إذا اختلفتِ الجراحاتُ الصَّادرة من الشَّخْص الواحد، وكان بعضُها عمْدًا، وبعضها خطأً، وشاركه غيره؛ كما إذا جرح خطأً، ثم عاد مع آخر وجرح عمدًا، فالتوزيع لمعرفة ما يؤخذ منه، وما يضرب على عاقلته، كما ذكرنا في المسألة الأُولَى، إذا وقع بعضُها في حالِ الإِهدار، وبعضها في العِصْمة (٣).
قال الغَزَالِيُّ: وَالقَاتِلُ بِالسِّحْرِ إِذَا أَقَرَّ بِالتْعَمُّدِ يَلْزَمُهُ القِصَاصُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالخَطَأِ أَوْ شِبْهِ العَمْدِ فَالدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ لَوْ أَقَرُّوا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القولُ في القتلِ بالسِّحْر مُبَدَّدْ في الكتاب، فمنه ما قدَّمه في أول الجِرَاح، ومنه ما أخَّره إلى كتاب دعوى الدَّمِ، ومنه ما أورده ههنا، ولو كان مجموعًا في موضع واحدٍ، لكان أقرب إلى الضَّبْط، وقد بيَّنَّا من قبل؛ أنَّه إذا أقر بأنه ماتَ من سِحْره
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: الأولى.
(٣) قال الشيخ البلقيني: ظاهره أنَّه يأتي الوجهان ولكن لم يبين المصنف كيفية الوجهين والذي يظهر مبادي الرأي على قياس وجه ابن الحداد أن الدية عليهما نصفين نصف مغلظ على من تمحضت جراحته عمدًا ونصف موزع على الآخر منه نصفه وهو الربع وعلى عاقلته نصفه وهو الربع، وعلى الوجه الآخر يكون على جارح الجراحة الواحدة ثلث الدية وعلى جارح الاثنين ثلثا الدية ولكن يلزم عليه أن يختلف القدر بتعدد الجراحات وهو خارج عن قاعدة المذهب فعدل الإِمام عن ذلك فقال في النهاية: يجب على كل منهما النصف ولكن يكون على عاقلة كل واحد منهما السدس وعليه نفسه الثلث. ولو قال الإِمام يجب على عاقلة الذي جنى مرتين السدس ويجب عليه نفس الثلث ويجب على الخارج عمدًا النصف مغلظًا عليه لكان أولى مما قال، وفي البسيط وبيض الشيخ ثم قال: ويحتمل أن تكون المسألة مما يتفق فيه الوجهان لكنه بعيد لأن اتفاق الوجهين لا يختلف عدد الجراحات ولا الجارحين نبه على الاحتمالات الأربعة الولد أبو اليمن بارك الله فيه وفي أخيه. (قاله البكري في حاشيته).
[ ١٠ / ٤٦٢ ]
الَّذي تعمَّد به، وأن سِحْره يَقْتُل غالبًا يلزمه القصاص، ولو قال: قد يقتل، وقد لا يقتل، كان إقرارًا بشبه العمْدِ، وإن قال: أخطأْتُ، إنما قَصَدْتُ غيره، فهو إقرارٌ بالخطأ.
ويجوز أنْ يُعْلَمَ قوله: "يَلْزَمُهُ القصاصُ" بالواو؛ لوجهٍ أجملنا ذكره هناك، وبالحاءِ؛ لما بيَّنا أن عند أبي حنيفة؛ لا يلزمه القصاصُ ولكن لو تكرَّر ذلك منه [قال]: يقتل حدًّا؛ لأنه من الساعِينَ في الأرض بالفَسَاد، ثم الذي نقله الأئمةُ؛ أن دية شِبْه العَمْد المغلَّظة، ودية الخطأ المخفَّفة، تجب في ماله، ولا تُطَالَبُ العاقِلَةُ بشيء؛ لأن إِقراره لا يلزمهم، نَعَم، لو صدَّقوه، وأخذنا بإقرارهم.
وقوله في الكتاب: "فالديةُ على العَاقِلة" يخالِفُ نقلَهُمْ المشهورَ؛ فيشبه أن يكون ذلك مِنْ سَبْق القلم، ولم يذكر في "الوسيط" الضَّرْبَ على العاقلة، لكن قال: "لو قَالَ: قَصَدْتُ غيره، فأصبْتُ اسْمَهُ، فهو خطَأٌ مَحْضٌ، وفي سائر جهاتِ القتلِ، إذا أقر الإِنسانُ بالقتل خطأً، ولا بينة، لا تطالَبُ العاقلةُ بشَيء، إن شاء الله تعالَى، فلا يمكنُ أنْ يكونَ الحُكْمُ في السِّحْرِ بخلاف ذاك، والله أعلم.