قال الغَزَالِيُّ: كُلُّ حَيٍّ مُلْتَزَمٌ إِذَا قَتَلَ قَتْلًا غَيْرَ مُبَاحٍ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلا إِطْعَامَ عَلَى المَذْهَب، نَعَمْ لَوْ مَاتَ فَفِي كُلِّ يَوْمٍ مُدُّ كَما فِي رَمَضَانَ، فَيَجِبُ الكَفَّارَةُ بِالخَطَأِ وَحَفْرِ البِئْرِ، وَعَلَى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، وَلا يَجِبُ فِي قَتْلِ الصَّائِلِ وَمَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ والرَّجْمُ وَلاَ عَلَى حَرْبِيٍّ، وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ حَفَر بئْرًا فَتَرَّدَّى فِيهِ غَيْرُهُ بَعْد مَوْتهِ وَجْهَانِ، إِذْ يَبْعُدُ إِنْشَاءُ عِبَادَةٍ عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ المَوْتِ، وَلا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ نِسَاءِ أَهْلِ الحَرْبِ وَذَرَارِيهِمْ، وَيجِبُ فِي المُعَاهَدِ والمَمْلُوكِ إِذَا قَتلَهُ السَّيِّدُ لِوُجُودِ العِصْمَةِ، وَكَذَا فِي المُسْلِم وإِنْ كانَ فِي دَارِ الحَرْبِ، فَإِذَا رَمَى إِلَى صَفِّ الكُفَّارَ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ فِيهِم مُسْلِمًا فأَصَابَ فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ وَلا دِيَةَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمًا وَلَمْ يَقْصِدْهُ لَزِمَهُ الدِّيَةُ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَمَا لَوْ قَصَدَ شَخْصًا بِعَيْنِهِ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ الرَّمْيِ فَفِي دِيَتِهِ قَوْلاَنِ إِذَا كَانَ فِي صَفِّ الكُفَّارِ، وَالشَّرِيكُ فِي القَتْلِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ إِذِ العِبَادَةُ لا تَتَجَزَأُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سبق في أوَّلِ الجِرَاحِ أن كَبيرَةَ القَتْلِ يَتَعَلَّقُ بها مع القِصَاصِ، أو الدية الكَفَّارَةُ، وقد يَسَّرَ الله -تَعالى- الفَرَاغَ من الكلام في القِصَاصِ والدِّيَةِ.
_________________
(١) في ز: المستيقن.
(٢) في أ: مدعي الأنثى.
(٣) في ز: محكومة.
(٤) في ز: وإلا وحلف.
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
وأما الكَفَّارَةُ (١) فالأَصْلُ فيها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وعن واثِلَةَ بن الأَسْقَعِ -﵁- قال: أتينا النَّبِيَّ -ﷺ- في صَاحِبٍ لنا قد اسْتَوْجَبَ النَّارَ بالقَتْلِ، فقال النبي -ﷺ-: "أعْتِقُوا رَقَبَةً يَعْتِقِ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ" (٢).
واعلم أن مَسَائِلَ الباب في الكتاب يَرْتَبِطُ بعضها ببعض ارْتباطًا شَدِيدًا، لا يَحْسُنُ حَلُّ رَوابِطِها إلا بعد الوُقُوفِ على فِقْهِهَا.
والباب خَفِيفُ المُؤْنَةِ في نفسه، فَرَأَيْتُ أن آتى بمسائله جَمَّةً (٣) في فصل، وأَعُود إلى ما يَتَعَلَّقِ بِنَظْمِ الكتاب، وحلّه في فصل آخر.
أما الفصل الأول، فالكَلاَمُ على ما رتَّبَ في "الوسيط" في الواجب والمُوجِبِ. أما الواجب فَكَفَّارَةُ القَتْل مرتبة، فعليه إِعْتاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فإن لم يجد فصيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ بالنص، فإن (٤) لم يَسْتطِعْ، فهل عليه إِطْعَامُ ستين مسكينًا؟ فيه قولان:
وقال القَفَّالُ في "شرح التلخيص": وجهان، وأنكر على صاحب "التلخيص" رِوايَةَ القولين:
أحدهما: أنه يَجِبُ؛ لأنها كَفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ على الإعْتاقِ، وعلى صيام شهرين مُتَتابِعَيْنِ، فأشبهت كَفَّارَةَ الظِّهَارِ والوِقاعِ في [نهار] (٥) رمضان.
_________________
(١) يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. فبين ﷾ أن القتل في ذاته جريمة منكرة ليس من شأن المؤمن أن يقوم عليها، ولا من طبعه الميل إليها، وأنه إن فعل ذلك إنما يفعله عن كُرْهٍ منه، وعلى غير قصد، وأنه في هذه الْحَالَةِ عليه أن يخرج رقبة من ذُلِّ العبودية تتمتع بنسيم الحرية، بدل تلك الرقبة التي فارقت الحياة الدنيا، فإن كان معسرًا عاجزًا عن تحرير تلك الرقبة، فعليه أن يصوم شهرين متتابعين تهذيبًا لنفسه، وإشعارًا لها بما وقع منها من التقصير؛ لعل الله يغفر لها ما فرط من ذنب إنه غفور رحيم. وهذه الآيات بظاهرها تفيد أن الكفَّارة إنما تجب في قتل الخطأ دون العمد إذ القاتل عمدًا جعل الله جزاءه جهنم خالدًا فيها، وغضب اللهُ عَلَيْه، وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا. ومن هنا اتفقت كلمة الفقهاء على وجوب الكفَّارة في قتل الخطأ.
(٢) رواه أحمد وأبو داود والنسائيُّ وابن حبّان والحاكم من حديثه، ولفظهم: قد استوجب فقط، ولم يقولوا: النار بالقتل.
(٣) في ز: خمسة.
(٤) في ز: وإن.
(٥) سقط في ز.
[ ١٠ / ٥٢٩ ]
وأيضًا فإن الإطْعَامَ مَذْكُورٌ في آية الظِّهَارِ، فتحمل كَفَّارَةُ القَتْلِ عليها، كما أن الرَّقبةَ في آية القَتْلِ لما كانت مُقَيَّدَةً بالإيمان حَمَلْنا الرَّقَبَةَ المطلقة في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عليها.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأن الآية لم تَتَعَرَّضْ إلا للإعتاق والصِّيَام، فلا يُلْحَقُ بهما خَصْلَةٌ ثالِثَةٌ، كما أن آيَةَ الظِّهَارِ لما كان فيها ذِكْرُ الخِصَالِ الثلاث لمَ تَرِدْ عليها خَصْلَةُ رابِعَةٌ.
وإنما اعتبرنا الاِيمانَ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ؛ لأن الرَّقَبَةَ المذكورة في الآيَتَيْنِ مُطْلِقَةٌ في إحداهما، ومُقَيَّدَةٌ في الأخرى، فحملنا الإِطْلاَقَ على التَّقْيِيدِ، والإطعام مَسْكُونٌ (١) عن أَصْلِهِ في إحداهما، والمسكوت (٢) لا يحمل على المذْكُورِ، كما أن الله -تعالى- نَصَّ في آية التيمُّم على عُضْوَيْنِ، وسكت عن عُضْوَيْنِ، ونصَّ في آية الوُضُوءِ على أربعة أَعْضَاء، فلم تُحْمَلْ آية التيمم على آية الوُضُوءِ وعلى هذا فقد ذكرها هنا، وفي "الوسيط" أنه لو مات قبل أن يَصُومَ يخرج من تَرِكَتِهِ لكل يَوْمٍ مُدلا بطريق البَدَلِيَّةِ، بل كما تخرج الفِدْيَةُ إذا فات صَوْمُ رمضان.
والقول في صِفَةِ الرَّقَبةِ، والصيام، وكيفية الإِطْعَامِ إن أَوْجَبْنَاهُ (٣)، وما يجوز
_________________
(١) في ز: مسكون.
(٢) في ز: والمسكون.
(٣) لكفارة القتل نوعان: أحدهما: تحرير رقبة مؤمنة. وثانيهما: صيام شهرين متتابعين، ولا ثلث لهما في رأي جمهور الفقهاء؛ لأن اللهَ ذكرهما فقط، ولم يذكر غيرهما، فكان ذلك مشعرًا بأن الإطعام ليس مشروعًا فيها. وذهب الشَّافعي في قول له، وأحمد في رواية عنه إلى أن لها نوعًا ثالثًا هو: إطعام ستين مسكينًا قياسًا على كفارة الظِّهَارِ، والمعروف من مذهبيهما خلاف ذلك. الأول: تحرير رقبة مؤمنة: الكلام على تحرير الرقبة في كفارة القتل هو الكلام عليه في كفارة اليمين، إلا أن الفقهاء متفقون هاهنا على أن الواجب هو عتق رقبة مؤمنة، فلا يجزئ في كفارة القتل عتق الرقبة الكافرة؛ لأن اللهَ تَعَالَى اشترط في الرقبة الإيمان بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فعتق غيرها يتنافى مع هذا الشرط، فلا يحقق المطلوب. ثانيًا: صيام شهرين متتابعين: دلت الآية الكريمة على أن المكفر إذا لم يجد الرقبة المؤمنة، أو وجدها، ولكن عجز عن تحصيلها، فالواجب عليه حينئذ صِيَامُ شهرين متتابعين، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ واشتراط التتابع في الصوم هاهنا، قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عليه بين العلماء ما يقطع التتابع: بعد اتفاقهم على اشتراط التتابع في هذه الكفَّارة اختلفوا فيما بينهم، فيما يقطع به هذا التتابع، وسنبين ذلك بعد إن شاء الله. لا خلاف بين العلماء في أن من أفطر لغير عذر أثناء الشهرين، فقد انقطع تتابعه للصوم، ووجب =
[ ١٠ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عليه أن يستأنف الشهرين، ويلغي ما صَامَهُ. ولا خلاف بينهم أيضًا في أنَّ التتابع لا ينقطع بالحيض متى باشرت المرأة الصوم عقب الطهر، ولم يفصل ذلك بفاصل؛ لأن الْحَيْض لا يمكن التحرز منه في أثناء الشهرين. إلا إذا أخرت الصوم إلى سن اليأس، وفي تأخيره إلى هذا الوقت خطر، وعزر؛ لأنها ربما تموت قبل ذلك. واختلفوا في أمور منها: أولًا: إذا تخلل صوم الكفَّارة شهر رمضان، فهل صوم رمضان يقطع التتابع، أو لا يقطعه، فيبنى على ما صامه من الكفَّارة؟ فمذهب الشافعية، والحنفية، والظاهرية أن التتابع ينقطع بذلك، وعليه أن يستأنف؛ لأنه قد ترك التتابع لغير عذر إذ كان في استطاعته أن يصوم شهرين ليس بينهما رمضان خصوصًا وأن الكفَّارة لم تجب على الفور، ولا يصح أن يَنْوِي برمضان الكفَّارة؛ لأن الزمن متعين لغيرها، والمتعين لا يقبل غيره. ومذهب الحنابلة: أن التتابع لا ينقطع بذلك علم بأن رمضان يتخلل صوم الكفَّارة، أم لم يعلم بذلك لأنه زمن منع الشرع من صومه عن الكفَّارة، فلا يقطع التتابع كزمن الحيض، وبالنفاس. وهذا ما لم يَنْوِ بِرَمَضَانِ صَوْمَ الكفَّارة، وإلا انقطع التتابع، ولا يجزيه عن رمضان، ولا عن الكفَّارة أمّا أنه لا يجزه عن الكفَّارة؛ فلأن الزمن متعين لغيرها، ولا يقبل غير ما عين له. وأما أنه لم يجزه عن رمضان؛ فلأنه لم يَنْوِ، وإنما نوى غيره، والنبي -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنياتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". ومذهب المالكية إن جهل تخلل رمضان لصوم الكفَّارة لم ينقطع التتابع بذلك؛ لعذره بالجهل، وإن علم بذلك انقطع تتابعه؛ لأنه كان في وسعه أن يؤخر الصوم إلى زمن لا يعترضه رمضان، والكفارة ليست واجبة على الفور، حتى يعذر بذلك، ولا يجزيه صوم رمضان عن الكفَّارة سواء نوى الكفَّارة وحدها، أو أشركها مع رمضان؛ لأن الزمن متعين لغيرها. هذه أدلة العلماء ومذاهبهم. ونحن إذا نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ نجد أن الحق مع من قال: "إن رمضان يقطع التتابع ما لم يكن هناك جهل يعذر به" لأن التتابع معناه سرد الأيام بعضها تلو بعض، فلو فصل بينها فاصل انقطع التتابع. هذا هو الأصل، ولكن خولف هذا الأصل في الأشياء التي يعذر بها شرعًا ولا يمكن التحرز عنها. ثانيًا: تخلل المرض إذا عرض للمكفر بالصوم مرض لا يستطيع معه الصوم فأفطر لذلك فهل ينقطع تتابعه ويلغي ما صامه ويستأنف صوم الشهرين من جديد أو لا ينقطع تتابعه ويبني على ما فات بعد مرضه؟ ذهبت الحنفية والظاهرية والشافعية في الجديد من مذهبهم إلى أن التتابع ينقطع بالمرض لأنه غير مناف للصوم. وقد أفطر باختياره فانقطع تتابعه كما لو أجهده الصوم فأفطر لذلك. وذهبت الحنابلة إلى أن الفطر للمرض المبيح له سواء كان مخوفًا أم غير مخوف لا يقطع التتابع قولًا واحدًا في المخوف وعلى الراجح في غيره. لأنه فطر بسبب لا صنع له فيه فلا يقطع التتابع كفطر المرأة بالحيض. وفصل المالكية فقالوا إن أدخل المرض على نفسه بسبب من الأسباب الاختيارية فأفطر لذلك =
[ ١٠ / ٥٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = انقطع تتابعه لأنه يشبه الفطر اختيارًا من غير عذر وإن لم يدخله على نفسه، بل عرض له ذلك بقوة قاهرة لم ينقطع تتابعه بذلك. لأن فطره بسبب لا صنع له فيه فأشبه الفطر لأجل الحيض. وبالنظر في وجهة كل نجد أن القول بالتفصيل هو الراجح لقوة مدركة. ولأن المرض قهري ولا يمكن التحرز عنه ولا دخل له فيه حتى يؤاخذ به. بخلاف ما إذا كان بسبب منه فإنه يجب أن يعامل بنقيض قصده. ثالثًا: تخلل السفر: إذا تخلل صوم الكفَّارة فطر لأجل السفر المبيح للفطر، فهل ينقطع التتابع بذلك أو لا ينقطع؟ للشافعية طريقتان في ذلك: طريقة تحكي قولين عن الشَّافعي، وطريقة تحكي قولًا واحدًا. فالطريقة التي تحكي قولين: قول بأن السفر يقطع التتابع والقول الثاني أن السفر لا يقطعه. والطريقة التي تحكي قولًا واحدًا: فهو القطع، وهو معتمد المذهب لأن الفطر لأجل السفر فطر بسبب اختياري فكان فطرًا لغير عذر. وأظهر القولين من مذهب الحنابلة أنه لا يقطع التتابع لأنه فطر بسبب مبيح للفطر، فكان كالفطر لأجل الحيض. ومذهب الحنفية والمالكية أن التتابع ينقطع بذلك لأن فطر بسبب جاء من جهته واختياره، فأشبه الفطر لغير عذر. هذه هي مذاهب القوم وأدلتهم، وبالنظر في وجهة كل نجد أن الحق مع من يقول بأن السفر يقطع التتابع ولكن ليس على إطلاقه، بل ينبغي أن يفصل في سبب السفر هل هو اضطراري أو اختياري فإن كان اضطراريًا وجب ألا ينقطع التتابع، وأما إذا كان اختياريًا وجب أن التتابع ينقطع؛ لأن ذلك يحقق ما شرعت له الكفَّارة من الزجر والتشديد حتى يحتاط الناس في أمورهم، ولا يندفعوا في أعمالهم من غير تفكير وروية. هل المعتبر في صيام الشهرين الهلال أو تكملة العدد ستين يومًا؟ لا نعلم خلافًا بين الفقهاء في أن من صيام شهرين متتابعين معتمدًا في ذلك على رؤية الهلال فيهما كفاه ذلك عما وجب عليه من الصوم سواء كان الشهران ستين يومًا أم تسعة وخمسين أم ثمانية وخمسين. لأن بفعله هذا قد صام شهرين متتابعين والله يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ والشهر كما يكون ثلاثين يومًا يكون تسعة وعشرين لقوله -ﷺ- فيما رواه مسلم: "أن النبي -ﷺ- ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة. صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليهم فاقدروا ثلاثين". ولكن الذي نعلمه أنهم مختلفون فيما إذا ابتدأ الصيام الواجب عليه بعد أن مضى من الشهر بعضه. فهل يصوم الشهر الثاني معتمدًا في ذلك على رؤية الهلال ويكمل الشهر الأول ثلاثين يومًا من الشهر الثالث ويجزيه ذلك سواء كان الشهر الذي صامه بالهلال ثلاثين يومًا أم أقل من ذلك أو يكمل الأول من الثاني، والثاني من الثالث حتى يتم العدد ستين يومًا؟ فقالت الشافعية والمالكية والحنابلة يكمل الأول من الثالث، ويصوم الشهر الثاني بالهلال كيفما اتفق لأن الأصل في اعتبار الشهور الشرعية الاهلَّة قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فإذا تعذر ذلك الأصل في الشهر الذي ابتدأ فيه الصوم لصومه في أثنائه ألغي اعتبار الهلال فيه، ورجعنا إلى ما يقوم مقامه وهو تكملة العدد ثلاثين بخلاف الشهر الثاني =
[ ١٠ / ٥٣٢ ]
النُّزُولُ به من (١) دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ على ما مَرَّ في الكتاب.
وأما المُوجِبُ فَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ فيه بثلاثة أمور:
أحدها: القَتْلُ، وفيه مسائل:
إحداها: القَتْلُ العَمْدُ، وشِبْهُ العَمْدِ يُوجِبَانِ الكَفَّارَةَ كَالخَطَأِ.
وقال أبو حَنِيْفَةَ ومالك: لا كَفَّارَةَ في العَمْدِ، واختاره ابن المُنْذِرِ.
وعن أحمد روايتان كالمَذْهَبَيْنِ (٢).
_________________
(١) = فإن الأصل متحقق فيه، فلا يعدل عنه إلى غيره. وقالت الحنفية يكمل الأول من الثاني، والثاني من الثالث حتى يتم العدد سين يومًا ولهم قول كالأول ووجهتهم أنه لما فات اعتبار الشهر الأول بالهلال لوجود الصم في أثنائه فات اعتبار الشهر الثاني كذلك، فيكمل الأول من الثاني فلم يبق إلا أن يرجح إلى التقدير بالعدد وذلك مقولة يومًا. وبالنظر في وجهة كل نجد أن الراجح مذهب غير الحنفية؛ لأن الشارع أمرنا بصيام شهرين. والشهور إذا أطلقت في لسان الشرع تنصرف إلى الهلالية فقط، فالواجب حينئذ في الكفَّارة صيام شهرين هلاليين فإذا تعذر اعتبار الهلال في أحد الشهرين احتجنا لتكميله ثلاثين من الثالث. ولا يقتضي هذا إلغاء الهلال في الشهر الثاني لأنه خروج عما اعتبره الشارع بدون مقتض.
(٢) في ز: في.
(٣) بعد اتفاق الفقهاء على وجوب الكفَّارة في قتل الخطأ اختلفوا في وجوبها في غيره، كالعمد، وشبه العمد عند من يقول به. فالإمام مالك، وأهل الظاهر يرون أن الكفَّارة لا تجب في العمد، ولا في شبه العمد. ويرى المالكية: أن على القاتل عمدًا إذا عفى عنه أن يكفر بما يكفر به القاتل خطأ على سبيل الندب، لا على سبيل الوجوب، ويُجْلَدُ مائَةً، ويغرب سنة ويرى الحنفية: أن الكفَّارة تجب في شبه العمد دون العمد. ويرى الشافعية: أنها تجب في كل قتل سواء كان خطأ أم عمدًا، أم شبه عمد، وهو رواية عن الإِمام أحمد. استدل المالكية، ومن وافقهم بالآيتين السابقتين، ووجه الدلالة منهما أن الله ﷾ قد ذكر فيهما ما يترتب على كل منهما، وما ذكره بجانب كل هو تمام ما وجب فيه، ولم يذكر بجانب قتل العمد كفارة، فعلم من ذلك أنها غير واجبة فيه، ولم يثبت من طريق صحيح ما يفيد وجوبها في غير الخطأ، فكان القول بالوجوب قولًا بلا دَليلٍ. ونوقش هذا الدليل بأن الله -تعالى- لم يذكر بجانب قتل العمد جلد مائة للقاتل ولا تقريب سنة، ومع ذلك فالمستدل بالدليل السابق كالمالكية يوجبونها على القاتل عمدًا إذا عفى عنه، فمن أين أخذوا ذلك؟ أليس ذلك ثابتًا عندهم بطريق القياس على الزَّانِي، فكان الأجدر بهم أن يقيسوا القتل عمدًا على القتل خطأً؛ لأن جنس القتل بجمعهما. واستدل الحنفية على عدم وجوبها في العمد بالآية السابقة، وعلى وجوبها في شبه العمد بقوله =
[ ١٠ / ٥٣٣ ]
واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بخبر وَاثِلَةَ، فإن اسْتِيجَابَ النَّارَ إنما يكون عند التَّعَمُّدِ، وبأنه قَتْلُ آدَمِيٍّ يوجب الضَّمَانَ، فيوجب الكَفَّارَةَ كالخَطَأِ، وبأن الكَفَّارَةَ لِلْجَبْرِ وإصْلاَحِ الحال، والعامد أَحْوَجُ إليه، وصار كما في جَزاءِ الصَّيْدِ، يستوي فيه العَامِدُ والمُخْطِئُ.
وخِلاَفُ أبي حنيفة في العَمْدِ الذي يوجب القِصَاصَ، واختلف أصحابه فيما لا يُوجِبُ كَقَتْلِ الوَالِدِ وَلَدَهُ، والسيد عَبْدَهُ، وحَكَى القاضي الروياني فيما إذا اقتصَّ من المُتَعَمَّدِ، هل تَجِبُ الكَفَّارَةُ في مَالِهِ؟ وَجْهَيْنِ عن رِوايَةِ أبي عَلِيٍّ بن أبي هُرَيْرَةَ، والطَّبَرِيِّ.
أصحهما: الوجوب؛ لأن حُقُوقَ الله -تعالى- الواجِبَةَ في المال لا تَسْقُطُ بالموت.
_________________
(١) = تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ الآية. ووجه الاستدلال: أن شبه العمد فيه خطأ من وجه، فكان داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ الآية. فيجب فيه ما يجب في الخطأ. ويرد هذا الاستدلال بأن شبه العمد مغاير للعمد كما هو مغاير للخطأ، والآية لم يذكر فيها إلا الخطأ، كما أن الآية الثانية لم يذكر فيها إلا العمد، فكان مقتضى الاستدلال على عدم وجوب الكفَّارة في القتل عمدًا بالآية السابقة عدم وجوبها أيضًا في شبه العمد، وإلا كان ذلك زيادة على النص، كما يقولون. وإثباتهم الكفَّارة في شبه العمد ظهر أنه بالقياس على الخطأ لوجود ما يجمعها، فيجب القول بثبوتها كذلك في القتل عمدًا بالقياس على القتل خطأ، لاشتراكهما معًا في جنس القتل، ولا يفيدهم القول بأن الكفارات لا تثبت بالقياس بعد ما ثَبَتَ من قولهم به ثبوت الكفَّارة في شبه العمد، وبعد ما ظهر أن ذلك بالقياس على الخطأ. واستدل الشَّافِعِيَّةُ على وجوبها في غير الخطأ بما رواه أحمد، وأبو داود، والنِّسَائِي عن وَائِلَةَ بن الأَسْقَع قال: أتينا رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي صَاحِبٍ لَنَا أَوْجَبَ "يَعْنِي النَّارَ بِالْقَتْلِ" فَقَالَ: "أَعْتِقُوا عَنْهُ يَعْتِقُ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنهُ مِنَ النَّارِ". ووجه الدلالة أن النبي -ﷺ- أَمَرَ السائلين بأن يعتقوا رَقَبَةً عمن مات، وقد استحق النار بالقتل، ومعلوم أن الذي يستحق النار بالقتل هو من قتل قتلًا عمدًا، أو شبه عمد؛ لأن القاتل خطأ لا يستحق النار بالقتل اتفاقًا لعذره بالخطأ مصداقًا لقوله ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ، والنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" والأمر للوجوب، فكانت الكفَّارة في غير الخطأ واجبة، وبذلك يكون هذا الحديث مبينًا أن المذكور في الآية المتعلقة بالقتل العمد ليس هو كل جزاء القاتل، بل يكون هذا جزاءه إن لم يخرج الكفَّارة، وإذا كانت الكفَّارة ثابتة في الخطأ مع أنه لا إثم فيه، فلا شك أن ثبوتها في القتل العمد من باب أولى، لأن الكفَّارة شأنها أن تكفر، وتستر ما وقع من ذنب أو خطيئة، وذلك في العمد متحقق بأجلى معانيه؛ لأن الإثم فيه عظيم، والجرم فيه كبير. ومما تقدم يظهر لنا رجحان مذهب الشافعية؛ لان دليلهم لم يرد عليه ما ورد على غيره من مناقشات تجعله غير صالح للاستدلال به، ولكن ينبغي أن يفصل بين من اقتص منه، فلا تجب عليه كفارة؛ لأن القصاص نفسه كفارة، كما تقدم في مبحث "الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ" وبين من لم يقتص منه فتجب عليه، ويؤيد هذا الحديث المذكور عن واثلة بن الأسقع.
[ ١٠ / ٥٣٤ ]
والثاني: تَسْقُطُ؛ لأنه سلم نَفْسَهُ قِصاصًا مما اسْتَوْفَاهُ، فيكتفي (١) بها، وقد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "القَتْلُ كَفَّارَةٌ" (٢).
فعلى هذا إنما يَجِبُ إِخْراجُ الكَفَّارَةِ إذا لم يُقْتَصَّ منه، بأن مات، أو عُفِيَ عنه.
الثانية (٣): القَتْلُ بالمُباشَرَةِ، كالقَتْلِ بالتَّسَبُّب يستويان في تَعلِيقِ الكَفَّارَةِ بهما، كما يستويان في وُجُوب الضَّمَانِ، حتى تجب الكَفَّارَةُ على حَافِرِ البِئْرِ في مكان التَّعَدِّي وعلى من نَصَبَ شَبَكَةً، فَهَلَكَ بها إِنْسَانٌ، وعلى المُكْره وشَاهِدِ الزُّورِ.
وقال أبو حَنيفَةَ: لا تجب الكَفَّارَةُ بالقتل بالتَّسَبُّبِ.
وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخِلاَفُ فيما إذا ضرب بطن (٤) حَامِلٍ، فأَلْقَتْ جنينًا مَيّتًا، هل تلزمه الكَفَّارَةُ؟ فعنده لا تَلْزَمُ.
واحتج الأصحاب عليه بما رُوِيَ أن عُمَرَ -﵁- صَاحَ بامْرَأَةٍ، فأَسْقَطَتِ الجَنِينِ، فأعْتَقَ عمر -﵁- غُرَّةً، وبأنه شخص يضمن بالجنايَةِ للآدمي، فيضمن بالكَفَّارَةِ كالمَوْلُودِ.
الثالثة: القَتْلُ المُبَاحُ لا يوجب الكَفَّارَةَ، وذلك كَقَتْلِ مُسْتَحِقِّ القِصَاصِ الجَانِيَ، وكقتل الصَّائِلِ والبَاغِي.
ويعني بالمُبَاح ما رُخِّصَ فيه، ومُكِّنَ منه. والخَطَأُ لا يُوصَفُ بكونه مُبَاحًا، كما لا يُوصَفُ بكونه حَرَامًا، بل المُخْطِئُ غير مُكَلَّفٍ فيما هو مخطئ فيه.
والثاني: القَاتِلُ، وفيه مسائل:
إحداها: تجب الكَفَّارَةُ على الذِّمِّيِّ والعَبْدِ، كما يَتَعَلَّقُ بقتلهما القِصَاصُ والضَّمانُ، وفي مال الصبي والمَجْنُونِ إذا قَتَلاَ (٥) أيضًا ولا تجب عليهما الكَفَّارَةُ بالوِقاَعِ
_________________
(١) في ز: فيكفي.
(٢) رواه أبو نعيم في المعرفة من حديث خزيمة بن ثابت، وفيه ابن لهيعة. لكنه من حديث ابن وهب عنه فيكون حسنًا، ورواه الطبراني في الكبير عن الحسن بن عليّ موقوفًا عليه، والأصل فيه حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم: من أتى منكم حدًا فأقيم عليه، فهو كفارة، الحديث وهو في البخاري بلفظ: فهو كفارته. قاله الحافظ في التلخيص.
(٣) في أ: الثاني.
(٤) في ز: على.
(٥) أي وكذا في مال السفيه إذا قتل. كذا قاله الشيخ جلال الدين البلقيني قال: ولم يتعرضوا له ولا يلحق بالأيمان والظهار لأن كفارة القتل أجريت مجرى الاتلافات فيلزمه كالضمان أي ضمان المتلفات. وما ذكره الشيخ جلال الدين أحسن مما ذكره الزركشي في الخادم وفي كلام الشيخ جلال الدين البلقيني جواب ما ذكره الزركشي.
[ ١٠ / ٥٣٥ ]
في نَهارِ رَمَضانَ؛ لأنه لا تَعَدَّي منهما، والتَّعَدِّي شَرْطٌ في وجوب تلك الكَفَّارَةِ.
وإذا وجبت الكَفَّارَة على الصبي والمَجْنُونِ، أَعْتَقَ الوَلِيُّ من مالهما، كما يُخْرِجُ الزَّكَاةَ والفِطْرَةَ، ولا يصوم منهما بِحَالٍ.
ولو صام الصَّبَيُّ في صِغَرِهِ فهل يُعْتَدُّ به؟ فيه وجهان؛ بناء على ما لو قَضَى في الصِّغَرِ حَجَّتَةهُ التي أفسدها (١)، هل يُعتَدُّ به؟ فيه وجهان، أو قولان.
وإذا جعلنا الإِطْعَامَ في هذه الكَفَّارَةِ مَدْخَلًا، فيطعم الوَلِيُّ إن كانا من أهْلِ الإطْعَامِ، وينبغي أن يقال: إذا اعْتَدَدْنَا بِصَوْمِ الصبي في الصِّغَرِ، فلا يجوز العُدُولُ إلى الإِطْعَامِ، وإلا فيجوز كما في المَجْنُونِ.
ولو أَعْتَقَ الوَلِيُّ من مال نَفْسِهِ عنهما، أو أطعم، قال في، "التهذيب": يجوز ذلك إن كان الوَلِيُّ أَبًا أو جَدًّا فكأنه (٢) ملكهما، ثم نَابَ عنهما في الإِعْتاقِ والإطعام.
وإن كان وَصِيًّا أو قَيِّمًا لم يَجُزْ حتى يَقْبَلَ القاضي التَّمْلِيكَ، ثم يعتق عنهما القَيِّمُ أو يُطْعِمُ. وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا تجب الكَفَّارَةُ على الصَّبِيِّ والمجنون، ولا على الذِّمِّيِّ، ولا [على] (٣) العَبْدِ، ولا تجب الكَفَّارَةُ على الحَرْبِيِّ؛ لأنه غير مُلْتَزِمٍ.
الثانية: هل تجب الكَفَّارَةُ على من قَتَلَ نَفْسَهُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا [تجب] (٤)، كما لا يجب الضَّمَانُ.
وأصحهما: أنها تَجِبُ، وتخرج من تَرِكَتِهِ؛ لأنه مَعْصُومٌ كغيره، ويحرم عليه قَتْلُ نفسه، كما يَحْرُمُ على (٥) غيره قَتْلُهُ.
وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخِلاَفُ فيما إذا حَفَرَ بِئْرًا في مَحَلِّ عدوان، فَتَرَدَّى فيها بعد مَوْتِهِ إنْسَانٌ، هلِ تجب الكَفَّارَةُ؟ ووجه المنع في الصورتين بأن في الكَفَّارَةِ معنى العِبَادَةِ، ويبعد أن يَنْشَأَ إِيجَابُ العِبَادَةِ على المَيِّتِ.
الثالثة: في الشُّرَكاءِ في القَتْلِ وجهان:
أحدهما: أنه يجب على جميعهم كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، كما أن الشُّرَكَاءَ في قَتْلِ الصيد يَلْزَمُهُمْ جَزَاءٌ واحِدٌ، وقد يُعَدُّ هذا قَوْلًا، ويُنسَبُ إلى رواية أبي عَلِيٍّ الطبري.
والأصح: أنه يجب على كُلِّ واحد كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، ووُجِّهَ بأن الكَفَّارَةَ لا تَتَبَعَّضُ،
_________________
(١) قضية التشبيه الأجزاء فإن الأصح أن الصبي إذا فسد حجة بالجماع وقضى في صغره جزاه.
(٢) في ز: وكأنه.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
(٥) في أ: عليه قتل غيره.
[ ١٠ / ٥٣٦ ]
ألا ترى أنها لا تَنْقَسِمُ على الأَطْرَافِ، وما لا يَتَبَعَّضُ إذا اشترك الجَماعَةُ في سببه، وَجَبَ على كُلِّ واحد بكَمَالِهِ كالقِصَاصِ، وبأن فيها معنى العِبادَةِ، والعِبادَةُ الواحِدَةُ لا تَتَوَزَّعُ على الجَماعَةِ. وأما المَقْتُولُ، فالشرط فيه أن يكون آدَمِيًّا مَعْصُومًا بأَمَانٍ، أو إِيمَانٍ، وفيه مسألتان:
إحداهما: تجب الكَفَّارَةُ بِقَتلِ العاقل، والمجنون، والصَّبِيِّ، والبالغ، والمسلم، والذِّمِّيِّ، والحُرِّ، والعَبْدِ، حتى يجب على السَّيِّدِ في قَتلِ عَبْدِهِ لِحَقِّ الله -تعالى- بخلاف القِصَاصِ (١)، فإنه إذا وَجَبَ وَجَبَ للسَّيِّدِ.
وعن مالك أنها لا تجب بقتل الذمي، ولا بقتل العَبْدِ، ويُرْوَى عنه أنها لا تجب على السيد في قَتْلِ عَبْدِهِ خاصَّةً.
قال الرُّويانِيُّ: ولا يَصِحُّ ذلك عنه، واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] وَبِإطْلاَقِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ﴾ [النساء: ٩٢] الآية.
فإنه يشمل الحِرَّ والعَبْدَ، ولا تجب الكَفَّارَةُ بِقَتْلِ الحَرْبيِّ، فإنا مَأْمُورُونَ بِقَتْلِهِ، ولا يقتل المُرْتَدِّ، فإنه مُهدَرٌ مُرَاقُ الدَّمِ، إلا أنه فُوِّضَ قَتْلُهُ إلى رَأيٍ مُعَيَّنٍ لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْهُ.
وبمثله أَجَابُوا في قَاطِع الطريق.
والزاني (٢) المُحْصَنُ، ولم يُورِدُوا فيه خِلاَفًا، لكن قد سَبَقَ ذِكْرُ خلاف في القِصَاصِ، ولا يَبْعُدُ مَجِيئُهُ في الكَفَّارَةِ، ولا تجب بِقَتْلِ نساء أهل الحَرْب (٣) وذَرارِيهِمْ. إن كان قَتْلُهُم مُحَرَّمًا؛ لأن المَنْعَ من قتلهم ليس لحُرْمَتِهِم ورِعايَةِ مَصْلَحَتَهِمْ، ولذلك لا يَتَعَلَّقُ به ضَمَانٌ، وإنما هو لِمَصْلَحَةِ المسلمين حتى لا يَفُوتَهُمُ الارْتِفَاقُ بهم.
والثانية: إذا قتل مُسْلِمًا في دار الحرْبِ، وجبت الكَفَّارَةُ بكل حَالٍ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] المعنى على ما نَقَلَ الشَّافِعِيُّ -﵁- وغيره: وإن كان في قَوْم عَدُوٍّ لكم، فأما القصاص والدية، فإن ظَنُّهُ القَاتِلُ كافرًا؛ لكونه على زِيِّ أهل الشِّرْكِ، فلا قِصَاصَ، وفي الدِّيَةِ قولان، قد سبق ذلك في الجِرَاحِ وإلا فأحسن ترتيب فيه ما أَورَدَهُ في "التهذيب"، وهو أنه إن عَرَفَ مَكانَهُ، فهو كما لو قَتَلَهُ في دارِ الإِسلام، حتى إذا قَصَدَ قَتْلَهَ يجب القِصَاصُ أو الدية المُغَلَّظَةُ في مَالِهِ مع الكفَّارة.
_________________
(١) في ز: الضمان.
(٢) في ز: والثاني.
(٣) في أ: الذمة.
[ ١٠ / ٥٣٧ ]
وإذا قَصَدَ غَيْرَهُ فأَصَابَة، يجب الدِّيَةُ المُخَفَّفَةُ (١) على العَاقِلَةِ مع الكَفَّارَةِ، وإن لم يَعْرِفْ مكانه، ورَمَى سَهْمًا إلى صَفِّ الكُفَّارِ في دَارِ الحَرْبِ، سواء عرف أن في الدَّارِ مسلمًا، أو لم يعرف، فَيُنْظَرُ إن رَمَى ولم يُعَيِّنْ شخصًا، أو عَيَّنَ كافرًا فَأَخْطأَ، وأصاب المُسْلِمَ، فلا قِصاصَ ولا دِيَةَ.
وكذا لو قَتَلَهُ في بَيانٍ أو غارَةٍ، ولم يعرف وإن عَيَّنَ شخصًا، فأَصَابَهُ، فإذا هو مسلم فلا قِصَاصَ، وفي الدِّيَةِ قولان:
أحدهما: تجب؛ لأنه قَصَدَ قَتْلَهُ.
والثاني: المَنعُ؛ لأنه جاهِلٌ بحاله (٢)، فأَشْبَهَ ما لو لم يُعَيِّنْ شخصًا، ويشبه أن يكون هَذَانِ القولانِ هما القَوْلاَنِ المذكوران فيما إذا قَتَلَ مَن ظَنَّهُ كَافِرًا؛ لكونه على زِيِّ أَهْلِ الشرك؛ لأن كونه مع الكُفَّارِ في صَفِّ القتال يُغَلِّبُ على الظن كَونُهُ كَافِرًا.
وقد سَبَقَ أن الأَظْهَرَ منهما أنه لا تَجِبُ الدِّيَةُ، قال: ولو دَخَلَ الكُفَّارُ دار الإِسلام، فَرَمَى إلى صَفَّهِمْ، فأَصَابَ مسلمًا، فهو كما لو رَمَى إلى صَفِّهِمْ في دار الحَرْبِ، فهذا ما سَاقَهُ.
وأما صاحب الكتاب، فإنه نَقَل الحُكْمَ في الدِّيَةِ على وَجْهٍ آخر، فقال: إن لم يعلم أن فيهم مسلمًا لم تَجِبِ الدِّيَةُ قَطْعًا.
وإن عَلِمَ أن فيهم مسلمًا ولم يَقْصِدْهُ، ولكن قصد كَافِرًا، فَأَصَابَهُ، ففيه طريقان:
أحدهما: القَطْعُ بوجوب الدِّيَةِ، ونَظْمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ.
والثاني: عن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ أنه على قولين، كما إذا قَصَدَ شَخْصًا بِعَيْنِهِ، ظَنَّهُ كافرًا؛ لكونه على زِيِّ الكُفَّارِ، وكان قد أَسْلَمَ من قَبْلُ، وبقي على زِيِّهِمْ. والطريقة الأُولَى أَقْرَبُ.
وقد يقال: القَطْعُ بوجوب الدِّيَةِ فيما إذا قَصَدَ الشَّخْصَ بِعَيْنِهِ، فَبَانَ مُسْلِمًا، أَوْلَى من القَطْعِ فيما إذا قَصَدَ غيره، فأَصَابَهُ [والله أعلم].
الفصل الثاني: فيما يَتَعَلَّقُ بِنَظمٍ الكتاب وحَلِّهِ.
قوله: "كل حَيّ" قصد به الاحْتِرازِ عما إذا قَتَلَ نَفْسَهُ، وعما (٣) إذا حَفَرَ بِئْرًا، فَتَرَدَّى فيها غَيْرُهُ بعد موته [إنسان] (٤)، وقد ذكرنا الخِلاَفَ فيهما.
_________________
(١) في ز: المحققة.
(٢) في ز: بالحال.
(٣) في ز: وما.
(٤) سقط في ز.
[ ١٠ / ٥٣٨ ]
واخْتِيارُ الإِمامِ أنه لا تجب الكَفَّارَةُ. وقوله: "ملتزم" احْتَرَزَ به عن الحَرْبِيِّ.
وقوله: "غير مُبَاح"، يخرج عنه قَتْلُ الصَّائِلِ والبَاغِي، وقَتْلُ مُسْتَحِقِّ القِصاص الجانِيَ. وقوله: "آدَمِيًّا" يخرج عنه البَهَائِمُ، ويدخل فيه الجَنِينُ.
وقوله: "مَعْصُومًا" يعني بالأَمَانِ، أو الإيمان على ما تبَيَّنَ.
وقوله: "حفر البِئْر" مُعْلَمٌ بالحاء.
وكذا قوله: "على الصَّبِيِّ والمجنون".
وقوله: "ومن عليه القِصَاصُ"، يعني إذا قتله المستحق [فأما إذا قتله غَيره] (١)، فتجب الكَفَّارَةُ عليه، ومن عليه الرَّجْمُ، وهو الزَّانِي المُحْصَنُ لا كَفَّارَةَ على من قَتَلَهُ من الناس على ما سَبَقَ، فكان الأَوْلَى أن يُؤَخِّرَ الكَلاَمَ في قَتْلِ الصائل، ومن عليه القِصَاصُ والرَّجْمُ عن قَتْلِ الحربي وقَتْلِ النَّفْسِ.
ومسألة (٢) التَّرَدِّي بعد مَوْتِ الحَافِرِ؛ لتكون المسائل المتعلقة بطرف القاتل مَجْمُوعَةً، والمُتَعَلِّقَةُ بطرف المَقْتُولِ مَجْمُوعة.
وقوله: "ويجب في المُعَاهَدِ والمَمْلُوكِ"، يجوز أن يُعْلَمَ بالميم.
وقوله: "إذا قَتَلَهُ السَّيد"، كأنه يقول: وإن قَتَلَهُ السَّيد.
وإذا تَبَيَّنَ وُجُوبُ الكَفَّارَةِ على السيد بِقَتْلِ عَبْدِهِ، فغير السيد أَوْلَى بالوجوب.
وقوله: "وكذا في المُسْلِمِ، وإن كان في دَارِ الحَرْبِ"، يشير به إلى [أن] كونه في دَارِ الحرب، وتركه الهِجْرَةَ لا يمنع وُجُوبَ الكَفَّارَةِ، وإنَ كان مُقَصِّرًا به، ولا فَرْقَ عندنا بين من خَرَجَ من دارِ الإِسلام إلى دَارِ الحرب، وبين من أَسْلَمَ ولم يَخْرُجْ إلى دار الإِسلام.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: إن أَسْلَمَ ولم يخرج إِلَيْنَا، فلا دِيَةَ، وتجب الكَفَّارَةُ، وإن خَرَجَ مُسْلِمٌ إليهم، فإن كان في صَفِّ المشركين، فَقُتِلَ، فلا دِيَةَ ولا كَفَّارَةَ، وإِلاَّ فيجبان.
وإن قُتِلَ أَسِيرٌ، فلا دِيَةَ، وتجب الكَفَّارَةُ. وعند مالك: تجب الدية والكَفَّارَةُ بكل حَالٍ، ويجوز أن يُعْلَمَ لما ذكرنا. قوله: "وإن كان في دَارِ الحَرْب" بالحاء؛ لأنه قد لا يوجب [الكفَّارة] (٣) إذا كان في دَارِ الحرب.
وقوله: "ولا دِيَة" بالميم.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: ومثله.
(٣) سقط في ز.
[ ١٠ / ٥٣٩ ]
وقوله: "إذا كان في صَفِّ الكُفَّارِ" صُورَةُ القولين، ما إذا ظَنَّ كَوْنَهُ كَافِرًا على ما مَرَّ، وكَوْنُهُ في صَفِّ الكفار طَرِيقٌ في إِثَارَةِ الظَّنِّ بكونه كَافِرًا، فكأنه (١) وضع ذلك مَوْضِعَ قوله: "إذا ظنَّ كونه كَافِرًا".
ومسألة الشَّرِيكِ في القَتْلِ لو ذكرها مع الصُّورَةِ المتعلقة بطرف (٢) القاتل كان أَحْسَنَ [وَأَوْلَى]، والله أعلم [بالصواب] (٣).
تم الجزء العاشر، ويليه الجزء الحادي عشر
وأوله: "كتاب دعوى الدم"
_________________
(١) في ز: وكأنه.
(٢) في ز: بطريق.
(٣) سقط في ز.
[ ١٠ / ٥٤٠ ]