قَالَ الغَزَالِيُّ: (الأوَّلُ) فِي قَدْرِهِ وَحُكْمِهِ وَشَرْطِهِ* (أَمَّا القَدْرُ) فَقُرْءٌ وَاحِدٌ وَهِيَ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ وَلاَ يَكْفِي بَقِيَّةُ حَيْضَةٍ* وَقِيلَ: إِنَّهُ طُهْرَ* ثُمَّ في الاكْتِفَاءِ بِبَقِيَّةِ طُهْرِ خِلاَفٌ* وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الأَشْهُرِ فَشَهْرٌ واحِدٌ عَلَى قَوْلٍ* وَثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ عَلَى قَوْلٍ* وَالمُسْتَوْلَدَةُ إِذَا عَتَقَتِ اسْتَبرَأَتْ بِقَرْءٍ (ح) وَاحِدٍ* وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَاسْتَبْرَاؤُهَا بِالوَضْعِ* وَإِنْ كَانَ مِنَ الزِّنَا كَانَ انْفِصَالَهُ كَانْفِصَالِ الحَيْضِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الاستبراء (١) عبارةٌ عن التربُّص الواجب، بسبب مِلْك اليمين حدوثًا وزوالًا؛ خُصَّ بهذا الاسم؛ لأن هذا التربُّص مقدَّر بأقل ما يدل على البراءة من غير تَكرُّر وتعدُّد فيه، وخص التربُّص الواجب بسَبَب النكاح باسْم العدَّة اشتقاقًا من العدد؛ لما يقع فيه من التعدُّد، قاله في "التتمة"، ورتب صاحب الكتاب فقه الفصّل على ثلاثة فصول:
فصل: فيما يتعلَّق بنفس الاستبراء.
وفصل: في سببه.
وفصل: فيما تصير به الأمة فراشًا.
وهذا الفصْل الثالث احتيج إليه، من جِهَة أن أحد سَبَبَيِ وجوب الاستبراء زوالُ الفراش عن الأمة، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، وذلك يحوج (٢) إلى معرفة أنَّها بِمَ تصير فراشًا.
_________________
(١) الاستبراء مأخوذ من التبري وهو التخلص وإن وإن كل مصدرًا إلا أن المزيد يؤخذ من المجرد ومما هو أقل منه زيادة وهو لغة الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض وشرعًا هو الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك مراعاة لحفظ النسب. وقال ابن عرفة مدة دليل براءة الرحم لا لرفع عصمة أو طلاق.
(٢) في ز: يخرج.
[ ٩ / ٥٢٣ ]
أما الأول، فالمستبرأة، إن كانتْ من ذوات الأقراء، تُسْتَبْرأ بقرءٍ واحدٍ وأما القُرْء المعتَبَر في الاستبراء، ففيه قولان:
أحدهما، وُينْسب إلى القديم و"الإملاء": أنه الطُّهر كما في العدَّة.
وأظهرهما، وينسب إلى الجديد: أن الاعتبار فيه بالحَيْض؛ لِمَا رُوِيَ أنه صلَّى (١) الله وسلم قال في سَبَايا أوْطَاس: "لا توطأ حامِلٌ حَتَّى تَضَعَ؛ وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" وتخالف العدَّة، فإن الأقراء يتكرَّر هناك، فيعرف بتخلُّل الحَيْض براءةُ الرَّحم، وهاهنا لا يتكرَّر، فيعتمد الحيض الدال على البراءة، ومنْهم مَنْ يذكر في المسألة وجهَيْن، بدلًا عن القولين، وفي "التَّتمة" وجْه مُفَصَّل، وهو أن الاستبراء، في أمِّ الولد، إذا مات سيِّدها أو أعتقها بالطُّهْر، وفي الأَمَةُ تمْلك، بالحَيْض، والفَرْق أن استبراء أمَّ الولد قضاءُ حقِّ السيِّد، فيشبه (٢) العدَّة التي هي قضَاء حقِّ الزوج، والاستبراء عند حدوث المِلْك؛ لمعرفة فراغ الرحم، فيعتبر ما يدل على الفراغ؛ وأيضًا، فإن الاستبراء هناك لاستباحة النكاح، كما أن عدة الحرائر لاستباحة النكاح، والاستبراء عنْد حدوث المِلْك، ليحل الوطء، فيعتبر به ما يستعقب الوطء، وهو الحَيْض، وأما الطُّهر، فإنه يستعقب الحيض، فزمان الحَيْض كزمان الاستبراء في تحريم الوطء، وغَيَّر صاحب "الحاوي" عن الخلاف في المسألة بعبارة أُخْرى، فقال: المقصود في الاستبراء الحيض، والطُّهْرُ تَبَعٌ، أو الطُّهْرُ والحيضُ تَبَعٌ أو هما جميعًا مقصودان؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن المقْصُود الطُّهْر، والحَيْض تَبَعٌ، كما في العدَّة.
والثاني: أن المقصُود الحيضُ، والطُّهْر تبع، بخلاف العدَّةِ؛ لمَا مَرَّ.
والثالث: أنهما جميعًا مقصودان، فإذا قلنا: إن القرء الطُّهْر، فلو صادف سبب وجوب الاستبراء آخِرَ الحيض، كان الطُّهر الكامل بعْده استبراءً، لكن يكفي ظُهُور الدم، أو يُعْتبر مُضِىُّ يوم وليلة؟ فيه مَثَلٌ الخلاف السابق في العدَّة. وحكي وجْه: أنه لا بُدَّ من مضيَّ حيضةٍ كاملةٍ بعْد ذلك الطُّهْر، وهذا بعيدٌ فيما ذكر صاحب الكتاب وغيْره -﵏-، وذكر القاضي الرُّويانيُّ: أنه الأظهر، [وأنه] الأقْيَس، واختيار القفَّال خلافُه.
ولو وُجِدَ سبَبُ الاستبراء، وهي طاهرٌ، فهل يكتفي ببقيَّة الطُّهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: نَعَم، وتعتد به طهرًا، كما تعتد به في العدَّة، وهذا ما رجَّحه في "البسيط"، وحكاه أقضى القضاة الماوردِيُّ -﵀- عن (٣) البغداديين من (٤)
_________________
(١) تقدم في الحيض.
(٢) في ز: فشبه.
(٣) في ز: عند.
(٤) في ز: في.
[ ٩ / ٥٢٤ ]
الأصحاب -﵏- والعماني، وهو المذكور في "التهذيب"، ونسبه الماوردي إلى البصريين (١) أنه لا يكتفي به، ولا ينقضي الاستبراء حتى تحيض ثم تطْهُر، ويخالف العدَّة، فإن فيها عددًا، فجاز أن يعبر بلَفْظ الجمع عن اثنين وَبَعْضِ الثالث، ولا يَجِيْء الوجْه الَّذي ذُكِر في اشتراط حيْضةٍ كاملةٍ بَعْد الطُّهر هاهنا؛ لأنَّ [فى] الحَيْضة السابِقَة عليها ما يكتفي به دلالة.
وإن قلْنَا: إنَّ الاعتبار بالحَيْض، فلا يَكْفي بعْض الحيض، بل يعتبر حيْضةً كاملةً حتى لو كانَتْ حائضًا عند وجُوب الاستبراء، لم يَنْقَض الاستبراء، حتى تَطْهر وتَحِيض حَيْضةً أخْرَى؛ لما رُوِيَ أنه -ﷺ (٢) - قال في سَبَايَا أَوْطَاس؛ "وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" ويخالف بقية الطهر، حيث يعتد بها طُهرًا في العدَّة، وفي الاستبراء عَلَى رأْي؛ لأن بقيَّة الحيض [حتمٌ] (٣) يستعقب الطَّهر الَّذي لا دَلاَلة فيه على البراءة، وعن مالك: أنَّه إن وجب الاستِبْراء في أوَّل الدَّمِ، حُسِب الباقي، [قُرْءًا]، وإن وَجَب في آخره، لم يُحْسَب، وذات الأقراء إذا تباعدت حِيضَتُها، فحُكْمها حُكْم المعتدة، وإن كانت المستبرأة من ذوات الأشْهُر، فقولان:
أحدهما: أنها تُسْتَبْرأُ بشهرٍ واحدٍ، بدلًا عن قُرْء.
والثاني: بثلاثة أشْهُر؛ لأنَّ الماء لا يَظْهر أثره في الرَّحِم قبل مضى ثلاثة أشهر، فهي أقل مدَّة تدُلُّ على براءة الرحم، وهذا أرْجَح عنْد جماعة؛ منْهم صاحب "المهذب"، والأصح عند المُعْظم [الأوَّل]، وإن كانت حاملًا، فإذا زال الفراش عن أَمَت أو مستولدَتَه، وهي حاملٌ، فاستبراؤها بالوَضْع، وإذا مَلَك جارية، فقد أطْلَق صاحب "التتمة" أنَّ الحكم كذلك، إن كان الحَمْل ثابتَ النَّسب مِنْ زوج أو وطء شبهة، والأقْوَم أن يُفَصَّل، ويقال: إن مَلَكَ الأمةَ بالسَّبْي (٤)، حَصَل استبراؤها بالوَضْع، وإن مَلَك بالشراء، فهي كالحرة، فإن كانت حاملًا من زوج، وهي في نكاحه أو عدته أو من وطء شبهة، معتدَّةٌ هي ذلك الوطء فالمَشْهور على ما سيأتِي أنَّه لا استبراءَ في الْحَال، وفي وجُوبه بعد انقضاء العدَّة خلافٌ، وإذا كان كذَلِك، لم يكنْ الاستبْرَاء حاصلًا بالوَضْع؛ لأنَّه إما غَيْر واجبٍ أو مؤخر عن الوضع، وقال في "التهذيب": هل يخرج عن
_________________
(١) وما حكاه الماوردي فيه إخلال. أما ما عزاه للبغداديين فإنه يقتضي الاكتفاء بيقية الطهر، وليس كذلك بل صرح الماوردي عنهم بأنه لا بد أن يضم إليه حيضة كاملة ليعرف بها براءة الرحم ببقية الطهر، ولا يكتفي برؤية الدم أو يوم وليلة هنا قطعًا؛ لأن بعض الطهر ليس قرءًا على الحقيقة فقدي بالحيضة الكاملة بعده، وجرى عليه الشيخ نصر المقدس في التهذيب وصاحب الذخائر وغيرهما.
(٢) تقدم.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: بالشيء.
[ ٩ / ٥٢٥ ]
الاستبراء، إذا وضعت الحمل؟ فيه قولان:
أحدهما: نَعَمْ، كالمملوكة بالسبْيِ.
والثاني: لا، كما أن العدَّة لا تنقضي بالوَضْع، إذا كان الحمل من غير صاحب العدَّة، بخلاف المَمْلوكة بالسبْيِ، فإن حَمْلَها من كافر، فلا يكون له من الحرمة ما يمنع انقضاء الاستبراء، هذا لفْظُه في المسألة.
وإن كان الحَمْلِ مِن زِنًا، ففي حُصُول الاستبراء بوَضْعه، حيث يحْصُل بوضعٍ ثابتِ النَّسَبِ وجهان:
أحدهما، وهو الذي أورده أبو الفرج السرخسيُّ: أنه لا يَحْصُل كما لا تنقضي العدَّة بوضع الحمل مِنَ الزنا، وأيضًا، فاشتغال الرَّحِم بماء الزنا لا يوجب منْعًا، فالفراغ منْه لا يُفيد حِلًاّ.
وأصحُّهما، على ما ذكر أبو سعد المتولي، وهو الذي أورده في الكتاب: أنه يَحْصُل (١) لإطلاق [الخبر] (٢) حيث قال: "لاَ تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ"، ولأن المقْصُود براءةُ الرَّحِم، وانفصال الولد أدلُّ على البراءة من انفصال دَمِ الحيْض، وليس الاستبراء كالعدَّة، فإنها مخصوصة بالتأكيد؛ ألا تَرَى أنه يُشْترط فيها العَدَد، ولا يشترط في الاستبراء، وعن القاضي الحُسَيْن تقريبُ هذا الخلافِ من الخِلاَف في أن استبراء ذات الأقراء بالحيض أو الطُّهر؟
إن اعتبرنا الطُّهْر لم يحْصُل الاستبراء، وإن اعتبرنا الحيْض. فالنَّظر إلى ما تُعْرف به البراءة، والحمل من الزنا يُعْرف، بوضْعِه البراءةُ، وإذا قلنا: لا تحْصُل البراءة، فلو كانث ترى الدَّم على الحبل، وجعلْناه حيضًا، فيحصل الاستبراء بحيضة على الحبل في أصحِّ الوجهين، وإن لم نجعلْه حيضًا أو كانت لا تَرَى الدم، فاستبراؤها بحيضة بَعْد الوضع، ولو ارتابت بالحَمْل إما في مدَّة الاستبراء أو بعدها، فعلى ما ذكَرْنا في العِدَّة.
وقوله في الكتاب "أما القَدْرُ فقرْءٌ واحدٌ" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ ولأنه قدر مُطْلَقِ الاستبراء به، وعند أبي حنيفة: المستولدة تسْتبرأ بثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر،
_________________
(١) والتصريح بالتصحيح هو ظاهر إيراد الرافعي لكنه لم يصرح به، وبه جزم الماوردي وغيره بل هو ظاهر نص الأم حيث قال: ولا يحل له الوطء إلا بوضع جميع حملها إذا كان حملها من غير سيدها وغير زوج إلا زوج قد طلق الحيض حتى تعيد ما تركته من الصلاة، وان ظننا أن سبب انحباس الدم العلوق فالحكم منوط بمقدار الدم وأسباب الانحباس مغيبة لا تحيط العلوم بها. انتهى. قاله في الخادم.
(٢) سقط في ز.
[ ٩ / ٥٢٦ ]
ويجوز أن يُعْلَم قوله "فَشَهْرٌ واحد" على ذلك القول أيضًا.
وقوله "والمستولدة إذا عَتَقَتِ استبرأت أنْ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ" أحق بهذه العلامة، وليس إلى ذكر المستولدة كبيرُ حاجَةٍ في هذا المَوْضِع، والمسألةُ معادَةٌ مِنْ بعد، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا حُكْمُهُ) فَهُوَ تَحْرِيمُ الاسْتِمْتَاعِ إلاَّ في المَسْبِيَّةِ فَإنَّهُ لاَ يَحْرُمُ إلاَّ وَطْؤُهَا* وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّه يَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليْس الَّذي ذكَرَه مِن حُكْم الاستبراء، ومِنَ الشَّرْط بعْده، حُكْمًا، وشرطًا المُطلَق الاستبراءُ، بل هما مخصوصان بأحَد نَوْعَيْ الاستبراء، وهو الاستبراء بِحُذوث المِلْك، فكان الأحسن في الترتيب بعْد ذِكر قَدْرِ الاستبراء: أن يَذْكُر سَبَبَيْ الاستبراء، وُيودِعَ هذا الحُكْمَ والشَّرْطَ في النَّوْع الذي يَخْتَصَّان به الفقه مَنْ مَلَك أمةً، لم يَجُزْ له أن يطأها، حتى ينقضي زمان الاستبراء؛ للحديث الذي سبق، وكما لا يجوز الوطء، لا يجوز سائر الاستمتاعات، كاللمس والقُبْلة والنَّظَر بالشهوة (١)، إن مَلَكَها بغَيْر السبْيِ؛ لأنَّها قد تكون حاملًا من سيِّدها أو من وطء شبهة، فتكُونُ أمَّ ولدٍ لغيْره، ويتبيَّن أنه لم يَمْلِكْها، وإن مَلَكَها بالسبْيِ، فوجهان:
أحدهما: أنه يَحْرُم كما في غير المَسْبِيَّة، وأيضًا، فإن هذه الاستمتاعات تدعو إلى الوطء المحرَّم.
وأظهرهما: الحِلُّ؛ لما رُوِيَ عن ابن عمر أنه قال: "وَقَعَتْ فِي سَهمِي جَارِيةٌ مِنْ سَبْي جَلُولاَءَ، فنَظَرْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا عُنُقُهَا مِثْلُ إبْرِيقِ الفِضَّةِ، فَلَمْ أَتَمَالَكْ أَنْ وَثَبْتُ عَلَيْهَا فَقَبِّلْتُهَا، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ" وتفارق المَسْبِيَّةُ غيْرَهَا؛ لأن غايتها أن تكون مستولَدَة حَرْبيِّ، وذلك لا يمنع المِلْك، بل هي والولدَ يُمْلَكَان بالسبْيِ، وإنما حَرُم الوطء صيانة لمائه لئلاَّ يخْتَلِط بماء حربيِّ، لا لحُرْمة مالء الحرْبي، وإذا قلْنَا بتحريم سائر الاستمتاعات، فإذا طَهُرَت من الحيض، حل سائر الاستمتاعات، ويبقى تحريم الوطء إلى أن تَغْتَسِل، وفيه وجْه يمتد تحْريمها إلى أن يحل الوطْء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا شَرْطُهُ) فَأَنْ يَقَعَ بَعْدَ حُصُولِ مِلْكٍ لاَزِمٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ قَبْلَ قَبْضِ المُشْتَرَاةِ* وَلاَ يَجُوزُ فِي الهِبَةِ قَبْلَ القَبْضِ* وَيجُوزُ فِي الوَصِيَّةِ وَلَكِنْ بَعدَ القَبُولِ وَمَوْتِ المُوصِي* وَلاَ يَجُوزُ في مُدَّةِ الخِيَارِ إن قُلْنَا: المِلْكُ لِلبَائِع* وَإِنْ قُلْنَا:
_________________
(١) تقييده النظر بالشهوة يفيد أنه مجرد النظر لا يمنع وكلام الرافعي والجمهور دال على جوازه ولهذا جاز النظر إلى أمة الغير بغير شهوة وإلا لم يكن تخصيص المنع بالنظر بشهوة معنى وأطلق ابن القطان في فروعه تحريم النظر ولعله محمول على ما إذا كان بشهوة.
[ ٩ / ٥٢٧ ]
إِنَّهُ لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ كَمَا قَبْلَ القَبْضِ وَأَضْعَفُ* وَلَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةَ أَوْ مُرْتَدَّة فَأَسْلَمَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ حَيْضَةٍ بَعْدَ المِلْكِ فَفِيهِ خِلاَفٌ لِعَدَمِ مَظَنَّةِ الاسْتِحْلاَلِ* وَلَوْ تَعَدَّى بِوَطْئِهَا قَبْلَ الاسْتِبْراءِ لَمْ يَنْقَطِعِ الاسْتِبْراءُ* فَإن أَحْبَلَهَا وَهِيَ حَائِضٌ حَلَّتْ لِتَمَامِ الحَيْضِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِهِ بِالْحَمْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وجوب الاستبراء لا يمنع المِلْك عن إثبات اليد على الجارِيَة، بل هو مُؤتَمَنٌ فيه منْ جهة الشَّرع، ويدل عليه أنه لم يَمْنع سبايا أَوْطَاس منَ الَّذين وقعْن في سهامِهِمْ، وعن مالك أنَّ الجارية المشتراة (١) إن كانت حسناء، فتوضع مدة الاستبراء في يدِ عَدْلٍ، وإن كانت قبيحةً، فيستبرئها المشتري عنْده، ويُرْوَى أن البائع يُمْسكها، ثم في الفصل مسائل:
إحداها؛ ما يحْصُل به الاستبراء، لو وقع بعْد المِلْك، وقبل القبض، هل يعتد به؟ يُنْظر؛ إن ملك الجارية بالإرْث، فيعتد به؛ لأن المِلْك بالإرث متأكِّدٌ نازلٌ منزلةَ المقْبُوض، وإن لم يحصُل القبض حسًّا؛ ألا ترى أنه يصِحُّ بيعه، وإن ملكها بالشراء فوجهان:
أحدهما: لا يعتد به، لعدم استقرار المِلْك.
وأصحُّهما: وهو اختيار القاضي أبي الطيِّب والرويانيِّ: الاعتداد؛ لأن المِلْك تام لازم، فأشبه ما بعد القبض قال في "التتمة": وأصل المسألة أن المَبِيع إذا هلكَ قبل القَبْض، يرتفع العقد من أصْله أم لا؟ وفيه خلاف ذُكِرَ في موضعه، وإن ملكه بالهِبَة، لم يعتد؛ لِمَا يقع قبل القبْض؛ لتوقف المِلْك على القبْض، وفي الوصية: لا اعتداد بما يقع قبل القبول، وبعتد بما يقع بعده (٢) وقبل القبض لتمام الملْك واستقراره، وأشار إلى القَطْع به مسْيرُونَ وقالوا: لا أثر للقبْض في الوصيَّة، وأَجْرَى صاحب "التهذيب" -﵀- فيها الخِلاَفَ المَذْكُورَ في الشراء، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب "ويجوز في الوصية".
_________________
(١) في أ: المتبرأة.
(٢) قضيته أنه لا يعتد بالاستبراء الواقع بعد الملك، وقيل: القبض جزمًا إلا في الإرث خاصة وبه صرح البندنيجي فقال: كل من استبرأت قبل قبضها لم يقع الاستبراء موقعه في جميع جهات الملك إلا في مسألة واحدة وهي ما إذا ملكها ميراثًا فاستبرأت قبل حيضها وقع الاستبراء موقعه. انتهى. والظاهر أن كل ملك مستر حصل بغير معاوضة كالإرث في ذلك وهو ما ذهب إليه الأكثرون كما قاله في الكفَّارة، ومنها: ما لو رجع في هبته لولده بعد إقباضه ثم حصل استبراء بعد رجوعه وقبل قبضه ولم أره صريحًا. قاله في الخادم.
[ ٩ / ٥٢٨ ]
وقوله "ولكن بَعْد القَبُول، وموت الموصِي" لو لم يَتعرَّض لموت الموصي؛ لحَصَل الغرض، فإن القبول المعتد به ما يَقَع بعْد الموت.
الثانية: إذا وقَع الحيْض أو وضع الحمل في زَمَان الخيار المَشْروط في الشرى، ففي حصول الاستبراء به على الخلاف في المِلْك، إن قلنا: إن المِلْك للبائع لم يَحْصُل، فإذا طَهُرت من النفاس، وطَعَنت في الحيض، انقضى الاستبراء، إن قلنا: إنَّ الاستبراء بالطُّهْر، وإن قلْنا: إنه بالحَيْض، فإنما ينقضي إذا تمَّت الحيضة، وإن قلنا: إنَّ المِلْك للمشتري أو قلْنا بالوقف، فوجهان عن أبي إسحاق:
أحدهما: يحصل الاستبراء؛ لوُقُوعه في المِلْك، وإمكانُ الفَسْخ لا يمنع الاعتداد به، كما لو كان بها عيْبٌ.
أظهرهما: المنع؛ لأن الملُك في زمان الخيار غيْرُ لازم، بخلاف ما قبل القبض، وعن صاحب الكتاب: تخصيص الوجهَيْن بما إذا حاضَت في زمان الخيار، والقطْعُ بحصول الاستبراء إذا وضعت الحمل؛ لأن الاستبراء بالوضْع أقوى من الاستبراء بالأقراء.
الثالثة: لو اشترى مجوسيِّة أو مرتدَّةَ فمَرَّتْ بها حيْضة أو وضعت الحَمْل، ثم أسْلَمَت، فوجهان:
أحدهما: أنه يعتد بما جرى في الكفر؛ لوقوعه في المِلْك المستقر.
وأظهرهما: المنع، ووجوب الاستبراء بعْد الإسلام؛ لأن الاستبراء استباحةُ الاستمتاع، وإنما يُعْتَدُّ بما يستعقب حل الاستمتاع، وربما بُنِيَ الوجهان على أن المُوجِب للاستبراء حدوثُ المِلْك أو حدوثُ حِلَّ الاستمتاع، وهذا أصْلٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وإذا اشترى العبدُ المأذونُ جاريةً، فللسيد وطؤها بعد الاستبراء، إن لم يكن هناك دَيْن، فإن كان هناك دَيْنٌ للغرماء، لم يكن له وطؤها؛ لئلا يُحْبِلها، فيَبْطُل حق الغرماء، فإذا انفكت عن الدُّيون بقضاء أو إبْراء، وقد جَرَى ما يَحْصُل به الاستبراء قبل (١) الانفكاك فيُحْسَب ذلك، أم يُشْترط وقوع الاستبراء بعْد الانفكاك؟ فيه وجهان، كما في مسألة المَجُوسية، وبالثاني أجاب العراقيون، وذكر في "الشامل" أنه لو اشترى جاريةً ورهنَهَا قبل الاستبراء، ثم انفك الرَّهْن، يستبرئها، ولا يُعْتدُّ بما جرى، وهي مرهونةٌ، وغلَّطه القاضي الرُّويانيُّ فيه.
_________________
(١) في ز: بعد.
[ ٩ / ٥٢٩ ]