الشاهد الذي أقامه مورثهم، ولا تُحْسَب يمينه لهم؛ لأنه لا يأخذ أحدٌ بيمين غيره.
وعن الخضَريِّ: أنها تحسب، حتى لو حلف خمسين على قوْلنا بالتكميل، فلا يمين على الورثة؛ لأنه قد حَلَف للجائفة يكْفِي لجميع النفْس، والظاهرُ الأوَّل، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي إِثْبَاتِ الدَّمِ بِالشَّهَادَةِ وَلاَ يَثْبُتُ القَتْلُ المُوجِبُ لِلْقَصَاصِ بِرَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ، وَيَثْبُتُ مُوجِبُ الدِّيَةِ، وَلَوْ رَجَعَ بالعَفْوِ إِلَى المَالِ نَفِي ثُبُوتِهِ بَعْدَ العَفْوِ وَجْهَانِ، وَلَوْ شَهِدَتْ عَلَى هَاشِمَةٍ مَسْبُوقَةٍ بإِيضَاحِ لَمْ يَثْبُتِ الهَشْمُ فِي حَقِّ الأَرْشِ كَمَا لا يَثْبُتُ الإِيْضَاحُ، وَلوْ شَهِدَتْ عَلَى أنَّهُ رَمَى إِلَى زَيْدٍ فَمَرَقَ فَأَصَابَ غَيْرَهُ خَطَأً ثَبَتَ الخَطَأَ فَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ والتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: الاِيضَاحُ سَبَبُ الهَشْمِ وَهُمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ بِخِلاَفِ قَتْلِ الشَّخْصَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في صفات الشُّهُود ونصيب الشهادات وشروطِها يُسْتَوْفَى في "كتاب الشهادات"، لكنَّ الشافعيَّ -﵁- ذكر ههنا مسائلَ تتعلَّق بالشهادات على الجناية، وأودَعَها بابًا ترجمه بـ"الشهادة على الجناية" فراعَى معْظمُ الأصحَابِ ترتيبه، وأورد تلك المسائل ههنا ومقْصُود الفصل أنَّ كلَّ قتْلٍ أو جَرحٍ يوجبْ القصاصَ، فإنه لا يثبت برَجُل وامرأتين، ولا بشاهد ويمين، بل لا بد فيه من رجلَيْن يشهدان على نفْس القتل أو الجَرْح أو [على] (١) إقرار الجانِي بهما، وما يوجِبُ إلاَّ الديةَ؛ كالخطأ وشبه العمد وجناية الصبيِّ والمجنونِ وجناية المُسْلِم على الذمِّي والحرِّ على العبدِ والأب على الابن: تثبت (٢) بشهادة رجل وامرأتينِ، وبشاهد ويمين؛ لأن المقصود منه المال، وسيعود هذا في "كتاب الشهادات".
ولو كانت الجنايةُ المدَّعاة بحَيْثُ توجب القصاص، وقال المدعِي: عَفَوْتُ عن القصاص، فاقبلوا منِّي رجلًا وامرأتين أو شاهدًا ويمينًا لأخْذَ المال، فهل يقتل ويثبت المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه لا قصاص؛ والمقْصِد المال.
وأصحُّهما: ويُحْكَى عن نصّه في "الأم": المنع؛ لأنها في نفْسها موجبةٌ للقصاص، لو ثبتت (٣) ولأنه ينبغي أن يثبت القصاصُ حتى يكون للعفوْ اعتبارٌ، ومن القِسْم الأول المُوَضِحَة، إذا وقعت على وجْه يوجب القصاص، ومِنَ القسْم الثاني
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: ثبت الشهادة.
(٣) في ز: أو يثبت.
[ ١١ / ٥١ ]
الهاشمةُ والمأمومةُ والجائفةُ، إذا تجرَّدتْ عن الإيضاح، أما إذا وُجِدَت هاشمةٌ مسبوقةٌ بالإيضاح، فهل يثبت أرْش الهاشمة برَجُلٍ وامرأتين؟ النصُّ أنه لا يثبت بلْ لا بدَّ من شهادة رجلَيْن، ونص فيما إذا رمَى إلى زيد، فمرق السهْمُ منه، وأصاب غيره خطأً؛ أنه يثبت الخطأ الوارد على الثاني برجُلٍ وامرأتين وبشاهد ويمين، وفيهما طريقان:
أحدهما: أن فيهما قولَيْن:
أحدهما: ثبوت الهشْم والجناية على الثاني برجُلٍ وامرأتينِ؛ وإن لم يثبتِ القطع [لأنه لا قصاص فيهما] (١).
والثاني: المنع؛ لاشتمال الجناية على ما يوجِبُ القصاص، وهو المُوضِّحة في الصورة الأولَى، قتل الأوَّل في الثانية، والقصاص لا يثبت برجُلٍ وامرأتين.
وأصحُّهما: تقرير النصين، والفرق أن الهشْم المشتمل على الإيضاح جنايةً واحدةٌ، وإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص احتيطَ لها، ولم تثبت إلاَّ بحُجَّة كاملةٍ، وفي صورة مروق السهم حصَلت جنايتان لا تتعلّق إحداهما بالأخْرَى، وذكر الأمام أن المُدَّعِي لو قال: أصاب سهمه الرجلَ الذي قصده، ونفد منه إلى أبي، فقتله، ولم تكن الجنايةُ الأولَى متعلَّق حقٌ المدعِي، فيجب القطْع بثبوت الخطَأ بالبينة الناقصة؛ ومحل التردُّد ما إذا كانت الجناية الأولَى متعلّق حق المدعِي، قال: وفيه احتمال؛ لأن الجناية في الجملة عمْدٌ مفضِ إلى خطأ، وذكر أنه لو ادعَى أنه أوضحَ رأْسَه، ثم عاد وهَشَم، ينبغي أن يثبت موجِبَ الهاشمة برجل وامرأتين؛ لأنها لم تتصَّل بالموضِّحة، ولم تتحد الجناية، وأنه لو ادَّعَى مع القصاص مالًا من جهة لا تتعلَّق بالقصاص، وأقام على الدعوَتَيْن رجلًا وامرأتين، فالمذهب المشهور أن المال يثبت، وإن لم يثبت القصاص، وإذا اشتملت الشهادة على أمرَيْن مختلفَيْن، لم يقض الرد في أحدهما الردَّ في الآخر، وأبعد بعضُهم، فخالف فيه، وفي "الوسيط" أنه لا خلاف أنه لو ادَّعَى قتْل عَمْرو خطأَ، فشهدوا، وذكروا مروقَ السهْم إليه مِنْ زيد، لم يقدح في الشهادة؛ لأن زيدًا ليس مقصودًا بها، وهذا قريبٌ من الصورة التي نقلناها عن الإِمام أولًا مع اختلاف التصويرُ فيهما فإذا قلْنا بثبوت الهاشمة المسبوقة بالأيضاح، وأوجبنا أرشها، فعن صاحب "التقريب": أن في ثبوت القصاص في الموضِّحة وجهين:
وجْه الثبوت؛ التبعية كما أن الولادة على الفراش إذا ثبتت بشهادة النسوة يثبت النسب تبعًا، وإن لم يثبت النسبُ بشهادتين ابتداءً، واستضعف الشيخُ أبو عليٍّ والأئمة ذلك، واستبْعَدُوا اتباع الموضِّحة الهاشمة، وقالوا: الأقرب أن يُقَال: لا يجب قصاص
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١١ / ٥٢ ]
الموضِّحة وفي أرْشها وجهان وجه الوجُوب أنَّا وجدْنا متعلقًا لثبوت المال، فلا يبعد أن يستتبع مالٌ مالًا.
وقوله في الكتاب " [فقيل] قولان بالنقل والتخريج" فقضية إثبات قولَيْن في الصورتين وتولدهما من تصرُّف الأصحاب وكذلك ذكره جماعة من الأئمة، وفيه شيئان:
أحدهما: حَكَى بعضهم القولَيْن في "مسألة الهشم" منصوصين لا حاصلَيْن بالنقل والتخريج، فيمكن أن يُعْلم لذلك قوله "بالنقل والتخريج" بالواو.
والثاني: أن عن الأصحاب مَنْ أثبت الخلافَ في الهشْم، وقَطَع بثبوت الخطأ في صورة [المروق] وقله قبل ذلك "ففي ثبوته بعد العفْو وجهان" يجوز أن يُعْلَم لفظ "الوجهين" بالواو؛ لأن فيما عُلِّق عن أبي بكر الطوسيِّ حكايةٌ طريقةٍ أخرَى قاطعة بأنه لا يثبت.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدُوا أنَّهُ مَا جَرَحَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ لَمْ يَكْفِ مَا لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى القَتْلِ، وَلو قَالَ: أَوْضَحَ رَأْسَهُ لَمْ يَكْفِهِ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجِراحَةِ وَوُضُوحِ العَظْمِ، فَإنْ عَجَزُوا عَنْ تَعْييِنِ مَحَلِّ المُوضِحَةِ سَقَطَ القِصَاصُ وَثَبَتَ الأَرْشُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشهادة على الجناية مفسرة مصرِّحةٌ بالغرض، وفيه صورتان:
إحداهما: الشاهدُ على القتل، لا بدَّ، وأن يضيف الهلاك إلى فعْل المشهود عليه، فلوقال: ضربه بالسيف، لم يكْفِ، ولم يثبت به شيء؛ لأن السيف قد يصيب المضروبَ عرضًا، وقد ينبو ولا يؤثِّر، ولو قال: ضربه، وأنهر الدَّمَ، أو قال: جرحه، لم يثبت القتل؛ فإنه ليس في الشهادة تعرُّض له، ولو قال: ضربه بالسيف وأنهر الدَّمَ، ومات أو فمات، لم يثبت القتل أيضًا؛ لاحتمال أنه مات بسبب آخر، لا [بجراحته] (١) وإنهاره.
قال الإِمام: وفي طريقة (٢) العراقيين ما يدل على أن القتل يثبُت بهذه الشهادة، وعده غلطًا، إن لم يكن في النسخة اختلالٌ، ويدل على الاختلال أنك لا تَجِدُ في طرق العراقيين ذكْرَ هذا الوجْه.
ولو قال: جَرَحه، فقتله أو فمات مِنْ جراحته أو أنْهَر دمه، فمات بسبب ذلك، يثبت القتل، وفي معناه ما إذا قال: جَرَحه أو ضرَبَه بالسَّيْف، فأنهر دمَهُ، ومات مكانه، نصَّ عليه في "المختصر" وأقام قولَه "ومات مكانه" مقام قوله، "ومات من جراحته أو بسبب جراحته" وفي لفْظ الأمام، ما يُشْعِر بالنزاع فيه، فإنه قال "ولو قال: ضربه بالسيف [وأنهر] (٣) دمه، ومات مكانه بتلْك الجراحة، يثبت بالقتل" فاعتبر أن يقول بتلك
_________________
(١) في أ: بجراحة وإنهار.
(٢) في ز: طريق.
(٣) في أ: فأنهر.
[ ١١ / ٥٣ ]
الجراحة، والشاهد يعْرِف حصول القتل بقرائن يشاهدها، وإن لم يَرَ إلاَّ الجراحة، وانْهَارَ الدَّم، وحصولَ الموت، فللإمام تردُّد في أنه هل يجوز تحمل الشهادة به؟ قال: والوجه المنع.
الثانية: إذا قال الشاهدُ: ضرب رأسه، فأدماه، أو أسال دمه، تثبت الدامية، ولو قال: فسال دمه، لم تثبت؛ لاحتمال أن السيلان حصَلَ بسبب آخر، ولو قال: ضربه بالسيف، فأوضح رأسه أو اتَّضَحَ مِنْ ضربه أو بجراحته، تثبت الموضِّحة، ولو قال: ضربه، فوجَدْنا رأسه مُوضحًا أو فأتَّضَحَ، لم يثبت وحكى الإِمام وصاحبُ الكتاب؛ أنه يشترط التعرّض لوضوح العظْم، وإلاَّ، فلفظ الامام المُوَضِّحة من الإيضاح، وليست مخصوصةً بإيضاح العظم، وتنزيل لفظ الشاهد على الألقاب التي اصْطَلَح عليها الفقهاءُ لا وجْهَ له.
نعم، لو كان الشاهد فقيهًا، وعلم القاضي أنه لا يُطْلِق لفظ "المُوضِحة" إلاَّ على ما يوضِحُ العَظْمَ؛ قال الإِمام: هذا موضع التردُّد يجوز أن يكتفي به لفَهْم المقصود، ويجوز أن يعتبر الكشْف لفظًا، فإن للشرع تعبدًا في ألفاظ الشهاداتِ، وإن أفهم غيرها المقصود، ولا بد من تعيين محل الموضِحَة، وبيان مساحتها؛ ليجب القصاص، فلو كان على رأسه موضِحُ، وعجزوا عن تعيين موضِحَة المشهود عليه، فلا قصاص، ولم يكن على رأْسه إلا موضِحَةٌ واحدةٌ:، وشهد الشهود بأنه أوضَحَ رأْسَه، فلا قِصَاصَ أيضًا، لجواز أنه كانَتْ عليه موضِحَةٌ صغيرةٌ، فوسَّعَهَا، وإنما يجب القصاص إذا قالوا: إنه أوضَحَ هذه المُوضِحَةَ، وهل يجب الأَرْشُ إذا أطلقوا أنه أوضَحَ موضِحَةً، وعَجَزُوا عن تعيينها؟ فيه وجهان:
أحدُهما: ويحكى عن اختيار القاضي الحسين: أنه لا يجب؛ لأن هذه الجراحة، لو ثبتت على صفتها لوجب القصاصُ، وقد تعذَّر إثبات القصاص، فلا تثبتُ الجنايةُ أصلًا، كما لو شهِدَ رجُلٌ وامرأتان على موضِحَةٍ عمدًا لا يثبت الأَرْشُ كما لا يثبت القِصَاص.
وأصحُّهما: [الوجوب] (١) وبه قال الشيخ أبو محمَّد يجب؛ لأن الأرش لا يختلف باختلاف محل الموضحة ومساحتها، وتعذُّرُ القصاص إنما كان لتعذّر رعاية المماثلة لا لنقصان في البيِّنَةِ، بخلاف صورة الاستشهاد، ويدل عليه نصُّه في "الأُم"؛ أنه لو شهد الشاهدان على أن فلانًا قطَع قيد فلان، ولم يُعيِّنا، والمشهودُ له مَقْطُوعُ اليدَيْن، لا يجب القصاص وتجب الدية، ولو كان مقطُوعَ يد واحدة، والصورةُ هذه، فهل تنزل شهادتُهم
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١١ / ٥٤ ]
على ما نشاهدُها مقطوعةٌ أو يشترط تنصيصهم؟ يجوز أن يقدَّر فيه خلاف، ولو شهد الشهود بمُوضِحَةٍ شهادةً صريحةً، وعَايَنَّا رأس المَشْجُوج سليمًا لا أَثَر عليه، والعهْدُ قريب، فالشهادة مردودةٌ. وقوله في الكتاب: ["لم يكن] (١) ما لم يَشْهَدُوا على القتل" أعلم بالواو، ولما نقله الإمام عن طريق العراقيين، وأقامه وجهًا في "الوسيط".
وقوله "ولو قال: أوضَحَ رأْسَهُ، لم يكفه ما لم يتعرَّض للجراحة": وَجْهُ التعرُّض للجراحةِ هو وجْهُ التعرّض لوضوح العظْم، فإنَّ الأيضاح من حيث اللفْظُ يحْصُل برفع العمامة عن الرأْس، وقضيَّتُه أن يقال: لا يكْفِي أيضًا.
وقوله "ضرب رأسه بالسيف" فأوضَحَه؛ لأنه قد يضربه فَيُلْقِي عمامته بلا جرح، ويكون الحاصل ايضاحًا. وقوله "فإن عجزوا" يعني الشهود.
وقوله "سقط القصاص" أي لم يَثْبُت، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى أنَّهُ قُتِلَ بِالسِّحْرِ لَمْ يُقْبَلْ لأَنَّ ذَلِكَ لاَ يُشَاهَدُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَمْرَضَهُ بِالسِّحْرِ وَلَكِنْ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ فَهَذَا لَوْثٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ لَوْثَ فَإِنَّ اللَّوْثَ فِي تَعْيِينِ القَاتِلِ لاَ فِي نَفْسِ القَتْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ؛ السَّحْر له حقيقة، وقد يأتي الساحِرْ بفعْلٍ أو قولٍ يتغير به حالُ المسحُور، فيمرض، ويموت منه، وقد يكون ذلك بوصول شيْء إلى بدَنه من دخان وغيره، وقد يكون دونَهُ.
وعن أبي جَعْفَر الأستراباذيِّ من أصحابنا: أن السحر لا حقيقة له إنَّما هو تخيُّلٌ.
وحكى "صاحب الشامل" عن أصحاب أبي حنيفة: أنه إن وصل بفعْلِ الساحر شيْءٌ إلى بدَنِ المسحور، جازَ أن يحْصُلَ منه أثر، وإلاَّ، فلا يجوز، والمشهور الأول، وعليه عامة العلماء؛ يدل عليه قوله تعالى ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وفي القصة المشهورة أن النبي -ﷺ-: "سُحِرَ حَتَّى يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ" (٢)، وفيه نزلت المعوِّذَتان.
ويحْرُم فعل السحر بالإجماع، ومَنِ اعتقد إباحته، فهو كافر ويُرْوَى أن النبيَّ -ﷺ- قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ، أوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ" (٣).
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) متفق عليه من حديث عائشة.
(٣) أخرجه الطبراني من حديث الحسن عن عمران بن حصين، وأبو نعيم من حديث علي بن أبي طالب، والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس، وفي الأول: إسحاق بن الربيع ضعفه الفلاس، والراوي عنه أيضًا لين، وفي حديث علي: مختار بن غسان وهو مجهول، وعبد الأعلى =
[ ١١ / ٥٥ ]
وإذا قال الرجل: تعلمتُ السحر أو أَحْسِنُ السِّحْر، استُوصِفَ، فإن وصَفَه بما هو كُفْرٌ، فهو كافر، ومثَّله ابن الصباغ بأن يعتقد التقرُّب إلى الكواكب السبعة، وأنها تجيب إلى ما يقترح منها. وعن القفَّال: أنه لو قال: أفْعَلُ بالسحْر بقُدْرتي دون قدرة الله تعالى، فهو كافر، وإن وصفه بما ليس بكُفْر، لم يكن كافرًا.
وقال مالك: السِّحْر زندقة حتى أن الرجُل، إذا قال: أنا أحسن السحر، ولا أعيل به، يُقْتَل، ولا تُقْبَل توبته، كما لا تُقْبَل توبة الزنديق، ويروَى عن أبي حنيفة مثله.
وقال أحمد: يقتل الساحِرُ، ولمْ يُؤْثَر عنه في كفْره شيْءٌ.
واحتج الأصحاب بِأَنَّ مَنْ قال: أحسن الكفر أو الزنا، لا يُجْعَل كافرًا وزانيًا،
ويُرْوَى أن مدبِّرةً لعائشةَ -﵂- سَحَرَتْها استعجالًا للعتْق، فباعتها عائشةُ -﵂- ممَّن يسيءْ مِلْكَها من الأعراب، وكان ذلك بِمَحْضَر من الصحابة -﵃- ولم يقْتُلُوها.
وأما تَعَلُّم السحْر وتعليمه، فالذي ذكره الأكثرون منْهم أصحابُنا العراقيون "وصاحب التهذيب": أنهما حرامان، لخوف الافتتان والإضرار بالناس، وفي "تعليق أبي بكر الطوسيِّ حكاية وجهين فيه.
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يحْرُم، كما لا يحرم تعلُّم مقالات الكفرة، وقد يبغي من يتعلَّم السحْر دفْعَ ضرَرِهِ عن نفْسه، وأيضًا، فإنَّ تعرُّف حقائق الأشياء لا يَحْرُم، وهذا ما أورده في "الوسيط"، ورد الإِمام الوجهَيْن إلى أنه هل يُكْره تعلمُّه وفيه إشعار بأنه لا يحرم، وكلام القاضي الرويانيِّ قريبٌ منه، ولا يخفَى أن موضع الخلاف في التحريم؛ ما إذا لم يحتَجْ في تعلمه إلى تقديم اعتقادٍ هو كفرٌ والله أعلم.
إذا عُرِفَ ذلك، ففي الفصل مسألتان:
إحداهما: القتل بالسحْر لا يَثْبُت بالبيِّنة؛ لأن الشاهد لا يعْلَم قصْد الساحر، ولا يشاهِد تأثير السحْر، وإنما يثْبُت ذلك بإقرار الساحِر، وقد قدَّمنا أنه إذا قال: قتلتُه
_________________
(١) = ابن عامر وهو ضعيف، وعيسى بن مسلم وهو لين، وفي حديث ابن عباس: زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، وهما ضعيفان، وفي الباب عن أبي هريرة رفعه: من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق بشيء وكل إليه، رواه النسائي وابن عدي في ترجمة عباد بن ميسرة، عن الحسن عن عليّ. حديث: أن مدبرة لعائشة سحرتها استعجالًا لعتقها، فباعتها عائشة ممن يسيء ملكها من الأعراب، مالك والشافعي والحاكم والبيهقي من رواية عمرة عنها، وإسناده صحيح.
[ ١١ / ٥٦ ]
بسحْرِي، وسحْرِي يقتلُ غالبًا، فقد أَقَرَّ بالقتل العمْد، وإن قال: نادرًا، فهو إقرار بشبه العمد، وإن قال: أخطاتُ مِن اسم غيره إلى اسْمه، فهو إقرار بالخطأ.
وعن نَصِّه في "الأم": أنه لو قال: أمْرِضُ بسحْرِي، ولا أقتل، وقد سَحَرْتُ فلانًا، فأمرضته، عُزِّر وأنه لو قال: أُسْحِرُ ولا أُمْرِض، ولكن أُوذِي، ينهي (١) عنه، فإن عاد، يعزَّر؛ لأن السحْرَ كلَّه حرام.
الثانية: إذا قال: أمرضتُه بسحْري، لكنه لم يمُتْ به، وإنما مات بسبب آخر، فقد نص -﵁- في "المختصر" أنه لوْثٌ يُقْسِم به للوليِّ، ويأخذ الدية.
قال الإِمام: وفيه قول مخرَّج أنه ليس بِلَوْثٍ ولا قسامة فيه؛ لأنا ذَكَرْنا فيما إذا جرح رجلًا، ومات المجروح، واختلف الجارحُ ووليُّ المجروح، فقال الجارح: مات بسبب آخر، وقال الوليُّ: بل بالسراية تفصيلًا وخلافًا في أن المصدَّق منهما مَنْ هو؟ ولم يجْرِ ذكرُ القسامة، وقد وجد في الصورتين الاعتراف بسبب القتل مع ادعاء وقوع المَوْت بسبب آخر، ووجهُ القولِ المخرَّج أن القسامة لتعيين [القاتل] (٢) بعد الاتفاق على القتل، وههنا الاختلافُ في نفْس القتل، وأشار إلى أنَّا إذا جعلْنا اعتراف الساحر بأنه أمرض لوثًا، وجب أن يكون اعترافُ الجارح بالجَرْح لوثًا، وحاصل هذا الباب إثبات قولين أو وجهَيْن في الصورتين بالنَّقْل والتخريج، والظاهر الذي عليه أكثرهم أنه إنْ بقيَ ضمنًا متألمًا إلى أن مات، فيحلف الوليُّ، ويأخذ الدية، وذلك قد يثبت [بالبينة، وقد يثبت] (٣) باعتراف الساحر، وإن ادَّعَى الساحرُ البُرْءَ من ذلك المَرَضِ، وقد مضَتْ مدة تحْتمل البرْءُ فالقول قولُه مع يمينه، ويُحْكَى (٤) هذا عن نصه في "الأم" وقد سبق مثله في اختلاف الجارح والوليِّ وعليه يُحْمل نص "المختصر".