قال الغَزَالِيُّ: وَهُوَ الجَانِي إِنْ كَانَ عَمْدًا وَالعَاقِلَةُ إِنْ لَمْ يَكنْ عَمْدًا، وَالنَّظَرُ في أَرْكَانٍ الرُّكنُ الأَوَّلُ فِي جِهَةِ العَقْلِ وَصِفَةِ العَاقِلَةِ أَمَّا الجِهَةُ فَثَلاَثةْ العُصُوبَةُ وَالْوَلاَءُ وَبَيْتُ المَالِ، أَمَّا المُخَالَفَةُ وَالمُوَالاةُ فَلاَ تُوجَبُ العَقْلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفت أن القسم الثالث من كتاب الدِّيَاتِ فيمن تَجِبُ عليه الدِّيَةُ، وقد مَرَّ في بيان جهات التَّغْلِيظِ والتخفيف أن الدِّيَةَ في العَمْدِ على الجَانِي، وهو قِيَاسُ غَرَامَةِ المتلفات، وفي شبه العَمْدِ والخَطَأ على العَاقِلَةِ، ولا فَرْقَ في العَمْدِ بين أن يكون مُوجِبًا للدِّيَةِ ابْتِدَاءً كقتل الأَب الابْنَ، أو يكون مُوجبًا لِلْقَصَاصِ، فيعفى على الدية، وكما لا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ دِيَةَ النَّفْسِ لا تحمل أيضًا دِيَةُ الأطرَافِ والجِرَاحَاتِ إذا وَقَعَتْ عَمدًا.
وعن مَالكٍ: أن ما لا يُوجِبُ القِصَاصَ كَالهَاشِمَةِ والمُنَقِّلَةِ، فَأرْشُهُ على العاقلة، وبَدَلُ العَمْدِ يجب حَالًا على قياسِ إبْدَالِ الغَرَامَاتِ. وعن أبي حنيفة أنَّه يجب مُؤَجَّلًا في ثلاث سِنِينَ.
والأصل في وجوب دِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ والخَطَأ على العاقلة -ما رُوِيَ أن امْرَأَتَيْنِ مِن "هُذَيْلِ" اقتتلتا، فَرَمَتْ إحَداهما الأُخْرَى بحَجَرٍ، ويروى: "بعمود فسْطَاطٍ" فقتلتها، فَأسْقَطَتْ جَنِينًا، فقضى رسول الله -ﷺ- بالدِّيَةِ على عَاقِلَةِ القاتلة، وفي الجنين بِغُرَّةِ عَبْدٍ أو أَمَةٍ.
وهذه صورة شِبْهِ العَمْدِ، وإذا جرى التَّحَمُّلُ في بَدَلِ شِبْهِ العمد. ففي بدل الخَطَأ
[ ١٠ / ٤٦٣ ]
أولى، قال العلماء (١): وتَغْرِيمُ غير الجَانِي خارج عن الأَقْيسَةِ الظاهرة، إلا أن القَبَائِلَ في الجَاهليَّة كانوا يَقُومُون بنُصْرَةِ من جَنَى منهم، ويمنعون أَوْلِيَاءَ القتيل من أن يُدْرِكُوا بثَأْرِهِمْ، ويأخذوا من الجَاني حَقَّهُمْ، فجعل الشرِع بَدَل تلك النُّصْرَة بَذْلَ المال، وربما شَبَّهَ إعَانَةَ الأَقَارَب بتحمل الدِّيَة عنهم، بإعانة الأجَانِبِ الذين غرموا لإصْلاَح ذَاتِ البَيْنِ بصرف سَهْمٍ من الزَّكَاةِ إليهم، وخصص الضَّرْب على العَاقِلَة بالخطَإِ، وشِبْهِ العَمْدِ، لأن ذلك مما يكثر سيما في حَقِّ الذين يَتَعَاطَوْنَ الأَسْلِحَةَ، ولا يتأتى الاحْتِرَازُ عنه، فحسن (٢) إعَانَةُ القاتل؛ لئلا يَفْتَقِرَ بالسبب الذي هو معذور فيه، وإنما أُجِّلَتِ الدِّيَةُ على العاقلة نظَرًا لهم؛ ليتحملوا ما تَحَمَّلُوا في مُدَّة الأَجَلِ، ولا يشق عليهم أدَاؤُهُ (٣).
ويحتاج في الضَّرْبِ على العاقلة إلى مَعْرِفَةِ المَضْرُوبِ عليهم، وإلى مَعْرِفَةِ كيفية الضَّرْبِ، فَلاَ بُدَّ من النَّظَرِ من هذين الرُّكْنَينِ، ولفظ الكتاب في النسخ [القديمة] (٤): "والنظر في أَرْكَان"، وكذلك هو في "الوسيط"، وليس فيهما إلا بِنَاءُ الكلام على الرُّكْنَيْنِ المذكورين، فليتبدَّلْ (٥) لفظ "الأركان" بـ"الركنين".
أما الركن الأَوَّلُ: ففيه فَصْلاَنِ: فصل في جهات التَّحَمُّلِ. وفصل في صفات المتَحَمَّلِينَ. أما الجهات فهي ثلاث القَرَابَةُ، والوَلاَءُ، وبَيْتُ المال، على ما نفصلها، وليست المُخَالَفَةُ والمُوَالاَةُ من جهة التَّحَمُّلِ، فلا يتحمل الحَلِيفُ الدِّيَةِ، ولا العديد (٦) الذي لا عَشِيرَةَ له، فيدخل نَفْسَهُ في القبيلة ليُعَدَّ منهم؛ لأن الأَصْلَ عَدْمُ التحمل، فَيُقْتَصَرُ على ما وَرَدَ فيه النَّصُّ.
وعند أبي حنيفة يَتَحَمَّلُ الحَلِيفُ، وساعدنا في العديد (٧).
ولا يتحمل أهْلُ الديوان بَعْضُهُمْ من بعض، والمُرَادُ الذين رَبَّتْهُمُ الإِمام لِلْجِهَادِ، وأَدَرَّ لهم أَرْزَاقًا وجعلهم تحت رَايَةِ أمير يَصْدِرُونَ عن رَأْيِهِ.
وعند أبي حنيفة: يَتَحَمَّلُ بعضهم عن بعض، وإن لم يكن بينهم قَرَابَةٌ، ويتقدمون على الأقَارِبِ اتِّبَاعًا لما وَرَدَ من قَضَاءِ عمر -﵁-.
واحتج الأَصْحَابُ بأن النبي -ﷺ- قضى بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ (٨)، ولم يكن في عهدهِ
_________________
(١) في ز: العلماء.
(٢) في ز: فحبس.
(٣) في ز: أداؤه.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: فليبدل.
(٦) في أ: الغريب.
(٧) في أ: الغريب.
(٨) أما قضاء عمر: فرواه الشَّافعي، وروي من حديث جابر: أول من دون الدواوين، وعرف العرفاء، عمر، وروى الحاكم من حديث ابن إسحاق حدثني عمر بن عثمان بن الأخنس بن شريق، قال: =
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
دِيوَانٌ، ولا في عَهْدِ أي بَكْرٍ -﵁- وإنما وَضَعَهُ عمر -﵁- حين كثر النَّاسُ، واحتاج إلى ضَبْطِ الأَسْمَاءِ والأرزاق، فلا يترك ما اسْتَقَرَّ في عَهْدِ رسول الله -ﷺ- بما حَدَثَ بعده.
وقَضَاءُ عمر -﵁- كان في الأَقَارَب من أهل الدِّيوَانِ. وقوله في الكتاب: "والعَاقِلَةُ إن لم يكن عمدًا" يجوز أن يُعْلَمَ بالواو؛ لِوَجْهِ قَدَّمْنَاهُ أن دِيَةَ شِبْهِ العَمْدِ لا تضرب على العاقلة. وقوله: "في جهة العَقْلِ" يعني: جهة تَحَمُّل الدية.
والعَقْل: مصدر عَقَلَ يَعْقِلُ، يقال: عَقَلْتُ فلانًا إذا أَدَّيْتُ دِيتَهُ، وعَقَلْتُ عن فُلاَنٍ إذا لزمته دِيَةٌ، فَأدَّيْتُهَا، والعَقْلُ أيضًا: الدِّيَةُ نفسها، سميت بذلك؛ لأن إِبلَ الدِّيَةِ تعقل بفَنَاءِ القتيل، أي: تُوضَعُ عليها عِقَالُهَا، وسميت العَاقِلَةُ عَاقِلَةً؛ لأنهم يَعْقِلُونَ الإبَل يفنَائِهِ، ويقال: بل لأنهم يمنعون عن القَاتلِ، والعَقْلُ: المَنْعُ، وبه سمي العَقْلُ؛ لأنه يمنع من الفواحِشِ والمنكرات. وقوله: "العُصُوبة" محمول على عُصُوبَة القَرَابَةِ، وإلا فهي تشمل الوَلاَءَ وبيت المال، ولو أطلق لفظ القَرَابَةِ كان أَحْسَنَ، كما قال: الجهة الأولى القَرَابَةُ. وقوله: "فلا يوجب العَقْل" مُعْلَمٌ بالحاء.
قال الغَزَالِيُّ: (ح) الجِهَةُ الأوْلَى القَرَابَةُ وَهُوَ كُلُّ عَصَبَةٍ سِوَى أَبْعَاضِ الجانِي مِنْ آبَائِهِ وَبَنِيهِ فَإنْ كَانَ ابْنُهَا ابْنَ ابْنَ عَمِّهَا ففي الضَّرْبِ وَجْهَانِ، وفِي تقدَّمِ الأخِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ عَلَى الأخِ لِلأبِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إحدى جهات التَّحَمُّل القَرَابَةُ، فإنها أقْوَى جهات العُصُوبَةِ، وإنما يَتَحَمَّلُ الذين هم على حَاشيَةِ النَّسَبِ، وهم الإِخْوَةُ وبنوهم، والأَعْمَامُ وبنوهم.
فأما أب الجاني وأَجْدَادُهُ وبنوه، وبنو بَنِيهِ، فإنهم لا يَتَحَمَّلُونَ؛ لأنهم أَبْعَاضُهُ، فكما لا يتحمل الجَاني، لا يتحمل أَبْعَاضه.
_________________
(١) = أخذت من آل عمر هذا الكتاب، كان مقرونًا بكتاب الصدقة الذي كتب للعمال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب محمد رسول الله، بين المسلمين والمؤمنين من قريش والأنصار ومن تبعهم، ولحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة، المهاجرين من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، والأنصار على ربعتهم، يتعاقلون، الحديث. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير أنَّه سمع جابرًا يقول: كتب رسول الله -ﷺ- على كل بطن عقوله. حديث عمر: أنَّه قضى على عليّ أن يعقل عن ولي صفية بنت عبد المطلب، وقضى بالميراث لابنها الزبير، ولم يضرب الدية على الزبير، وضربها على عليّ، كان ابن أخيها، البيهقي من حديث سفيان عن حماد عن إبراهيم أن عليًا والزبير اختصما في موالي لصفية إلى عمر، فقضى بالميراث للزبير، والعقل على عليّ، وهو منقطع. قاله الحافظ في التلخيص.
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
وقد روي عن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- امْرَأَتَيْنِ من "هُذَيْلِ" اقْتَتَلَتَا، فقتلت إحداهما الأُخْرَى، ولكل واحدة منهما زَوْجٌ وَوَلَدٌ، فقضى رسول الله -ﷺ- بِدِيَةِ المَقْتُولِ على عاقلة القاتلة، وبَرَّأَ الزوج والولد، ثم ماتت القَاتِلَةُ، فجعل النبي -ﷺ- مِيرَاثَهَا لبنيها، والعَقْلَ على العَصَبَةِ (١). وقال أبو حَنِيْفَةَ ومالك: يَتَحَمَّلُ الآباء والبنون كَسَائِرِ العَصَبَاتِ.
ثم في الفصل صورتان:
إحداهما: إذا قَتَلَت امْرَأَةٌ، لها ابْنٌ هو ابن عمها، هل يَتَحَمَّلُ العَقْلَ؟ فيه وجهان:
أحدهما -ويحكى عن الشيخ أبي عَلِيٍّ-: نعم، ولا تجعل البُنُوَّةَ مَانِعَةً، كما لا تجعلُ مُوجِبَةً لِلتَّحَمّلِ، وهذا كما أنَّه يلي أَمْرَ نكاحها.
وأظهرهما: لا، والبَعْضِيَّةُ مَانِعَةٌ من التحمل؛ لأن مَالَ أَبْعَاضِهِ كَمَالِهِ، ألا ترى أن نَفَقَتَهُ تَجِبُ في مَالِ أَبْعَاضِهِ، كما تجب في مَالِهِ، وكما لا يُؤْخَذُ من ماله لا يُؤْخَذُ من أموالهم. وأيضًا فقد روي أن رَجُلًا أتى النبي -ﷺ- ومعه ابنه، فقال: "مَنْ هَذَا"؟ قال: ابني، قال: "أَمَا إِنَّهُ لا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلاَ تَجْنِي عَلَيْهِ" (٢).
وليس المراد نَفْيَ الجِنَايَةَ، وإنما المعنى أنَّه لا يَلْزَمُكَ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ، ولا يلزمه مُوجِبُ جِنَايَتِكَ، فَدَلَّ أن البُنُوَّةَ مَانِعَةٌ.
الثانية: يراعى الترتيب في العَصَبَاتِ، فيقدم الأَقْرَبُ فالأَقْرَبُ، خلافًا لأبي حَنِيْفَةَ، حيث قال يفض الواجب على القريب والبعيد بالسَّوِيَّةِ.
لنا أن تَحَمُّلَ العَقْل حكم من أحكام العُصُوبَةِ، فَتُقَدَّمُ دِيَةُ الأقرب على الأبْعَدِ، كما في الميراث وولاية (٣) التَّزْوِيجِ.
_________________
(١) رواه الشَّافعي والشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة دون الزيادة، ورواه أبو داود بلفظ: ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله -ﷺ- بأن ميراثها لبنيها، وأن العقل على عصبتها، ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث جابر وفيه: ولكل واحدة منهما زوج وولد، نحوه، وفي إسناده مجالد، وصححه النووي في الروضة بهذا اللفظ، وفيه ما فيه؛ لأن مجالدًا ضعيف لا يحتج بما ينفرد به، وروى ابن أبي شيبة من طريق عبيد بن نضلة عن المغيرة قال: قضى رسول الله -ﷺ- على عاقلتها بالدية وغرة في الحمل.
(٢) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من رواية أبي رمثة نحوه، وأحمد أيضًا وأبو داود والترمذي وابن ماجة، من حديث عمرو بن الأحوص أنَّه شهد حجة الوداع مع النبي -ﷺ-، فقال: لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني جان على ولده، وأحمد وابن ماجة وابن حبان من رواية الخشخاش العبري نحو حديث أبي رمثة، ولأحمد والنسائي معناه من رواية ثعلبة بن زهدم، والنسائي وابن ماجة وابن حبان من رواية طارق المحاربي، ولابن ماجة من رواية أسامة بن شريك.
(٣) في ز: وولائه.
[ ١٠ / ٤٦٦ ]
ومعنى التقديم أن يَنْظُرَ في الواجب لِرَأْس الحَوْلِ، وفي الأقربين، فإن كان فيهم وَفَاءٌ إذا وَزْعَ الواجب عليهم إما لِقِلَّةِ الواجب، أو لكثرتهم، فَيُوَزَّعُ عليهم، ولا يُعْدَلُ إلى من بعدهم، وإلا شاركهم في التَّحَمّل من بعدهم، ثم الذين يَلُونَهُمْ. ويفارق الميراث؛ حيث لا يُشَارِكُ الأَبْعَدُ الأقْرَبَ، لأَن ما يجب على كل واحد من العَاقِلَةِ مُقَدَّرٌ بمقداره مَضبُوطٍ على ما سيأتي إن شاء الله تعالى لا يُزَادُ عليه. وما يرثه كُلُّ واحد من العَصَبَةِ غير مُقَدَّرٍ، فيجوز الأقرب الكل.
والمُقَدَّمُ من الذين يَتَحَمَّلُونَ العَقْلَ الإِخْوَةُ ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم، ثم أَعْمَامُ الأب، ثم بنوهم، ثم أعمام الجَدِّ على ما سَبَقَ في الميراث.
وهل يَتَقَدَّمُ المُدْلِي بالأبوين من هؤلاء على المُدْلِي بالأب كالأخَ من الأبوين مع الأخ من الأب أم يَسْتَوِيَانِ؟ فيه قولان:
القديم: أنهما يَسْتَوِيَانِ؛ لأن النساء لا يتحملن العَقْلَ بحال، فلا تؤثر قَرَابَتُهُنَّ فيه.
والجديد: أنَّه يَتَقَدَّمُ المُدْلِي بالأبَوَيْنِ؛ لأنهما يَتَحَمَّلاَنِ من العَصَبَةِ (١)، فيتقدم من يتقدم في المِيرَاثِ، كالأخِ مع ابن الأخ، والقولان كالقولين في وِلاَيَةِ النكاح.