الوليُّ، إذِ الأصلُ أنه لم يمض، ولو قتله الجاني بعْد القطْع، وقال: قتلته قبل الاندمال، فعليَّ ديةٌ، وقال الولي: بل بعده، وعليك دية ونصْفٌ، فالمصدَّق الجاني.
ولو جرحه بقَطْع يد أو غيره، فمات، فقال الجاني: جاء آخر، فحز رقبته، ليس عليَّ قصاص النفس، وقال الوليُّ: بل مات بسراية جراحتك، ففي المصدَّق منهما وجهان.
أظهرهما: أن المصدَّق الوليُّ، وعن الداركيِّ: القطْعُ، وبه لو قال الجاني: مات بعد الاندمال، وقال الولي: بل بالسراية، قال الإِمام: إنْ طالتِ المدَّةُ، وكان الظاهرُ الاندمالَ، صدِّق الجاني بيمينه؛ لأن الأصل أنْ لا قصاصَ، ولم يظهر ما يوجِبه، وهو الجرح السارِي بخلاف ما إذا تنازَعَا بعْد قطع اليَدَيْن والرِّجلَيْن، فإنَّ موجب الديتين قد وجد هناك، وإن قَصُر الزمان وبعد احتمال الاندمال، فالمصدَّق الوليُّ، وعن القاضي أبي الطيِّب نقْل قولَيْن مطلقَيْن، مهما كانت [المدة] محتملة الاندمال، في قوْلٍ يُصدَّق الوليُّ لأن الأصل بقاء أثر الجناية وفي قول: الجاني؛ لأن الأصل براءة الذمة (١)، وإن لم تحتملِ المدةُ الاندمالَ، قال فيصدَّق الوليُّ بلا يمين، وإن لم تحتمل بقاء الجرح، فيُصدَّق الجاني بلا يمين، وحيث صدَّقنا من يدعي الاندمالَ، فلو أقام الآخَرُ بيِّنة على أن المجْروح لم يزل، ضمنًا متألمًا من الجراحة، حتى مات، قَوِيَ جانبُه ورجَعْنا إلى تصديقه كذلك حكاه الإِمام وغيره.
ومنْها: أوْضَحَ رأْسَه موضحتين، ثم رفع الحاجز بينهما، واختلفا، فقال الجانِي: رفعتُه قبل الاندمال، فليس عليَّ إلا أرشٌ واحدٌ وقال المجنيُّ عليه: بل بعده، وعليك أرشُ ثلاثِ موضحاتٍ، قال الأئمة: إن قَصُر الزمان، صدِّق الجاني بيمينه، وإن طال، صدِّق المجنيُّ عليه بيمينه، كما سبق نظيره، وإذا حلَف المجنيُّ عليه، ثبت الأرشان، وهل يثبت الثالث؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه ثبت رفْع الحاجز باعترافه، وثَبَت الاندمال بيمين المجنيِّ عليه فقد حصَلَتْ مُوضِحَةٌ ثالثةٌ.
_________________
(١) في الأصل: يصدق الولي لأن الأصل براءة الذمة وفي قول يصدق الجاني لأن الأصل بقاء أثر الجناية.
[ ١٠ / ٢٥٣ ]