ذَوُو الأَرْحَامِ لا يتحملون العَقْلَ.
قال في "التتمة": إلا على طريقة من يَرَى تَوْرِيثَهُمْ، فيتحملون عند عَدَمِ العَصَبَاتِ، كما يرثون عند عَدَمِهِمْ، ولا تحمل بالزَّوْجِيَّةِ بِحَالٍ.
وقوله في الكتاب: "وهو كل عَصَبَةٍ" لا تَعُودُ إلى القَرَابَةِ، فإنها جهة التَّحَمُّلِ، والمقصود ههنا بَيَانُ المحْتمل، فالمعنى: والمتحمل بهذه الجِهَةِ كل عَصَبَةٍ إلى آخره، فهو من قبيل الكِنَانَةِ عن غير المَذْكُورِ.
وقوله: "فإن كان ابْنُهَا ابْنَ ابْنِ عَمِّهَا"، قد يوجد في بعض النُّسَخِ: "فإن كان ابْنُهَا ابْنَ عَمِّهَا" بحذف أحد لفظي "الابن"، والمقصود الأول، وإن حذف، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون ابنها ابن عمها لحًَّا، وقد يسمى ابْنُ الابْنِ ابْنًا.
قال الغَزَالِيُّ: الجِهَةُ الثَّانِيَةُ: الوَلاَءُ فَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ عَصَبَتَهُ فَعَلَى مُعْتِقَ الجَانِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَصَبَاتُ المُعْتِقِ، ثُمَّ مُعْتِقُ المُعْتِقَ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ، ثُمَّ مُعْتِقُ أَبِ المُعْتَقِ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ هَكَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ كَالمِيرَاثِ، وَفِي دُخُولِ ابْنِ المُعْتِقَ وَأَبِيهِ وَجْهَانِ.
_________________
(١) في أ: بالعصبة.
[ ١٠ / ٤٦٧ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجهة الثانية الوَلاَءُ، وهي متأخرة عن عُصُوبَة النَّسَبِ، كما في الميراث، فإذا لم يكن للجاني عَصَبَةٌ من النسب أو كانوا، ولم يَفِ التَّوْزيعُ عليهم بالواجب، فيتحمل مُعْتقُهُ إن كان الجاني عَتِيقًا، فإن لم يكن، أو فَضَلَ عنه شيء تَحَمَّلَ عَصَبَاتُهُ من النَّسَبِ، فإن لم يكونوا، أو فَضَل تحمل مُعْتقُ المُعْتَقِ، ثم عَصَبَاتُهُ.
وهل يدخل في عَصَبَاتِ المُعْتِقِ ابْنُهُ وأبوه؟
فيه وجهان عن رواية القَفَّالِ وغيره:
أحدهما: نعم؛ لأنهما من العَصَبَةِ، وإنما لم يدْخُل ابن الجَانِي وأبوه للْبَعْضيَّةِ، ولا بَعْضِيَّةَ بين الجاني وبين ابن المُعْتِقِ وأبيه.
وأظهرهما: المنع، واعتمدوا فيه ما روي أن عمر﵁- قضى على عَلِيٍّ -﵁- بأن يعْقلَ عن موالي صَفِيَّةَ بنت عبد المُطَّلِب، وقضى بالميراث لابنها الزُّبَير بن العَوَّام -﵁- ولم يضرب الدِّيَةَ على الزبير -﵁-، وضَرَبَهَا على عَلِيٍّ -كَرَّمَ الله وَجْهَهُ-؛ لأنه كان ابْنَ أخيها (١)، واشتهر ذلك فيما بينهم.
ومنعها (٢) الإِمام، وصاحب الكتاب في "الوسيط"، فجَعَلاَهُ -﵁- ابن عَمِّهَا، ويجري الوجهان في ابن مُعْتقِ المُعْتَقِ وأبيه، إذا لم يُوجَدْ من له نِعْمَةُ الوَلاَءِ على الجاني، ولا أحد من عصباته، فيتحمل معتق الأب، ثم عصباته، ثم مُعْتقُ معتقِ الأب، ثم عَصَبَاتُهُ، كما ذكرنا في الجَانِي.
فإن لم يوجد من له نِعْمَةُ الوَلاَءِ على الأب، فيتحمل مُعْتقُ الجَدِّ، ثم عَصَبَانُهُ كذلك إلى حيث ينتهي.
وقوله في الكتاب: "فإن لم يُصَادِفْ عصبته" أي.: من النَّسَبِ.
يقال: صَادَفَ الشَّيْءَ، أي: وَجَدَهُ، ويمكن أن يُشَارَ بهذه اللفظةَ إلى شيء، وهو أن النَّاسَ كلهم أوْلاَدٌ لآدم -﵇- ولكل واحد منهم عَصَبَاتٌ من بني الأعمام أقْرَبُ من غيرهم لا مَحَالَةَ، إلا أنهم لا يعرفون إذا لم يُضْبَطِ النَّسَبُ، فلم يقل: فإذا لم يكن له عَصَبَةٌ، ولكن قال: فإذا لم يوجدوا؛ لِيُبَيِّنَ أن الرجل إذا لم يُعْرَفْ نَسَبُهُ وَقبيلَتُهُ يعرض عن عَصَبَاتِهِ من جهة النسب، وينظر هل عليه وَلاءٌ أم لا؟
واللَّقيطُ الذي لا يُعْرَفُ نَسَبُهُ لو ادَّعَاهُ رجل، أو انْتَسَبَ إلى مَيِّتٍ، واعترف به
_________________
(١) أخرجه البيهقي من حديث سفيان عن حماد عن إبراهيم أن عليًا والزبير اختصما في موالي لصفية إلى عمر، فقضى بالميراث للزبير، والعقل على عليّ، وهو منقطع.
(٢) في أ: وسها.
[ ١٠ / ٤٦٨ ]
وَرَثتُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وأخذت (١) الدية إذا جنى خَطَأً على عصباته، فإن قامت البَيِّنَةُ على أنَّه من قبيلة أخرى، فالحكم لِلْبَيِّنَةِ.
وقوله: "ثم مُعْتِق أَبِ المعتق" ليس على معنى أن الذي يلِي مُعْتِق المعتق وعَصَبَاته هو مُعْتقُ أب المُعْتَقِ، بلَ يتَقَدَّمُ معتق معتق المعتق على مُعْتقِ أَبِ المعتق، على ما هو مُبَيَّنٌ في بَابِ الوَلاَءِ.
قال الغَزَالِيُّ: وإذَا أُعْتِقَت المَرْأةُ لَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهَا بَلْ عَلَى عَصَبَاتِهَا كَمَا يُزَوَّجُونَ عَتِيقَتَها، وَالشُّرَكَاءُ فِي عَتْقِ عَبْدٍ وَاحِدٍ كَشَخْصِ وَاحِدٍ لاَ يَلْزَمَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ، فَإنْ مَاتَ وَاحِدٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَصَبَاِتِهِ لاَ يَحْمِلُ أَكْثَرَ مِنْ حِصَّةِ المُعْتِقِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَمَا دَامَ المُعْتِقُ حَيًّا فَلاَ يَرْقَى إلَى عَصَبَاتِهِ وَإِنْ فَضُلَ عَنْهُ شَيْءٌ إِذْ لاَ وَلاَءَ لَهُمْ، فَإِنْ مَاتَ فَعَصَبَاتُهُ كَعَصَبَاتِ الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلاَثُ صُوَرٍ:
إحداها: سنذكر أن شَرْطَ تَحَمُّلِ العَقْل الذُّكُورَةُ، وأن المَرْأَةَ لا تتحمل الدية بِحَالٍ. فإذا أَعْتَقت المَرْأَةُ مَمْلُوكًا لم تتحمل دِيَةَ جِنَايَتِهِ، وإنما يتحملها من يَتَحَمَّلُ الدِّيةَ إذا جنت المُعْتِقَةُ، كما أنها لما لم تكن أهْلًا للتزويج يزوج عتيقها من يزوجها.
الثانية: إذا أعتق الشُّرَكَاءُ عَبْدًا، فجنى خَطَأً تَحَمَّلُوا عنه تَحَمُّلَ الشخص الواحد؛ لأن الوَلاَءَ يثبت لجميعهم لا لِكُلِّ واحد فهم.
فإن كانوا أَغْنِيَاءَ، فالمَضْرُوبُ على جميعهم نِصْفُ دينَارٍ، وإن كانوا متوسطين، فَرُبُعُ دِينَارٍ، وإن كان بعضهم أَغْنِيَاءَ، وبعضهم مُتَوَسِّطِينَ، فعلى الغني حِصَّتُهُ في النصف لو كان الكل أَغْنِيَاءَ، وعلى المتوسط حِصَّتُهُ من الرُّبُع لو كان الكل متوسطين.
وإذا كان المُعْتقُ وَاحِدًا، وقد مات، وله عَصَبَاتٌ كالإِخْوَةِ مثلًا، فيضرب على كل واحد منهم حِصّته تامة على ما تَقْتَضِيه حَالُهُ من الغِنَى والتَّوَسُّطِ، ولا يقال: يوزع عليهم ما كان يتَحَمَّلهُ المعتق في حَيَاتِهِ، كتوزيعنا القدر (٢) المتحمل فيما لو أعتق الشُّرَكَاءُ عَبْدًا؛ لأن الوَلاَءَ لا يَتَوَزَّعُ عليهم تَوَزُّعَهُ على الشركاء، ولا يرثون الوَلاَءَ في المعتق، إنما يَرِثُون بالوَلاَءِ، والسبب المحدث لهم انْتِسَابُهُم إلى من له الوَلاَءُ، فالوَلاَءُ في حقهم مُشَابِهٌ للنَّسَب، ومن يتحمل بالنسب نِصْفَ دِينارٍ، يَتَحَمَّلُ كُلُّ واحد من المنتسبين إليه مِثْلَ ذلك كالأخ مع بنيه، وإذا مات وَاحِدٌ من الشركاء المعتقين أو جميعهم تحَمُّلَ كُلُّ
_________________
(١) في ز: وأحدث.
(٢) في ز: العدد.
[ ١٠ / ٤٦٩ ]
واحد من عَصَبَاتِهِ مِثْلَ ما كان يتحمله هو في حَيَاتِهِ، وهو حِصَّتُهُ من النصف والربع على ما يقتضيه حَالُ المحتمل من الغِنَى التَّوَسُّطِ؛ لأن غايته نُزُولُهُ مَنزِلَةَ ذلك الشريك المعتق.
الثالثة: ذكر في الكتاب أن المعتق ما دام حَيًّا لا يرقى إلى عَصَبَاتِهِ، ولا يضرب الباقي من الوَاجِب عليهم، وهذا ما رواه الإِمام ورآه، ووجهه بأن العَصَبَاتِ لا حَقَّ لهم في الوَلاَءِ ما دام المُعْتِقُ حَيًّا، فإذا مات وَرِثُوا، وانتشر الحَقُّ إليهم، وصار الوَلاَءُ لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، وأبدى تَرَدُّدًا فيما إذا لم يَبْقَ المعتق، وضربنا على عَصَبَاتِهِ، هل يُخَصَّصُ بالأقربين؛ لأنهم المخصوصون بالوَلاَءِ والإرث به، أو يَتَعَدَّى إلى الأَبَاعِدِ صنيعنا من عَصَبَاتِ الجاني؟
وجعل الاحتمال الثَّاني أظهر، وهو الذي جَرَى عليه صَاحِبُ الكتاب حيث قال: فإن مات، فَعَصَبَاتهُ كعَصَبَاتِ الجاني، ويجوز أن يُعْلَمَ بالواو، للاحتمال الآخر، هذا ما ذكراه، وفي كَلاَمِ غيرهما ما يفهم جَوَازَ الارْتقَاءِ من المُعْتِقِ، وهو حَيٌّ إلى عَصَبَاتِهِ (١)، وصرح به صاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهما، فقالوا: إن فضلت من المتناسبين فَضْلَةٌ قُسِّمَتْ على الموالي المعتقين، فإن بقي شيء قُسِّمَ على عَصَبَةِ المولى، فيجوز أن يُعْلَمَ لذلك قوله: "فلا يَرْقَى إلى عَصَبَاتِهِ" بالواو.
قال الغَزَالِيُّ: وَفِي تَحَمُّلِ العَتِيقِ عَنِ المُعْتِقَ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتَحَمَّلُ فَاجْتَمَعَ المَوْلَى الأَعْلَى وَالأسْفَل فَالأَعْلَى أَوْلَى، وَالمُتَوَلِّدُ بَيْنَ العَتِيقِ وَالعَتِيقَةِ يَجِبُ عَقْلُهُ عَلَى مَوَالِي الأَبِ تَرْجِيحًا لِجِهَةِ الأبُوَّةِ، فَإنْ تَوَلَّدَ مِنْ عَتِيقَةٍ وَرَقِيقِ فَالوَلاَءُ لمَوَالِي الأُمِّ إِذْ لا وَلاَءَ عَلَى الأَبِ بَعْدُ، وَإِنْ أُعْتِقَ الأبُ أَنْجَرَّ الوَلاَءُ إلَى مَوَالِي الأَبِ، فَإِنْ جَنَى الوَلَدُ قَبْلَ جَرِّ الوَلاَءِ فأَرْشُ الجِنَايَةُ عَلَى مَوَالِي الأُمِّ، وَمَا زَادَ بِسِرَايَةِ بَعْدَ الجَرِّ عَلَى الجَانِي؛ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ جِنَايَتِهِ قَبْلَ الجَرِّ فَلاَ يَحْمِلُهُ مَوَالِي الأَبِ وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ الجَرِّ فَلاَ يَحْمِلُهُ مُوَالِي الأُمِّ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ عَنِ المَوَالِي فَلاَ يَحْمِلُهُ بَيْتَ المَالِ، وَلَو قَطَعَ يَدَيْنِ قَبْلَ الجَرِّ فَسَرَى بَعْدَهُ فَعَلَى مَوَالى الأُمِّ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَكَذَا إذَا قَطَعَ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
_________________
(١) قال في الخادم: الذي عليه الأئمة الضرب في حياته كما نقله صاحب الشامل والتتمة وصرح به القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي والصيدلاني والقاضي الحسين والفوراني في العمدة وغيرهم، وهو قضية كلام الجمهور بل نصوص الشافعي متضافرة بأن عصبة المعتق يتحملون مع وجوده ولفظه في المختصر، فإن عجز عن بعض تحمل الموالي المعتقون وهم عواقل عقله عواقلهم. وقال في الأم: وإن كان له قرابة تحمل بعض العقل عقل القرابة، وإذا فقد عقل الموالي =
[ ١٠ / ٤٧٠ ]
إحداهما: في تَحَمّلِ العَتِيقِ عن المعتق إذا جَنَى خَطَأً قولان:
أصحهما، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، ويُحْكَى عن أصحاب مَالِكٍ أنَّه لا يتحمل (١) عنه؛ لأنه ليس بمناسب [له] (٢)، ولا له عليه وَلاَءٌ، فأشبه الأَجَانِبَ؛ ولأنه حُكْمٌ من أحكام الوَلاَءِ، فَيَخْتَصُّ بالمعتق كالميراث.
والثاني: يحتمل؛ لأن التحمل للنُّصْرَةِ (٣)، والعتيق أَوْلَى بنُصْرَةِ المعتق؛ لإنْعَامِهِ عليه، ويخالف الميراث؛ لأن ذلك في مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ التي لِلْمُعْتِقِ بسبب الإِعْتَاقِ، ولا نِعْمَةَ لِلْعَتِيقِ على المُعْتِقِ.
فإن قلنا بالقول الثاني، فهذه جِهَةُ أخرى من جِهَاتِ التَّحَمُّلِ، وراء الثلاث، وَيتَأَخَّرُ العَتِيقُ في التحمل عن المُعْتِقِ، ولم يُوجَدْ شيء من عَصَبَاتِهِ بِحَالٍ؛ لأنه لا يَتَحَمَّلُ الجاني عنهم، فكذلك لا يَتَحَمَّلُونَ عنه.
قال في "البَيَانِ": والذي يقتضيه المَذْهَبُ أن يكون في عَتِيقِ العَتِيقِ القولان؛ لأن الجَانِي يَتَحَمَّلُ عنه.
الثانية: سيأتي في باب العِتقِ في فَصْلِ الوَلاَءِ أن من لم يَمَسُّهُ الرِّقُّ أَصْلًا، لكنه مَسَّ أباه، أو جَدَّهُ، أو أمَّهُ، فقد يثبت الوَلاَءُ عليه لمعتقهم، وأنه إذا كانت الأُمُّ عَتِيقَةَ، والأب رَقِيقٌ يثبت الوَلاَءُ على الولد المُعْتِقِ الأُمِّ، فإن أعتق الأبَ الحُرّ، ولاء الولد إلى مُعْتِقِ الأَب، ويحمل العقل إذا جَنَى يتفرع على ثبوت الوَلاَءِ، فمن له الوَلاَءُ، فهو الذي يتحمله فلَو جنى المتولِّدُ من عتيقةٍ وعتيق، فالوَلاَءُ لمولى الأب، وهم الذين يتحملون عنه ترجيحًا لجهة الإُبُوَّةِ، والمتولد من عَتِيقَةٍ ورَقِيقٍ إن قتل إِنْسَانًا، فالدِّيَةُ على موالي الأُمِّ، ولو جرح إنْسَانًا، فأعتق أَبُوهُ، ثم مات المجني عليه، فقدر أرْش الجراحة على مَوَالِي الأم، والبَاقِي يَجِبُ على الجَانِي؛ لأنه لا يمكن إيجابه على مُعْتِقِ الأُمِّ؛ لأنه خرج بِإِعْتَاقِ الأب عن اسْتِحْقَاقِ الوَلاَءِ، فلا يلزمه ما يَجِبُ بعد ذلك، ولا يمكن إيجَابُهُ على معتق الأب؛ لأنه وجب بِسَرَّيَةِ جِنَايَةٍ وُجِدَتْ قبل انجرار الوَلاَءِ إليه، فلا يلزمه
_________________
(١) = المعتقون، فإن عجزوا هم وعواقلهم عقل فأبقى جماعة المسلمين وهذا صرح في ثبوته لهم في حياته ونص في الأم أيضًا على عصبة المعتق الدين عس دين العتيق يرثون العتيق وإن كان المعتق حيًا فأثبت الشَّافعي لهم الولاء والميراث معه في حياة المعتق وهذا قد خالفه فيه القاضي الحسين وجعل المال لبيت المال انتهى. واستبعد الشيخ البلقيني ما قاله القاضي الحسين وتقدم في كتاب التنبيه على ذلك.
(٢) وترجيح المنع خلاف نص الشَّافعي في كتبه فنص في الأم والمختصر والبويطي على أنَّه يتحمل ولا يرث. ولما ذكر الشيخ أبو حامد نص المختصر قال: الذي نص عليه الشَّافعي ههنا أنهم يتحملون.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: للفترة.
[ ١٠ / ٤٧١ ]
تحمله، ولا يمكن إيجابه من بيت المال؛ لأنه لم يَخْلُ عن المعتق، ووجد في الحالتين من هو أَوْلَى من بيت المال.
وأيضًا فالضَّرْبُ على العَاقِلَةِ على خلاف القياس، فسقط بالشُّبْهَةِ كالقِصَاصِ. هذا ما أجاب به ابْنُ الحَدَّادِ، وساعده الأَصْحَابُ والإمام، ولصاحب (١) الكتاب احْتِمَالٌ في الضَّرْبِ على بَيْتِ المال؛ لأنه إذا تَعَذَّرَ الضرب على المعتق كان كمن لا مُعْتِقَ له، إذا عرف ذَلك، فلو أوضح خَطَأً، ثم أعتق أبوه، ثم سَرَتِ المُوضِحَةُ إلى نفس المَجْنِي عليه، فَأَرْشُ المُوضِحَةِ، وهو نصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ على مُعْتِقِ الأم، وباقي الدِّيَةِ على معتق الأب.
ولو كانت الجِرَاحَةُ قَطعُ أُصْبُعٍ، والتصوير كما ذكرنا، فالوَاجِبُ على معتق الأم عُشْرُ الدِّيَةِ، ولو تأملت الجِرَاحَةُ فسقط الكَفُّ، ثم أعتق الأَب، ثم مات المَجْنِي عليه، فَنِصْفُ الدِّيَةِ على مُعْتِقِ الأُمِّ؛ لأن السِّرَايَةَ إلى اليَدِ حَصَلَتْ حين (٢) كان الوَلاَءُ له، فكانت كأصل الجِرَاحَةِ، والباقي على مُعْتِقِ الأب.
ولو قَطَعَ يَدَيْهِ، أو يديه ورِجْلَيهِ، ثم أَعْتَقَ الأب، ثم مات المَجنِي عليه، فَعَلَى معتق الأُمِّ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ لأن الجرَاحَةَ حين كان الوَلاَءُ يُوجِبُ هذا القدر، والمعتبر ألا يزيد قَدْرُ الوَاجِبِ على مُعْتِقِ الأم بَالسِّرَايَةِ الحاصلة بعد الانْجِرَارِ.
وقوله في الكتاب: "وما زاد بسِرَايَةِ القَطْعِ بعد الجر على الجاني" [فيه بَيَانُ] (٣) أن السَّرَايَةَ قبل الجر على موالي الأُمِّ.
وقوله: "لأنه نتيجة جِنَايَةٍ قبل الجَرِّ " إلى آخره تَوْجيهٌ للوجوب على الجَانِي، والمعنى: أن الدِّيةَ لو لم تكن عليه، فإما أن تكون على موَالِي الأُمِّ، أو موالي الأب، أو في بيت المال، والأَقْسَامُ بَاطِلَةٌ، وقد مَرَّ ما تَوَجَّهَ به بُطْلاَنُ كل قسم عند (٤) ذِكْرِ ذلك القِسْمِ، ويمكن أن يُعْلَمَ قوله: "وما زاد بِسِرَايةٍ بعد الجَرِّ على الجاني" بالواو، لما سَنُبَيِّنُهُ، ثم للمسألة نَظَائِرُ منها:
المُتَوَلِّدُ بين عتيق ورقيق إذا حَفَرَ بِئْرًا في محل عُدْوان، أو أشْرَعَ جَنَاحًا أو مِيزَابًا، ومات إنسان بهذه الأسْبَابِ تكون الدِّيَةُ على مَوَالِي الأُمِّ، وإن أعتق أَبُوهُ، ثم حصل الهَلاَكُ ببعض (٥) الأسْبَابِ تكَون الدِّيَةُ في ماله، ولو حفر العبد ثم عتق (٦)، ثم تَرَدَّى فيها إنسان أو رمى إلى صيد، فعتق، ثم أَصَابَ السَّهْمُ إنسانًا تجب الدِّيةُ في مَالِهِ، ولو قطع يَدَ إنسان خطَأً، فأعتقه سَيِّدُهُ، ثم سَرَى إلى النفس، فالسيد بإعْتَاقِهِ يصير مُختَارًا للفداء،
_________________
(١) في ز: وصاحب.
(٢) في ز: حتى.
(٣) سقط من ز.
(٤) في ز: على.
(٥) في ز: بهذه.
(٦) في ز: أعتق.
[ ١٠ / ٤٧٢ ]
فعليه الأَقَلُّ من نِصْفِ الدِّيَةِ، وكمال قيمة العَبْدِ، ويجب في مَالِ الجَانِي نِصْفُ الدية، وذلك لأن السِّرَايَةَ حصلت بعد العِتْقِ بِجِنَايَةٍ كانت في الرق.
قال صاحب "التهذيب": ويجيء وَجْهٌ آخر أن السَّيِّدَ يَفْدِي بالأَقَلِّ من كَمَالِ الدية، وكمال القيمة؛ لأن الجِنَايَةَ وُجِدَتْ في الرِّقِّ.
ومنها: لو رمى ذمِّيٌّ إلى صَيدٍ، فأسلم، ثم أصاب إنْسَانًا، فالدِّيَةُ في ماله لا تُضْرَبُ على عَاقِلَتِهِ الذميين، ولا على عَاقِلَتِهِ المسلمين.
أما الذِّمِّيُّونَ؛ فلأنهم لم يكونوا عَاقِلَتَهُ عند الإصابة، وأما المسلمون فلأنهم لم يكونوا عاقلَتَهُ عند الرَّمْيِ، وإنما يَتَحَمَّلُ من يكون عاقِلَتَهُ في الحالين.
ولو رمى يَهُودِيٌّ إلى صَيْدٍ، ثم تَنَصَّرَ أو تَمَجَّسَ، ثم أصاب السَّهْمُ إنسانًا، قال الأئمة: إن قلنا: لا يقر عليه، فهو مُرْتَدٌّ لا عَاقِلَةَ له، فتكون الدِّيَةُ في ماله.
وإن قلنا: يقر تكون الدِّيَةُ على عاقلتَهُ على أي دِينٍ كانوا؛ لأن الكُفْرَ كله مِلَّةٌ واحدة، ولكن يَحْمِلُ بَعْضُهُمْ عن بعض على خِلاَفٍ سنذكره.
ولو جرح ذِمِّيٌّ إنسانًا خَطَأً، وأسلم الجَارحُ، ثم مات المَجْرُوحُ، فَأَرْشُ الجِرَاحَةِ على عاقلته الذِّمِّيِّينَ، والباقي في مَالِهِ، فإن زَادَ أرْشُ الجِرَاحَةِ على دية النَّفْسِ بأن قطع يَدَيْه ورجليه، فالواجب هو دِيَةُ النفس على عَاقلَتِهِ الذميين، هكذا ذكره ابن الحَدَّادِ، وساعده أكثرهم.
وفيه وجه آخر أن ما زادَ بالسِّرَايَة وأرْشِ الجراحة كله على عاقلته الذميين (١)؛ اعْتِبارًا بحالة الجناية وهذا ما أوْرَدَهُ صاحب "المهذب"، وربما بني الخلاف على الخِلاَفِ فيما إذا جرح ذِمِّيٌّ ذِمِّيًا، ثم أسلم الجَارحُ، ومات المَجْرُوحُ، هل بقتصُّ (٢) منه؟ إن قلنا: نعم؛ اعتبارًا بحالة الجَرْحِ، فجميع الدِّيَة عليهم.
وإن قلنا: لا نقتصُّ (٣) لم يلزمهم كَمَالُ الدية، والوَجْهُ مَجِيءُ الوجه المذكور ههنا في مسألة الكتاب.
ولو عاد بعد الإسْلاَم، وجنى على المَجْنِي عليه جِنَايَةً أخرى خَطَأً، ومات منهما، فَنِصْفُ الدِّيَةِ على عَاقِلَتهِ المسلمين، وأما عاقلته الذِّمِّيُّون فإن كان أَرْشُ الجراحة نِصْفَ الدِّيَة أو أكثر، فعليهم النِّصْفُ أيضًا، وإن كان أقل بأن كان قد أَوْضَحَ رَأْسَهُ، أو قطع أُصْبُعًا من أَصَابِعِهِ، فَأرْشُ الجِرَاحَةِ على عاقلته الذميين، وما زاد إلى تمام النِّصْفِ على
_________________
(١) وأوضح منها أن يقال: وفيه وجه أنهم يتحملون الدِّية.
(٢) في ز: يقبض.
(٣) في ز: نقبض.
[ ١٠ / ٤٧٣ ]
الجاني، فيجب في قَطْعِ الأُصْبُعِ عُشْرُ الدِّيَةِ على عاقلته الذميين، وأَرْبَعَةُ أَعْشَارِهَا، وهي تمام النصف في مال الجَانِي. وإن كانت الجِرَاحَةُ بعد الإسْلاَمِ مُذَفَّفَة، فقد ذكر الشيخ أبو علي وغيره أن أَرْشَ الجراحة الوَاقِعَةِ في الكُفْرِ يكونَ على عَاقِلَتِهِ الذميين، والباقي إلى تمام الدِّيَةِ على عاقلته المسلمين.
وفي "النهاية" و"البيان" أن هذا جواب على قول ابن سُرَيْجٍ والإِصْطَخْرِيِّ فيما إذا جَرَحَ، ثم قَتَلَ أنَّه لا يدخل أَرْشُ الجِرَاحَةِ في الدِّيَةِ (١).
أما إذا قلنا: يدخل، وهو الظَّاهِرُ، فجميع الدِّيَةِ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، ولو أنَّه عاد بعد الإسْلاَمِ وجرحه مع آخر خطأ، فيبنى على الخِلاَفِ الذي سَبَقَ في أن الدية توَزَّعُ على الجارحين، أو على الجِرَاحَاتِ.
فإن قلنا: على الجَارِحِينَ، وهو الأظْهَرُ، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ، والنصف يلزمه (٢) بالجرَاحَتَيْنِ، مَحِصَّةُ جِرَاحَةِ الإِسلام، وهي الرُّبُعُ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، وينظر في جِرَاحَةِ الكُفْرِ، فإن كان أَرْشُهَا مِثْلَ ربع الدِّيَةِ أو أَكْثَرَ، فعلى عاقلته الذِّمِّيِّينَ الرُّبُعُ أيضًا، وإن كان دون الرُّبُعِ، فعليهم قَدْرُ الأَرْشِ، وهو الزِّيَادَةُ إلى تمام الرُّبُعِ في مال الجاني.
وإن وَزَّعْنَا على الجِرَاحَاتِ، فَثُلُثُ الدِّيَةِ، وهو حِصَّة جِرَاحَةِ الإِسلام على عاقلته المسلمين، فينظر في جِرَاحَةِ الكُفْرِ، فإن كان أَرْشهَا مِثْلَ ثلث الدية أو أكثر، فعلى عَاقِلَتِهِ الذميين الثُّلُثُ أيضًا، وإن كان أَقَلَّ فعليهم الأرْشُ، والباقي إلى تَمَامِ الثلث في مَالِ الجاني.
ومنها: لو جَرَحَ إِنْسَانًا خَطَأٌ، ثم ارْتَدَّ، ثم مات المجروح بالسِّرَايَةِ، فأرش الجِرَاحَةِ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، والباقي إلى تَمَام الدِّيَةِ في مال الجَانِي، فإن كان أَرْشُ الجِرَاحَةِ مِثْلَ الدِّيَةِ أو أكثر، كما إذا كان قد قَطَعَ يَدَيْهِ ورجليه، فَقَدْرُ الدِّيَةِ، وهو الواجب يَلْزَمُ العَاقِلَةَ، ولو جرح وهو مُرْتَدُّ، فَأسْلَمَ، ثم مات المَجْرُوحُ، فالدِّيةُ في مَالِهِ؛ إذ لا عاقلة للْمُرْتَدِّ، ولو جرحه وهو مُسْلِمٌ، فَارْتَدَّ الجَارحُ، ثم عاد اِلى الإِسْلاَمِ، ثم مات المَجْرُوحُ.
قال الشيخ أبو علي: في المسألة (٣) قولان:
_________________
(١) وهذا فيه منازعة لأنا وإن قلنا بالتداخل فلا يقطع النظر عن حكم تعلق بالجرح بالنسبة إلى العاقلة ونحوه، ولهذا لو قطع يد إنسان خطأ ثم حز رقبته عمدًا وعفى الولي عن القصاص وقلنا بالتداخل فإن النص أنَّه يجب نصف الدية مخففة على العاقلة والنصف مغلظة على الجاني وإن قلنا بالتداخل.
(٢) في ز: يلزم.
(٣) قال الشيخ البلقيني: الذي قاله الشيخ أبو علي موجود في الأم في ترجمة ردة المسلم قبل ما يجني وبعدما جنى وردة المجني عليه بعد ما يجني عليه ثم ساق النص ثم قال: والقولان مطلقًا والأصح التحمل ولم يصرح في الكتاب بتصحيح.
[ ١٠ / ٤٧٤ ]
أحدهما: أن جَمِيعَ الدِّيَةِ على عَاقِلَتِهِ؛ اعتبارًا بالطَّرَفَيْنِ؛ ولا ينظر إلى الحالة المتخللة.
والثاني: أن على عاقلته (١) أَرْشَ الجِرَاحَةِ، وما زاد على الأَرْشِ إلى تمام الدِّيَةِ في مالِ الجاني؛ لأنه حَصَلَ بعض السِّرَايَةِ في حالة الرِّدَّةِ، فيصير شُبْهَةً دَارِئَةً لِلتَّحَمُّلِ، وجَزَمَ جَازِمُون بوجوب الجميع على العاقلة، إذا قصر زمان الرِّدَّةِ المُتَخَلِّلَةِ، وخصصوا القولين إذا طَالَ زمانها.
قال في "التهذيب": ويجيء وَجْهٌ آخر أن على العَاقِلَةِ ثُلُثُيِ الدية لوجود الإِسْلاَمِ في الأول والآخر.
ولو رَمَى سَهْمًا إلى صَيْدٍ وارْتَدَّ، فأصاب السَّهْمُ إنْسانًا، أو رمى المُرْتَدُّ إلى صَيْدِ، فَأَسْلَمَ، فَأَصَابَ السهم، فالدِّيَةُ في ماله؛ لأنه تَبَدَّلَ حَالُهُ رَمْيًا وإصَابَةً، وإنما يَتَحَمَّلُ عنه إذا كان بِصِفَةٍ يتحمل عنه في الحالتين، ولو تَخَلَّلَتِ الرِّدَّةُ بين الرَّمْي والإِصَابَةِ، فكذلك الجواب في "التهذيب" وفي شرح الشيخ أبي عَلِيٍّ أنهم خَرَّجُوا المسأَلة على قولين:
أحدهما: أنَّه تجب الدِّيَةُ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، اعتبارًا بِحَالَتَيِ الرَّمْيِ والإصابة.
والثاني: أنها تَجِبُ في ماله لا يتحملون منها شَيْئًا؛ لأنها حدثت حالة خرجوا منها عن أن يكونوا من أَهْلِ التَّحَمُّلِ، فصار شُبْهَةً دَارِئَةً، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: بَيْتُ المَالِ فَإذَا لَمْ نَجِدِ العُصُوبَةَ وَالوَلاَءَ أَخَذْنَا من بَيْتِ المَالِ إنْ كَانَ الجَانِي مُسْلِمًا، فَإنْ كَانَ ذِمِّيًّا رَجَعْنَا إلَى الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما أن بَيتَ المال [مَصَبٌّ] (٢) للتركة إذا لم يكن للميت عَصَبَةٌ بالنسب، ولا بالوَلاَءِ، فكذلك يحتمل بَيْتُ المال جِنَايَةَ من ليس له عَصَبَةٌ بالنسب ولا بالوَلاَء، وكذلك لو كانت العَصَبَةُ معسرين، أو كان لا يفي التَّوْزِيعُ عليهم بالواجب، فيكون الباقي على بيت المال، وهذا كُلُّهُ فيما إذا كان الجَانِي مُسْلِمًا، أما إذا كان ذِمِّيًّا، فلا يتحمل عنه بَيْتُ المال، بل تكون الدِّيَةُ على الجاني؛ لأنه إذا مات، وَلاَ وَارِثَ له لا يُوضَعُ مَالُهُ في بيت المال إِرْثًا، وإنما هو فَيْءٌ كالجِزْيَةِ، وسائر أنواع الفَيْءِ لا توضَعْ هي في بيت المال، ألا ترى أنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه مَوْتُ من كان مَالِكًا لها، والمستأمن في ذلك كالذِّمِّيِّ، وإذا أوجبنا الدِّيَةَ على الذمي لِعَدَمِ العَاقِلَةِ، فهل يتحمل أبوه وابنه؟ فيه وجهان كالوَجْهَيْنِ فيما إذا لم يكن للجاني المسلم عَاقِلَةٌ، ولا في بَيْتِ المال مَالٌ، وقلنا بوجوب الدِّيَةِ على الجاني، فهل يوجبُ على أبيه وابنه أيضًا، وسنذكرهما، والمُرْتَدُّ لا
_________________
(١) في ز: العاقلة.
(٢) في أ: بياض.
[ ١٠ / ٤٧٥ ]
عَاقِلَةَ له؛ لأنه لا يورث منه، فإذا قتل إنْسَانًا خَطَأً، تجب الدِّيَةُ في ماله مُؤَجَّلَةً، فإن مات سَقَطَ الأَجَلُ، [والله أعلم].
ويجوز أن يُعْلَمَ. قوله في الكتاب: "وإن كان ذِمِّيًّا رجعنا إلى الجَاني" بالواو؛ لأنه ذكر في "البيان" أنَّه إذا لم يكن له عَاقِلَةٌ، أو بقي شيء بعد التَّوْزِيعِ عليهم، ففي الوجوب في مَالِهِ الخِلاَفُ الذي سيأتي إن شاء الله -تَعَالَى- في المسلم إذا لم يكن له عَاقِلَةٌ خَاصَّةٌ، ولا في بيت المال مَالٌ.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الصِّفَاتُ، فَلا يُضْرَبُ عَلَى مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وإنْ كَانَتْ مُعْتقَةً، وَلاَ عَلَى مُخَالِفٍ فِي الدِّينِ فَلاَ يَحْمِلُ مُسْلِمٌ مِنَ الذِّمِّيِّ وَلاَ الذِّمِّيِّ مِنَ المُسْلِمِ، وَفِي تَحَمُّلِ اليَهُودِيِّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ قَوْلاَنِ، وَالحَرْبِيُّ لاَ يَتَحَمَّلُ، وَالمُعَاهَدُ كَالذِّمِّيِّ إِذَا لَمْ يَنْصَرِمْ عَهْدُهُ قَبْلَ مُضِيِّ أجَلِ الضَّرْبِ، وَلاَ يُضْرَبُ عَلَى فَقِير وَإِنْ كَانَ مُعْتمِلًا، وَيُضْرَبُ علَى الغَنِيِّ نِصْفُ (ح م) دِينَار وَهُوَ الَّذي مَلَكَ عِشْرِينَ دِينَارًا بَعْدَ المَسْكَنِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَعَلَى المُتَوَسِّطِ الرُّبُعُ وَهُوَ الَّذِي يَمْلكُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَلَكَ مَا فَضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَيُنْظَرُ إِلَى اليَسَارِ فِي آخِرِ السَّنَةِ فلَوْ طَرَأَ اليَسَارُ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدِهَا فَلَا التِفَاتَ إِلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فرغنا من أحد الفصلين، وهو الكلام في جِهَاتِ التَّحَمُّلِ، والفصل الآخر من صفات المُتَحَمِّلِينَ، وهي خمس:
إحداها: التكليف، فلا تُضْرَبُ الدِّيَةُ على صَبِيٍّ، ولا مجنون، ولا مَعْتُوهٍ، وإن كانوا مُوسِرِينَ.
والثانية: الذُّكُورَةُ، فلا تُضرَبُ على امْرَأَةٍ؛ لأنه ليست (١) لها أهْلِيَّةُ النُّصْرَةِ والمُعَاوَنَةِ، ولا تضرب على خُنْثَى؛ لاحتمال الأُنُوثَةِ، فَإِنْ بَانَ ذَكَرًا، فهل يُغَرَّمُ حِصَّتَهُ التي أَدَّاهَا غيره؟ فيه وجهان مَرْوِيَّانِ في "التهذيب" (٢).
والثالثة: المُوَافَقَةُ في الدِّينِ، فلا يَتَحَمَّلُ المسلم عن قريبه الذمي (٣)، ولا بالعَكْسِ لانقطاع المُوَالاَة والمُنَاصَرَةِ بينهما، ولذلك لم يَتَوَارَثَا.
وهل يتحمل اليَهُودِيُّ عن قَريبِهِ النصراني أَوِ بالعكس؟ ذُكِرَ فيه قولان:
أحدهما: نعم، كلما أنَّه يَرِثُ بعضهم من بعض، وهذا لأن الكُفْرَ كله مِلَّةٌ واحدة.
والثاني: لا لانقطاع المُوَالاَةِ بينهما، ويُحْكَى (٤) هذا عن أبي حَنِيفَةَ، هذا من
_________________
(١) في ز: ليس لهؤلاء.
(٢) قال النووي: لعل أصحهما: نعم.
(٣) في ز: قرينة الرمي.
(٤) في ز: وعلى.
[ ١٠ / ٤٧٦ ]
الذميين، ولو كان للذمي أَقَارِبُ في دَار الحرب، فلا يَتَأَتَّى الضَّرْبُ عليهم، وهم كالمَعْدُومِينَ. قال في "التتمة": فإن قَدَرَ الإِمَامُ على الضَّرْبِ عليهم، فَيَنْبَنِي (١) على أن اخْتِلاَفَ الدَّارِ، هل يمنع التَّوَارُثَ؟ إن قلنا: نعم، فَيَمْتَنِعُ الضرب أيضًا.
وإن قلنا: لا، ففيه وجهان، لانْقِطَاع المُنَاصَرَةِ باختلاف الدَّارِ، والمُعَاهَدُ كالذِّمِّيِّ، فيتحمل عنه الذِّمِّيُّ، ويحتمل هو عن الذِّمِّيِّ إذا زادت مُدَّةُ العَهْدِ على أَجَلِ الدِّيَةِ، ولم يَنْصَرِمْ قبل مُضِيِّ الأجَلِ.
والرابعة: الحُرِّيَّة، فلا تُضْرَبُ الدِّيَةُ على الرَّقِيقِ، أما غير المُكَاتَبِ فلأَنه لا مَالَ له، وأما المُكَاتَبُ، فلأنه ليس من أَهْلِ المُوَاسَاةِ، ومطلق المَرَضِ والكِبَرُ لا يَمْنَعَانِ ضَرْبَ الدِّيَةِ، لكن من الضَّرْبِ على الزَّمِنِ والهَرِمِ وَجْهَانِ:
أحدهما: المَنْعُ؛ لضَعْفِ حالهما وَعَجْزِهِمَا عن النُّصْرَةِ (٢).
وأظهرهما: الضَّرْبُ لِعُصُوبَتِهِمَا وَأَهْلِيَّةِ نُصْرَتِهِمَا بالرأي والمال، ويحكي الأول عن ابن أبي هُرَيْرَة، والقَطْعُ بالثاني عن الشيخ أبي حَامِدٍ، وربما بُنِيَ الخِلاَفُ على الخِلاَفِ في أن الزَّمِنَ والشيخ من الكُفَّارِ إذا أسِرَا هل يُقْتَلاَنِ؟ ويجري الخلاف في الأَعْمَى. وقوله في الكتاب: "وإن كانت مُعْتقةً" مُكَرَّرٌ، فقد مَرَّ أن المَرْأَةَ، إذا أعتقت لا (٣) يضرب عليها. وقوله: "والحَرْبِيُّ لا يَتَحَمَّلُ" يجوز أن يُعْلَمَ (٤) بالوَاوِ، لما ذَكرْنَا.
الخامسة: أَلاَّ يَكُونَ فَقِيرًا، بل مُتَوَسِّطًا أو مُوسِرًا؛ لأن تَحَمُّلَ العَقْلِ مُوَاسَاةُ، والفقير ليس أَهْلًا لِلْمُوَاسَاةِ، وكذلك لم يُكَلَّفْ بالزكاة، وتُخَالِفُ الجزْيَةُ؛ لأنها كالأُجْرَةِ لِسُكنَى الدار؛ ولأنها لِحَقْنِ الدَّمِ.
وعن أبي حنيفة: أن الدِّيةَ تُضْرَبُ على الفقير أيضًا، ويروى عنه أنها تُضْرَبُ عليه بِشَرْطِ أن يكون مُعْتَمِلًا قادرًا على الكَسْبِ، وهذا ما قصد الإشَارَةَ إليه بقوله في الكتاب: "إن كان مُعْتَمِلًا". ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: فيما يُضْرَبُ على كُلِّ واحد من (٥) العَاقِلَةِ، قال الأئمة: لا يُجْحَفُ بهم، ولا يُشَقُّ عليهم، بل يُحَمَّلُونَ ما يَسْهُلُ عليهم، فَيُضْرَبُ على الغَنِيِّ نِصْفُ دينار، وعلى المُتَوَسِّطِ رُبُعُ دِينَارٍ، ووجه التقدير بالنصف بأنه أول دَرَجَةِ المُوَاسَاةِ [في الزكاة، والتقدير بالربع أن المواساة] (٦) لا تحصل بما دُونَهُ؛ لأنه تَافِهٌ؛ بدليل أنَّه لا يُقْطَعُ فيه السَّارِقُ، ويروى عن عائشة -﵂- أنها قالت: "ما كانَتِ اليَدُ تُقْطَعُ على عَهْدِ
_________________
(١) في ز: فنبني.
(٢) في ز: بالزاد.
(٣) في ز: لم.
(٤) في ز: يعلمها.
(٥) في ز: في.
(٦) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٧٧ ]
رسول الله -ﷺ- في الشيء التَّافِهِ" (١). وعند أبي حنيفة يُؤْخَذُ من كل وَاحِدٍ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ إلى أربعة، ويسوى (٢) بين المُوسِرِ وغيره، واحتج الأَصْحَابُ بأنه حَقٌّ وَجَبَ على سبيل المُوَاسَاةِ، فيختلف (٣) باليَسَارِ، والتَّوسُّطِ كالزكاة.
ويجوز أن يُعْلَمَ في الكتاب لفظ "النصف والربع" بالحاء لما حَكَيْنَاهُ، وبالميم؛ لأن عند مَالِكِ لا يَتَقَدَّرُ الوَاجِبُ، بل هو إلى اجْتِهَادِ الحاكمِ يحمل كل واحد ما يرى أنَّه يَتَحَمَّلُهُ، وبم يَضْبَطُ اليَسَارُ والتَّوَسُّطُ؟
ذكر في "التهذيب" أن الاعْتِبَارَ بالعَادَةِ، وأن ذلك يَخْتَلِفُ بالبُلْدَانِ والأزمان ورأَى الإِمام [أن] (٤) الأَقْرَبَ اعْتِبَارُ ذلك بالزكاة، كما اعْتُبِرَ قدْرُ الوَاجِبِ بالزكاة، فقال: إذا كان يَمْلِكُ عشرين دينارًا في آخر الحَوْلِ، فهو غني، لكن يفارق مَا نحن فيه الزَّكَاة من وَجْهَيْنِ:
أحدهما: أنَّه لا يشترط أن يَمْلِكُ النَّقْدَ، أو شيئًا من الأَمْوَالِ الزَّكَاتِيَّةِ، بل إذا ملك ما يساوي هذا القَدْرَ من سَائِرِ الأَمْوَالِ، كان كما لو ملك هذه الأَمْوَالَ؛ لأن الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، فينظر فيها إلى جِنْسِ المَالِ، وتَحَمُّلُ العَقلِ مَحْضُ مُوَاسَاةٍ.
والثاني (٥): يشترط أن يكون ما يَمْلِكُهُ فَاضِلًا عن مَسْكَنِهِ وثيابه، وسائر ما لا يُكَلَّفُ في الكَفَّارَةِ بَيْعُهُ وصَرْفُهُ إلى ثَمَنِ الرَّقَبَةِ، وهذا لا يشترط في الزَّكَاةِ والمتوسط هو الذي يَمْلِكُ أَقَلَّ من ذلك، لكنه يَفْضُلُ عن حَاجَاتِهِ، ويشترط أن يكون فَوْقَ القَدْرِ المَأْخُوذِ، وهو رُبُعُ دِينَارٍ؛ لئلا يُؤْدِّهِ أخذه منه إلى حَدِّ الفَقْرِ، وهذا ما نَحَا صَاحِبُ الكتاب نَحْوَهُ.
الثانية: الاعتبار فيما يُؤخَذُ كُل حَولٍ بآخر ذلك الحَوْلِ في أمور:
أحدهما: إذا ثَمَّ الحَوْلُ، وهناك إِبْلُ جمعت العاقلة ما عليهم من نِصْفٍ أو ربع، واشتروا به الإبِلَ، وإن لم تُوجَدِ الإبِلُ، فعلى القولين في أن الواجب القِيمَةُ أو بَدْلٌ مُقَدَّرٌ. وإذا تأخرت التَّوْفِيَةُ (٦) بعد الَحَوْلِ، ثم وُجِدَتْ لزمهم الإِبِلُ، وإن وجد بعد أخذ البَدَلِ لم يؤثر.
الثاني: إذا لم يَفِ التَّوْزِيعُ على العَاقِلَةِ بواجب الحَوْلِ أُخِذَ الباقي من بيت المال، ولم يُنْتَظَرْ مُضِيّ الأحوال الثلاثة.
_________________
(١) تقدم في اللقطة.
(٢) في ز: ويستوي.
(٣) في ز: فيخلف.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: والثاني.
(٦) في ز: تأخر التوفير.
[ ١٠ / ٤٧٨ ]
الثالث: يعتبر اليَسَارُ والتَّوَسُّطُ في آخر الحَوْلِ، فلو كان مُعْسِرًا (١) في آخر الحَوْلِ لم يلزمه (٢) شَيْءٌ من واجب ذلك الحَوْلِ، وإن كان مُوسِرًا من قَبْلُ أو أَيْسَرَ من بَعْدُ، وإن كان مُوسِرًا حينئذ لَزِمَة النِّصْفُ، فإن أُعْسِرَ بعد ذلك، فهو دَيْنٌ عليه.
ولو كان بعضهم من أَوَّلِ الحَوْلِ كَافِرًا أو رَقِيقًا أو صَبِيًّا أو مَجْنُونًا، وصار في آخِرِهِ نصفة الكَمَالِ، فهل يُؤْخَذُ منه حِصَّتهُ من واجب تلك السَّنَةِ؟
حكى صاحب "التهذيب" فيه وجهين:
أحدهما: نعم، كما لو كان مُعْسِرًا في أول الحَوْلِ، مُوسِرًا في آخره.
وأصحُّهما: لا؛ لأن هؤلاء لَيْسُوا أَهْلاَ لِلنُّصْرَةِ بالبَدَنِ في الابتداء، فلا يُكَلَّفُونَ النُّصْرَةِ بالمال في الانْتِهَاءِ، والمعسر كان من (٣) أهْلِ النُّصْرَةِ، وإنما يعتبر المَالُ ليتمكن (٤) من الأَدَاء، فيعتبر وَقْتُ الأداء.
وقطع صاحب "التتمة" بأنه لا يلزمه من واجب ذلك الحَوْلِ شَيْءٌ (٥)، ورد الخلاف في أنَّه هل يُطَالبُ، والحالة هذه بواجب الحَوْلِ الثاني والثالث؟
ووَجَّهَ المُطَالَبَةَ بأن وظيفة كل حَوْلٍ مستقلة بنفسها، ولذلك لو كان عَاقِلًا في الحَوْلِ الأول، ثم جُنَّ في الثاني يُؤْخَذُ منه وَاجِبُ الأَوَّلِ، ووجه المنع، وعَدَّةُ الأَصَحَّ بأن الواجب في الأَحْوَالِ وَاحِدٌ؛ لأن سَبَبَهُ وَاحِدٌ إلا أنَّه مُنَجَّمٌ.
فإذا لم يكن الشَّخْصُ بصفة الكَمَالِ في الابْتِدَاءِ لم يدخل في التَّوْزِيعِ.