يشبه أن يكون المَرْعِيُّ في إِيجَاب الرُّبُع والنصف مِقْدَارَهُمَا، لا أنَّه يجب على العَاقِلَةِ بَدَلُ الدنانير بأَعْيَانِهَا؛ لأن الإِبِلَ هَي التيَ تجب في الدِّيَةِ، وما يُؤْخَذُ يصرف إلى الإِبِلِ، وللمستحق ألا يقبل غيرها، ويُوَضِّحُهُ أن أبا سعد المُتَوَلِّي قال على الغَنِيِّ نِصْفُ دينار أو ستة دَرَاهِمَ؛ لأن الدنانير (٦) في الدِّيَةِ عندنا تقابل (٧) باثني عشر دِرْهَمًا، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي فِي كَيفِيَّةِ التَّوْزِيع وَالبِدَايَةُ بِأَقْرَبِ (ح) العَصَبَاتِ، وَلاَ
_________________
(١) في ز: معتبرًا.
(٢) في ز: يلزم.
(٣) في ز: كامل.
(٤) في ز: ليمكن.
(٥) وما دل عليه كلام المصنف من أن المسألة ليست منقولة عجيب فإن الشَّافعي وجماعة من الأصحاب ذكروه.
(٦) في ز: الدينار.
(٧) في ز: مقابل.
[ ١٠ / ٤٧٩ ]
يُضْرَبُ عَلَى وَاحِدٍ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفٍ أَوْ رُبْعٍ، وَهُوَ حِصَّةُ كُلِّ سَنَةٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: إنَّهُ حِصَّةُ جَمِيعِ السِّنِينَ، ثُمَّ إن فَضُلَ مِنَ الأَقْرَبِينَ شَيْءٌ تَرَقَّيْنَا إِلَى مَنْ بَعْدَهُم ثُمَّ إِلَى المُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبةً أَخَذْنَا بَقِيَّةَ الوَاجِبِ آخِرَ السَّنَةِ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ المَالِ أَخَذْتَا مِنَ الجَانِي عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ حذَارًا منَ التَّعْطيلِ، وَقِيلَ: يُنْتظرُ يَسَارُ بَيْتِ المَالِ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاِقلَةَ فَيُطالِبُ بَعْدَ مُضِيِّ الأَجَل إِذْ لاَ يُنْتظَرُ لَهُ بَيْتَ المَالِ، وَكَذَا إِذَا اعْتَرَفَ بالخَطَأِ وَأنْكَرَ العَاقِلَةُ وَلاَ بَيِّنَةَ إذْ لاَ يُنْتظَرُ إقْرَارُ العَاقِلَةِ، فَإنْ أقَرُّوا علَى قُدُورِ وَقَعِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "والبِدَايَةُ بأقرب العَصَباتِ"، وقوله بعد ذلك: "فإن فَضَلَ من الأَقْرَبِينَ شيء " إلى آخره؛ المَقْصُودُ منه (١) بَيَانُ تَرْتِيب العَصَبَات، وقد ذكرنا من قبل عند قوله: "وفي تَقْدِيم الأَخ للأب والأم على الأخ للأب قولان"، وإنما ذكرنا هناك؛ لأن تلك المَسألَةَ تَتَعَلَّقُ بالتَّرْتِيب، وكان الأَوْلَى أن يَجْمَعَ بينهما، وبين سَائِر مسائل التَّرْتِيب. ولْيُعْلَمْ قوله: "والبدايةَ بأقْرَبِ العَصَبَاتِ" بالحاء؛ لما تَقَدَّمَ أن عنده (٢) يسوى بين القريب والبَعِيدِ.
وقوله: "ولا يضربُ على وَاحِدٍ أكثر من نِصْفٍ أو ربع قد صار مَفْهُومًا من قوله في الفَصْلِ السابق: "ويضربُ على الغَنيِّ نِصْف دينار " إلى آخره ثم النصف أو الربع حِصَّةُ كُلِّ سَنَةٍ أو الواجب في السِّنِينَ الثلاث النصف أو الربع؟ فيه وجهان:
أصحهما: الأول، فيكون جُمْلَةُ الواجب على الواحد [من] العَاقلَةِ دِينَارًا ونِصْفًا إذا كان غَنِيًّا، ونصفه إذا كان مُتَوَسِّطًا، وَوُجِّهَ ذلك بأنه حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالحَوْلِ، ويجب على سبيل المُوَاسَاةِ، فَيَتَكَّرَرُ بِتَكرُّرِ الحَوْلِ كالزكاة.
والثاني: ويحكى عن ابن سُرَيجٍ وابن القَاصِّ أن النصف أو الربع وَاجبُ السنين؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ الضرب، فلا يُخَالِفُ إلا في هذا القَدْر، ولو ذكر هذه المَسْأَلَةَ مع بَيَانِ القَدْرِ في الفصل السَّابقِ لكان أَحْسَنَ، ثم في الفصل مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: إذا انتهى التحمل (٣) إلى بَيْتِ المَالِ، فلم يُوجَدْ فيه مَالٌ، هل يُؤْخَذُ الواجب من الجاني؟
فيه وجهان بَنَوْهُمَا على أن الديَةَ تجب على العَاقِلَةِ ابْتِدَاءً، أو تجب على الجاني،
_________________
(١) في أ: منهما.
(٢) في ز: غيره.
(٣) في ز: الحمل.
[ ١٠ / ٤٨٠ ]
ويتحمل عنه العَاقِلَةُ، [و] فيه وجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أنها تجب على العَاقِلَةِ ابْتِدَاءً؛ لأن المُطَالَبَةَ عليهم دون الجَانِي، وقد يُوَجَّهُ بظاهر الأَخْبَارِ، مثل ما رُوِيَ أنَّه -ﷺ-: "قَضَى على العَاقِلَةِ" (١).
والثاني: تجب على الجَانِي، والعَاقِلَة يَتَحَمَّلُونَ (٢)؛ لأن القِيَاسَ وُجُوبُ الضَّمَانِ على المُتْلِفِ، فيجري على القِيَاسِ، ونجعلهم مُتَحَمِّلِينَ كما يُؤَدَّى الدَّيْنُ عمن تَحَمَّلَ لإصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ. وَيدُلُّ عليه أنَّه لو لم يكن الجَانِي ممن يَتَحَمَّلُ عنه بأن كان مُرْتَدًّا أو ذِمِّيًّا، وعاقلته حَرْبِيُّونَ تُؤْخَذُ الدِّيَة من مَالِهِ.
قال الإِمام: وليس تَرَدُّدُ القَوْلِ مَأخُوذًا من نَصِّ صاحب المَذْهَبِ، ولكنه مُتَلَقّى من تَصَارِيفِ كَلاَمِهِ في التفريعات.
فإن قلنا: تجب على العَاقِلَةِ ابتِدَاءً، لم يُؤْخَذُ من الجاني. وإن قلنا: بالتَّحَمُّلِ، فهذا تَعَذَّرَ التحمل أخذ الواجب من (٣) الأَصلِ.
وعن القاضي الحسين: القَطْعُ بأنه لا يَجِبُ على العاقلة شَيْءٌ، والظَّاهِرُ إِثْبَاتُ الخِلاَفِ، وأخذ الواجب من القَاتِلِ.
وإذا قلنا: لا يُؤخَذُ منه، ففي شَرْح "مختصر الجويني" وَجْهٌ أنَّه تجب الدِّيَةُ على جماعة المسلمين كنَفَقَةِ الفُقَرَاءِ، وهذا لمَ يذكره الأَكْثَرُونَ، لكن لو حدث في بيت المال مَالٌ، هل يُؤَدّى الواجب منه؟ فيه وجهان عن رواية القاضي الحسين وغيره:
أحدهما: لا، كما أن الفَقِيرَ من العَاقِلَةِ عند تمام الحَوْلِ لا يطالب بالغِنَى الحَادِثِ بعده.
والثاني: نعم، وليس سَبِيلُ بَيْتِ المَالِ سَبِيلَ العاقلة الخَاصَّةِ؛ لأن مَالَ المَصَالِحِ لا يَخْتَصُّ بمَصْلَحَةٍ، فلا يختص الأَدَاءُ منه بِوَقْتٍ، وهذا [معنى] (٤) قوله في الكتاب: "وقيل: يُنْتَظَرُ يَسَارُ بَيْتِ المَالِ" وربما بني على هذا الخِلاَفِ في أنَّه هل يُؤخَذُ الوَاجِبُ من الجاني، إذا لم يكن في بَيْتِ المال مَالٌ؟
إن قلنا: يؤدى من المال الحَارِثِ، فينتظر، ولا يُطَالَبُ الجاني.
وإن قلنا: لا، فَيُطَالَبُ الجَانِي تَحَرُّزًا عن الإهْدَارِ.
وإن قلنا: إذا لم يكن في بَيْتِ المال مَالٌ، يُعَزَّمُ القاتل، فالدِّيَةُ تَتَأجَّلُ عليه تَأجُّلُهَا على
_________________
(١) هو مختصر من حديث المغيرة وأبي هريرة، وقد تقدم.
(٢) في ز: فتحملون.
(٣) في ز: في.
(٤) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٨١ ]
العاقلة الخَاصَّةِ، وعلى بيت المَالِ. وهل يجب على أَبِيهِ وابنه كما تَجِبُ عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو علي الطَّبَريُّ: نعم، وُيبْدَأُ بهما قبل القَاتِلِ؛ لأنا إنما لا نُحَمِّلُ الأب والابن؛ لأنهما بعضه، فإذا تَحَمَّلَ تَحَمُّلًا.
وأقواهما: عند صاحبي "المهذب" و"التهذيب" المَنْعُ؛ لأن الإيجَابَ على القاتل من جِهَةِ أنه الأصْلُ وغيره يتحمل (١) عنه، فهذا تَعَذَّرَ التحمل طُولِبَ بِحُكْمِ الأَصْلِ، وهذا المعنى لا يَتَحَقَّقُ في الأب والابن.
المسألة الثانية: إذا اعْتَرَفَ بالخَطَأِ، أو شِبْهِ العَمْدِ وصَدَّقْتُه العاقلةُ، فعليهم الدِّيَة، وإن كَذَّبَتة لم يقبل إقْرَازرُهُ عليهم، ولا على بَيْتِ المال ولكن يَحْلِفُونَ على نَفْي العلم، فإذا حَلَفُوا كانت الدِّيَةُ على المُقِرِّ؛ لأنه لا سَبِيلَ إلى التَّعْطِيلِ، وقد تَعَذَّرَ التحمل، ويروى عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا تحمل العاقلة عَمْدًا، ولا اعْتِرَافًا" (٢).
قال الإِمام: ولم يُخَرِّجِ الأَصْحَابُ [الوجوب] (٣) على (٤) المقر [على] الخِلاَفِ في أن الجَانِيَ يُلَاقِيَهُ الوجوب، ويتحمل العَاقِلَةُ، أو تجب الدِّيَةُ على العاقلة ابْتِدَاءً.
ولا يبعد عن القياس أن يُقَالَ: إذا لم يُلَاقِ الوجوب الجاني لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لأنه إنما أَقَرَّ عليهم لا عَلَى نَفْسِهِ؛ لأن الخَطَأَ يلزم الدِّيةَ عليهم، فإذا لم يقبل عليهم وَجَبَ ألا يقبل عليه، ويحكى (٥) هذا عن المُزَنِيَّ، والمَذْهَبُ المنقول الأوَّلُ (٦).
_________________
(١) في ز: فتحمل.
(٢) قال الحافظ في التلخيص: قال إمام الحرمين في النهاية: روى الفقهاء فذكر هذا الحديث بلفظ: لا تحمل العاقلة عبدًا ولا اعترافًا، قال: وغالب ظني أن الصحيح الذي أورده أئمة الحديث: لا تحمل العاقلة عمدًا ولا اعترافًا، وقال الرافعي في أواخر الباب: هذا الحديث تكلموا في ثبوته، وقال ابن الصباغ: لم يثبت متصلًا، وإنما هو موقوف على ابن عباس، انتهى. وفي جميع هذا نظر، فقد روى الدارقطني، والطبراني في مسند الشاميين من حديث عبادة بن الصامت: أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئًا"، وإسناده واه، فيه محمد بن سعيد المصلوب وهو كذاب، وفيه الحارث بن نبهان وهو منكر الحديث، وروى الدارقطني والبيهقي من حديث عمر مرفوعًا: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقلة العاقلة، وهو منقطع، وفي إسناده عبد الملك بن حسين وهو ضعيف. قال البيهقي: والمحفوظ أنه عن عامر الشعبي من قوله، وروي أيضًا عن ابن عباس: لا تحمل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جنى المملوك، وفي الموطإ عن الزهري: مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئًا من ذلك، وروى البيهقي عن أبي الزناد عن الفقهاء من أهل المدينة نحوه.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: وعلى.
(٦) ما نقله عن الإِمام قطع به من عدم الترجيح عجيب فإنه حكى التخريج في باب القسامة عن =
[ ١٠ / ٤٨٢ ]
وَتَتَأجَّلُ الدية عليه تأَجُّلَهَا على العاقلة، إلا أنه يُؤْخَذُ منه ثُلُثُ الدِّيَةِ عند انْقِرَاضِ السَّنَةِ الأولى، وكل واحد من العَاقِلَةِ لا يطالب إلا بنصف أو ربع، وهل يَحِلُّ الأَجَلُ عليه إذا مات؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الأَجَلَ يُلَازِمُ دِيَةَ الخَطَأِ شَرْعًا.
وأظهرهما: نعم، كسائر الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ، وليس كما لو مات وَاحِدٌ من العَاقِلَةِ من خلال الحَوْلِ لا يؤخذ من تَرِكَتِهِ شَيْءٌ؛ لأن الوُجُوبَ على العَاقِلَةِ سَبِيلُهُ سَبِيلُ المُوَاسَاةِ، والوجوب على الجَانِي هاهنا لِصِيَانَةِ الحَقِّ عن التعطيل، فلا يمكن المَصِيرُ إلى السُّقُوطِ.
وإذا مات مُعْسِرًا قال صاحب "التهذيب": يحتمل أن تُؤْخَذَ الدِّيَةُ من بيت المَالِ، كمن لا عَاقِلَةَ له، ويحتمل ألاَّ تُؤْخَذُ كما لو كان مُعْسِرًا، وهو حَيٌّ.
ولو غُرَّمَ الجاني، ثم اعترفت العَاقِلَةُ، فإن قلنا: الوُجُوبُ يُلَاقِي الجَانِي، والعَاقِلَةُ محتملة، فلا يَرُدُّ الوَليُّ ما أخَذَ، ويرجع الجاني على العاقلة.
وإن قلنا: هي على العَاقِلَةِ ابتداء، يَرُدُّ الوَلِيُّ ما أَخَذَ، وَيبْتَدِئُ بِمُطَالَبَةِ العاقلة (١).
وفي "التهذيب" أنه إذا ادُّعِيَ على رجل قَتْلُ خَطَأٍ أو شِبْهِ عَمْدٍ، ولا بَيَّنَةَ، ونَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ عن اليمين، فحلف المُدَّعي فإن جعلنا اليَمِينَ المَرْدُودَةَ كإقرار المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ على المدعى عليه، إن كذبت العَاقِلَةُ المُدَّعي.
وإن قلنا: إنه كالبَيِّنَةِ، فالدِّيَةُ على العَاقِلَةِ، أو على المُدَّعَى عَلَيْهِ؛ ذَهَابًا إلى أنها وإن جُعِلَتْ كالبَيِّنَةِ، فإنما تجعل كالبَيِّنَةِ في حَقِّ المُتَدَاعِيَيْنِ دون غيرهما فيه وجهان (٢).
وقوله في الكتاب: "فإن لم يكن عَصَبَةٌ أخذنا بَقِيَّةَ الوَاجِبِ" أي: لم يكن عَصَبَةٌ سوى المَذْكُورِين، وإن قدر أن المُرَادَ ما إذا لم يكن للجاني عَصَبَةٌ أصلًا، لم يكن للفظ البَقِيَّةِ مَعْنى، فَإِنَّا حينئذ نَأْخُذُ جَمِيعَ الوَاجِبِ من بيت المَالِ.
_________________
(١) = المتولي فيما إذا ادعى عليه قتل عمد فاعترف بخطأ أو حلف عليه أنه لا يطالب بشيء إذا قلنا الدية تلاقي العاقلة ابتداء وسكتا عليه.
(٢) قال في الخادم: وينبغي على كلا القولين رد المأخوذ ومطالبة العاقلة أما على القول بأنه لا يلاقي الجاني فظاهر وأما على القول الآخر فأما أن يكون ما أخذه من الجاني أخذه والوجوب بأن، وإما أن يكون بعد انتقاله عنه إلى العاقلة والأول باطل لأنا وإن قلنا يلاقيه أولًا فلا يبقى بمجرد ملكها انتقل عنه وحينئذ يكون حقهم وقت الإقرار والأخذ من الجاني في ذمة العاقلة بما أخذوه.
(٣) وهو يقتضي أن صاحب التهذيب لم يرجح شيئًا وليس كذلك بل رجح تحمله العاقلة، وعبارته: وإن ادعى المجني عليه فأنكر ولم يحلف فنكل فحلف المدعي وقلنا إن يمينه مع إنكار المدعي كالبينة تحملها العاقلة كما لو أقام بينة وقبل في ماله لأنه كالبينة في حق المتداعيين.
[ ١٠ / ٤٨٣ ]
وقوله: "وأما الذِّمِّيُّ إذا لم يكن له عَاقِلَةٌ " إلى آخره، كالمُكَرَّرِ؛ لأنه قال في
الجِهَةِ الثَّانِيَةِ: وإن كان ذِمِّيًّا رَجَعْنَا إلى الجَانِي، وكأنه أعَادَهُ لِيُبيِّنَ أن ما قيل في حَقِّ المسلم أنه يُنْتَظَرُ يَسَارُ بَيْتِ المال، لا مَجَالَ له في حَقِّ الذِّمِّيِّ؛ لأن بيت المَالِ لا تحمل عنه. ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "فيطالب" بالواو؛ لما قَدَّمْنَاهُ عن "البَيَان".
وقوله: "بعد مُضِيَّ الأَجَلِ" لا ضَرُورَةَ إلى ذِكْرهِ في هذا المَوْضِعِ، لِلْعِلْم بأن الدِّيَةَ المُتَحَمَّلَةَ مؤجَّلَةٌ، والمُطَالَبَة تكون بعد مُضِيِّ الأَجَلِ أَبَدًا.
وقوله: "وكذا إذا اعترف [الجاني] (١) بالخَطَأِ"، ليُعْلَم بالزاي.
وقوله: "إذ لا ينتظر إِقْرَار العَاقِلَةِ" أراد به أن الوَجْهَ المذكور في أنه يُنْتَظَرُ يَسَارُ بَيْتِ المال لا يَجِيءُ في انتظار [إقرار] (٢) العاقلة؛ لأن تَوَقُّعَ اليَسَارِ قَرِيبٌ، وتوقع إقرارهم بعد الإِنكار بَعِيدٌ.
وقوله: "وَقَعَ الرُّجُوعُ عليهم" يعني رُجُوعَ الجاني على ما هو مُبيَّنٌ في "الوسيط"، وذلك إذا قلنا: إن الوُجُوبَ يُلاَقِيهِ، وليعلم بالواو للوجه الآخر، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَمَا دُونَ أَرْشِ المُوَضِّحَةِ مَضْرُوبٌ (ح م و) عَلَى العَاقِلَةِ بَلْ لَوْ كَانَ الأَرْشُ نِصْفَ دِينَارٍ وَزَعْنَاهُ عَلَى العَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانُوا مَائَةً طُولِبَ جَمِيعُهُمْ بِنِصْفِ دِينَارٍ مُشْتَرِكٍ عَلَى وَجْهٍ، وَعَلَى وَجْهٍ يُعَيِّنُ القَاضِي وَاحِدًا كَيْ لاَ يَعْسُرَ الطَّلَبُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان:
إحداهما: كما أن دِيَةَ النَّفْسِ تُضْرَبُ على العَاقِلَةِ، فكذلك بَدَلُ الأَطْرَافِ، وأُرُوشُ الجِرَاحَاتِ والحُكُومَاتِ، قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، تُضْرَبُ عليهم. هذا هو المذهب الجَدِيدُ.
ويحكى عن القديم قولان آخران:
أحدهما: أنها لا تُضْرَبُ عليهم؛ لأن تَحَمُّلَ العَاقِلَةِ خِلاَفُ القياس، لكن الشرع وَرَدَ به في دِيَةِ النَّفْسِ، فَيُقْتَصَرُ عليه.
وأيضًا فإن ما دُونَ النَّفْسِ سَبيلُهُ سَبيلُ ضَمَانِ الأموال، ألا ترى أنه لا يَتَعلَّقُ به الكَفَّارَةُ، ولا تدخله القَسَامَةُ؟!
والثاني: أن ما دون ثُلُثِ الدِّيَةِ لا يُضْرَبُ على العَاقِلَةِ، بل يكون في مَالِ الجاني؛ لأنه لا يعظم إِجْحَافه به، فلا يحتاج فيه إلى التحمل والمُوَاسَاةِ، وبهذا قال مَالِكٌ وأَحْمَدُ.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٨٤ ]
وعند أبي حَنِيْفَةَ: ما دون أَرْشِ المُوضِحَةِ، وهو يصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ لا يُضْرَبُ عليهم، واحْتَجَّ لِظَاهِرِ المذهب بأن النبي -ﷺ-:"قضى بالغُرَّةِ على العَاقِلَةِ، وهي دون الثُّلُثِ" (١)، فإن الغُرَّةَ تقَابَل بخمس من الإِبِلِ.
وأيضًا، فإن العَاقِلَةَ إنما تَحَمَّلَتْ دِيَةَ النَّفْسِ كي لا يَجْحِفَ ذلك بِمَالِهِ، وهذا المعنى مَوْجُودٌ في الأَطْرَافِ والجِرَاحَاتِ.
قال الإِمام: وما عندي أن من لا يَضْرِبُ أُرُوشَ الأَطْرَافِ على العَاقِلَةِ [ينبغي أن يُثْبَتَهَا] (٢) معجَلة كَقِيَمِ المُتْلَفَاتِ. ولا يبعد عن قياس.
الثاني من قَوْلَي القديم: إذا زَادَ الوَاجِبُ على ما دُونَ الثلث أن لا يحمل الكُلّ على العاقلة، بل يُقَالُ: ما دون الثُّلُثِ على الجاني أَبَدًا، والزائد عليه مَحْمُولٌ.
والثانية: وهي مُفَرَّعَةٌ على الأولى: إذا كان الأَرْشُ نِصْفَ دِينَارٍ مَثَلًا، والعَاقِلَةُ جَمَاعَةٌ فيهم (٣) كَثْرَةٌ، ففي كيفية تَحْصِيلِهِ وجهان:
أظهرهما: أنهم يُطَالبُونَ بنصف دينار مُشْترك؛ لِشُمُولِ جِهَةِ التَّحَمُّلِ لهم.
والثاني: أن القاضي يُعَيِّنُ (٤)، واحدًا أو جَمَاعَةً باجْتِهَادِهِ لكيلا (٥) يَعْسَرَ الطَّلَبُ والتَّوْزِيعُ، وقد ينتهي الأمْرُ إلى أن يُخَصَّص كُلُّ واحد منهم مالًا يتموَّلُ، وهذا كالخلاف فيما إذا كَثُرَتِ العَاقِلَةُ في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، بحيث لو وُزَّعَ الوَاجِبُ عليهم لَأَصَابَ كُلَّ غَنِيٍّ دون النصف، وكُلَّ مُتَوَسَّطِ دون الربع (٦)، وفيه قولان:
أحدهما: أن للإمام أن يُخَصِّصَ جَمَاعَةً يَضْرِبُ على أغنيائهم النِّصْفَ، وعلى المتوسطين الربع كيلا يَعْسَرَ التَّوْزِيعِ، ولا يكثر التَّعَبُ والمُؤْنَة.
وأصحهما: المنع؛ لأن الحَقَّ وَجَبَ على جَمِيعِهِمْ، فلا يُخَصَّصُ بَعْضُهُمْ بالمُطَالَبَةِ وإذا قلنا بالأول، فَبِأَيِّ طريق نُخَصَّصُهُمْ؟
حكى أبو الفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ فيه وجهين، الذي أَوْرَدَهُ عَامَةُ الناقلين أن الإِمام يُخَصِّصُ من يراه باجْتِهَادِهِ.
والثاني: أنه يجعلهم فِرْقَتَيْنِ (٧)، أو ثلاثًا، كما يقتضيه الحَالُ، ويُقْرعُ بينهم (٨) [والله أعلم].
_________________
(١) تقدم.
(٢) بياض في أ.
(٣) في ز: منهم.
(٤) في ز: يعني.
(٥) في ز: خلا.
(٦) في أ: ففيه.
(٧) في ز: مرتين.
(٨) في ز: مهم.
[ ١٠ / ٤٨٥ ]
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الأَجَلُ فَهُوَ فِي دِيَةٍ كَامِلَةٍ ثَلاَثُ سنِينَ وَهِيَ مَائَةٌ مِنَ الإبِلِ يُؤْخَذُ ثُلُثُهَا فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ، فَلَوْ وَجَبَ مَائِتَانِ مِنَ الإِبِلِ فِي عَبْدٍ وَقُلْنَا: يَحْمِلُ فَهُوَ مَضْرُوبٌ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ نَظَرًا إلَى أنَّهُ بَدَلُ نَفْسٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ فِي سِتِّ سِنِينَ نَظَرًا إلَى القَدْرِ، وَعَلَى هَذَا يُضْرَبُ دِيَة اليَهُوديِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فِي سَنَةِ، وَدِيَةُ المَجُوسيِّ فِي سَنَةٍ، وَغُرَّةُ الجَنِينِ أَيْضًا فِي سَنَةٍ؛ لِأنَّ السَّنَةُ لاَ تَتَجَزَّأُ، وَدِيَةَ المَرْأَةِ في سَنَتَيْنِ، وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ ثِلَاَثةً فَيُضْرَبُ ثَلاَثُمَائَةٍ مِنَ الإِبِلِ فِي تِسْعِ سِنِينَ عَلَى وَجْهِ نَظَرًا إلَى القَتْلِ أَوْ إلَى أَنَّ الثَّلَالَةَ الأَنْفُسِ لاَ يَكُونُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَيُضْرَبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الأَصَحِّ لِأَنَّ الآجَالِ لِلدُّيُونِ المُتَفَرِّقَةِ تَتَسَاوَقُ وَلاَ تَتَعَاقَبُ، وَإِنْ قَتَلَ ثَلَاثَةٌ وَاحِدًا فَالدِّيَةِ الوَاحِدَةُ مَضْرُوبَةٌ عَلَى العَوَاقِلِ فِي ثَلاَثِ سنِينَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثلُثٌ نَظَرًا إِلَى اتِّحَادِ المُسْتَحِقِّ، وَقِيلَ: فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَدِيَةُ يَدَي الشَّخْصِ كَنَفْسِهِ، ودِيَةُ إِحْدَى اليَدَيْنِ مِنَ الرَّجُلِ يُضْرِبُ فِي سَنَتَيْنِ لِعَدَمِ النَّفْسِ وَنُقْصَانِ القَدْرِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْ إِنْسَانٍ وَرِجْلَيهِ فَهُوَ كَقَتْلِ نَفْسَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تَكَلَّمَ في ترتيب العَاقِلَةِ، وفي القَدْرِ المَضرُوبِ على كُلِّ واحد منهم اشْتَغَلَ بِبَيَانِ الأَجَلِ المضروب فيه، فقال: أما الأَجَلُ، فهو في دِيَة كَامِلةٍ ثلاث سنين، وقد رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ وعلي، وابْنِ عُمَرَ، وابن عَبَّاسٍ -﵃- وقال الشَّافعي -﵁- في "المختصر": ولم أَعْلَمْ مُخَالِفًا أن رسول الله -ﷺ- قضى بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ في ثلاث سنين (١)، وتكلموا في وُرُودِ الخَبَرِ به، فمنهم من قال
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص: قال الرافعي، تكلم أصحابنا في ورود الخبر بذلك، فمنهم من قال ورد، ونسب إلى رواية علي، ومنهم من قال: ورد أنه -ﷺ- قضى بالدية على العاقلة، وأما للتاجيل فلم يرد به الخبر، وإنما أخذ ذلك من إجماع الصحابة، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس: أنهم أجلوا الدية ثلاث سنين، أما الحديث فروى البيهقي من طريق الشَّافعي أنه قال وجدنا عامًا في أهل العلم أن رسول الله -ﷺ- قضى في جناية الحر المسلم على الحر، خطأ، مائة من الإبل على عاقلة الجاني، وعامًا فيهم أيضًا أنها بمضي لثلاث سنين، في كل سنة ثلثها، وبأسنان معلومة، وقال ابن المنذر: ما ذكره الشَّافعي لا يعرف له أصل من كتاب ولا سنة، وسئل عنه أحمد بن حنبل فقال: لا أعرف فيه شيئًا، فقيل له: إن أبا عبد الله رواه عن النبي -ﷺ- فقال: لعله سمعه من ذلك المدني، فإنه كان حسن الظن به، يعني إبراهيم بن أبي يحيى، وتعقبه ابن الرفعة بأن من عرفه حجة على من لم يعرفه، وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: من السنة أن تنجم الدية في ثلاثة سنين، وأما الإجماع فيستفاد مما حكيناه عن الشَّافعي، وكذلك نقله الترمذي في جامعه، وابن المنذر، وأما الرواية عن عمر في ذلك فرواها ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق والبيهقي، من طريق الشعبي عن عمر وهو منقطع، وقال عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرت عن أبي وائل: أن عمر بن الخطاب جعل الدية الكاملة في ثلاث =
[ ١٠ / ٤٨٦ ]
وَرَدَ، ونَسَبَهُ إلى رِوَايَةِ علي -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ-، ومنهم من قال: أراد به أنه -ﷺ- قَضَى بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ (١). وأما التَّنْجِيمُ فلم يَردْ وُرُودَ الخبر به، وأخذ ذلك من إِجْمَاعِ الصحابة -﵃- أو غيره.
إذا عرف ذلك، فلا خِلاَفَ عن عَامَّةِ العلماء -أن ما يُضْرَبُ على العَاقِلَةِ يُضْرَبُ مُؤَجَّلًا، وأن الأَجَلَ لا يَنْقُص عن سَنَةٍ، وأن دِيَةَ النَّفْسِ الكاملة تُؤجَّلُ إلى ثلاث سنين، يُؤْخَذُ في كُلِّ سَنَةٍ ثلثها، واختلف الأصحاب في أن المَرْعِيَّ ماذا؟ وأن الحكم بم يُنَاطُ؟
فراعى طَائِفَةٌ كونها [بدل] (٢) نفس محرمة (٣)، وأداروا الحُكْمَ عليها.
ونظر آخرون إلى قَدْرِ الواجب، واعتبروا التَّأْجِيلَ به، وهذا أَشْبَهُ بالترجيح على ما سَنُبَيِّنُ، وتظهر فائدة الخلاف في صُوَرٍ: منها: بَدَلُ العَبْدِ، وأطرافه إذا قتل، أو قطع (٤) خطأ أو شبه عَمْدٍ، هل تَتحَملُهَا العَاقِلَةُ؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال مالك، وأحمد-: لا، بل هو على الجَانِي حَالًا؛ لأنه مَضْمُونٌ بالقِيمَةِ، فكان بَدَلُهُ كَبَدَلِ البَهِيمَةِ.
وأيضًا، فقد روِيَ في الخَبَرِ لا تحمل العاقلة عَمْدًا، ولا عبدًا، ولا اعترافًا (٥).
وأظهرهما -وهو الجديد-: نعم؛ لأنه بَدَلُ آدَمِيِّ، فَأَشْبَهَ بَدَلَ الحُرِّ، ويوضحه أن
_________________
(١) = سنين، وجعل نصف الدية في ستين، وما دون النصف في سنة، وأما الرواية بذلك عن علي فرواها البيهقي أيضًا من رواية يزيد بن أبي حبيب عن علي، وهو منقطع، وفيه ابن لهيعة، وأما الرواية بذلك عن ابن عباس فلم أقف عليها.
(٢) تقدم.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: محترقة.
(٥) في ز: وقتل.
(٦) قال الحافظ في التلخيص: قال إمام الحرمين في النهاية: روى الفقهاء فذكر هذا الحديث بلفظ: لا تحمل العاقلة عبدًا ولا اعترافًا، قال: وغالب ظني أن الصحيح الذي أورده أئمة الحديث: لا تحمل العاقلة عمدًا ولا اعترافًا، وقال الرافعي في أواخر الباب: هذا الحديث تكلموا في ثبوته، وقال ابن الصباغ: لم يثبت متصلًا، وإنما هو موقوف على ابن عباس، انتهى. وفي جميع هذا نظر، فقد روى الدارقطني والطبراني في مسند الشاميين من حديث عبادة بن الصامت: أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئًا"، وإسناده واه، فيه محمد بن سعيد المصلوب وهو كذاب، وفيه الحارث بن نبهان وهو منكر الحديث، وروى الدارقطني والبيهقي من حديث عمر مرفوعًا: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقلة العاقلة، وهو منقطع، وفي إسناده عبد الملك بن حسين وهو ضعيف. قال البيهقي: والمحفوظ أنه عن عامر الشعبي من قوله، وروي أيضًا عن ابن عباس: لا تحمل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا، ولا ما جنى المملوك. وفي الموطأ عن الزهري: مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئًا من ذلك. وروى البيهقي عن أبي الزناد عن الفقهاء من أهل المدينة نحوه.
[ ١٠ / ٤٨٧ ]
العَبْدَ كالحُرِّ في تَعَلُّقِ القِصَاصِ والكَفَّارَةِ بِقَتْلِهِ، فكذلك في تَحَمّلِ العاقلة بَدَلَ نفسه دون أَطْرَافِهِ. وإذا قلنا: إن العَاقِلَةَ تَحْمِلُهُ، فلو اختلف السَّيِّدُ والعَاقِلَةُ فِي قِيمَتِهِ، فهم المُصَدَّقُونَ بِأَيْمَانِهِمْ، ولو صدقه الجاني لم يقبل إِقْرَارُهُ عليهم، بل الزِّيَادَةُ على ما يُعْتَرِف به العَاقِلَةُ في مَالِهِ، وعلى هذا القول إن كانت قِيمَةُ العَبْدِ قَدْرَ دِيَةِ الحُرِّ، فَتُضْرَبُ (١) في ثلاث سنين باتِّفَاقِ من رَاعَى بَدَلَ النفس، ومن نَظَرَ إلى القَدْرِ.
وإن (٢) كانت أكثر من قَدْرِ الدِّيَةِ؛ كما إذا كانت قَدْرَ دِيَتَيْنِ، فوجهان:
أحدهما: الضَّرْبُ في ثلاث سنين؛ نَظَرًا إلى أنها بَدَلُ نَفْسٍ.
وأشبههما: بالرُّجْحَانِ: الضَّرْبُ في ست سنين، يُؤْخَذُ في كل سنة قَدْرُ ثلث الدية؛ نَظَرًا إلى القَدْرِ.
ومنها في دِيَةِ النَّفْسِ الناقصة كَدِيَةِ المَرْأَةِ، والذمي، وغُرَّةِ الجَنينِ، وجهان:
أحدهما: أنها تُضرَبُ في ثَلاَثِ سنين؛ لأنها بَدَلُ النَّفْسِ، ويقال: إنه اختيار المَاسَرْجسيَّ.
وأشبههما: أنه يُنْظَر إلى القَدْرِ، فتضرب دِيَةُ اليَهُوديِّ والنصراني في سَنةٍ؛ فإنها قدْرُ الثلث، وَدِيَة المَجُوسِيِّ، وغُرَّة الجنين كذلك، وإن كَانَتَا دون الثُّلُثِ؛ لأن السَّنَةَ لا تَتَبَعَّضُ، وكان المَعْنَى فيه أن الزُّرُوعَ والثمار وسائر الفَوَائِدِ تتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ، فاعتبر مُضِيُّهَا ليجتمع عندهم ما يَنْتَظِرُونَهُ، ويُوَاسُون عن بَسْطٍ وتمكُّنٍ.
ودية المرأة تُضْرَبُ في سنتين، يُؤْخَذُ من آخر السَّنَةِ الأولى ثلث دِيَةِ الرَّجُلِ، والباقي في آخر السَّنَةِ الثانية. ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ -﵁-.
وعن أبي حنيفة فيما روى القاضي الروياني أن غُرَّةَ الجَنِينِ تُضْرَبُ في سَنَةٍ، ودية المَرْأَةِ في ثلاث سنين.
وعن أَحْمَدَ: أن دِيَةَ الذِّمِّيِّ تُضْرَبُ في ثلاث سنين، وكذا دِيَةُ المَرْأَةِ.
ومنها: لو قَتَلَ اثنين أو ثلاثة خَطَأً، فيلزم عَاقِلَتَهُ دِيَاتُهُمْ، وكيف تُضْرَبُ عليهم؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه إذا قَتَلَ ثَلَاثَةً، ونَظَرْنَا إلى القَدْر ضَرَبْنَاهَا في تِسْعِ سنين، وإن نظرنا إلى بَدَلِ النَّفْسِ، فوجهان:
أحدهما: تُضْرَبُ في ثلاث سنين والباقي في تسع؛ لأن بَدَلَ النفس الواحدة
_________________
(١) في ز: فتصرف.
(٢) في أ: فإن.
[ ١٠ / ٤٨٨ ]
تُضرِبُ في ثلاث سنين فيزاد (١) كُلَّ نَفْسٍ ثلاث سنين.
وأظهرهما: أنا إن نَظَرْنَا إلى بَدَلِ النَّفْسِ ضَرَبْنَاهَا في ثلاث سنين، وإن نَظَرْنَا إلى القَدْرِ فوجهان:
أحدهما: في تسع.
وأصحهما: في ثلاث؛ لأن الوَاجِبَ دِيَاتٌ مختلفة، ومستحقوها مُخْتَلِفُونَ، فلا يُؤَخَّرُ حَقِّ بعضهم باستحقاق غيره.
وهذا كما أن الدُّيُونَ المختلفة إذا اتَّفَقَ انْقِضَاءُ آجَالِهَا يتساوون (٢)، [ولا] (٣) يلزم تَعَاقُبُهَا لاجتماعها، وحَاصِلُ الطريقين عند الاخْتِصَارِ وَجْهَانِ، كما ذكر في الكتاب.
فإن ضَرَبْنَاهَا عليهم في ثَلاَثِ سنين، فعليهم لِوَلِيِّ كل قَتِيلٍ في آخر السنة ثُلُثُ دِيتَهِ، فيجتمع (٤) عليهم دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
وإن ضَربْنَاهَا في تسع [سنين] (٥)، فعليهم في آخر كل سَنَةٍ ثلث دية يُوزَّعُ على الأولياء، فيكون الحَاصِلُ لِوليِّ كل قَتِيلٍ في آخر كُلِّ سَنَةٍ تُسْعَ دِيَته. هذا إذا قتلهم مَعًا، فإن قتل الثَّلاَثَةَ في ثَلاَثَةِ أيام، وقلنا: بِضَرْب الدِّيَاتِ في ثلاث سنين، فَتُؤجَّلُ دِيَةُ كل واحد إلى ثلاث سنين، من يَوْم قتله، وإن قلنا بالضرب في تسع، فَدِيَةٌ كل واحد تكون مُنَجَّمَةً في تسع سنين من يوم قَتْلِهِ يأخذ الوَلِيُّ فِي آخِرِ كُلِّ سنة تُسْعَهَا.
ومنها: لو قَتَلَ ثَلاَثَةٌ وَاحِدًا خَطَأً، فالدِّيَةُ مُوَزَّعَة عليهم، وحِصَّةُ كل واحد، وهي ثُلُثُ الدِّيَةِ تُضْربُ على عَاقِلَتِهِ في ثلاث سنين، كجميع الدِّيَةِ عند الانْفِرَادِ، وذلك لأن الدِّيَةَ وَاحِدَةٌ، ومستحقها وَاحِدٌ.
وفيه وجه أن الثُّلُثَ الذي يَخُصُّ كُلَّ واحد منهم يُضْرَبُ في سَنَةٍ؛ لأنهم أَشْخَاصٌ متعددون، وقدر الثلث يُؤْخَذُ من العاقلة في السَّنَةِ.
ومنها: دِيَةُ الأَطرَافِ، وأُرُوشُ الجِرَاح، فيها وجه أنها تُضرَبُ في سَنَةٍ واحدة، قلَّت أو كَثُرَتْ؛ تَفْرِيعًا على أن المَرْعِيَّ في التأجيل ثَلَاثَ سنين كَوْنُ الوَاجِبِ بَدَلَ نَفْسٍ، وهذا ما حكاه الإِمَامُ عن رواية شيخه أبي مُحَمَّدٍ، قال: ولست أَعْتَدُّ به، وإن تكرر سَمَاعي [له] (٦) منه، والصحيح: أنه يُنْظَرُ إن كان الوَاجِبُ قَدْرَ ثلث الدية، أو أقل،
_________________
(١) في ز: فتزداد.
(٢) في ز: تتساوق.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: فيجمع.
(٥) سقط في ز.
(٦) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٨٩ ]
فتضرب في سنة، سواء فيه الحُكُومَاتُ والمُقدَّرَاتُ. وإن كان الوَاجِبُ أَكْثَرَ من الثلث، ولم يزد على الثلثين، كَقَطْعِ إحدى اليدين، فَتُضْرَبُ في سنتين، يُؤْخَذُ في آخر السنة الأُولَى ثُلُثُ الدية، وفي آخر السَّنَةِ الثانية الباقي.
وإن كان أَكْبَرَ من الثلثين، ولم يزد على دِيَةِ النفس كما في قَطْعِ اليَدَيْنِ، فَيُضْرَبُ الوَاجِبُ في ثلاث سنين.
أما إذا اعْتَبَرْنَا المِقْدَارَ، فلأن الواجب في قَطْعِ اليدين قَدْرُ الوَاجِب في النفس، أما إذا اعْتَبَرْنَا كَوْنَ الواجب بَدَلَ النَّفْسِ، فلأن الوَاجِبَ في اليَدَيْن، وإن لم يكن بَدَلَ النفس، لكنه كَبَدَلِ النَّفْسِ في القَدْرِ والجِنْسِ، فكذلك في المُدَّةِ. وإن زاد على دِيَةِ النَّفْسِ، كما إذا قطع يَدَيهِ ورِجْلَيهِ، فإن اعْتَبَزنَا المِقْدَارَ، ضَربْنَا الوَاجِبَ في ست سنين.
وإن اعتبرنا حُرْمَةَ النَّفْسِ فوجهان:
أظهرهما: أن الواجب كذلك؛ لأنه بَلَغَ الوَاجِبُ دِيَتَيْنِ، فإذا ضَرَبْنَا مِقْدَارَ دية (١) في ثلاث سنين، وجب أن تَضعُفَ المُدَّةُ في مقدارِ دِيَتَيْنِ.
والثاني: لا تزاد المُدَّةُ على الثَّلاَثِ؛ لأن الأَطْرَافَ تَابِعَةٌ للنَّفْسِ، فلا تزاد مُدَّةُ بَدَلِهَا، وَبَدَلُ يَدَي المرأة كَبَدَلِ نَفْسِهَا، وبدل إحدى يديها يضرب في سنة واحدة بلا خلاف.
وقوله في الكتاب: "وهي مَائَةٌ من الإِبِلِ" مسْتَغْنى عنه في هذا المَوْضِعِ؛ لوضوحه، وتَبَيُّنِهِ (٢) بما مَرَّ.
وقوله: "فلو وجب مَائتَانِ من الإِبِلِ" أي: قَدْرُ مائتين بالقيمة.
وقوله: "وقلنا يحمل" إشَارَةٌ إلى الخِلاَفِ في أن بَدَلَ العَبْدِ، هل تحمله العَاقِلَةُ؟ وليعلم قوله: "تحمل" بالميم والألف لما بَيَّنَّاهُ.
ونَظْمُ الكتاب يَقتَضِي تَرْجِيحَ الضَّرْبِ في ثلاث سنين، ويُحْكَى اختياره عن القاضي أبي حَامِدٍ. والأَشْبَهُ بما قتل في سائر اَلصور تَرْجِيحُ الوَجْهِ الآخر.
وقوله: "وتضرب دِيَةُ اليَهُودِيِّ في سَنَةٍ" مُعْلَمٌ بالألف، ويجوز أن يُعْلَمَ بالحاء؛ بناء على أن عنده ديته كدية المسلم.
وقوله: "وَدِيَةُ المرأة في سَنَتَيْنِ" بالحاء والألف.
وقوله: "نظرًا إلى القتل أو إلى أن الثلاثة الأنْفُسِ"؛ أشَارَ به إلى ما ذَكَرْنَا أنها مَضْرُوبَةٌ في تسع سنين، إن اعتبرنا القدر، وكذا إن لم نَعْتَبِرْهُ على وجه؛ لأن النُّفُوسَ لا
_________________
(١) في ز: ديتين.
(٢) في ز: وتبييه.
[ ١٠ / ٤٩٠ ]
تكون كَنَفْسٍ واحدة في المُدَّةِ، كما أنها ليست كَنَفْسٍ واحدة في البَدَلِ.
وقوله: "كَنَفْسِهِ" مُعْلَمٌ بالواو، وكذا قوله: "في سَنَتَيْنِ".
وقوله: "لعدم النَّفْسِ ونُقْصَانِ القَدْرِ" معناه ما مَرَّ أن التَّأْجِيلَ في ثلاث سنين يراعى (١) فيه العَدَدُ، أو كَوْنُ الواجب بَدَلَ النفس، ويستمر على المعْنَيَيْنِ بألاَّ يُؤَجَّلَ بَدَلُ اليد الواحدة ثلاث سنين. وقوله: "فهو كَقَتْلِ نَفْس" أي: في مَجِيءِ الوجهين في أنه يضرب في ثلاث سنين، أو في سِتٍّ.
قال الإِمام: وهذه الصُّورَةُ تُشْبَهُ من وَجْهٍ قَتْلَ نَفْسَيْنِ لوجوب دِيَتَيْنِ، ومن وجه تُفَارقُهُ؛ لأن كل نفس مُمَيَّزةٌ عن غيرها، وبَدَلُ اليَدَيْنِ والرجلين، وإن بلغ قَدْرَ ديتين، فهو مُتَعَلَّقٌ بشخص واحد.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرُ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَالغَائِبُ هَلْ يَلْتَحِقُ بِالْمَعْدُومِ فِيهِ قَوْلاَنِ وَنعْنِي بِهِ غَيْبَةَ تَمْنَعُ التَّحْصِيلَ في سَنَةٍ، وَأَوَّلُ الحَوْلِ يُحْسَبُ مِنْ وَقْتِ الرَّفْعِ إلَى القَاضِي سَوَاءَ شَعَرَ بِهِ العَاقِلَةُ أَوْ لَمْ تَشْعُرْ، لاَ مِنْ وَقْتِ الجِنَايَةِ، وَلَوْ سَرَتْ الجِنَايَةُ بَعْدَ الدَّفْعِ فَحَوْلَ أَرِشْ السِّرَايَةَ مِنْ وَقْتِ السِّرَايَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلَاثُ مسائل:
إحداها: إذا مات في أَثْنَاءِ السَّنَةِ بَعْضُ العَاقِلَةِ، لم يؤخذ من تَرِكَتِهِ شيء؛ اعتبارًا بآخِرِ الحَوْلِ كالزَّكَاةِ، بخلف ما إذا مات الذِّمِّيُّ في خلال الحَوْلِ، هل يجب قِسْطُ ما مَضَى من الجِزْيَةِ؟ فيه خلاف. والفرق أن الجِزيَةَ كالأُجْرَةِ بدار الإِسْلاَمِ على ما سَنُبَيِّن في مَوْضِعِهِ إن شاء الله تعالى.
وههنا مُبَاحَثَةٌ للإمام قال: لا يمكن أن يقال: حِصَّةُ الحَوْلِ من الدِّيَةِ لا تجب إلا من آخر الحَوْلِ؛ لأن مُوجِبَ الدِّيَةِ القَتْلُ، وأنه مُتَقَدِّمٌ، ولو كانت وَاجِبَةً على العاقلة، وكان ضَرْبُ الأَجَل للتخفيف، وجب ألا يسقط بالموت، وأن يَحِلَّ الأَجَلُ، كما في سائر الدُّيُونِ، فيشبه أن يقال: الدِّيَةُ وَاجِبَةٌ في الحال، ولكن لا يُضَافُ وُجُوبُهَا إلى العَاقِلَةِ على التَّعْيِينِ، بل ينظر [إلى] آخر الحَوْلِ، فإن كانوا بِصِفَةِ التَّحَمُّلِ تَبَّينَ أن الوجوب عليهم، وإلا تَبَيَّنَ تَعَلُّقُ الوجوب بِبَيْتِ المال، أو الجاني، إذا لم يكن في بيت المال قال، ولو مات بعض العَاقِلَةِ بعد تَمَامِ الحَوْلِ، مع كونه بصفة التَّحَمُّلِ لم يسقط ما وَجَبَ عليه، واستوفى من تَرِكَتِهِ، كما في سائر الدُّيُونِ.
_________________
(١) في أ: يرعى.
[ ١٠ / ٤٩١ ]
وقال أبو حَنِيْفَةَ: يسقط.
المسألة الثانية: إن كانت العَاقِلَةُ حَاضِرِينَ في بَلَدِ الجِنَايَةِ، ضربت الدِّيَةُ عليهم على تَرْتِيبِهِمُ الذي سَبَقَ، وإن كانوا غَائِبِينَ لم يستحضروا، ولا انتظر حضورهم.
لكن إن كان لهم هناك مَالٌ أُخِذَ منه، وإلا فالقَاضِي يَحْكُمُ عليهم بالدِّيَةِ على تَرْتِيبِهِمْ، ويكتب بذلك إلى قاضي بَلَدِهِمْ؛ لِيَأْخُذَهَا لأن شاء حَكَمَ بالقَتْلِ، وكتب إلى قاضي بَلَدِهِمْ ليحكم عليهم بالدِّيَةِ، ويأخذها منهم.
وإن كان بعضهم حَاضِرًا، وبعضهم غَائِبًا، نُظِر إن كانوا مُسْتويين في الدَّرَجَةِ؛ فَهَلْ يُقَدَّمُ من حَضَر؟
فيه قولان:
أحدهما -وبه قال مالك-: نعم؛ لاخْتِصَاصِهِمْ بقرب الدَّارِ، كما يقدم المُخْتَصُّونَ بقرب القَرَابَةِ.
وأيضًا فالنُّصْرَةُ إنما تَتَأتَّى للحاضرين، والتحمل نوع نُصْرَةِ؛ وأيضًا ففي الضَّرْبِ على الغائبين مَشَقَّةٌ، وقد يَنْقَطِعُ الطريق، فَيَتأَخَّرُ التَّحْصِيلُ أو يَتَعَذَّرُ.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد: لا، بل تُضْرَبُ على الكل لاسْتِوَائِهِمْ في العُصُوبَةِ والميراث، وعلى هذا فالحكم كما لو كانوا جَمِيعًا حاضرين أو غَائِبِينَ.
وإذا قلنا بِتَقْدِيمِ الحاضرين، فإذا لم يكن منهم وَفَاءٌ:، فَلاَ بُدَّ من ضَرْبِ الباقي على الغائبين، والطريق كتاب القاضي كما سَبَقَ.
وإذا اختلف بِلاَدُهُم قُدَّمَ الأَقْرَبُ داراَ فالأَقْرَبُ، هكذا أَوْرَدَ القولين أكثرهم.
وفي "التتمة" نَصْبُ الخِلاَفِ في أنه هل يَجُوزُ تَخْصِيصُ الحاضرين؟ قال: والخلاف يَتَفَرَّعُ على أنه لو كَانَتِ العَاقِلَةُ كلهم حاضرين لا يَجْوزُ تَخصِيصُ بعضهم بالضَّرْبِ عليه، فإن جَوَّزْنَا، فيجوز تَخْصِيصُ الحَاضِرِينَ بلا خِلاَفٍ.
وإن كانوا مختلفين في الدَّرَجَةِ، فإن كان الحاضرون الأَقْرَبِينَ وزّعَ عليهم، فإن لم يَفِ بالواجب كتب الباقي، وإن كان الحاضرون الأَقْرَبِينَ وزع عليهم، فإن لم يَفِ بالوَاجِبِ، كتب القاضي لما بقي، وإن كان الحاضرون الأَبْعَدِينَ، وفي تَخْصِيصِ الحَاضِرِينَ طريقان:
أشبههما: طَرْدُ الخلاف؛ لأن الضَّرْبَ عليهم أَيْسَرُ، ووصول المستحق إلى حَقِّهِ أقْرَبُ، ويروى هذا عن أبي علي الطَّبَرِيَّ والصَّيْدَلاَنِيِّ، وهو الذي أوْرَدَهُ صاحب "المهذب".
[ ١٠ / ٤٩٢ ]
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حَامِدٍ والعراقيون-: القَطْعُ بالضَّرْب على الأقربين، وإن بعدت دَارُهُم؛ لأنهم أَقْوَى عُصُوبَةً، وَأَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ والنُّصْرَةِ.
وقوله في الكتاب: "والغائب هل يَلتَحِقُ بِالمعْدُومِ؟ فيه قولان": يقتضي طَرْدَ الخلاف فيما إذا اسْتَوَى الحَاضِرْونَ والغائبون في الدَّرَجَةِ، وفيما إذا كان الغائبون الأَقْرَبِينَ، وهو أَحَدُ الطريقين عند اختلاف الدَّرَجَةِ على ما حَكَيْنَاهُ، ثم ليس الخِلافُ في الالْتِحَاقِ بالعَدَمِ على الإِطْلاَقِ، بل في أن الحاضر (١) هل يَتَعيَّنُ الضَّرْبُ عليه أو لا؟ كما لو كان الغائب مَعدُومًا؛ لأنا وإن قَدَّمْنَا الحاضر، فإذا بَقِيَ شَيْءٌ من الواجب، نَأْخُذُهُ من الغائب، فلا يكون كالمَعْدُومِ من كُلِّ وَجْهٍ.
وقوله: "ونعني به غيبة تمنع التَّحْصِيلَ في سَنَةٍ"، يعني بالمُكَاتَبَةِ إلى القاضي والنظم. هاهنا، وفي "الوسيط" يُشْعِرُ بتخصيص الخلاف بما إذا كانت المَسَافَةُ بحيث لا يمكن التَّحْصِيلُ منها في سَنَةٍ، حتى إذا كانت دون ذلك لا يقدم الحاضر بلا خلاف.
وكَلاَمُ الشَّافعي -﵁- والأصْحَاب لا يُسَاعد عليه؛ فإنهم فرضوا (٢) فيما إذا كان القَاتِلُ بـ"مكة"، والعاقلة بـ"الشام"، وحكوا فيه الخلاف.
الثالثة: ابتداء المُدَّةِ في دِيَةِ النفس من وقت الزُّهُوقِ، سواء قتل بِجَرَاحَةٍ مُذَفّفَةٍ، أو بِسَرَايَةٍ من قَطْعِ عُضْوٍ، أو جِرَاحَةٍ أخرى.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: يعتبر ابتِدَاءُ المُدَّةِ من وقت حُكْم الحاكم بالدية على العَاقِلَةِ، حتى لو مَضَتْ ثلاث سنين، ثم تَرَافَعُوا [يَفْتَتِحُ] (٣) الحَاكِمُ ضَرْبَ المدة.
واحتج الأَصْحَابُ بأن الدِّيَةَ مَالٌ يَحِلُّ بانقضاء الأَجَلِ، فيكون ابتداء الأَجَلِ وَقْتَ وجوبه كَسَائِرِ الديون المُؤَجَّلَةِ. هذا ما يُوجَدُ لأئمة الأصحاب على اختلاف طَبَقَاتِهمْ.
وفي الكتاب أن ابْتِدَاءَ الحَوْلِ من وقت الرَّفْع إلى القاضي، وكذا ذكر في "الوسيط"، وعلّلَ بأن هذه مُدَّةٌ تُنَاط بالاجتهاد، وصاحب الكتَاب كالمُنْفَرِدِ بِنَقْلِ ما ذكره عن المذهب، حتى إن الإِمام سَاعَدَ الجُمْهُورَ على رِوَايَاتِهِمْ، أن المدة تُحْسَبُ من وقت المَوْتِ.
نعم قال في "البيان" بعد ما حَكَى المَذْهَبَ الظَّاهِرَ، ونسبه للعراقيين (٤)، وقال أصحابنا الخُرَاسَانيُّونَ: الابتداء من حين الرَّفْع إلى القاضي، ويمكن أن يعني به صاحب الكتاب (٥).
_________________
(١) في أ: الحاصل.
(٢) في أ: صوروا.
(٣) سقط من ز.
(٤) في ز: إلى العراقيين.
(٥) قال في الخادم: إنما أراد صاحب البيان به صاحب الإبانة، وقد ذكر ابن الرفعة أنه موجود في الإبانة ومنه أخذ الغزالي واعترضه في المهمات بأن الذي فيها موافقة الجمهور وحكاية هذا عن =
[ ١٠ / ٤٩٣ ]
وقوله: "شعر به العَاقِلَةُ أو لم يشعر" قد يفهم أن المُرَادَ من الرفع مُجَرَّدُ انتهاء الحَالِ إلى القاضي، كما يفعله طَالِبُ الشُّفْعَةِ، والرَّادُ بالعَيْبِ.
فأما الحكم عليهم بالدِّيَةِ، فلا يكون دون إحْضَارِهِمْ، وشعورهم، إلا أن يَفْرِضَ غَيْبَتَهُمْ. فأما الواجب في الجِنَايَةِ على ما دون النَّفْسِ، فإن لم تَسْرِ من عُضْوٍ إلى عُضْوٍ، وانْدَمَلَتْ، فابتداء المُدَّةِ من وقت الجِنَايَةِ؛ لأن الوُجُوبَ يَتَعلَّقُ بها، وبالانْدِمَالِ يَتَبيَّنُ اسْتِقْرَارُهَا.
قال الإمامُ: ولا يعتبر انْدِمَالُ الجِرَاحَةِ، وإن كُنَّا قد نقول: لا مُطَالَبَةَ (١) بالدِّيَةِ قبل الانْدِمَالِ؛ لأن التَّوَقُّفَ في المُطَالَبَةِ؛ ليتبين مُنْتَهَى الجِرَاحَةِ (٢)، وابْتِدَاءُ المدة ليس وَقْتَ طَلَبٍ، فلا (٣) يقاس صَرْفُ المدة بالمُطَالَبَةِ، فإن انقضت سَنَةٌ، والجِرَاحَةُ لم تَنْدَمِلْ بَعْدُ، ففي مُطَالَبَةِ العَاقِلَةِ الخِلاَفُ في مُطَالَبَةِ الجاني، إذا كان عَامِدًا.
وفي "جَمْعِ الجوامع" للروياني أن أبا الفيَّاضِ ذَهَبَ إلى احْتِسَاب المدة من وَقْتِ الانْدِمَالِ. وإن سَرَتْ من عُضْوٍ إلى عُضْوٍ، كما إذا قَطَعَ أُصْبُعَهُ، فَسَرَتْ (٤) إلى الكَفِّ، ففيه أوجه:
أحدها: أن ابْتِدَاءَ المُدَّةِ من وقت سُقُوطِ الكفِّ، فإنه نِهَايَةُ الجِنَايَةِ، وقطع الأصبع مع السِّرَايَةِ كقَطْعِ الكفِّ.
والثاني: أن الابتداء من وَقْتِ الانْدِمَالِ لا من وَقْتِ قَطْع الأصبع، ولا من وقت سُقُوطِ الكَفِّ؛ لأن الجِرَاحَةَ لم تَقِفْ على مَحَلِّهَا، بل سَرتْ، فتعتبرَ المدَّةُ من نِهَايَةِ أَثَرِهَا.
والثالث: أن مُدَّةَ أُرْشِ الأصبع من يوم القَطْعِ، كما لو لم يَسْرِ، ومدة أَرْش الكفِّ من يوم سُقُوطِ الكَفِّ.
والمذكور في "التهذيب" الأول، وفي تَعْلِيق الشيخ أبي حَامِدٍ، وكُتُب أصحابه الثاني، ويحكي الثَّالِثُ عن اختيار القَفَّالِ.
_________________
(١) = أبي حنيفة قال صاحب الخادم: رأيت في نسخة قديمة من الإبانة الجزم به من غير ذلك خلاف ثم ساق لفظ النسخة التي وقف عليها ثم قال. وهذه هي نظير النسخة التي وقف عليها صاحب البيان وابن الرفعة، ثم اعترض صاحب الخادم على الرافعي فيما ادعاه الموجود للأصحاب القطع بالزهوق ويقتضي الاتفاق عليه وليس كذلك ففي تعليق القاضي الحسين أن إذا حصل الموت بالسراية بأن اصبعه فسرى إلى نفسه ومات ففي ابتداء الأجل ثلاثة أوجه: أحدها: من وقت الجراحة لأن سبب الوجوب هو الجرح. والثاني: من وقت الزهوق. والثالث: إن ابتداء دية الأصبع من وقت قطعه والباقي من وقت الزهوق.
(٢) في ز: يطالبه.
(٣) في أ: الحاجة.
(٤) في أ: ولا.
(٥) في ز: فسرى.
[ ١٠ / ٤٩٤ ]
وحُجَّة الإِمام والقاضي الرُّوَيانِيَّ (١)، وهو ما أَوْرَدَهُ في الكتاب بعد ما جَرَى على تَفَرُّدِهِ، فقال: "فلو سَرَتِ الجِرَاحَةُ بعد الرَّفْعِ تحول أَرْشُ السراية من وقت السِّرَايَةِ" والله أعلم. وفي الدِّيَاتِ وراء ما ذكرناه صُوَرٌ ومَسَائِلُ هذا مَوْضِعُ ذكرها:
القَاتِلُ خَطَأً لا يحمل من الدِّيَةِ (٢) شيئًا. وقال أبو حَنِيفَةَ: يكون كأحد العَاقِلَةِ.
لنا: ما رُوِيَ أنه -ﷺ- قضى بالدِّيَةِ على عَاقِلَةِ الجَانِي، وذلك يقتضي كَونَ الجميع عليهم.
من قتل نفْسَهُ عَمْدًا أو خَطَأً، فهو مُهْدرٌ، وكذا لو قَطَعَ طَرَفَ نَفْسِهِ، وقال أحمد: تجب الدِّيَةُ في الخَطأِ على عَاقِلَتِهِ في النَّفْسِ لِورَثَتِهِ، وفي الطَّرَفِ له.
لنا: أن الدِّيَةَ تجب لِلْمَقْتُولِ أو المقْطُوعِ، بدليل قَضَاءِ دُيُونِهِ، وتنفيذ وَصَايَاهُ منها.
فلا تجب للإنسان بِجِنَايَتِهِ في حَقِّ نفسه شَيْءٌ، كما لو أَتْلَفَ مَالَهُ جناية الصَّبِيَّ والمَجْنُونِ محْمُولَة إذا كانت (٣) خَطَأَ أو شِبْهَ عَمْدٍ، وكذا إذا كانت عَمْدًا، إذا قلنا: إن عَمْدَهُمَا خَطَأٌ.
وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، والأَصَحُّ أنه عَمْدٌ.
إذا حَلَّ نَجْمٌ من الدِّيَةِ، ولا إِبِلَ في البَلَدِ، قُوِّمَتْ يومئذ، وأُخِذَتْ قِيمَتُهَا، ولا يُعْتَبَرُ بَعْضُ النجوم ببعض.
في فَتَاوَى صاحب "التهذيب" أنه لو حَفَرَ بِئْرًا في مَحَلِّ عدوان، ثم أحكم رَأْسَهَا، ثم جاء آخر، وفَتَحَهُ، فوقع فيها إِنْسَانٌ وتَلفَ، فالضَّمَانُ على فاتح الرَّأْسِ.
ولو أحكم رَأْسَهُ مُحْتَسِبٌ، ثم جاء ثالث، وفَتَحَهُ، فالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بالثالث كما لو طَمَّهُ (٤)، فجاء آخر وحَفَرَهَا ثَانِيًا.
وأنه لو تَرَدَّتْ بَهِيمَة في بِئْر عدوان، ولم تَتأَثَّرْ بالصَّدْمَةِ، وبقيت فيها أيَّامًا، فماتت جُوعًا وعَطَشًا، فلا ضَمَانَ على الحَافِرِ لحدوث سَبَبٍ آخر، كما لو جاء سَبُعٌ، فَافْتَرَسَهَا في البِئْرِ.
_________________
(١) قال الزركشي: ميل الرافعي في الشرح الصغير إلى الثالث. ثم قال إن الجمهور على ترجيح الثاني وهي طريقة العراقيين ونقله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن الأصحاب. وقال في التتمة: إنه المذهب واختار الغزالي في البسيط وأقر المصنف في تصحيح التنبيه الشيخ عليه. انتهى وقال الشيخ البلقيني في تصحيح المنهاج إن الأرجح الثالث.
(٢) في ز: والدية.
(٣) في ز: كان.
(٤) في ز: حطمة.
[ ١٠ / ٤٩٥ ]
وأنه إذا كان يَتَقَاتَلُ رجلان، فرمى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فسقط بِصَوْلَتِهِ، وهَلَكَ لم يَجِب له ضَمَانٌ. وإن سقط بِصَوْلَتِهِ وضَرَبَهُ صَاحِبُهُ، وَجَبَ نِصْفُ الضمان.
وأنه لو شَدَّ عُنُقَ أحد بَعِيرَيْهِ بالآخر، وتَرَكَهُمَا في المَسْرَح، فدخل بَعِيرٌ لآخر بينهما، فَهَلَكَ من جَذْبَةِ الحَبْلِ أَحَدُ البعيرين، فلا ضَمَانَ، إلا أن يكون ذلك البَعِيرُ معروفًا بالعَضِّ والإِفْسَادِ.
وإن من نصفه حُرٌّ، ونصفه رَقِيقٌ إذا قَتَلَ خَطأً يجب نِصْفُ الدية على عَاقِلَتِهِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ جَنَى العَبْدُ فَأَرْشُهُ يَتَعَلَّقُ بِرقْبَتِهِ، وَهَلْ يتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ حَتَّى يُطَالَبَ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ تَعلَّقَ فَهَلْ يَصِحُّ ضَمَانُهُ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ الفِدَاءَ فَلَهُ ذَلِكَ وَلاَ يَلْزَمُهُ إلاَّ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ العَبْدِ أَوْ أَرْشُ الجِنَايَةِ في أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: اختَرْتُ الفِدَاءَ لَمْ يَلزَمْهُ مَا لَمْ يُسْلِمْ في أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما كان هذا القسم مَسُوقًا لِبَيَانِ من عَلَيهِ الدِّيَةُ، وقد بَانَ فيه أن المَالَ الوَاجِبَ بِجِنَايَةِ الحُرِّ يجب عليه إن كانت الجِنَايَةُ عَمْدًا، وعلى عاقلته إن كانت خَطَأً أو شِبْهَ عَمْدٍ حَسُنَ تعْقِيبُهُ بِبَيَانِ أن المَالَ الواجب بِجِنَايَةِ الرقيق بمن يَتَعلَّقُ فَنَخْتِمُ القِسْمَ بفصلين:
أحدهما: في جِنَايَةِ القِنِّ.
والثاني: في جناية المُسْتوْلَدَةِ.
أما الفصل الأول، فهذا جَنَى العَبْدُ جِنَايَةً تُوجِبُ المَالَ، أو توجب القِصَاصَ، ورجع الأمر بالعِتْقِ إلى المال تَعلَّقَ المَالُ الواجب بِرَقَبَتِهِ، حتى تؤدي منها (١)؛ وذلك لأنه لا يُمْكِنُ إِلْزَامُ جِنَايَتِهِ السَّيِّدِ؛ لأنه إِضْرَارٌ به، والجاني العَبْدُ لا السَّيِّدُ، ولا يمكن أن يقال: إنه يكون في ذِمَّتِهِ إلى أن يعتق ويُوسِرَ؛ فإنه تَفْوِيتٌ للضمان، أو تَأْخِيرٌ لا إلى غَايَةٍ مَعْلُومَةِ، وفيه ضَرَرٌ ظاهر، ويخالف ما إذا عَامَلَهُ إنسان بِإِقْرَاضٍ وغيره، فإنه رِضَى يكون الحَقَّ في ذِمَّتِهِ، فجعل التَّعَلُّق بالرَّقَبَةِ طَرِيقًا وَسَطًا في رعاية (٢) الجانبين ويروى عن ابن عَبَّاس -﵄- أنه قال: "إن العَبْدَ لا يغرم سيده فوق نَفْسِهِ شيئًا" (٣).
_________________
(١) محل ما ذكره الشيخ في العبد المميز فأما من لا تمييز له وأمره بذلك آمر ففعل فلا يتعلق الأرش برقبته.
(٢) في ز: غاية.
(٣) أخرجه البيهقي من حديث مجاهد عند هذا، وزاد: وإن وإن المجروح أكثر من ثمن العبد فلا يزاد عليه.
[ ١٠ / ٤٩٦ ]
وهل يَتَعلَّقُ مع ذلك بِذمَّتِهِ؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، كالمال الوَاجِبِ في جِنَايَةِ الحر، وللعبد ذِمَّةٌ، بدليل أنه لو اسْتَقْرَضَ مَالًا، وأَتْلَفَهُ يثبت البَدَلُ في ذِمَّتِهِ.
وعلى هذا فالرَّقَبَةُ مَرْهُونَةٌ بالحَقِّ الثابت في الذِّمَّةِ.
وأصحهما: ويُنْسَبُ إلى الجديد المَنْعُ؛ لأنه لو تَعَلَّقَ بالذِّمَّةِ كما تَعَلَّقَ بالرقبة كديون المُعَامَلاَتِ التي تَثْبُتُ في ذِمَّتِهِ.
وقد يقال في المسألة وجهان بَدَلًا عن القولين. وسَبَبُ التَّرَدُّدِ على ما أَشَارَ إليه الإمَامُ أنهما ليسا مَنْصُوصَيْنِ، لكنهما مُسْتَنْبَطَانِ من أصول وقَوَاعِدَ للشافعي -﵁-، فعبر مُعبِّرُونَ عنهما بقولين، وآخرون بوجهين.
وإذا حكمنا بالتَّعَلُّق بالذِّمَّةِ، فهذا بقي شَيْءٌ بعد صَرْفِ ثَمَنِهِ إلى الأَرْشِ اتبع به بعد العِتْقِ، وكذا لو ضاع (١) الثَّمَنُ قبل أن يصرف إلى المجني عليه يطالب بالكُلِّ، وهل يَجُوزُ أن يَضْمَنَهُ أَجْنَبِيٌّ؟
قال الإِمام: فيه تَرَدُّدٌ عندي، مَأْخُوذٌ من كلام الأئمة.
أحد الوجهين (٢) أنه لا يَصِحُّ ضَمَانُهُ؛ لأنا وإن أَطلَقْنَا ثُبُوتَهُ، فهو على تقدير التَّوَقُّعِ، ولا اسْتِقْرَارَ له في الحال.
وأظهرهما: الصِّحَّةُ، كما يصح الضَّمَانُ عن الميت المُعْسِرِ وبل أولى (٣)؛ لأن للعبد رَجَاءَ العِتْقِ واليَسَارِ، وآمَالُ الميت مُنْقَطِعَةٌ، فضمان ما يلزم ذِمَّتَهُ من ديون المُعَامَلاَتِ أَوْلَى بالصِّحَّةِ، ولا خِلاَفَ في أنه يَصِحُّ ضمان ما يتعلَّق بِكَسْبِهِ كالمَهْرِ في النِّكَاحِ الصحيح.
ولو قال السيد: ضَمنْتُهُ، فقد رَتبهُ الإِمام على الخِلاَفِ فيما إذا ضَمِنَ الأَجْنَبِيُّ، وجعله أَوْلَى بالصحة؛ لتعلقه بِملْكِهِ.
إذا تَقَرَّرَ ذلك، فالعَبْدُ الذي تَعَلَّقَ المال بِرَقَبَتِهِ لا يَصِيرُ مِلْكًا للمجني عليه، ولكن السَّيِّدَ بالخِيَارِ بين أن يَبِيعَهُ بنفسه، أو يسلمه للبيع، وبين أن يَسْتَبْقِيَهُ، ويَفْدِيَهُ، ويكون المَالُ المَنْدُولُ منه فِدَاءً، كالثمن الذي يَبذُلُهُ غيره.
وإذا سَلَّمَهُ للبيع، فإن كان الأَرْشُ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ بِيعَ جَمِيعُهُ، وإلا فَيُبَاعُ بِقَدْرِ الحاجة إلا أن يَأْذَن السيد في بَيْعِ الجميع، فيؤدي الأَرْشَ، ويكون الباقي له، وكذا
_________________
(١) في ز: أضاع.
(٢) في ز: القولين.
(٣) في ز: بالأولى.
[ ١٠ / ٤٩٧ ]
يكون الحُكْمُ لو لم يوجد من يَرْغَبُ في شراء (١) البَعْضِ، وأراد السيد أن يَفْدِيَهُ بأقل الأَمْرَيْنِ من قيمته، وأَرْشِ الجِنَايَةِ؛ لأنه إن كانت قِيمَتُهُ أَقَلَّ، فليس على السَّيِّدِ إلا تسليم رَقَبَتِهِ، فإذا لم يسلم لم تَتَوجَّهِ المُطَالَبَةُ إلا بالقِيمَةِ، وإن كان الأرْشُ أَقَلَّ، فليس للمجني عليه إلا ذلك. والقديم ويُرْوَى عن أبي حَنِيْفَةَ أنه يَفْدِيهِ بالأرْشِ بَالغًا ما بَلَغَ؛ لأنه لو سلم العَبْد، وعرض على البيع ربما اشترى بأكثر من قيمته، وربما بُنِيَ القَوْلاَنِ على الخِلاَفِ في أن الأَرْش هل يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ.
إن قلنا: لا، فالتعلق مُنْحَصِرٌ في الرَّقَبَةِ، فلا يلزم بمنعها إلا بَدَلَهَا.
وإن قلنا: نَعَم، فجميع الأَرْشِ وَاجِبٌ، والرقبة مَرْهُونَةْ به، وإنما يَنْفَكُّ الرَّهْنُ إذا قضى جميع الدين.
ولم يَرْتَضِ الإِمَامُ هذا البِنَاءَ؛ لأنه رَأَى الأَظْهَرَ تَعَلُّقَهُ بالذِّمَّةِ.
والأَصَحُّ باتفاق الأصْحَابِ أنه إنما يلْزَمُ الفِدَاءُ بالأقل، فلا ينتظم البِنَاءُ.
لكن الأصح عند أكثرهم أنه لا يَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ، وينتظم البِنَاءُ، ثم في "التهذيب" أن النص أنه تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يوم الجِنَايَةِ، وأن القَفَّالَ قال: وجب أن يعتبر قيمته يوم الفِدَاءِ (٢)؛ لأن ما نَقَصَ قبل ذلك لا يُؤْخَذُ به السَّيِّدُ، ألا تَرَى أنه لو مات قبل احْتِمَالِ الفِدَاءِ لم يَلْزَم السَّيِّدَ شَيْءٌ، وحمل النَّصّ على ما إذا سَبَقَ من السيد المَنْعُ من بيعه (٣) حَالَةَ الجِنَايَةِ، ثم انتقصت القيمة.
ولو جنى العَبْدُ، فَفَدَاهُ السيد، ثم جَنَى مَرَّةً أخرى، فأما أن يسلمه ليباع أو يَفْدِيَهُ مَرَّةً أخرى، وإن كانت الجِنَايَةُ الثانية قبل الفِدَاءِ، فإن سَلَّمَهُ للبيع بيعَ، وَوُزَّع الثَّمَنُ على أرْشِ الجِنَايَتَيْنِ (٤)، وإن اختار الفِدَاءَ فداه على الجديد (٥) بالَأقَلِّ من القيمة ومن الأَرْشَيْنِ، وفي القديم (٦) با لأرْشَيْنِ.
_________________
(١) في ز: شرى.
(٢) وهذا الذي قاله القفال متجه وقضيته أنه لو حمل من السيد بيع وزادت قيمته أن النظر إلى وقت الفداء لتعلق حق المجني عليه بالزيادة وفي صورة الجنايتين إذا لم يتخللهما فداء كيف يفديه؟ ينظر إن حصل منه بيع الأول من البيع وكانت قيمته يوم الجناية أكثر فداء ثم نقضت قيمته ضارب الأول بأقل الأمرين من قيمة يوم الجناية ومن الأرش ويشارك الثاني بقيمته يوم الجناية عليه والأرش ثم يصرف إليهما قيمته على هذه النسبة.
(٣) في ز: معه.
(٤) قال الشيخ البلقيني في تصحيح المنهاج، محل هذا إذا لم يمنع من بيعه مختارًا للفداء، فإن منع لزمه أن يفدي كلًا منهما كما لو كان منفردًا صرح بذلك الرافعي جازمًا به في الكلام على جناية المستولدة.
(٥) في ز: القديم.
(٦) في ز: السيد.
[ ١٠ / ٤٩٨ ]
وكذلك الحكم لو كان قد سَلَّمَهُ لِلْبَيْع، فجنى جِنَايَةً أخرى قبل أن يُبَاعَ، ولو قَتَلَ العَبْدَ الجَانِي أو أَعْتَقَهُ أو باعه، وقلنا بِنُفُوذِهِمَا، أو اسْتَوْلَدَ الجَارِيَةَ الجَانِيَةَ، فعليه الفِدَاءُ، وما الذي يلزمه؟ فيه (١) طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأصحهما: أنه لا يَلْزَمُهُ إلا الأَقَلُّ؛ لِتَعَذُّرِ البَيْعِ وبُطْلاَنِ تَوَقُّعِ الزِّيَادَةِ.
ولو مات العَبْدُ الجَانِي، أو هَرَبَ قبل من يطالب السيد بتسليمه، فلا شَيْءَ على السَّيِّدِ، وكذا لو طُولِبَ، ولم يمنعه وإن طُولِبَ فَمَنَعَهُ، صار مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ.
قال في "التهذيب": ولو قتل العَبْد، فللسيد أن يَقْتَصَّ، وعليه الفِدَاءُ للمجني عليه، ويجوز أن ينظر في وُجُوب الفِدَاءِ عليه إلى أن مُوجِبَ العَمْدِ القِصَاصُ، وأَحَدُ الأَمْرَيْنِ، وإن كان القَتْلُ موجبًا للمال تَعَلَّقَ حَقُّ المجني عليه بِقِيمَتِهِ، وإذا أخذت تَخَيَّرَ السَّيِّدُ في تَسْلِيمِ فيها، وتسليم بَدَلِهَا من سائر أمواله تَخَيُّرَهُ في رَقَبَةِ العَبْدِ، وإذا لزم الفِدَاءُ بعد موت العبد أو قبله، ففيما يَفْدِيهِ؟ الطريقان المذكوران فيما إذا قتل العبد، أو أعتقه لحصول اليَأْسِ عن بيعه بما يزيد (٢) على قِيمَتِهِ.
ولو قال السَّيَّدُ: اخترت الفِدَاءَ، فهل يَلْزَمُهُ الفِدَاءُ، أم يجوز له الرُّجُوعُ، ويسلم العبد، لِيُبَاعَ؟ فيه وجهان:
ظاهر المذهب، وهو المذكور في "التهذيب" أنه لا يلزمه الفِدَاءُ (٣)، ويبقى الخِيَارُ، وأَجْرَى الإمَامُ الخِلاَفَ (٤) فيما إذا قال: أنا أَفْدِيهِ، وهو أَبْعَدُ لاحتماله الوَعْدَ، ومَوْضِعَ الخلاف ماَ إذا كان العَبْدُ بَاقِيًا، أما إذا مات فلا رُجُوعَ له بِحَالٍ.
قال الغَزَالِيُّ: وإنْ جَنَتِ المُسْتَوْلَدَةُ فَعَلَىَ السَّيِّدِ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ لِأَنَّهُ مَانِعُ بِالاسْتِيلاَدِ، فَلَوْ جَنَتْ مِرَارًا وَلَمْ يَتَخَلَّلْ فِدَاءٌ فَهِيَ كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَتُجْمَعُ وَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ، وَلَوْ تَخَلَّلَ فِدَاءٌ لَزِمَهُ فِدَاءٌ جَدِيدٌ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفِي القَوْلِ الثَّانِي يُسْتَردُّ الأَوَّلُ وَيُوزَّعُ عَلَيْهِمَا، وَوَطْءُ الجَارِيةِ الجَانِيَةِ لَيْسَ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
_________________
(١) في ز: منه.
(٢) في ز: يرتد.
(٣) في ز: الوفاء.
(٤) قال الشيخ البلقيني في التصحيح: محل الخلاف ما إذا لم ينتقص قيمته بعد اختيار الفداء فإن قبضت لم يكن من الرجوع والاقتصار على تسليم العبد قطعًا لأنه فوت باختياره ذلك القدر من قيمته وهذا يظهر مما سبق النص والقفال. فإن قال أنا أسلمه وأغرم النقص فليس هذا موضع ينازع فيه لأنه لا يضيع بشيء على المجني عليه. وقال الشيخ البلقيني أيضًا: لو كان يتأخر بيعه تأخرًا يصير بالمجني عليه وللسيد أموال غيره فيس له الرجوع قطعًا للضرر الحاصل للمجني عليه بالتأخير.
[ ١٠ / ٤٩٩ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني: إذا جَنَتِ المُسْتَوْلَدَة على نَفْس، أو مال، وَجَبَ على السيد فِدَاؤُهَا؛ لأنه بالاسْتِيلاَدِ مَانِعٌ من بَيْعِهَا مع بَقَاءِ الرِّقِّ فيها، فأَشْبَهَ ما إذا جَنَى القِنُّ، فلم يسلمه لِلْبَيْعِ.
وقال الإِمام: السَّيِّدُ بالاستيلاد مُسْتَمْتعٌ بحَقِّهِ مُتَصَرِّفٌ في مِلْكِهِ، فجعله ملتزمًا لِلْفِدَاءِ بِجِنَايَةٍ تحدث من بعد فيه غُمُوضٌ، ولكنهَ مُتَّفقٌ عليه من الأَصْحَابِ، وبم يَفْدِيهَا؟ فيه طريقان:
أحدهما: طَرْدُ القولين المذكورين في القِنِّ.
وأصحهما: القَطْعُ بأنه يَفْدِيهَا بالأقل من قِيمَتِهَا، وأَرْشِ (١) الجِنَايَةِ، والفَرْقُ أن القِنَّ قَابِلٌ للبيع، وقد يُوجَدُ رَاغِبٌ بالزِّيَادَةِ، والمُسْتَوْلَدَةُ غير قَابِلَةٍ للبيع.
وفي القيمة المُعْتَبرةِ وَجْهَانِ عن الشيخ أبي عَلِيٍّ أن الاعْتِبَارَ بقيمة يَوْمِ الاسْتِيلاَدِ؛ لأن السيد بالاسْتِيلاَدِ صار مَانِعًا، وأظهرهما، وهو الذي أورده (٢) الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: أن الاعْتِبَارَ بقيمة يوم الإِتْلَافِ، ولا نَظَرَ إلى ما قَبْلَهُ، ولا نقول: إنه مَانِعٌ يوم الاسْتِيلاَدِ، ولكنه بالاستيلاد يصير مَانِعًا من البَيْعِ وقت الحَاجَةِ إليه، وهو يوم الإِتْلاَفِ.
وإذا جنت (٣) المُسْتَوْلَدَة جِنَايَتَيْنِ فَصَاعدًا، فإن أَثْبَتْنَا القَوْلَ القديم، وقلنا: إن المُسْتَوْلَدَةَ تُفْدَى بأرْشِ الجِنَايَةِ، فعلى السيد أن يَفْدِيَهَا بأُرُوشِ الجِنَايَاتِ بَالِغَةً ما بَلَغَتْ.
وإن فرَّعْنَا على الصحيح، وقلنا: إن الوَاجِبَ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ، فإن كان أَرْشُ الجناية
_________________
(١) قال الشيخ البلقيني: إنما يجيء الطريقان في مستولدة لا تباع فإن كانت تباع بأن استولد جاريته المرهونة وكان يبيض الشيخ لكنه ذكر بقية هذا في تصحيح المنهاج فقال ما نصه: فأما أم ولد تباع لأنه استولدها وهي مرهونة الرَّهْن اللازم وهو معسر إذا جنت جناية توجب مالًا متعلقًا بالرقبة فإنه يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن فإذا قال الراهن أنا أفديها على صورة لا يكون بها موسرًا يسارًا ينفذ فيه الاستيلاد في حق المرتهن فإنه إذ ذاك يأتي القولان قطعًا وإن لم يذكروا ذلك لأنه حينئذ يكون بفدائها مانعًا للمجني عليه من بيعها فتصير العبد القن فهذا أفداها استمرت مرهونة ثم إن وفي الدين من غيرها فحينئذ ينفذ الاستيلاد على المذهب وإن بيعت في الدين استمر عليها حكم القن في حق من يشتريها ثم إن عادت للراهن فإنه ينفذ الاستيلاد على الأظهر، فهذا جنت أم الولد هذه في حال كونها مرهونة جناية ثم جناية أخرى وهي مرهونة فلا تقول جنايتاها كواحدة لأنه يمكن بيعها بل هذه كالقن يجني جناية ثم أخرى قبل الفداء فينقطع فيه بأن السيد إما أن يسلمها لتباع في الجنايتين وإما أن يفديها بأقل الأمرين من قيمتها وأرش الجنايتين على ما تقدم في القن. ثم قال: ويجوز أن لا يفصل ويطلق في المسألة ثلاثة أقوال، واعلم أن الشَّافعي نص في الأم على القن في باب الجناية على أم الولد بعد أبواب القسامة ونقل الربيع عن الشَّافعي ما يقتضي ترجيح لزوم الفداء لكل جناية وهو الذي اختاره البغوي في تعليقه في تخلل الفداء.
(٢) في ز: رضيه.
(٣) في ز: وإذا.
[ ١٠ / ٥٠٠ ]
الأولى دون القيمة، وفَدَاهَا به، وكان الباقي من القيمة يَفِي بأرْشِ الجِنَايَةِ.
الثانية، فَيَفْدِيَها للجناية الثانية بِأرْشِهَا أيضًا، وإن كان أَرْشُ الجِنَايَةِ الأُولَى مِثْل القيمة، أو أكثرَ منها، أو دونها، إلا أن البَاقِي من القِيمَةِ لا يَفِي بأَرْشِ الجِنَايَةِ الثانية، فينظر أَوَقَعَتِ الجناية الثَّانِيَةُ قبل أن يَفْدِيَهَا السيد عن الأولى (١) أو بَعْدَ أن يَفْدِيَهَا، فهما حالتان:
إحداهما: إذا وقعت قبل الفِدَاءِ، ففيما يَلْزَمُ السَّيد؟ قولان:
أحدهما: أن عليه أن يَفْدِيَهَا لكل جِنَايَةٍ بالأَقَلِّ من قيمتها، وأَرْشِ تلك الجِنَايَةِ؛ لأن الاسْتِيلَادَ السابق كالمَنْعِ من البَيْعِ بعد الجِنَايَةِ، فإذا وجد الاسْتِيلَادُ، وحَصَلَتِ الجِنَايَاتُ كان الاستِيلاَدُ كَمَنْعٍ مُجَدّدٍ عَقِيبَ كُلِّ جناية.
ولو جَنَى القِنُّ، فصنع السيد من بَيْعِهِ، واختار الفِدَاءَ، ثم جَنَى، ففعل السيد مثل ذلك، يَلْزَمُهُ لكل جِنَايَةٍ الأقَلُّ من أَرْشِهَا، ومن قيمته، فكذلك هاهنا.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أن جميعها كَجِنَايةٍ وَاحِدَةٍ، وليس عليه إلا أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ من أرشها، ومن قيمة المُسْتَوْلَدَةِ، والأقل القيمة في التصوير الذي نحن فيه، وذلك لأن الاسْتِيلاَدَ فعل واحد، فيجعل (٢) مَنْعًا واحدًا، إلاَّ أن الاسْتِيلاَدَ وإن تَقَدَّمَ على الجِنَايَةِ كالمنع، والتفويت المتأخرين عن الجِنَايَةِ، فليكن بِمَثَابَةِ ما لو جَنَى القِنُّ جِنَايَاتٍ، ثم قتله السيد، أو أعتقه لا يلزمه إلا فِدَاءٌ واحدٌ.
والحالة الثانية: [إذا وقعت الجناية الثانية] (٣) بعد ما فَدَاهَا السيد عن الجنَايَةِ الأولى، فهذه الحالة تَتَرَتَّبُ على الأولى، إن قلنا: يَجِبُ هناك لكل جِنَايَةِ الأَقَلُّ من ارْشِهَا، ومن قيمة المُسْتَوْلَدَةِ، فهاهنا أَوْلَى؛ لأن المَجْنِي عليه الأول قد قبض، ومَلَكَ المَقْبُوضَ، ونَقْضُ مِلْكِهِ بجناية تَصْدُرُ من ممْلُوك غيره بَعِيدٌ، وبتقدير (٤) إلاَّ يوجب لكل جِنَايَةٍ فِدَاءٌ يحتاج إلى النَّقْضِ، والاسترداد على ما سَنُبَيِّنُهُ، وإن جعلنا الجِنَايَاتِ كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ هناك، ولم نوجب الفِدَاءَ إلا مَرَّةً واحدة، فهاهنا قولان:
أحدهما -وهو اختيار المُزَنِيِّ والربيع-: أن كُلَّ جِنَايَةٍ تفرد بِفَدَاءٍ، وعليه أن يَفْدِيَ للجناية الثانية بالأَقَلِّ من أرشها، ومن قيمة المُسْتَوْلَدَةِ على نحو فِدَائِهِ للأولى، كما لو جنى (٥) القِنُّ، وفَدَاهُ، ثم جنى ثانيًا يَفْدِيهِ بِفِدَاءٍ ثَانٍ إذا لم يسلمه لِلْبَيْعِ (٦)، وفي "أمالي"
_________________
(١) في ز: للأولى.
(٢) في ز: فجعل.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: ويتقدم.
(٥) في ز: لو.
(٦) في هامش أ: يفديه بفداء ثان أو يسلم للبيع.
[ ١٠ / ٥٠١ ]
أبي الفرج السَّرَخْسِيِّ أن هذا مَذْهَبُ مالك (١).
والقول الثاني: أنه لا يَجِبُ هاهنا أيضًا إلا الأقل من القيمة، وموجب الجنايتين ولا يَتَكَرَّرُ الفِدَاءُ؛ لأنه إنما أَوْجَبنَا الفِدَاءَ؛ تَنْزِيلًا للاسْتِيلاَدِ مَنزِلَةَ الإِتلاَفِ، والمنع من البيع وإتلاف الشيء لا يُوجِبُ إلا قِيمَةً وَاحِدَةً.
وبهذا قال أبو حَنيفَةَ، ورجح صاحب "التهذيب" القول الأَوَّلَ، وهو وجوب الفِدَاءِ للجناية الثانية، لكنَّ مَيْلَ الأكثرين إلى تَرْجِيحِ الثاني، وقد أَفْصَحَ به الشيخ أبو إِسْحَاقَ الشيرازي والقاضي الروياني وغيرهم.
وإذا قلنا به، فَيُشَارِكُ المجْنِي عليه ثَانيًا المَجْنِي عليه الأَوَّل فيما أَخَذَهُ، ويقسم حمله الوَاجِبِ بينهما (٢) على ما يَقْتَضِيهِ الحَالُ.
مثاله: قيمة المُسْتَوْلَدَةِ أَلْفٌ، وأَرْشُ كل جِنَايَةٍ أَلْفٌ، وأخذ المجني عليه الأول القِيمَةَ، يرجع الثاني عليه بخمسمائة، ولو كانت القيمة كذلك، وأَرْشُ الجناية الأُولى أَلْفٌ، وأرْشُ الثانية خمسمائة، فيرجع المَجْنِي عليه ثانيًا على الأولى بِثُلُثِ الألف، ولو كانت القيمة كذلك، وأَرْش الثانية أَلْفٌ، وأرش الأولى خمسمائة، وهو الذي أخَذَهُ الأول، فَيَأْخُذُ الثاني من السَّيَّدِ بَقِيَّةَ القيمة خمسمائة، ويرجع على الأول بثلث ما أخذ؛ لتصير القِيمَةُ بينهما أَثْلاَثًا، وقد يعكس تَرْتِيب الحالتين، فيقال: إن تَخَلَّلَ الفِدَاءُ، فهل يَتَجَدَّدُ؟ فيه قولان، وإن لم يَتَخَلَّلْ، فقولان مُرَتَّبَانِ، وأوْلَى بألاَّ يَتَعَدَّدَ، والمقصود لا يَخْتَلِفُ.
ويجوز ألا نفصل ونطلق في المسألة ثَلاَثَةَ أقوال:
ثالثها: يفرق بين أن يَتَخَلَّلَ الفِدَاءُ، فيلزمه فِدَاءٌ آخر، أو لا يَتَخَلَّلُ، فيكفي فِدَاءٌ وَاحِدٌ. وفي شرح الجُوَيْنِيَّ للموفق بن طَاهِرِ حِكَايَةُ طريقين في موضع الخلاف عند تَخَلُّلِ الفِدَاءِ. فعن بعضهم أن الخِلاَفَ فيما إذا دفع الفداء بنفسه إلى المجني عليه الأول. أما إذا دفع بِقَضَاءِ القاضي، فيقطع بأنه لا يَلزَمُهُ شَيْءٌ آخر.
وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ أنه لا فَرْقَ، ويجري الخِلاَفُ المذكور في الجِنَايَةِ الثالثة والرابعة، لا إلى نهاية.
ومهما زَادَتِ الجِنَايَةُ زاد الاستِرْدَادُ، وشُبِّهَ ذلك بما إذا قُسَّمَتْ تَرِكَةُ إنسان على غُرَمَائِهِ وَوَرَثَتِهِ، وكان قد حَفَرَ بئر عدوان، فهلك بَهِيمَةٌ أو إِنْسَانٌ بها، يزاحم المَجْنِي عليه الغُرَمَاءَ والوَرَثَةَ، ويستردُّ منهم حِصَّتَهُ، فلو هلك آخر زاد الاسْتِرْدَادُ.
_________________
(١) في ز: أكثر من قيمة المستولدة.
(٢) في ز: منهما.
[ ١٠ / ٥٠٢ ]