ما ذكرنا أنه يُهْدَر نصفُ قيمة الدابَّة، ويجب النصف الآخر؛ فيما إذا كانت الدابَّة ملكًا للراكب، فأما إذا كانتْ مستعارةً أو مستأجرةً، فلا يُهْدَرُ منْها شيْءٌ؛ لأن العاريّةَ مضمونةٌ، وكذا المستأجِرُ إذا أتلف المستأجَرَ.
الثالثَةُ: بيَّنَّا حكم اصطدام البالغَيْن العاقلَيْن في حالتَي المشْي والركوب، فأما إذا اصطَدَمَ صبيان أو مجنونانِ، نُظِرَ؛ إن كانا ماشيَيْن، أو راكَبَيْن، وَقد ركبا بأنفسهما، فالحكْمُ كذلك، إلا أنا إذا أوجبْنَا الديةَ، هناك مغلَّظَة، فيبنى هاهنا على أن الصبيَّ، هل له عَمْدٌ، إن قلنا: نعم، فكذلك، وإلا، فتجبُ، مخففة وإن أركبهما مَنْ لا ولايةٌ له عليهما، فلا يُهْدَرُ شيْء من ديتهما، ولا قيمةَ للدابَّتَيْن، ولا شيءَ على الصبِيَّيْن، ولا على عاقلتهما، ولكنْ إن كان المركبُ واحدًا، فعليه قيمة الدابتين، وعلى عاقلته ديةُ الصبيين، وإن أركَبَ هذا واحدًا، وهذا آخَرَ، فعلى كلِّ واحد منهما نصفْ قيمة كلِّ
_________________
(١) قوله "وهذا إن صح. إشارة للتوقف في إثباته وجهًا، وقد حكاه في البحر عن بعض الأصحاب ثم قال: وفيه نظر.
(٢) في ز: يطلبه.
[ ١٠ / ٤٤٣ ]
واحد من الدابَّتَيْن؛ لأن الذي أركبه متعديًا أتْلَفَ النصفَيْن، فضمنه، وكذلك يَضْمَن ما أتلفت الدابَّة بيدها أو رِجْلها، وعلى عاقلة كلِّ واحد منهما نصفُ دية الصبيِّ الذي أركبه، ودية الصبيِّ الآخر لجنايته عَلَى نفسه، وجنايته على الآخر، هذا هو المشهُور، ووراءَه كلامان:
أحدهما، قال الشيخُ أبو حامدٍ: كان أبو القاسم الدَّارِكِيُّ، وأبو الحَسَنِ بْنُ المَرْزُبَانِ يقُولان: يجبُ عَلَى عاقلةِ كلِّ واحدٍ من المُرْكَبَيْنِ ديةُ مَنْ أركبه، قال: وهذا لَيْسَ بشَيْء، والصوابُ الأولُ؛ لأن المُرْكِب المتعدِّي يضمن الصبيَّ الذي أركبه، وجنايته على غيره حتَّى لو وقع الصبيُّ، ومات، يلزمه الضمان، ولو جنَى على غيره، يضْمَن ذلك الغير، ولا يضمن جناية الغَيْر على الصبيِّ الذي أركبه، فلا يصحُّ القول بأنه يضمن من أركبه؛ لأن نصفه فَاتَ بجناية الغير، والذي أطلقه مِنْ أنَّه لو وقع الصبيُّ الذي أركبه، ومات، يضمنه -فيه تفصيلٌ في "التتمة"، فإنَّه قال: إن كان مثله لا يستمسكُ على الدابَّة، ولم يسنده، وجب الضمان، وإن كان يستمسك، فإن كان ينقله من موضع إلَى موضع، فلا ضمان؛ أركبه الوليُّ أو غيره؛ لأنه لا يخاف منه الهلاك غالبًا، وإن أركبه لتعلم الفروسية، فهو كما لو تلف في يد السَّبَّاح، وفي كلِّ واحدٍ من الإطلاق والتفصيلِ توقُّف.
الثاني: قال في "الوسيط": لو أركب الصبيَّ متعدٍّ، وتعمَّد الصبيُّ، فيحتمل أن يحالَ الهلاكُ على الصبيِّ، إذا جعلْنا له عمدًا؛ لأن المباشرة أولَى من التسبُّبَ، لكن لَمَّا لم تكن مباشرتُه عدوانًا؛ كصباه، أمكن أن يجعل كالتردِّي مع الحفر، والاحتمالُ حسنٌ، والحكم إنْ قيل به كالحكْمِ فيما لو ركبا بأنفسهما، والاعتذارُ عنه متكلَّف، ثم حقُّه أن يقال بمثله في الحَفْر، حتى لو ألقى الصبيُّ نفسه في البئر عمدًا يكون الضمان على عاقلة الحافر، والله أعلم. فهذا إذا أركبهما مَنْ لا ولاية له، وإن أركبهما وليَّاهما لمصلحتهما، ففي الضمان وجهان:
أصحهما: المنعُ؛ كما لو ركبا بأنفسهما؛ إذ لا تقصير.
والثاني، ويحكَى عن القَفَّال: أنه يجب الضمان؛ لأن في الإركاب خطرًا ظاهرًا، فلا يرخَّص فيه إلا بشَرْط الضمان، إن لم تسلم العاقبة، هكذا أطلق حكاية الوجهين جماعةٌ، منهم صاحب "التهذيب"، وإبراهيم المروزيُّ، وخصص الإمامُ وصاحبُ الكتاب الوجهَيْن بما إذا كان الإركابُ لزينة، أو لحاجة غير مهمة، فأما إذا مسَّت حاجة (١) أرهقت إلى إركابه للنَّقْل من مكان إلى مكان، فلا خلافَ في أنَّه لا يتعلَّق [به]
_________________
(١) في أ: الحاجة.
[ ١٠ / ٤٤٤ ]
الضمانُ، ثم الوجهان في الزينة، ونحوها، على ما ذكر الإمامُ -مخصوصانِ بما إذا ظهر ظَنّ السلامة، فأما إذا أركب الوليُّ (١) الطفلَ دابَّةً شرسةً جموحةً، فلا شكَّ في أنَّه يتعرَّض لخطَرِ الضمان. وقوله في الكتاب: "وإن أركب الوليّ؛ لأجل زينةٍ لا لحاجةٍ" فيه ما تبيَّن أن قوله أولًا: "وإن أركبه الوليُّ فلا حوالة عليه"، أراد به ما إذا أركبه لحاجةٍ، وإن أطلق الكلام إطلاقًا.
قال الغَزَالِيُّ: فَإنْ تَصَادَمَ حَامِلَتَانِ فَفِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَرْبَعِ كَفَّارَاتٍ؛ لأَنَّهُ أَهْلَكَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ وَالكَفَّارَةُ لاَ تَتَجَزَّأ، وَقَاتِلُ نَفْسِهِ يَلْزَمُهُ الكَفَّارَةَ عَلَى الأَصَحِّ فِي المَسْألَتَيْنِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ غُرَّةٌ نِصْفُهَا لِهَذَا الجَنِينِ وَنِصْفُهَا لآخَرِ، وَحُكْمُ الدِّيَةِ مَا سَبَقَ، فَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ فَهُمَا مُهْدَرَانِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدَهُمَا عَبْدًا فَنِصْفُ قِيمَةِ العَبْدِ فِي تَرِكَةِ الحُرِّ وَنِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ تَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ القِيمَةِ فَإِنَّهَا بَدَلُ الرَّقَبَةِ، فَإِنْ كَانَتَا مُسْتَوْلِدَتَيْنِ وَتَسَاوَتِ القِيمَتَانِ تَقَاصَّتَا، وإنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا تُسَاوِي مَائَتَيْنِ وَالأخْرَى مَائَةً فَضَلَ لِصَاحِبِ النَّفِيسِ خَمْسُونَ بَعْدَ التَّقَاصِّ، وَإِنْ كَانَتَا حَامِلَتَيْنِ وَقِيمَةِ كُلِّ غُرَّةٍ أَربَعِينَ فَصَاحِبُ النَّفِيسَةِ يَسْتَحِقُّ مَائَةَ وَعِشْرِينَ مِنْ جُمْلَةِ مَائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَلَكِنْ قِيمَةُ الخَسِيسَةِ مَائَةٌ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى سَيِّدِ المُسْتَولِدَةِ إِلاَّ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ فَعَلَيْهِ مَائَةٌ لَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَبْعِينَ مِنْ جُمْلَةِ مَائَةٍ وَأَرْبَعِينَ فَيَفْضُلُ عَلَيهِ ثَلاثُونَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اصطدامُ المرأتينِ كاصطدامِ الرَّجُلَيْنِ، ولو اصطدمَتْ حاملان، فماتتا، وألقيتا الجِنينَيْنِ، فيجبُ في تركة كلِّ واحدة أربعُ كفَّاراتٍ؛ كفَّارة لنَفْسِها، وكفَّارة لجنينها، وثالثةٌ لصاحبتها، ورابعةٌ لجنينها؛ لأنَّهما اشتركا في إهْلاكِ أربعةِ أشخاصٍ، هذا إذا أوجبنا الكفَّارة على قاتل النفسِ، وقلْنا: الكفَّارة لا تتجزأ وإن لم نوجب الكفَّارة على قاتلِ النفسِ، عادت إلى ثلاثٍ، وإن قلنا: بالتجزئة، عادَتْ إلى ثلاثةَ أنصافٍ (٢)، ويجب على عاقلةِ كلّ واحدة نصْف غرة لجنينها (٣)، ونصف غرة لجنين للأخْرَى؛ لأنَّ المرأة، إذا جَنَتْ على نفسها، فألْقَتْ جنينها، وجبت الغُرَّة على
_________________
(١) لم يبينوا المراد بالولي بل ظاهر كلامهم أنَّه ولي المال، والذي يقتضيه كلام الشَّافعي أنَّه ولي الحضانة الذكر، ولهذا قال: إن حملهما عليها أبواهما أو ولياهما في النسب، ومنه يؤخذ أن المعتق لا يدخل في ذلك ولا كل الإناث ولا كل ذكر لا حق له في الحضانة. نعم ظاهر هذا السبب أن السلطان لا مدخل في ذلك فينبغي أن يحمل على أنَّه أراد به الولاية الخاصة وإلا فالسلطان له مدخل في الحضانة عند عدم الولي الخاص لأنه ولي من لا ولي له.
(٢) في ز: أصناف.
(٣) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٤٥ ]
عاقلتها، كما لو جَنَتْ على حامل أخرَى، فلا يهدر من الغُرَّة شيء، وأما الدية، فتجب نصفها، ويهدر نصفها على ما مَرَّ.
الخامسة: إذا اصطدم عَبْدَانِ، فمات أحدهما، وجب نصف قيمته متعلقًا برقبة الحيِّ، وإن ماتا، فهما مهدران؛ لأن ضمان جناية العبد تتعلَّقَ برقبته، فإذا فاتت الرقبة، فَاتَ محلُّ التعلُّق، ولا فرق بين أن تختلف القيمتانِ، أو تتَّفقا، وإن اصطدم حُرٌّ وعبْدٌ، ومات العبد، فنصفُه هَدَر، ويجبُ نصف قيمته، ويكون على الحر أو على عاقلته، فيه الخلافُ في أنَّ قيمة العَبْد، هَل تتحمَّلها العاقلة، وإن مات الحرُّ، وجب نصف ديته متعلقًا برقبة العبد، وإن ماتا معًا، فإن قلنا: قيمة العبد لا تتحمَّلها العاقلةُ، وجب نصف قيمة العبد في تركة الحُرِّ، ويتعلَّق به نصف دية الحُرِّ، فإنه كان يتعلَّق برقبة العبد، فإذا فاتت، تعلَّق ببدلها كَمَا أن العبد الجانِيَ الذي تعلَّق الأرش برقبته إذا قيل: ينتقلُ التعلُّق إلى قيمته، ثم إن تساويا، قال الأئمة: يتقاصَّان، وليحملْ ذلك عَلَى أنَّه يقع في صورة التقاصِّ، ثم إنما يكون ذلك إذا اتَّحَدَ الجنسُ، بأنْ أعوزت الإبل، ورجع الواجب إلى نقد البلد، وإلا فالدية الإبلُ، وقيمةُ العبدِ نقْدُ البلد، وإذا اختلف الجنْسُ، لم تكن الصورة صورةَ التقاصِّ، وإن كان نصف القيمة أكثرَ، فللسيد أخذُ الزيادةِ من تركة الحُرِّ، وإن كان نصفُ الديةِ أكثرَ، فالزيادة مهدرةٌ؛ لأنه لا محلَّ تتعلَّق به، وإن قلْنا: إن قيمة العبد، تتحمَّلها العاقلةُ، فنصف قيمة العبد على عاقلة الحُرِّ، ويتعلَّق به نصفُ دية الحر، كما ذكرنا، فيأخذ السيد من العاقلَةِ نصفَ القيمةِ، ويدفع نصف الدية إلى الورثة، إما من عين المأخوذِ، أو غيره، ولا تقاصَّ (١) ههنا؛ لأنَّ المستحَقَّ عليه غير المستحِقِّ إلاَّ أن يكون الورثةُ هم العاقلةَ، قال الإِمام: والوجه أن يثبت لورثة الحرِّ مطالبةُ العاقلة بنصْف القيمة، وإن كان المِلْك فيه للسيد، ليتوثَّقوا به، وكذلك إذا تعلَّق الأرش برقبة عبْدٍ، فجاء أجنبيٌّ، وقتل العبد يثبت للمجنيِّ عليه مطالبة قاتِلِ الجاني بالقيمة، ويثبت للمرتَهن مطالبةُ قاتلِ العبدِ المرهُونِ بالقيمة، ليتوثَّق به، وليكنْ هذا مبنيًّا على أنَّه، هل للمرتهن أن يخاصم الجانيَ، وفيه خلافٌ ذكرناه في الرهْنِ، وقلنا: إن الأصحَّ أنَّه لا يخاصم، وبتقدير أن يخاصم، ويأخذ؛ فأما أن يصير المأخوذُ ملكًا للراهن، أو لا يصير ملكًا له؛ فإن لم يَصِرْ ملكًا له، فكيف يتوثَّق بما ليس ملكًا للراهن، ولا أَذِنَ في التوثق المالك، وإن صار ملْكًا له، ففيه جَعْل المرتهن نائبًا عنه نيابةً قهريةً، وهو بعيد.
السادسةُ: إذا اصطدمَتْ مستولَدَتَانِ لشخصَيْن (٢)، وماتتا، فنصف قيمةِ كلِّ واحدة منهما هَدَرٌ لشركتها الأخرى في قَتْل نفسها، ويجب نصفُ قيمتها على سَيِّد الأخرَى؛
_________________
(١) في ز: يقاص.
(٢) في ز: لشخصين وماتا.
[ ١٠ / ٤٤٦ ]
لأن ضمان جناية المستولَدَة تكون عَلَى سيدها على ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، وتبين هناك أنَّ الذي يضْمَنه على الصحيح أقَلُّ الأمرين مِنْ أرشِ الجنايةِ، أو قيمة المستولَدَة، فعلَى كل واحدٍ أقلُّ الأمرين من قيمة مستوْلَدَتِهِ، ونصف قيمة مستولَدَة الآخر، فإن استوَى ما يستحقُّ كلُّ واحد منْهما، وعليه فهو من صُوَرِ التقاصِّ، ففيه أقوال التقاصِّ، وإلا رجع مستحِقُّ الزيادة على الآخر بالزيادة.
مثالُه: إحداهما تساوي مائتَيْنِ، والأخرَى مائةً، فصاحب النفيسةِ يستحقُّ مائةً، وصاحب الخسيسةِ يستحقُّ خمسين، فتذهب خمسونَ بخَمْسين، يفْضُل لصاحب النفيسة خمْسُونَ، ولو كانتا حاملتين، وماتتا، وأجهضتا الجنينيْن، فحكم القيمة ما ذَكَرْنا، وأما ضمان الجنينَيْن، ففي "التتمة": أنهما إن كانتا حاملَيْن برقيقين فعلَى سيِّد كلِّ واحدة، مع نصف قيمة الأخرى نصْفُ عشر قيمتها أيضًا، وذلك في مقابلة نصف الجَنِينَ؛ فإنَّ الجنين الرقيقَ يضْمَن بعُشْر قيمة الأُمِّ، وإن كانتا حاملَيْن بولدَيْن حُرَّيْن، فعلَى كلِّ واحد من السيِّدين مع نصف قيمة الأخرى غُرَّةٌ، نصْفُها لجنين مستولَدَته، ونصفُها لجنين الأخْرَى؛ لإهلاكهما الجنينَيْن؛ كما ذكرنا في الحرتين، وإن كانتا حاملتين بولدَيْن حُرَّيْن من السيدَيْن، وهو المرادُ مما أطلقه صاحبُ الكتاب، بل الجمهور، فنصفُ كلِّ جنين هدَرٌ؛ لأن المستولَدَة إذا جَنَتْ على نفسها، وألقت الجنين، فهو هَدَر عَلَى كلِّ واحد من السيدَيْن نصْفُ غُرَّة جنين الأخرى، وتصير الصُّورة من صور التقاصِّ، وإذا فضل لأحدهما شيْءٌ، أخذ تلك الزيادة.
المثال فيهما: قيمتُها مائتانِ، ومائةٌ؛ كما مَرَّ، وقيمة الغُرَّة أربعون، فصاحب النفيسة يستحقُّ مائة وعشرين، لكن قيمة الخسيسة مائةٌ، والصحيح أنَّ سيِّد المستولَدَة، لا يضْمَن إلاَّ أقَلَّ الأَمْرَيْن؛ على ما أشرنا إليه، فإذن ليس لَهُ إلاَّ مائةٌ، وصاحب الخسيسة يستحِقُّ عليه سبعين، نِصفُ مائةٍ وأربعين، فسبعون من المائة تصير قصاصًا بالسبعين، يبقَى على صاحب الخسيسةِ ثلاثُونَ، يأخذها صاحب النفيسة منْه، هذا إذا لم يكنْ لواحدٍ من الجنينَيْن وَارثٌ سوى أبيه، وقد يفرض للجنين مع الأب وارثٌ آخر، وهو الجَدَّة أُمُّ الأُمِّ لا غير، فإذا كان لكلِّ واحد من الجنينَيْن جَدَّة، فلكل واحدٍ منهما سُدُسُ الغُرَّة، نصفه على سيد بنتها، ونصفه على سيِّد الأخرى؛ وذلك لأن المستولَدَة إذا جَنَتْ على نفسها، ولَها أمٌّ حرةٌ، يغَرَّم السيدُ لها سُدُس الغُرَّة؛ كما يغرَّم جناية المستولدة على الأجانب، ثم الباقي الذي يستحقُّه كلُّ سيِّد على الآخَر يقع فيه التقاصُّ، فإنْ كان لأحدِ الجنينَيْن جَدَّة دون الآخر، فعلَى كلِّ واحد من السيدَيْن نصفُ سدسِ الغُرَّة لها ثم سيد التي ليس لجنينها جَدَّة يستحقُّ نصف الغرة على الآخر، والآخر يستحقُّ عليه نصْفَ الغُرَّة، إلا نصف سدسها، فيقع الربع والسدس في التقاصِّ، ويأخذ سيد من ليس لجنينها جَدَّة نصْفَ سُدُس الغُرَّة من الآخر.
[ ١٠ / ٤٤٧ ]
وإن كانت إحدى المستولَدَتَيْن حاملًا دون الأخرى، فألْقَتْ جنينها، فنصف الغُرَّة على سيد الحامل، فإن كانت له جَدَّة، فلها من ذلك النصفِ نصْفُ سُدُس الغُرَّة، والباقي لسيد الحامل، وعليه للجَدَّة نصفُ سدس أيضًا؛ ليكمل لها سدس الغُرَّة، [والله أعلم] (١).
وقوله في الكتاب: "ففي تركة كلِّ واحدةٍ أربع كفارات" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لما بيَّنَّا من الخلافِ، ويجوز ألا يُعْلَم، ويكتفي بأنَّ وجوب الأربعِ بُنِيَ على أن الكفَّارة لا تتجزأ، وأن قاتل النفْسِ تلزمه كفَّارة، وقد تعرَّض لما فيه من الخلاف، فأشْعَر ذلك بالخلاف في وجوب الأرْبَع، وأغْنَى عن الإِعلام، وليرد قوله: "على الأَصَحِّ" إلى المسألتَيْن؛ قاتل النفس، وتجزؤ الكَفَّارة.
وقوله: "وعلى عاقلةِ كلِّ واحد غُرَّةٌ، نصْفُها لهذا الجنين، ونصفُها للآخر" الغُرَّة على ما سنبيِّن عبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وقد توهِمُ اللفظةُ المذْكُورة وجوبَ رقيقٍ نصفُه لهذا، ونصفُه لذاك، ولا معنى لوجوب نصفَيْ رقيقٍ واحدٍ، بل له أن يسلم نصْفَ رقيقٍ عن أحدِهما، ونصف رقيقٍ عن الآخر، فكان الأولى أنْ يقول: نصْفُ غُرَّة لهذا، ونصفُ غُرَّة لهذا.
وقوله: "في تركة الحُرِّ" مُعْلَم بالواو؛ للخلاف الذي ذكرناه في أنَّ قيمة العَبْد، هل تضرب على العاقلة.
وكذا قوله: "تقاصَّا"؛ للخلاف المشهور في التقاصِّ.
وقوله: "ولا يجب عَلَى سَيِّد المستولَدَة إلاَّ أقلُّ الأَمْرَيْنَ"؛ لخلافٍ قد أشرنا إلَيْه، وسيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالَى.
وقوله: "ولكنَّه يستحقُّ سبعين"، يعني: صاحبَ الخسيسة، والمعنَى أن السِبْعِينَ تصير قصاصًا بالسبعين، فيفْضُل لصاحب النفيسة ثَلاثُون، وهذا ما أطلقه عامَّة النَّقَلَة تفريعًا على قول التقاصِّ، واستدرك أبو سعْد المتولِّي، فقال: حصولُ التقاصِّ في الغُرَّة يبنى على أنَّه، هل يجوزُ الاعتياضُ عنها، والحكم في الاعتياضِ عنها كالحُكْم في الاعتياضِ عن إبلِ الدِّية، فإن جوَّزناه حصَل التقاصُّ، وإلاَّ فما لا يجوز أن يجعلَ عوضًا بالتراضِي، لا يصيرُ عوضًا بالشرع، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِنِ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَالمَلاَّحُ كَالرَّاكِبِ وَالسَّفِينَة كَالدَّابَّةِ، وَغَلَبَةُ الرِّيَاحِ كَغَلَبَةِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ سَفِينَة عَشَرَة أنْفُسٍ وَأَمْوَالٌ فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي قَتْلِ العِشْرِينَ وَإتْلاَفِ الأَمْوَالِ، وَإذَا قَالَ المَلاَّحُ: كَانَ ذَلِكَ بِالرِّيحِ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ.
_________________
(١) سقط في أ.
[ ١٠ / ٤٤٨ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: السابعةُ من مسائل الاصْطِدَامِ؛ إذا اصطدَمَتْ سفينتان، وغرقتا بما فيهما، فأما أنْ يحصُلَ الاصطدامُ بفعلهما، أو لا يحصل (١) بفعلهما، فهما قسمان.
القسم الأول: أن يحصلَ الاصطدامُ بفعلهما، فيُنْظَر؛ إنْ كانت السفينتانِ، وما فيهما مِلْك المَلاَّحَيْنِ المجريَيْنِ لهما، فنصفُ قيمة كلِّ سفينة وما فيها مُهْدَرٌ، ونصفُ قيمتها وقيمةِ ما فيها على صاحب السفينة الأُخْرَى؛ لأنهما أتلفاهما، وما فيهما بالشركة، فإنْ هلك الملاَّحَانِ أيضًا، فهما كالفارسَيْنِ يموتان بالاصطدام (٢)، وإنْ كانت السفينتانِ لهما، وحملا الأموال والأنفس؛ إمَّا تبرعًا، أو بأجرةٍ، فينظر؛ إن تعمدا الاصطدامَ بما يعدُّه أهل الخبرة مُفْضِيًا إلى الهلاك، تعلَّق بفعلهما القصاصُ؛ حتَّى إذا كان في كلِّ سفينة عَشَرَةُ رجالٍ يُقْرَعُ بينهم لموتهم معًا، فمن خرجت له القُرْعةُ قُتِلَ به المَّلاحَانِ، وفي مالِ كلِّ واحد منهما نصفُ ديات الباقِينَ، فيكون على كلِّ واحد تسْعُ دياتٍ، ونصْفٌ، وعلى كل واحد منهما كفاراتٌ بعدد من في السفينَتَيْن مِن الأحرار والعَبِيد، وعلَى كلِّ واحد منهما نصفُ قيمة ما في السفينَتَيْن من الأموال لا يهدر منْها شيء، ونصفُ قيمة السفينة الأخرَى، ويهدَرُ نصفها؛ كما تقدَّم، ويجري التقاص في القدْرِ الذي يشتركان فيه، وإن تعمَّدا الاصطدام، فكان ما تعمدانه مما لا يُفْضِي إلى الهلاكِ غالبًا، وقد يفضي إليه، فهذا شبْه عمدٍ، والحكُمْ كما بيَّنا إلاَّ أنَّه لا يتعلَّق به القصاصُ، وتكون الديةُ على العاقلةِ مغلَّظة.
وإن لم يتعمَّدا الاصطدام، ولكن ظنَّا أنهما يجريان علَى الرِّيح، فَأَخْطَأَ، أوْ لَمْ يعلَمْ واحدٌ منهما أن سفينته بقرب سفينة أخرى، فتكون الدية على العاقلة مخفَّفة.
وإن كانت السفينتانِ لغير الملاَّحَيْنِ، وكانا أجِيرَيْن للمالكَيْنِ، أو أمينَيْن، لم يسقط شيء من ضمان السفينتَيْن، بل علَى كل واحد منهما نصفُ قيمة كلِّ سفينة، وكلُّ واحدٍ من المالكَيْنِ بالخيارِ بَيْن أن يأخذ جميعَ قيمة سفينته من أمينه، ثم هو يرجعُ بنصفها على أمين الآخر، وبين أن يأخذ نصْفَها منه، والنصف من أمين الآخر، ولو كان المُجْرِيَانِ عبدَيْن، فالضمانُ الواجبُ يتعلَّق برقبتهما.
والقسم الثاني: أن يحصل الاصطدامُ لا بفعلهما؛ فإنْ وجد منهما تقصيرٌ؛ بأن توانيا في الضبط، ولم يعْدِلا بهما عن صَوْب الاصطدام، مع إمكانه، أو سَيَّرا في ريح شديدة لا تَسِيرُ في مثلها السفن، أو لم يكملا عدَّتَهما من الرجال والآلات، وجب
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) لكن يتخالفان في أن الدية في الفارسين على عاقلتهما كما نص عليه في الأم وههنا تكون نصف دية كل واحد في تركة الآخر والفرق أن هذا عمد واصطدام الفارسين خطأ أو شبه عمد.
[ ١٠ / ٤٤٩ ]
الضمان على ما ذكَرْنَا، وإن لم يوجد منهما تقصيرٌ، وحصل الاصطدام بغلبة الرياحِ، وهَيَجان الأمواج، فهل يجب الضمانُ؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، كالفارسَيْنِ، إذا غلبت دابَّتُهما.
وأصحُّهما: لا؛ لأنهما مغلوبانِ، لا اختيارَ لهما، فأشبه ما إذا حصل الهلاكُ بصاعقةٍ من السماء، وليستْ غلبةُ الرياح كغلبةِ الدابَّة، فإن ضبط الدابة باللِّجام ممكنٌ، والبحر المغتلم لا طاقة به، وفي محلِّ القولَيْن طريقانِ، خصَّصهما مخصِّصون بما إذا لم يوجد من المجرِيَيْنِ فعلٌ أصلًا؛ بأن كانت السفينةُ مربوطةً على الشَّطِّ أو مرسَاةً في موضع، وَهاجت ريحٌ، وسيَّرتهما، فأما إذا سيَّراهما، ثم غلبَتِ الريحُ، وعجزا، وجَب الضمانُ؛ لأن ابتداء السير كان بفعلهما واختيارهما، وطردهما أبو إسحاق والإِصطخريُّ وآخرون في الحالتين، وهو الأظهر.
التفريع: إن قلنا: يجبُ الضمان، فهو كما لو فرَّطا، ولكن لم يقصدا الاصطدام، وإن قلنا بالأصحِّ، فلا يجبْ ضمانُ الأحرار، ولا ضمانُ الودائعِ والأماناتِ فيهما، وكذا لا يجبُ ضمانُ الأموالِ المحْمُولة بالأجرة، إن كان مالكُها معَهَا، وكذا لو كان عبدُ المالِكِ معَها يحْفَظُها، وإن استقلَ المجرِيَانِ باليد، فعلى الخلافِ في أنَّ يد الأجير المشتَرَكِ، هلْ هي يدُ ضمان، وإن كان فيهما عبيدٌ، فإن كانوا أعوانًا أو حفَّاظًا للمالِ، لم يجبْ ضمانهم، وإلاَّ فهم كسائر الأموالِ، وعلى هذا القوْلِ، لو اختلف صاحبُ المالِ والملاَّحان؛ فقال صاحبُ المال: كان الاصطدامُ بفعلِكُمَا، وقالا: بل بغَلَبة الرِّيَاح، فالقول قولُهما، مع يمينهما؛ لأنَّ الأصل براءةُ ذمَّتهما، ومهما كان أحدُ الملاَّحَيْن عامدًا دون الآخر، أو مفرِّطًا دون الآخر، خصَّ كلَّ واحد منهما بالحُكْم الذي يقتضيه حالُهُ عَلَى ما تبيَّن، ولو صدَمَتِ السفينةُ المربوطةُ على الشطِّ سفينةً، فكسرتها، فالضمانُ على مجرى السفينةِ الصَّادمة [والله أعلم].
وقوله في الكتاب: "فالمَلاَّح كالرَّاكب " إلى آخره (١)، ينطبقُ عَلَى ما إذا كانت السفينتانِ وما فيهما للملاَّحَيْن، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "وغلبة الرياحِ كغَلَبة الدَّابَّة" بالواو؛ لأنَّ في غلبة الرياح قولَيْن منصوصَيْن، وفي غلبة الدابَّة طريقان:
أحدهما: أنها على قولَيْن أيضًا.
والثاني: القطْعُ بوجوب الضمان، وعلَى هذا فلا يكونُ غلبة الرياح كغلبة الدابة.
وقوله: "ولو كان في كلِّ سفينةٍ أنفُسٍ " إلى آخره، المرادُ ما إذا حملا في
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٥٠ ]
سفينتهما الأنْفُسَ والأموالَ، وهما، والحالةُ هذه، شريكانِ إذا حَصَل الاصطدامُ بفعلهما، وهذا هو الذي قصده، وإن أطلق اللفظ، فإن حصل بغلبة الريحِ، ففيه الخلاف.