فعلى الأصحِّ يجب خَمْسُمَائَة، وعلى الآخر لا يجب إلا مائتان.
ولو جنَى على العبد اثنانِ؛ بأن قطع أحدهما إحدَى يديه، والآخر اليدَ الأخْرَى، نُظِرَ، إن وقعت الجنايتان معًا، فعليهما قيمته، وإن تعاقبتا، وكانت القيمةُ عند القطع الثاني ناقصةً؛ بسبب القطع الأول، فإن مات منهما، ففي الواجب عليهما اختلافُ أوجه مذكورة في كتاب الصيد والذبائح، وإن وقف القطعان، نُظِرَ؛ إن وقع القطع الثاني بعد اندمال الأول، فعلَى كلِّ واحد منهما نُصفُ (١) قيمته قبل جنايته، فإن كانت (٢) قيمته ألفًا، فعادت بالقطع الأول إلى ثمانمائة، وبالثاني إلى ستمائة، فعلى الأول خمسمائة، وعلى الثاني أربعمائة، وإن قطع (٣) الثاني قبل اندمال الأول، فقد نقل صاحب "التهذيب" وغيره؛ أن على الثاني نصْفَ ما أوجبنا على الأول، وهو مائتان وخمْسُون؛ لأن الجناية الأولَى ما استقرت بعدُ حتى يضبط النقصان، وقد أوجبنا فيها نصْفَ القيمة، فكأنه انتقص نصْف القيمة، والحكم فيما إذا قطعَ الواحِدُ يديَ العبدِ، ولم يَسْرِ، كالحكم (٤) فيما لو قطع اثنان، وهذا كلُّه على القول الأصحِّ، وعلى القول الآخر يجبُ على كل قاطعٍ ما ينقص بجنايته، وإذا قطعت أطرافُ العبد، ثم حَزَّ حازٌّ رقبته، فالواجب عليه قيمة العَبد، فقيد الأطراف ويفارق الحرَّ حيث لا يؤثر فقْدَانُ الأطراف في بدله، لأن الرجوعَ في بدل العبد إلى الأسواقٍ، وقولِ المقوِّمين، وبدل الحرِّ مقدَّر بالشرع لا يختلف، وفقد بعض أطراف العبد يؤثِّر في بدل سائرِ أطرافِهِ، لتأثيره في نقصان بدل النفْس، والحرُّ بخلافه.
وقوله في الكتاب: "كجراحِ الحُرِّ من ديته" معْلَم بالميم.
وقوله: "الواجبُ بِقَدْرِ النقصان" بالحاء.
وقوله: "وفيه قولٌ مخرَّج" بالواو.
وكذا قوله: "لم يجبْ شيء"، ويجوز أن يُعْلَم الحكمُ في القولَيْن جميعًا بالألف، لأن عن أحمد روايتين كالقولين، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ في المُوجِبِ، والنَّظَرُ فِي أَرْبَعَةَ أَطْرافٍ، الطَّرَفُ الأَوَّلُ: السَّبَبُ وَهُوَ كُلُّ ما يَحْصُلُ الهَلاكُ عِنْدَهُ بِعِلَّةِ سَوَاهُ وَلَكِنْ لَوْلاهُ لَمَا أَثَّرَتِ العِلَّةُ كالحَفْرِ مَعَ التَّرْدِيَةِ، فأَمَّا مَا يَحْصُلُ الهَلاَكُ لَوْلاَهُ كَمَا لَوْ مَاتَ عِنْدَ صَعْقَةٍ خَفِيفَة فَهَذَا لا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ، وَلَوْ صاحَ عَلَى صغيرٍ فَارْتَعَدَ وَسَقَطَ مِنْ سَطْحٍ ضَمِنَ، وَفِي
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: كان.
(٣) في ز: وقع.
(٤) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤١٤ ]
القِصَاصِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ كانَ بالِغًا فَثَلاَثةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يُغَافِصَهُ مِنْ وَرائِهِ أَوْ مِنْ وَجْهِهِ، وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ عَلَى الأَرْضِ فَمَاتَ أَوْ عَلَى بَالِغٍ فَزَالَ عَقْلُهُ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ خَوَّفَ حَامِلًا فأَجْهَضَتْ جَنِينًا وَجَبَتِ الغُرَّةِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ سَبَبًا وَلَكِنِ احْتَمَلَ حُصُولُ الهَلاَكِ بِغَيْرِهِ فَهُوَ كَشِبْهِ العَمْدِ إِذا قَصَدَ، وَما يُشَكُّ فِي كَوْنهِ سَبَبًا احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ: الأَصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ أَوِ الأَصْلُ الحِوالَةُ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ،: غرض القسم بيانُ أن الواجب في إهلاكِ النفسِ وما دون النفس، كما يجب بمباشرةِ الإهْلاَك يجبُ بالتسبُّب إليه، وقد مرَّ أن مراتب الشيء؛ الَّذي له أثَرٌ في الهلاك ثلاثٌ، وهي: العلَّة، والسبَب، والشرط، وذكرنا في الغضْب وغيره؛ أن صاحب الكتاب لم يجر في الحَفْر على طريقة واحدةٍ، بل سمَّاه تارةً سببًا، وأخرى شرطًا، والتقسيم الذي ينطبقُ عليه المسائلُ هاهنا أن يقالَ: ما يحصل الهلاكُ عنده أو عَقِيبه؛ إما أن يكونَ هو المؤثِّر في الهلاك، أو لا يكون، إنْ كان، فهو علَّة الهلاك، ويتعلَّق به الديةُ لا محالة، وإن لم يكن، هو المؤثر، فإما أن يتوقَّف تأثير المؤثِّر في الهلاك عليه أو لا يتوقَّف، إن توقَّف؛ كالحفْر مع التردِّي، فيتعلق به الدية أيضًا على ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، وإن لم يتوقَّف، لم يتعلَّق به الدية، والموت عنده اتفاقيٌّ، ثم في الفصل صورٌ:
إحداها: لو صَفَعَهُ صَفْعةً خفيفة، فمات، فلا ضمان؛ للعلمْ بأنه لا أثر لَهَا في الهلاك، وبأنه وافق قَدَرًا، كما لو كلَّمه أو صافَحَه، فمات، وفي بعض النسخ "صعقة" وهو صحيحٌ أيضًا.
الثانيةُ: إذا صاح على صبيٍّ غير مميِّز على طرف سطْحِ أو بئر، أو نَهْر، فارتعد، وسقط منه، ومات، وجب ضمانه؛ لأنَّ الصبيَّ الضعيفَ كثيرًا ما يتأثر، ويضْطرب بالصيحة الشديدة، وهلْ عليه القصاصُ؟ فيه وجهان، ويقال قولان:
أصحُّهما: المنعُ، ومن يوجبه كأنه يدعي أن التأثُّر بها غالبٌ، ورتَّب الخلاف على الخلافِ فيما إذا حفر بئرًا في الدِّهليز، ودعا غيره عليه، وجعلت هذه الصور أولَى بوجوب القصاص (١)؛ لأن تأثير الصيحة في الارتعادِ والاضطراب أشدُّ من تأثير الدعوة في التخطِّي والتردِّي، ولو كان الصبيُّ على وجه الأرض، وماَت من الصيحة، ففيه وجهان، حكى الإِمام عن بعْضِهم؛ أنه أجراه مجرى الارتعادِ، والسقُوطِ من حَرْف الجدار، والأظهرُ خلافه؛ لأن الموتَ على استواء الأرض بمجرَّد الصيحة في غاية البعد، وتأثيرها في الارتعادِ والسقوطِ قريبٌ، ولو صاحَ على بالغٍ على طرف سطحٍ
_________________
(١) في ز: الضمان.
[ ١٠ / ٤١٥ ]
ونحوه، فسقط، ومات، فلا قصاص، وفي الضمان أوجه:
أحدها: أن الحكْمَ كما في الصِّغَر.
وأصحُّها: المنع؛ لأن الغالب من حال البالغ العاقلِ التماسُكُ وعدمُ التَّأَثُّر (١) بالصياحِ، والسقوطُ والموتُ يحملان (٢) على موافقة القَدَر.
وثالثُها: عن ابن أبي هُرَيْرة؛ أنه إن غافصه من ورائه، وجب الضمان؛ لأنه يتأثر به لغفلَتِه، وإن صاح به مِنْ وجهه، فلا، ولو صاح على الصَّغير، فزال عقله، وجب الضمان، وإن كان بالغًا، فعلى الوجوهِ الثلاثة، والمجنونُ والمعتوهُ والذي يعتريه الوساوسُ والنَّائم، والمرأة الضعيفة، كالصبيِّ الذي لا يميز (٣)، والمراهقُ المتيقِّظُ كالبالغ، وشهْرُ السلاحِ والتهديدُ الشديدُ كالصياح، ولو صاح على صيدٍ، فاضطرب به الصبيُّ على طرف السطح، وسقط، وجب الضمان أيضًا، لكن الدية، والحالة هذه، تكونُ مخفَّفة على العاقلة، وفيما إذا قصد الصبيَّ نفسه تكون مغلَّظة على العاقلة، وقياس من يقول بوجوبِ القصاصِ؛ أن تجب مغلَّظة على الجاني، وعن صاحب "التلخيص" أن الصائح على الصيد، إن كان محرمًا أو في الحرم تعلَّق بصيحته الضمانُ لتعديه، وإلا فلا ضمان، وقد ذكر عَلَى قياسه؛ أنه لو صاح بصبيٍّ في ملكه، لم يجب الضمان تشبيهًا بما لو حفر بئرًا في ملكه، فتردَّى فيها غيره، والظاهر أنه لا فرق كما لو رمَى من ملكه إلى إنسان، فأهْلَكَهُ.
الثالثة: إذا بعث الإمامُ إلى امرأة ذكرت عنده بسوء، وأمر بإحضارها، فأجهضَتْ جنينَها فَزَعًا، وجب ضمان الجنين؛ خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: ما رُوِيَ أن عُمَرَ -﵁- أرسل إلى امرأةٍ، ذُكِرَت عنده، فأجهضَتْ ما في بطْنِها، فقال عمر للصَّحابة -﵃- ما تَرَوْنَ، فقال عبْدُ الرحمنِ بْنُ عوفٍ -﵁-: "إنَّما أَنْتَ مُؤَدِّبٌ لا شَيْءَ عَلَيْكَ، فَقالَ لِعَلِيٍّ -﵁-: مَاذَا تَقولُ"، فقالَ: إنْ لَمْ يجتهدْ، فَقَدْ غَشَّكَ، وإنِ اجْتَهَدَ، فَقَدْ أَخْطَأَ، أرَى عليْكَ الدِّيَةَ، فقال عمر -﵁-: أقسمْتُ عليْكَ لتفرقَنَّها في قومِك (٤). قيل: أراد به قومَهُ، لكن
_________________
(١) في ز: التأثير.
(٢) في ز: يحتملان.
(٣) قال في الخادم: قضيته جريان الخلاف السابق لكن المجزوم به في الشامل وتعليق القاضي الحسين والتتمة وغيرهم في البالغ المجنون عدم الضمان وكلام ابن الرفعة يقتضي تفرد ابن الرفعة بحكاية الخلاف فيه.
(٤) قال الحافظ في التلخيص: رواه البيهقي من حديث سلام عن الحسن البصري قال: أرسل عمر إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها، فأنكر ذلك، فقيل لها: أجيبي عمر قالت: ويلها ما لها ولعمر، فبينما هي الطريق ضربها الطلق فدخلت دارًا فالقت ولدها، فصاح صيحتين ومات، فاستثار عمر =
[ ١٠ / ٤١٦ ]
أضافهم (١) إلى عليٍّ -﵁- إكرامًا وإظهارًا للاتحاد.
ولو أتاها رجلٌ، وأمرها على لسانِ الإِمام بأنْ تحضُرَ، فأجهضت جنينها، وجب الضمان على عاقلة الرجل، ولو هدَّد غير الإمام حاملًا، وأجهضت فَزَعًا، فليكنِ الحكمُ كما في الإِمام، وهذا كما أن إكراه غير الإِمام كإكراهه.
ولو ماتت الحاملُ المبعوثُ إليها، أو بعث الإِمام إلى رجل ذُكِرَ بسوء (٢)، وهدده، فمات، فلا ضمان لأن هذا السببُ لا يُفْضِي إلى الموت بخلافِ الإجهاض، هذا هو المشهورُ، وفي "النهاية"؛ أنه يجب الضمان وأن ذلك من الأسباب المؤدية إلى الهلاك، [والله أعلم].
ولو فزَّع إنسانًا، فأحدث في ثوبه، فلا ضمان (٣)؛ لأنه لم ينتقص (٤) جمالٌ، ولا منفعةٌ، وليُعْلَم من لفظ الكتاب قوله: "وَجَبَتِ الغُرَّة" بالحاء؛ لما ذكرنا.
وكذا قوله: "من سَطْحٍ، ضمن"؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة؛ أنه لا ضمان فيما إذا مات بالصياح.
وقوله: "والضابط " إلى آخره، قصد به ضبط (٥) مواضع الوفاق والخلاف في الصُّورة المذكورةِ وغيرها، والمقصودُ أنه إن كان السبب مما يفضي إلى الهلاك غالبًا، فهو موجب للقصاص، وإن كان قد يفضي إليه، والغالب خلافه، لكن غلب على
_________________
(١) = الصحابة، فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت وال ومؤدب، فقال عمر: ما تقول يا عليّ؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطؤوا، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديته عليك؛ لأنك أنت أفزعتها، فألقت ولدها من سببك، فأمر عليًا أن يقيم عقله على قريش، وهذا منقطع بين الحسن وعمر، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن مطر الوراق عن الحسن به، وقال: إنه طلبها في أمر، فذكر نحوه، وذكره الشَّافعي بلاغًا عن عمر مختصرًا.
(٢) في ز: إضافة.
(٣) ذكر السوء ليس بقيد من الضمان. قال الأذرعي: يؤخذ ذلك من النص في الأم وساق لفظ النص قيل قال: ولا شك أن بعثه لإحضارها لما يخاف منه أو تهديده لها أو لولدها أو زوجها وكل من ترغبها تهديده ممن عندها في معنى ذكرنا بالسوء عنده ولا سيما الأمير الجائر. وقال الشيخ: فليكن كالإمام إلى آخره. قال الأذرعي: يعضده قول الماوردي لو قذف امرأة بالزنا فماتت لم يضمنها ولو أجهضت ضمنه لأنها تسقط من ذاعر القذف ولا تموت منه.
(٤) قال الزركشي في خادمه: وهكذا ذكره الشيخ في المهذب واستدركه شارحه في كتابه المسمى بالتواقي فقال: إن كان المفزع عبدًا فينبغي أن يجب شيء لأن فيه تنقيصًا إذا سمع بأنه أحدثه في ثيابه وأن تفريعه له أورث في باطنه ما أوجب حدثه فيكون ذلك عيبًا يجب فيه ما نقص من قيمته وهذا محتمل.
(٥) في ز: ينقص.
(٦) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤١٧ ]
الظن؛ أن الهلاكَ الحاصلَ في الواقعة، حصل به، فهو شبه عمد، إذا كان بقصد الشخص، وهو كالصياحِ بالصغيرِ، وتهديدِ الحامل، وإن كان يتردد في حصول الهلاك به في الواقعة، مع كونه محتملًا، ففيه وجهانِ، منهم مَنْ ينفي الضمان فيه، ويتمسَّك بأن الأصل براءة الذمة، ومنهم من يوجِبُ الضمان، ويقول: هذا محتملٌ وغيره غير معلومِ الوجودِ، ولا بد من سبب، فيحال على هذا المحتمل.
وقوله: "ما يظهر كونه سببًا" أي: يظن أن الهلاك حصل به.
وقوله: "وما يشكّ في كونه سببًا"، أي: يتردَّد في أن الهلاك في الواقعة، هل حَصَل به.
وقوله: "على السبب الظاهرِ" ليس المرادُ الذي ظهر؛ أنه سبب الهلاك في الواقعة؛ فإن ذلك يناقض التَردد فيه، وإنما المراد السببُ المعلومُ وجودُه، هذا ما يدلُّ عليه لفظه هاهنا، وفي "الوسيط" هذا تمامُ الكلامِ في الطَّرَف الأول.
واعلم أنه رتَّب القول في القسم الثاني عَلَى أربعة أطراف:
أحدها: في السبب وتمييزه عما ليس بسببٍ، وقد يتخيل أنه سبب، وقد فرَغْنا منه.
والثاني: فيما إذا اجتمع العلَّة والذي نسميه سببًا أو شرطًا، ثم يناط الضمان.
والثالث: فيما إذا اجتمع سبَبَانِ، وأحدُهُما راجحٌ، يحَالُ الضمان عليه.
والرابع: فيما إذا اجتمعا معًا، وهما متقاربان (١) فيحكم بالشركة، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي اجْتِمَاعِ العِلَّةِ والشَّرْطِ فَإنْ كَانَ العِلَّةُ عُدْوانًا كالتَّرْدِيَةِ والحَفْرِ سَقَطَ أَثَرُ الحَفْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كالتَّرَدِّي مَعَ الحَفْرِ نُظِرَ إِلَى الحَفْرِ فَإِنْ كَانَ عُدْوانًا ضَمِنَ وإلاَّ فَلاَ، وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فافْتَرَسهُ سَبُعٌ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ اتَّبَعَ إِنْسانًا بِسَيفِهِ فَوَلَّى هَارِبًا وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي نَارٍ أَوْ مَاء أَوْ بِئْرٍ أَو افْتَرَسَهُ سَبعٌ فِي مَسْبَعٍ أَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسِهِ إِلاَّ إذَا كَانَتِ البِئْرُ مُغَطَّاة فالضَّمانُ عَلَى المُتَّبعِ، وَلَوْ سَلْمَ صَبِيًّا إلى سَبَّاحِ فَغَرِقَ بِتَقْصِيرِهِ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ بالِغًا لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حفْرُ البئرِ الذي هو شرْطٌ أو سببٌ، مع التردِّي الذي هو علَّة الهلاك، إذا اجتمعا، نُظِر؛ إن كانت العلَّة عدوانًا؛ بأن حفر بئرًا، فَرَدِيَ فيها غيره
_________________
(١) في ز: متقاومان.
[ ١٠ / ٤١٨ ]
إنسانًا، فالقصاص والضمان يتعلَّقان بالتردية، ولا اعتبار للحفر معها؛ كما ذكرنا في الإمساك مع القتل، وإن لم تكن العلة عدوانًا؛ بأن كان يتخطَّى شخص (١) الموضع جاهلًا، فتردَّى فيها وهَلَك، فإن كان الحفر عدوانًا، تعلَّق الضمان به، لتولُّد الهلاك منه، وتقصيره به، وإلاَّ فلا ضمان فيه. ثم في الفصل صُوَرٌ:
إحداها: إذا وضع صبيًّا في مسبعة، فافترسه السَّبُع، نُظِر؛ إن كان يَقْدِرُ على الحركة والانتقال عن موضع الهلاك، فلم يفعل، فلا ضمان على الواضع، كما لو فتح عرقه، ولم يعصب حتى مات، وأيضًا؛ فإن الموجود تضييعٌ، وليس بإهلاك، والحرّ لا يدخلُ تحت اليد حتَّى يضمن اليد، فانتفت أسبابُ الضمان، وإن كان لا يَقْدِر على الانتقال، ففي الضمان وجْهان، حكاهما الإِمام:
أصحهما، عند صاحب الكتاب، وبه قال أبو حَنيفَة: أنه يجبُ الضمانُ؛ لأن ذلك يعد إهلاكًا في العرف، ولا يبعدُ أن يقال: إنه أشدُّ وأبلغُ تأثيًرا من حفر البئر.
والثاني، وبه أجاب أكثرهم: أنه لا يجبُ؛ لأن الوضعَ ليس بإهلاك، ولم يوجدْ منه ما يلجئ السبع إليه، بل الغالب أن السبع يفر من إنسانٍ على ما تقرَّر في القصاص، وقد ذكر صاحب الكتاب الخلافَ في المسألة مرَّةً في باب الغصْب، وهي مكررة (٢) هاهنا، وفي التقييد بالصبيِّ هاهنا وفي الغصب ما يَفْهِم أنه لو كان الموضوعُ بالعالم يجب الضمانُ لا محالة، والخلافُ مخصوصٌ بالصبيِّ، وذكرنا في القصاص نحوًا من هذا، ويشبه أن يقال: الحكم منوطٌ بالقوة والضعفِ، لا بالكبر والصِّغَر.
الثانية: إذا اتبع إنسانًا بسيفه، فولَّى المطلوب هاربًا، وألقَى نفسه في نارٍ، أو ماء، أو من شاهقِ جبلٍ عالٍ، أو في بئر، فهلك، فلا ضمانَ؛ لأنَّه باشر إهْلاَك نفسه [قَصْدًا]، والمباشرة تتقدَّم على السبب، فصار كما لو حفر بئرًا، فجاء آخر ورَدِيَ نفسه فيها، ولأنه أوقع نفسه فيما كان يحاذرُه من المتَّبع، فأشبه ما إذا (٣) أكره إنسانًا على أن يقتل نفسه، فقتل نفسه لا يجب الضمانُ على المُكْرِهِ، ولو لم يشعرْ بالمهلك، ووقع من غير قصده في النار، أو الماء، أو من السطح؛ بأن كان أعمى، أو في ظلمة الليل (٤)، أو في موضع مظلهم، أو في بئر مغطَّاة، فيجب على المتَّبع الضمانُ؛ لأنه لم يقصد إهلاكَ نفسه، وقد ألجأه المتَّبع إلى الهرب المفضِي إلى المعنى المهلك، وقد ذكرنا أنه لو حفر بئْر عُدْوانٍ، فتردَّى فيها إنسان، يتعلَّق الضمان بالحفر، ومعلوم أن هذا الإلجاء أقوَى وأشدُّ تأثيرًا من الحفر المجرَّد، وأبدى الإِمام احتمالًا في وجوب الضمان، وإن
_________________
(١) في أ: فتخطى.
(٢) في ز: وهو مكرر.
(٣) في ز: ذا.
(٤) في ز: بالليل.
[ ١٠ / ٤١٩ ]
كانت (١) البئرُ مكشوفةً، إذا كان المطلوبُ لا يتفرَّغ إلى تأمل التخطِّي، ويجعل الحالة التي أرهقته ممهِّدة لعُذْره؛ ويؤيده أنا (٢) نعلِّق الضمان بالحَفْر، ولا فَرْق بين أن يكون التردِّي فيها بالليل أو بالنهار (٣)، ولا بين أن يكون متحفظًا أَوْ لا يكون فهاهنا أولى.
ولو استقبله سَبُعٌ في طريقه، فافترسه، أو لصٌّ فقتله، فلا ضمان على المتبع، بصيرًا كان المطلوب أو أعمَى؛ لأنه لم يوجَدْ من المتَّبع فعلٌ مهلِكٌ، ومباشرة السبع التي عرضت كعروض القتل على إمْساك الممسِكِ، نعم، لو ألجأه، إليه في مضيقٍ، وجب الضمان [على المتَّبع] (٤)، ولو انخسفَ به سقْفٌ في هربه، ففي وجوب الضمانِ على المتَّبع وجهانِ، حكاهما الشيخ أبو إسحاق في "المهذَّب":
أحدهما: المنع؛ لأن المعنَى المُهْلِك لم يشعرْ به الطالِبُ، ولا المطلوب؛ فأشبه ما إذا عرض سبعٌ، فافترسه، وهذا ما أجاب به صاحب "التهذيب"، والقاضي الرُّويانيُّ.
والثاني: يجب؛ لأنَّه حَمَلَهُ على الهرب، وألجأه إليه، وأنه أفضى إلى المعنى المُهْلِك من غير شعور المطلوب منه، فأشبه ما إذا وقع في بئر مغطَّاة، وهذا ما أورده العراقيُّون وحكَوْه، عن نصِّه -﵁- في "الأم"، ورجَّحه المتولِّي، وإليه مال الإِمام، وما ذكرناه من سقوط الضمان على المتَّبع، إذا ألقى المطلوب نفسه في ماءٍ، أو نار، أو من سطحٍ قصْدًا أَرَدْنَا به العاقل البالغ، فأما إذا كان المطلوبُ صبيًّا أو مجنونًا، فينبني على أن عمْدَهما عمْدٌ أو خطأٌ، إن قلنا: عمدٌ، لم يضمن المتبع، وإلاَّ ضمن؛ كما لو تردَّى متردِّي في البئر جاهلًا.
وقوله في الكتاب: "إذا افترسه سَبُعٌ في مَسْبَع" في بعض النسخ في "مُتَّسَعٍ"، وقد يشير ذلك إلى أنه لو كان ملجئًا (٥) إليه في مضيقٍ، لم يسقط الضمان عن المتَّبع.
وقوله في الكتاب (٦): "أو أنخسَفَ بهِ سَقْفٌ، ألقى نفسه عليه" هذا اللفظُ يشْعِر بالتصوير فيما إذا ألْقَى نفسه عليه من عُلْوٍ، فانخسف لثقله، وإذا كان كذلك، كان الحكم كما لو ألقَى نفسه من ماءٍ أو بئرٍ، وإن كان سببُ الانخسافِ، ضعْفَه، ولم يشعر به المطلوبُ، ففيه الوجهان المذكورانِ من قبل. وقوله: "إلاَّ إذَا كنت البئرُ مغطَّاة" قد عرفتَ أن الاستثناءَ لا ينْحَصِر في هذه الصورة، بل يستثنى الأعمى، ومن يُلْقِي نفسه في البئر (٧) في ظُلْمة الليل أيضًا، والضبط ألا يشعر بأنه يأتي المُهلِك.
_________________
(١) في ز: كان.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: والنهار.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: ملجأ.
(٦) سقط في ز.
(٧) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
الثالثة: لو سلَّم صبيًّا إلى سباحٍ؛ ليعلِّمه السباحة، فغَرِق، وجبتْ ديته؛ لأنه لا يغرق إلا بإهمال السباح، وقلَّة تحفظه، وتكون الديةُ الواجبةُ ديةَ شبهِ العَمْد، كما لو ضرب المُعَلِّم الصبيَّ للتأديب، فهلك، وفي "التتمة" وجه؛ أنه لا يجب الضمانُ، كما لو نقله إلى مَسْبَعَة، وبل أَوْلَى؛ لأن الخطر هناك أكثر، ولأن ذلك تضييعٌ، وهذا قد تدعو الحاجة إليه، وأبدى الإمامُ هذا الوجْه احتمالًا، وقال: الحرُّ لا يدخل تحت اليد، ولم يوجد من السَّبَّاح فعْلٌ، إذا خاض الصبي في الماء بنفسه نعم، لو ألقَاه السَّبَّاح في الماء؛ ليعلِّمه، فقد يجعل الإلْقاء موجبًا للضَّمان على تفصيل مذكور في باب القِصَاصِ، ويجري الخلافُ فيما إِذا كان الوليُّ يعلَمه السِّبَاحة بنَفْسِه، فغرق ولو أدخله الماءَ ليَعْبُر به، فالحكمُ كما لو خَتَنَه، أو قطع يده من أَكِلَةٍ، فمات منه، قاله في "التتمة".
وتبيَّن من التصوير الذي ذكَرْنا؛ أن قوله في الكتاب: "فغَرِقَ بتَقْصيرْ" ليس للتقييدِ، بل من أوجب الضمان قال: إذا غَرِق، وقد حصَلَ في الماء للسباحةِ، فقد قصر السباح، ولذلك غرق، وكان المعنى؛ فغرق ضمن (١) بتقْصيره، فأما إذا سلَّم البالغُ نفْسَه، ليعلِّمه، ففي "الوسيط" أنه إن خاض معه؛ اعتمادًا على يده، فأهمله، فيحتمل أن يجب الضمانُ، والمنقولُ عن العراقيين، والمذكورُ في "التهذيب"؛ أنه لا ضمان؛ لأنه مستقلٌّ، وعليه أن يحتاطَ لنفسه، ولا يغترّ بقول السَّبَّاح.
قال الغَزَالِيُّ: وَحَفْرُ البِئْر لاَ يَكُون عُدْوانًا فِي مِلْكِهِ وَفِي المَواتِ إلاَّ إِذَا حَفَرَ بِئْرًا في دِهْلِيزِ نَفْسِهِ وَدَعا إِلَيْهِ غَيْرَهُ فَفِي الضَّمَانِ قَوْلاَنِ لِتَعارُضِ المُبَاشَرَةِ والغُرُورِ، أمَّا فِي الشَّارعِ بِحَيْثُ يَضُرُّ بِالْمُجْتَازِينَ فَعُدْوَانٌ، وإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الطَّرِيقِ وَبإذْنِ الوَالِي فَلا ضَمَانَ، وَإِنِ اسْتَقَلَّ فَهُوَ جائِزٌ وَلَكِنْ بِشَرْطِ سَلامَةِ العَاقِبَةِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَإِنْ حَفَرَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَضُرُّ بِالنَّاسِ فَهُوَ جَائِزٌ بِشَرْطِ سَلامَةِ العَاقِبَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: والحفْرُ يُفْرَضُ في مواضِعَ:
أحدها: إذا حفر في مِلْك نفسه، فلا عدوانَ؛ حتى لو دخل فيه [داخلٌ] بإذْنه، وتردَّى فيه، لم يجبْ ضمانه، إِذا عرَّفه المالك أنَّ هناك بئرًا، أو كانتْ مكشوفةً، والداخلُ يتمكَّن من التحرُّز، فأما إذا لم يعرِّفه، والداخلُ أعمَى، أو الموضعُ مظْلِم، ففي "التتمة" أنه كما لو دعاه غَيْره إلى طعامٍ مسمومٍ، فأكله (٢)، ولو حفر بئرًا في دهليز
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) وما نقله عن التتمة جزم به الإِمام والغزالي لكن الماوردي في الحاوي قال إن هذا قول مخرج من أحد قوليه فيمن سمّ طعامًا وأذن في أكله وأن الأظهر المنصوص عليه أنه لا ضمان. قال: وهذا إن دخل بإذنه فإن أكره على الدخول ضمن قطعًا.
[ ١٠ / ٤٢١ ]
دارِهِ، ودعا إليها غيره، فتردَّى فيها، ففي الضمان قولان؛ لأنه غرر، ولكن المدعو غير ملجأ، فهو المباشر لإهلاك نفسه باختياره، وهذه الصورةُ مذْكُورة مرة في أول الجراح، لكنه لم يذكر الخلافَ هناك، واقتصر على إيجاب الضمان، وهو الأشبه على ما تقرَّر هناك، ومنهم من يرتِّب، ويقول: إن كان الطريق واسعًا، وعن البئرِ (١) معدلٌ، فقولان، وإن كان ضيِّقًا، فقولان مرتَّبان، وأولَى بالوجوب، وعلَى هذا قياسٌ تقديمِ الطعامِ المسمومِ، وأطعمةٍ فيها طعامٌ مسمومٌ.
والثاني: إذا حفر في مَواتٍ، إما للتملُّك أو للارتفاقِ بالاستقَاء منه (٢)، فلا ضمان أيضًا؛ لأنه جائزٌ؛ كالحفر في المِلْك، وعلَى هذا يحملُ قوله -ﷺ-: "البِئْرُ جُبَارٌ" (٣).
والثالث: إذا حفر في مِلْك غيره، نُظِر؛ إن حفر بإذْن المالكِ، فهو كما لو حَفَر في ملك نفسه، وإن حفر بغير إذن المالك يتعلَّق به الضمان؛ لكونه عدوانًا (٤)، وذلك إذا علم أن هناك بئرًا، ولم يمكنه التحرُّزَ، وتكون الديةُ على العاقلة، ولو هلكت بها دابَّة أو مالٌ آخر، وجب الضمان في ماله، وهلْ يجعل رضي المالك باستبقاء البئْر بعد الحفر، كرضاه عند الحفر؟ فيه وجهان مذْكُوران في الغَصْب:
الأظهر: نَعَم، ولو كان الحافر عبدًا، فالضمانُ يتعلَّق برقبته، فلو أعتقه السيِّد، فضمانُ من يتردَّى في البئر بعد الاعتاق يتعلَّق بالعتق، وعند أبي حنيفةَ؛ أنه يتعلَّق بالمعتق، ولو حفر في ملْكٍ مشْتَرَكٍ بينه وبين غيره بغير إذْنِ الشَّريكِ، تعلَّق الضمان به أيضًا؛ لأنه لا يجوز الحفر في الملك المشْتَرَك، وعند أبي حنيفة؛ أنه إن كانَتِ الشَّرِكة مع واحدٍ تعلَّق به نصف الضمان، وإن كان مع اثنين، تعلَّق به ثلث الضمان لتعدِّيه في حق اثنين، وإذا حفر في ملْك الغير متعديًا، ودخل داخلٌ ملكه بغير إذنه، فتردَّى فيها، فيتعلَّق الضمان بالحافر (٥)؛ للتعدِّي به، أَوْ لا [يلحقُ؛ لتعدِّي] (٦) المتردِّي بالدخول؟ حكى صاحب "التتمة" فيه وجهين (٧)، وحكى في "البيان"؛ أن المالك لو قال: حَفَرَ بإذْنِي، لم يصدَّقْ؛ خلافًا لأبي حنيفة.
والرابعُ: إذا حفر في شارع، فينظر؛ إن كان ضيقًا يتضرَّر الناس بالبئر، وجب ضمان ما هلَك بها، سواء أذن الإمامُ أو لم يأْذَن، وليس للإمام أنْ يأذن فيما يضر، وإن كان لا يتضرَّر بها الناسُ لسَعَةِ الشارعِ، أو انعطافِ موضعِ البئر، فيُنْظر، إن كان الحفْر
_________________
(١) في ز: وعين البئر معدل.
(٢) سقط في ز.
(٣) أخرجه البخاريُّ ومسلم من حديث أبي هريرة.
(٤) هكذا أطلقوه ولم يفرقوا بين الليل والنهار.
(٥) في ز: بالحفر.
(٦) في ز: يتعلق التعدي بتعدي.
(٧) سكت الشيخ عن الترجيح. قال في الخادم: الأقرب أنه لا ضمان لتعدي الداخل بالدخول.
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
للمصْلَحَة العامَّة؛ كالحفر للاستقاء (١)، والحفر لماء المَطَر، فإن أذن فيه الوالي، فلا ضمان، وإن استقل به، فمنهم من قال: فيه قولانِ:
الجديدُ: أنه لا ضمان، وأشار في القديم إلَى وجوبه، وقال آخرون. وجهان:
أصحهما: أنه لا ضمان؛ لما فيه من المصْلَحة العامَّة، وقد يعْسُر مراجعةُ الإِمام في مثْلِهِ.
والثاني: يجبُ، والجواز مشروطٌ بسلامة العاقبة؛ بخلاف ما إذا أذن الإِمام فيه؛ فإنه النائب عن عامَّة المسلمين، والناظرُ لهم وإن حفر لغرضِ نَفْسه، فقد ذكر جماعةٌ منهم صاحب "التهذيب"؛ أنه يجب الضمان (٢)، أذن الإِمام فيه أم لم يأذن لأنه وإن كان جائزًا، فهو مشروطٌ بسلامة العاقبة؛ لأنه لا يختصُّ الآحادُ بشيء من طريق المسلمين، وعلى هذا جرى الإِمام وصاحبُ الكتاب، والذي أورده أصحابنا العراقيُّون، وتابعهم القاضي الرويانيُّ، وصاحب "التتمة"؛ أنه إن حفر بإذنِ الإِمامِ، لم يلزم الضمان، وجوَّزوا أن يخصِّص الإِمام قطعةً من الشارع ببعض الناس، والترتيبُ عند هؤلاء أن الحفر في الشارع، إذا لم يكن مضرًّا، فإن كان بإذن الإِمام، فلا ضمان بسببه، سواءٌ حفر لنفسه، أو لمصلحةٍ عامَّة، وإن كان بغَيْر إذْنه، فإن حفر لنفسه وجب الضمان، وإن حفر لمصلحة عامَّة، ففيه الوجهان، أو القولانِ، والخلاف راجع إلى ما تقدَّم في إحياء الموات؛ أن إقطاع الإمامِ، هل له مدْخَلٌ في الشوارع، وبَيَّنا أن الأكثرين قالوا: نعم، وجوَّزوا للمُقْطَع أن يبنى فيه، ويتملَّكه، والحفر في المسجد كالحَفْر في الشارع، ولو بني مسجدًا في شارع لا يتضرَّر به المارَّة، فيجوز (٣) ثم لم تعثَّر به إنسانٌ أو بهيمةٌ، أو سقَط جداره على إنسان، أو مَالَ، فأهلكه، فلا ضمان، إن كان البناءُ بإذن الإِمام، وإن كان بغير إِذنه، ففيه الخلاف.
ولو بني سقفًا في مسجدٍ، أو نصب عمودًا، أو طيَّن جدارًا، أو علق قنديلًا، فسقط على إنسان، أو مال، فأهلكه، أو فرش حصيرًا، أو حشيشًا، فتزلق به إنْسَانٌ، أو قذفت عينه بشَوْكة، أذهب ضوء البصر، فكذلك ينظر أجرى ذلك بإذن الإِمَامِ، أو من يتولى أمر المسجد، أو بدون الإذن، فيكون الحكم على ما بَيَّنا، وعن أبي حنيفة؛ أنه إن صدر ذلك من غير إِذْنِ أهلِ المحلَّة، وجب الضمان، قال في "التهذيب": وهو قول
_________________
(١) في ز: الاستبقاء.
(٢) وعليه جرى الإِمام والغزالي والذي أورده العراقيون وغيرهم أنه إن حفر بإذن الإِمام لم يضمن. انتهى.
(٣) وفيه إشكال لا يخفى، وعلى قياسه يجوز للإمام أن يأذن في فتح الباب في جدار المسجد لبعض الرعية ووضع الجذوع على حائطه الذي لا يضر وضع الجذوع عليه وهو بعيد.
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
أبي إسْحَاق (١) وليعلم قوله في الكتاب: "بشَرْط سلاَمة العاقبة"؛ لما بيَّنا من الخلاف فيه.
قال الغَزَالِيُّ: وَكَذَا إِشْرَاعُ الأَجْنِحَةِ جائِزٌ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ بِخَلاَفِ مَا لَوْ حَفَرَ فِي مِلْكهِ فَسَقَطَ جِدَارُ دَارِهِ فَلا ضَمَانِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَرَجًا عَلَى المُلَّاكِ إِلاَّ أَنْ يُقَصِّرَ بِمُخَالَفَةِ العَادَةِ فِي سَعَةِ البِئْرِ فَيَضْمَنُ، وَلَوْ أَوْقَدَ نَارًا عَلَى السَّطْحِ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ ضَمِنَ عَهْدَةَ الشَّرارِ، وَلَوْ عَصَفَة الرِّيحُ بَغْتَةَ فَلاَ، وَلَوْ سَقَطَ مِيزَابُهُ عَلَى رَأسِ إِنْسَانٍ فَإن كانَ السَّاقِطُ القَدْرَ البَارِزَ ضِمَنَ (و) كَالجَنَاحِ، وإنْ سَقَطَ الكُلُّ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى وَجْهٍ لِأَنَّهُ مِنْ حَاجَةِ المُلْكِ بِخَلاَفِ الجَنَاحِ، وَضَمِنَ النِّصْفَ بِإزَاءِ البَارِزِ عَلَى وَجْهٍ، وَضَمِنَ ما يَقْتَضِيهِ وَزْنُ البَارِزِ عَلَى وَجْهٍ إِذَا قِيسَ بِوَزْنِ الدَّاخِلِ، وَإِذَا مَالَ الجِدَارُ إِلَى الشَّارعِ بِأَنْ بَنَاهُ مَائِلًا فَهوَ كَالقَابُولِ، وَإِنْ مَالَ فِي الدَّوَام فَلَمْ يَتَدارَكُ مَعَ الإِمْكَانِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا قِمَامَاتُ البُيُوتِ وَقُشُورُ البَطِيخِ إِذَا تَعَثَّرَ بِهَا إِنْسانٌ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى المُلْقي وَجْهَانِ كَمَا فِي الْمِيزَابِ لِأَنَّ طَرْحَ الْقِمَاماتِ لِمَرَافِقِ الأمْلاَكِ، وَرَشَّ المَاءِ إِذا لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةٍ عَامَةٍ فَهُوَ سَبَبُ ضَمَانٍ فِي حَقِّ مَنْ تَزَلَّقَ وَلَمْ يَرَ مَوْضِعَ الرَّشِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل تتعلَّق بالتصرُّف بالشوارع وتصرّف الإنسان في ملك نفسه، وبيان أحكامها وآثارها، والقولُ في التصرُّف في الشارع منه ما مَرَّ في الصُّلْح، وفي باب (٢) إحياء الموات، ومنه ما جَرَت العادةُ بذكره هاهنا:
المسألة الأُولَى: لا يجوز اشراع الأجنحةِ التي تضرُّ بالمارَّة إلى الشارع، ولو فعل، منع، وما يتولَّد منه من هلاك، فهو مضمون، وإن كان الجناحُ عاليًا غير مضرٍّ، فلا منع من إشراعه، وكذا بناءُ السَّابَاطِ العالي، لكن لو تولَّد منه هلاكُ إنسان، فهو مضمونٌ بالدية على العاقلة، وإن هَلَكَ به مالٌ، وجب الضمان في ماله، ووجَّهوا ذلك بأنَّ الارتفاق بالشارع إنما يجوز بشرط سلامة العاقبة، ولم يفرقوا هاهنا بين أن يأذن الإِمام، أو لا يأذن؛ كما فعلوا فيما إذا حفر البئر؛ لغرضِ نفسه، واتفقوا على وجوب الضمان، إن لم يأْذَنِ الإِمام، واختلفوا فيه إذا أَذِنَ، فيجوز أن يكونَ الحكْمُ في إشراع
_________________
(١) قال النووي في زوائده: قال البغوي: ومثل هذا لو وضع دنًا على بابه ليشرب الناس منه، فإن وضعه بإذن الإِمام، لم يضمن ما تلف به، وإلا فوجهان، يعني أصحهما لا ضمان بخلاف ما لو بني دكة على باب داره فهلك بها شيء، فإنه يضمن؛ لأنه فعله لمصلحة نفسه. والله أعلم. وهذا صرح به الشيخ إبراهيم المروذي في تعليقه أيضًا.
(٢) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
الجناح كذلك، ويجوزُ أن يقال: يجب الضمانُ هاهنا على الإِطلاق، ويفرَّق بأن الحاجة إلى الجناح أغلبُ وأكثرُ، والحفْر في الطريق مما تقلُّ الحاجة إليه، وإذا أكثر الجَنَاح، أكثر تولُّد الهلاك منه، فلا يحتمل إِهداره، ولو أشرع جناحًا إلى سكَّة منْسدَّة بغير إذن أهلها، ضمن ما يتولَّد منه، وبإذن أهلها لا يقتضي الضمان؛ كالحفر في دار الغير بإذنه.
الثانية: يتصرَّف كلُّ واحد في ملكه بالمعروف، ولا ضمانَ فيما يتولَّد منه؛ بخلافِ إشراع الجناحِ؛ حيث كان ما (١) يتولَّد منه مضمونًا؛ لأن إشراع الجناح (٢) لا ضرورة إليه، ولا يَرْغبُ فيه كلُّ أحد، والتصرف في نفس الملك، لو قُيِّد بشرط السلامةِ، لأورث حرجًا عظيمًا، ولا يجرُّ ذلك إلى إبطال فائدةِ المِلْكِ، فلم يقيِّده به، ولكن بشرْطِ جريانه على الاعتيادِ، والتحرُّز عما يعد إسرافًا وإهلاكًا، فلو وضع حجرًا في ملكه، أو نصب شبكة، أو سِكِّينًا، وتعثَّر به إِنسان، فهلَكَ، أو وقف (٣) على طرف سطْحه، فوقع على إِنْسَان، أو مال أو وضع عليه جرَّة ماء، فألقتها الريحُ أو ابتلَّ موضعها، فسقطتْ، فلا ضمان (٤)، وكذا لو أوقف دابَّة في ملكه، فرمحتْ إنسانًا، أو بالت (٥) وأفسدتْ بالرَّشَاش ثوبًا أو غيره خارجَ الملكِ، أو كان يكسر الحطَب في ملكه، فأصاب شيء منْه عيْنَ إنسانٍ، فأبطل ضوءَها، وكذا لو حفر بئرًا في ملكه، فتندَّى جدارُ الجارِ وانْهَدَمَ، أو غار ماءُ بئره، أو حفر بالوعةً، فتغيَّر ماءُ بئرِ الجار -لا شيء عليه (٦)؛ لأن المُلَّاك لا يستغنون عن مثل ذلك، نَعَمْ، لو قصَّر، فخالف العادةَ في سعة البئر، ضَمِن، فإنه إهلاك، وليكنْ كذلك إذا قرب الحفر من الجدار عَلَى خلاف العَادَةِ، ويمنع من طرح السِّرْقِينِ في أصْلِ الحائِطِ، ولو أوقد نارًا في مِلْكه، أو على سَطْحه، فطار الشَّرَر إلى ملْك الغير، فلا ضمان إلا أن يخالِفَ العادَةَ في قدْر النارِ الموقَدَة، أو يوقد في يوم ريحٍ عاصفةٍ، فيكون ذلك كطَرْح النَّار في دار الغير، فإن عصفت [الريحُ] بغتةً، بعْد ما أوقد، فهو معذُورٌ، ولو سقَى أرضه، فخرج الماءُ من جُحْر فأرةٍ، أو شق إلى أرض غيره، وأفسد زرعه، فلا ضمان إلاَّ أن يجاوز العادَةَ (٧) في قَدْر الماء، أو كان
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في ز.
(٤) هكذا أطلق، وفي الحاوي والبحر: لو نام على طرف السطح فانتقل إلى الطريق على رجل فقتله فإن كان لعيب في الحائط انهار من تحته فلا يضمن وإن كان لنقلته في نومه يضمن لأنه سقط بفعله ويكون خطأ على عاقلته وقياسه في مسألتنا التفصيل.
(٥) سقط في ز.
(٦) قال الشيخ البلقيني: هذا مقيد بما إذا كان ذلك مع الإحكام والاحتياط بالذي لا يحصل ما ذكر إلا على ندور.
(٧) سكت عما إذا شككنا في أنه هل جاوز العادة أم لا. =
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
عالمًا بالجُحْر أو الشَّقِّ ولم يحتطْ، وإذا حفر البئْرَ في أرض خوَّارة، ولم يَطْوِها، ومثلها ينْهَار إذا لم يُطْوَ، كان مقصِّرًا، كما ذكرنا في سَعَة البئر، ولا بدَّ من هذا الاحتياطِ؛ حيث جوَّزنا حفْرَ البئر في الشارع.
وقوله في الكتاب: "في يومِ ريحٍ" يجوزُ أن يقرأ على إضافة اليَوْم إلى الريح، ويجوز أن يقرأ "في يَوْمِ ريحٍ"، ويجعل الريح نعتًا لليوم.
الثالثة: يجوز إخراج الميازِيب إلى الشوارع؛ لما فيه من الحاجة الظَّاهرة، ويروَى أن عمر -﵁- مَرَّ تحْتَ مِيزَابِ العبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ -﵁- فَقَطَرَتْ عَلَيْهِ قَطَرَاتٌ، فأَمَرِ بِقَلْعِهِ، فَخَرَجَ العَبَّاسُ -﵁- وَقالَ: أتَقْلَعُ مِيزَابًا نَصَبَهُ رَسُولُ الله -ﷺ- بيَدِهِ؟ فَقالَ عُمَرَ -﵁-: واللهِ، لا يَنْصِبُهُ إِلاَّ مَنْ يَرْقَى عَلَى ظَهْرِي، وَانْحَنَى للْعَبَّاسِ، حَتَّى رَقِيَ عَلَيْهِ، فَأَعَادَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ (١).
وليكن الميزابُ عاليًا كالجَنَاحِ، فإذا سقط منه شيءٌ، فهلك به إنسان، أو مَالَ، ففي وجوب الضمانِ قولانِ:
القديمُ، وبه قال مالكٌ: أنه لا ضمان؛ لأنه من ضرورة البناء، فأشبه ما لو تولَّد الهلاك من بنائه، بخلاف الجناح.
والجديدُ: أنه يجب، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه ارتفاقٌ بالشارع، فيكون جوازه بشَرْط السلامة؛ كما في إشراع الجناح؛ وكما إذا طرح ترابًا في الطريق ليطيِّن به سطحه، فزلق به إنسانٌ وهلك، يلزمه الضمان، ودعوى الضرورة ممنوعةٌ؛ فإنه يمكنه أن يتخذ لماء السطح بئرًا في داره أو يحدِّر الماء في أخدودٍ في الجدار من غير إخراج شَيْءٍ، وعلى هذا؛ فلو كان الميزابُ خارجًا كلُّه بأن سُمِّر على خشبة من السقف، فانقطع، وجب جميعُ الضمان (٢) وإن كان بعضُه في الجدارِ وبعْضُه (٣) خارجًا منه (٤)، فإن انكسر وسقط الخارج أو بعضه، وحصل الهلاك به، فكذلك، وإن انقلع من أصْلِه،
_________________
(١) = وقال الجاجرمي في الإيضاح: الأصل براءة الذمة، وإن غلب على الظن مجاوزة الحل بالغيرة بالسبب الظاهر لا بالبراءة الأصلية على الأصح.
(٢) ورواه أبو داود في المراسيل من حديث أبي هارون المدني، قال: كان في دار العباس ميزاب، ورواه الحاكم في ترجمة العباس من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بسنده، عن عمر أنه دخل المسجد فإذا ميزاب فذكر نحوه، وقال: لم يحتج الشيخان بعبد الرحمن، وقد وجدت له شاهدًا من حديث أهل الشام. قاله الحافظ في التلخيص.
(٣) وقضيته تعليله أنه لا فرق بين أن يسقط كله أو بعضه.
(٤) في ز: والبعض.
(٥) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٢٦ ]
لم يجب إلا بعض الضمان؛ لأن التلَف حصَلَ من مباحٍ مطْلَقٍ، ومباحٍ بشرطِ سلامةِ العاقبة، وفي القَدْر الواجب قوْلاَن، أو وجهان:
أشهرهما: أنَّ الواجب نصْفُه توزيعًا على النوعَيْن.
والثاني: أنه يوزَّع عَلَى ما في الداخل والخارج، فيجب قسْطُ الخارج، ثم الذي ذكره صاحب الكتاب، وجماعةٌ؛ أن التوزيع يكون باعتبار الوزْنِ، وفي "التتمة" وغيرها أن التوزيع يكون باعتبار مساحةِ الداخِل والخارج، ويمتحن فيقال: رجلٌ قتل إنسانًا بخشبة يجبُ بقتله بعضُ ديته، ولو قتله ببعضِها يجب تمامُ ديته، ولا فَرْق بين أن يصيبه الطرفُ الداخل أو الخارج؛ لأنَّ الهلاك يحصُلُ بثقل الجميع، وعن أبي حنيفة أنه إن أصابه، الخارُج، وجب جميع الضمان، وإن أصابه الداخلُ، لم يجب شيء، والحكم في كيفية التضمينِ، إذا حصل الهلاكُ بالجناح المشرع، إمَّا بالخارج منه أو بالخارج والداخل معًا، على ما ذكرنا في المِيزَابِ؛ بلا فرق وقد يختصر الخلافُ في الميزاب، فيقال: في ضمانِ ما يهلك به ثلاثةُ أقوالٍ، أو أوجه:
أحدها: لا ضمان.
والثاني: يجبُ نصفه.
والثالث: يوزَّع على الداخل والخارج، وهكذا أورد صاحبُ الكتابِ، إلا أنه خصَّص الوجوه بما إذا سقط الداخلُ والخارج جميعًا، وأشعر سياقه بالقطع بالوجوب، إذا سقط الخارج البارِزُ وحده، كما في الجناح، والذي يوجَدُ لعامَّة الأصحاب طَرْدُ الخلاف في الحالَيْن، وهو الذي يستَنِدُ على التوجيه، ويجوزُ أنْ يعلم لما بيَّنا قوله: "ضمن كالجَنَاح" بالواو.