ادَّعَى القتل عَلَى رجُل، وأقسم، وأخَذَ المال، ثم جاء آخر، وقال: إنَّ المحلوف عليه لم يَقْتُل مُوَرِّثك، وإنما أنا قتلتُه، فإن لم يصدِّقه الوارث، لم يؤثِّر إقراره فيما (٤) جرى، وإن صدَّقه، فعليه ردُّ ما أخذ، وهل له الدعْوَى على الثاني ومطالبته؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن الدعوَى على الأول اعترافٌ ببراءة غيره.
والثاني: نعم؛ لأنه ربما بَنَى الدعوى الأولَى على ظنٍّ حَصَل له، وإقرارُ الثاني يفيدُ اليقين أو ظنًا أقْوَى من الظنِّ الأول، فجاز أن يَعْدِل إليه من الأول، وهذا كالخلاف المذكور فيما إذا ادعى الانفرادَ عَلَى واحد ثم الشركةَ عَلَى آخَرَ، وصدَّقه الثاني، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّانِي فِي القَسَامَةِ وَفيهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ الرُّكْنُ الأَوَّلُ فِي مَظَنَّتِها وَهِيَ قَتْلُ الحُرِّ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ فَلاَ قَسَامَةَ فِي المَالِ والأَطْرَافِ، وَفِي العَبْدِ قَوْلاَنِ، واللَّوْثُ قَرِينَةُ حَالٍ تُغَلَّبُ الظَّنِّ كَقَتِيلٍ فِي مَحَلَّةٍ بَيْنَهُم عَدَاوَةٌ أَو قَتِيلِ دَخَلَ صَفًّا وتَفَرَّقَ عَنْهُ جَمَاعَةً مَحْصُورُونَ، أَو قَتِيلٍ فِي صَفِّ الخَصْمِ المُقَابِلِ، أَوْ قَتِيلٍ في الصَّحْرَاءِ وَعَلَى
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: الحكم.
(٣) في ز: فكلام.
(٤) في ز: فما.
[ ١١ / ١١ ]
رَأْسِهِ رَجُلٌ مَعَهُ سِكِّينٌ، وَقَوْلُ المَجْرُوحِ: قَتَلَني فُلانٌ لَيْسَ بِلَوْثٍ، وَقَوْلُ وَاحِدٍ مِمَّن تُقبَلُ شَهَادَتُهُ لَوْثٌ، وَقَوْلُ جَمْعٍ مِمَّن تُقبَلُ رِوَايَتُهُم لَوْثٌ، والقِيَاسُ أَنَّ قَوْلَ وَاحِدٍ لَوْثٌ، وَأَمَّا عَدَدٌ مِنَ الصِّبْيَةِ والفَسَقَةِ فِيهِمُ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: قال الأئمة: القَسَامَةُ في اللُّغة: اسمٌ للأولياء الَّذين يَحْلِفُون على دعوى الدم، وفي لسان الفقهاء هي اسم للأَيْمَان.
وقال صاحب الصِّحَاح: القَسَامَةُ هي الأَيْمَانُ تُقَسَّم على الأولياء في الدَّم، وعلى التقديرَيْنِ، فهي (١) اسم أُقِيمَ (٢) مُقَام المصْدَر، يقال: أَقْسَمَ إقْسَامًا وقَسَامَةً، كما يقال: أكْرَمَ إِكْرَامًا وكَرَامَةً. قال الإِمام: ولا اختصاص لها بأيمان الدِّماء، إلا أن الفقهاء استعملُوها فيها، وأصحابُنا استعملُوها في (٣) الأيمان الَّتي تقع البدايةُ فيها بالمُدَّعِي.
وصورتُها: أن يوجد قتيلٌ في موضعٍ لا يُعْرَف مَنْ قَتَلَه، ولا يقُوم عليْه بيِّنةٌ، ويدَّعِي الوليُّ قتْلَه على واحدٍ أو جماعة، ويقترن بالواقعةِ ما يُشْعر بصدْق الوليِّ في دعواه، ويقال له اللَّوْث، فيحلف على ما يَدَّعيه، ويُحْكَمُ بما سنذكره، وساعدنا على ذلك مالك وأحمد.
وعنْد أبي حنيفة: لا اعتبار باللَّوْث، ولا يبدأ بيمين المُدَّعِي، وإذا وجد قتيلٌ في محِلَّة أو قرية، وادَّعَى وليه قتْلَه على رَجُلٍ أو جماعةٍ بأعيانهم، فيختار الإِمام، ويقال ويختار الوليُّ خمسين رجلًا من صلحاءِ تلْك البقعة، فيَحْلِفون خمسين يمينًا أنَّهم ما قتَلُوه، ولا عَرَفُوا قاتِلَه، فإن نقَصُوا عن الخمسين، كرر الأيمان حتى يتم خمسين، وإذا حَلَفُوا وجَبَتِ الديةُ عَلَى عاقلة مِنْ بَنِي تلْك الخُطَّة، فإن لم يعرف الثاني، أو لم توجَدْ عاقلته، أخذتِ الدية من سكان ذلك المَوْضِع، وفيهم الحالِفُون في ثلاثِ سِنِينَ، وإن لم يحْلِفوا، حُبِسُوا حتَّى يحلفوا أو يُقِرُّوا.
قال: وإن وجد القتيلُ في مسْجِدٍ أو شارعِ سُوقٍ، فتؤخَذُ الديةُ من بيت المال.
وإن وُجِدَ في دارٍ، أخذتِ الديةُ من عاقلة رَبِّ الدار، وربما قالوا: من عاقلة مَنْ في الدار. وإن وُجِدَ في دارِ نفْسِهِ، فالديةُ على عاقلته، وإن وجد بين (٤) قريتَيْنِ، فالقسامةُ على أقربهما منْه.
وإن وُجِدَ في مفازة بعيدةٍ عن العمران، فهو هدَرٌ، هذا هو معْنَى القسامةِ عنْده، وفيه إثباتُ الدعوَى من غير تعيينْ المدَّعَى عليهم، والحبس لليمين والتَّغْريم مع أنه لم
_________________
(١) في ز: ففي.
(٢) في ز: أقسم.
(٣) في ز: مع.
(٤) في ز: بني.
[ ١١ / ١٢ ]
تتوجَّه عليهم حجَّة، ومع أنهم حلَفُوا على أنه لا شيْء عليهم، والدليلُ على أنه يبدأ بيمين المُدَّعِي ما رُوِيَ عن سهْل بن أبي خثمة أن عبد الله بن سهْلٍ ومحيصة بن مسعود -﵃- خرجَا إلى خيبر فتفرَّقا لحاجتهما، فقُتِلَ عبْدُ الله، فقال محيصةُ لليهود: أنتم قتلتموه، فقالوا: ما قتَلْنَاه، فانطلَقَ هو وأخُوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل أخُو المَقْتُول -﵃- إلى رسولِ الله -ﷺ- فذكَرُوا لهُ قتْل عَبْدِ الله بْنِ سَهْل، فقال: تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَحْضُر، فقال رسولُ الله -ﷺ- فَيَحْلِفُ (١) لَكُمُ اليَهُودُ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَقْبلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فذكر أن النبيَّ -ﷺ- فَدَاهُ مِن عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمائَةِ ناقَةٍ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَد رَكَضَنِي مِنها ناقَةٌ حَمْرَاءٌ (٢) ويروى [فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُنْفَعُ ألِيكم بِرمَّته ويروى] (٣) أن النبيَّ -ﷺ- قال: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، والْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إلاَّ في القَسَامَةَ" (٤) هذا هو القول الجُمَليُّ في القسامة، وإذا طلبتَ التفْصيل احتجْتَ إلى معرفة محَلِّ القسامة، ومظَنَّتها، ثم إلى معرفة كيفيتها، ثم إلى معرفة حُكْمها وفائدتها، ثم معرفة مَنْ يُقْسِم، فهذه أركان النَّظَر في الباب، فلذلك قال في الكتاب: "وفيها أربعة أركان، الركن الأول مظنتها" وفيه ثلاثة قيود:
_________________
(١) في ز: يحلف.
(٢) الحديث بطوله متفق عليه، من حديث سهل: انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلًا، فدفنه، ثم قدم المدينة الحديث بطوله في القسامة، وأخرجاه أيضًا من حديث سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج، وفي رواية لمسلم: عن سهل عن رجل من كبراء قومه به، وله ألفاظ عندهما، وذكر البيهقي أن البخاري ومسلمًا أخرجاه، من رواية الليث وحماد بن زيد وبشر بن المفضل كلهم، عن يحيى بن سعيد، واتفقوا كلهم على البداية بالأنصار، ورواه أبو داود من رواية ابن عيينة عن يحيى بلفظ: أفتبرئكم يهود بخمسين يمينًا يحلفون أنهم لم يقتلوه، فبدأ بذكر اليهود، وقال إنه وهم من ابن عيينة، وأخرجه البيهقي من طريقه وقال: إن مسلمًا أخرجه ولم يسق متنه، وقد وافق وهيب بن خالد: ابن عيينة على روايته، أخرجه أبو يعلى (فائدة) استدل الرافعي بعد ذلك على وجوب القصاص بها، وهو القول القديم، بقوله في رواية: يحلف خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته، وهو متفق عليه، واستدل على المنع وهو الجديد بقوله في رواية لمسلم: إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب.
(٣) رواه الدارقطني والبيهقيُّ وابن عبد البر من حديث مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به، قال أبو عمر: إسناده لين، وقد رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو مرسلًا، وعبد الرزاق أحفظ من سلم بن خالد وأوثق، ورواه ابن عدي والدارقطني من حديث عثمان بن محمَّد عن مسلم، عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة، وهو ضعيف أيضًا، وقال البخاري: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب، فهذه علة أخرى.
(٤) سقط في ز.
[ ١١ / ١٣ ]
أحدها: القتل؛ فلا قسامة في إتْلاف الأمْوال، ولا فيما دُون النَّفْس من الجراحاتِ والأطرافِ بل القول فيها قولُ المُدَّعَى عليه مع يمينه، سواء كان هناك لَوْثٌ أو لم يكُنْ، لأن البداية بيمين المُدَّعِي خلافَ القياس والنصِّ، وإنما وَرَدَ في النفْس، وحرمةُ النفس أعظمُ من حرمة الأطرافِ، ولذلك افترقا في وجوب الكفَّارة، فلا تلحق غير النفْس بالنفْس، وفي "جمع الجوامع" للقاضي الروياني أن بعض أصحابنا ذَكَر في الخلافيَّات وجهًا آخر في الأطْرَاف، وغلَّط قائله، وبنى على المذْهَب أنه لو جرح مُسْلِمٌ فارْتدَّ، ثم مات بالسراية، لم تجز القَسَامةُ؛ لأن الواجب ضمان الجراحة، والنفسُ صارتْ مهدرةً ولو عاد إلى الإسْلام، ثم مات جرتِ القَسَامةُ، سواءٌ أوجبنا كمال الدية أو لم نوجبْها؛ لأن الواجِبَ بدَلُ النفْس، وكذا الحكْم فيما لو جرح ذميٌّ فنقض العهد ثم مات أو جدَّد العهْد، ثم مات.
الثاني: مصادفة القَتْل الحُرَّ، فلو قتل العبْدُ، وهناك لوْثٌ، فادعى السيِّد على حرٍّ أو عبْدٍ أنه قتله، فهل يُقْسِم؟ فيه طريقان:
أشهَرُهما: أنه على القولَيْن في أن بدل العبد هل تحمله العاقلة، إن قلْنا: لا، فقَد ألحقناه بالبهائم وسائر الأموال، فلا (١) يجري في قتله القسامة، وإنْ قلنا: نعم، وهو الأصح، فيُقْسِم السيِّد، وهو المنصوص، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: القَطْع بأنه يُقْسِم، ولا يُخَرَّج على الخلاف في التحمُّل، وبه قال القاضي أبو حامد؛ وذلك لأنَّ القسامةَ لحفْظ الدماء وصيانتها، وهذه الحاجةُ تشمَلُ العبيد والأحرار، فأشبهتِ القسامةُ القصاصَ ووجوب الكفَّارة، وتَحمُّل العقْلِ لقطْع الفتنة، فإنَّ أولياء القتيل يَقْصِدُون الجاني وقومه، إذا لم تصلْ حقوقُهم إليهم، وقد لا تستقلُّ العاقِلَة بإيصال حقوقهم، فأمروا بالتحمُّل حسمًا لمادة الفتنة، [ولا يخاف من السيِّد الفتنة]؛ فإنَّ مقصود الساداتِ من العبيدِ المالية وإذا قلنا بالأصحِّ، فحُكم المدبَّرة والمستولَدَة حُكْم القِنِّ، وكذا المكاتَب؛ لأنَّ الكتابةَ تنفسخ بالمَوْت، وإذا أقسم السيِّد، فإن كانت الدعوَى على حُرٍّ، أخذت الدية من ماله في الحال، إن ادَّعَى العمْد المحْض، وإن ادَّعَى الخطأَ أو شبْه العَمْد، أخذها من عاقلة في ثلاث سنين، وإن كانتِ الدعوَى على عبْدٍ، فإن ادَّعَى العمْد المحض، ففي القصاصِ الخلافُ في ثبوت القصاص بالقَسَامة، وإذا قلْنا بالمنع، وهو الصحيح، أو كان قد ادَّعَى الخطأ أو شبه العمد، تعلَّقت القيمة برقبته.
وذكر الرويانيُّ أنَّ المُحامليَّ حكَى في "المقنع" قولًا أنّ العاقلةَ تتحمَّل من العمْد جنايته الخطأ، وحمله على خطأ (٢) الكاتب.
_________________
(١) في ز: فلا يجزئ.
(٢) في ز: غلط.
[ ١١ / ١٤ ]
الثالثةُ: كونُهُ في محلِّ اللَّوْث؛ فإن لم يكن لَوْث، لم تبدأ بيمين المُدَّعي، واللوثْ قرينة حال تبين الظن، وتوقع في القلب صدْق المُدَّعِي، وله طرق:
منْها: أن يوجد قتيل في قبيلة أو حصْنٍ أو قريةٍ صغيرةٍ أو محلَّةٍ منفصلةٍ عن البلد الكبير، وبيْن القتيل وبيْن أهلها عداوةٌ ظاهرةٌ، فهو لوثٌ في حقِّهم، حتى إذا ادَّعَى الوليُّ القتل عليهم أو على بعْضِهم كان له أن يُقْسِم وكذا (١) كان الحال في قصَّة عبد الله ابن سهْل -﵁- فإنَّ أهل خيبر كانُوا أعداءً للأنْصار -﵃- ويشترط ألاَّ يساكِنَهُمْ غيرهم؛ ليكون لَوْثًا في حقِّهم، وإلا، فربما قتلَهُ غيرهم، وإن كان القتيلُ عدوًّا لهم، ومنهم مَنْ يقول: الشرط أن لا يخالطهم غيرهم، حتى لو كانَتِ القريةُ على قارعة الطريق، وكان يطرُقُها غيرهم، فلا لَوْث، وعلى الأول، لا بأس بمخالطة المجتازِينَ للحاجَاتِ؛ كالتجارة وغيرها، وهو الأوجه (٢) فإن خيبر، كانَتْ يطْرُقُها الأنصار.
ومنْها: تفرُّق جماعةٍ عن قتيل في دَارٍ كان قد دخَل عليهم حنيفًا أو دخَلَها معهم في حاجة أو في مسْجِدٍ أو [في] (٣) بستان أو طريقٍ أو في (٤) الصحراء، فهو لَوْث، وكذا لو ازدحم قوْمٌ على رَأْس بئر للاستقاء أو على باب الكَعْبة أو في الطواف أو في مَضِيق، ثم تفرَّقوا عن قتيل؛ لأنَّه يغلب على الظن أنَّهم قتلوه أو بعْضُهم قتَلَه قصْدًا أو دوسًا بالأقدام؛ ولا يُشْتَرِط في هذا الطريق أن يكون بيْنَه وبيْنَهم عداوة.
ومنْها: إذا تقابل صفان يتقاتلان، وانكشفوا عن قتيل مِنْ أحد الصفَّيْن، فإن التحموا، واختلطَ بعْضُهم ببعض أو كان يَصِلُ سلاح أحد الصَّنْفَيْن إلى الآخَر، إما رمِّيًّا أو طعْنًا أو ضرْبًا، فهو لوْثٌ في حق أهل الصفِّ الآخر؛ لأن الظاهر أن أهل صفِّه لا يقتلونه، وإن لم يلتَحِموا، ولا كان يَصِلُ السلاح، فاللوث في حق [أهل] (٥) صفه.
ومنها: إذا وجد قتيلٌ في الصحراء، وعنده رجُلٌ معه سلاحٌ متلطِّخ بالدم أو على ثَوْبِه أثر الدم، فهو لوث، وإن كان بقربه سبُعٌ أو رجُلٌ آخر مُولٍ ظَهْرَه أو وُجِد أثر قدَمٍ أو ترشيش دم في غير الجهة التي فيها صاحبُ السلاح، لم يوجِبْ ذلك اللَّوْثَ في حقِّه، ولو رأينا [شيئًا] من بعيد (٦) رجلًا يُحرِّك يده، كما يفعل مَنْ يضرب بالسيف أو السِّكِّين، ثم وجدْنا في الموضع قتيلًا، فهو لوث في حقِّ ذلك الرجل.
_________________
(١) في ز: وهكذا.
(٢) في ز: الوجه.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: وفي.
(٥) سقط في ز.
(٦) في ز: نجد.
[ ١١ / ١٥ ]
ومنها: إذا شهد عدْلٌ بأن فلانًا قتل فلانًا، فهذا لوْثٌ، ولو شهد جماعةٌ ممن تُقبَلُ روايتهم؛ كالعبيد والنسوة، فإن جاؤوا متفرقين، فكذلك؛ لأن الغالِبَ أن اتفاق أقوالهم لا يصدُر إلا عن حقيقة، وإن جاؤوا دفعةً واحدةً، فوجهان (١):
أشهرهما: المنع؛ لاحتمال أنهم تواطؤوا أو لقنوا، وأقواهما أنه لوْث؛ لأنه يثير نوْعَ الظنِّ، واحتمال التواطؤِ كاحتمال الكذِبِ في شهادة العدْل الواحِدِ، وهذا ما يوافقه إطلاقُ صاحب الكتاب، وكذلك أطلق الشيخُ أبو حامد، وفي "التهذيب" أن شهادة اثنَيْنِ من العبيد والنسوةِ كشهادة الجَمْع.
وقال في الكتاب: "والقياس أن قوْلَ واحدٍ منهم لوْثٌ أيضًا"، ويشبه أن يُرتَّب هذا على الوجهين فيما إذا جاء جَمْعٌ منهم، وشهِدُوا مجتمعِينَ، فإن لم نجعلْه لوثًا، لم نجعل قول الواحد منهم لوْثًا، وأما الَّذين لا تُقْبَل روايتُهم؛ كالصِّبْية والفَسَقة وأهل الذمة، فهل يكون قولُهم لوثًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو المذكور في "التهذيب": المنع؛ لأنه لا اعتبار بقَوْلِهِم في الشَّرْع.
وأرجحهما على ما قاله ابن الصبَّاغ وغيره: نعم؛ لأن الغالب أن اتفاق الجماعة الكبيرة على الإخبار عن الشيء كيف كان لا يكون إلا عن حقيقة، واختلفتِ الروايةُ عن أبي إسحاق، فمنهم مَنْ روَى عنه الوجْه الأوَّل، ومنهم مَنْ روَى عنه الثَّانِيَ وعنْ "المنهاج" للشيخ أبي محمَّد؛ أنه يحصُل اللوْث بقَوْل الصِّبيان والفسقة دون الكفار وليس من موجبات اللوث قولُ المجروح: جرَحَنِي أو قتَلَنِي فلانٌ أو دَمِّي عند فلان؛ لأنه منعٌ، فلا يعتمد قوله، وقد يكون بينه وبين غيره عداوةٌ فيقصدُ إهلاكه.
وقال مالك: هو لَوْث.
ولْيعلَمْ قوله في الكتاب: "والأطراف" بالواو [للوجه المذكور] (٢).
وقوله "قولان" في مسألة العبد، بالواو؛ للطريقة القاطعة بجريان القَسَامة في "شرح مختصر الجوينيِّ" أن ابن سريج وأبا إسحاق يَذْهَبَان إليها.
_________________
(١) قال في الخادم: حكاية الرافعي الوجهين غريب بل الذي نص عليه الشَّافعي في الأم وأورده الأصحاب أنه لا يثبت اللوث وإنما المثبت له احتمال لابن الصباغ فإنه قال: وإن شهد عبيد أو نساء جماعة كان ذلك لوثًا وشرط أصحابنا أن يكونوا جاؤوا متفرقين بحيث لا يظن منهم التواطؤ لا يمنع الظن تجويز كذب الواحد المصدوق في الظاهر، وحكي في البحر عن الأصحاب المنع. وقال إنه ظاهر كلام الشَّافعي، ثم ذكر احتمال ابن الصباغ قال صاحب الخادم: وهو ضعيف فلا يكفي مجرد حصول الظن بل لا بد من ظن يؤكد.
(٢) سقط في ز.
[ ١١ / ١٦ ]
وقوله "يغلب على الظن" أي صدق المُدَّعِي.
وقوله "كقتيل في محِلَّةِ بينهم عداوة" يجوز أن يُعْلَم بالميم.
كذا جميع طرق اللوث المذكورة في الكتاب، سوى شهادةِ العَدْل الواحد؛ لأن صاحب "البيان" نقل عن مالك أن شيئًا منْها ليْس بلَوْثٍ سوى شهادة العَدْل الواحد [وقولها "تَفَرَّقَ] عنْه جماعةٌ محصُورون" كان الإشارة بلفظ "المحْصُورين" إلى أن الجماعة لو كانوا بحَيْث لا يُتصوَّر اجتماعُهم على القتل، فلا تسمع الدعوَى عليهم، ولا يُمَكَّن من القسامة عليهم على ما مَرَّ، ولو ازدحَمَ الجمْعُ الذين لا يُتصوَّر اجتماعُهم على القَتْل في مضيق وتَفرَّقوا عن قتيل، فادعى الوليُّ القتْلَ على عددٍ منهم يُتصوَّر اجتماعهم على القتْل، فينبغي أن يُقْبَل (١) ويُمَكَّن في القسامة، كما لو ثبت اللَّوْث في حقّ جماعة محصورين، وادَّعى الوليُّ القتل على بعضهم.
وقوله: "أو قتيلٍ في صفِّ الخَصْم المقابل" قد يفهم منه أنه وجد في صف الخصم المقابلين لصفة، لكنه ليس بشَرْطٍ، بل لا فرق بين أن يوجد في صَفِّ نفسه أو صفِّ الخَصْم أو بين الصفين فالمعنى: وقتل كان في صفِّ الخصم المقابل.
وقوله: "وعلى رأسه رجلٌ معه سِكِّينٌ" لم يتعرَّض لتضمخه بالدم، وعرض له في "الوسيط" ولذلك ذكر أكثرهم تَلَطُّخ السكِّين أو يلطُّخ الثوب، ولا يَبْعُدُ أن لا يشترط ذلك. وقوله "ليس بلوث" [مُعْلَم] (٢) بالميم.
وقوله "وَقَوْلُ واحد ممن تُقْبَلُ شهادَتُه لَوْثٌ" يمكن أن يُعْلَم بالواو؛ لأن صاحب "التتمة" قال: إذا شهدتما بما يدعيه عدْلٌ واحدٌ، فيُبْنَى على اختلاف الأصحاب في الشاهد واليَمِينِ؛ في أنَّ الحُكْم يقع بالشهادةِ واليمينُ مرجِّحَة، أو يقع باليمين أو بهما، إن قلنا: الحكْم يقع باليمين، والشهادةُ مرجِّحة، كان ذلك لوثًا، وإن قلْنا: الحكم بالشهادة أو بهما، لم يكن لَوْثًا، ولكن يحلف المدَّعِي مع شاهده، إلا أنه لا يثبت القصاص، ثم إن شَهِد العدْل الواحدُ بعْد دعوى المدَّعِي، فاللوث حاصل، وإن تقدم قول العدل على الدعْوَى، فينبغي أن يُكْتَفَى به؛ لحُصُول اللوث، ولا يُجْعَل السبيلُ فيه سبيلَ الشهادات المخصوصة بمَجْلِس الحُكْم المسبوقة بالدعْوَى، وفي لفظ الكتاب إشْعَارٌ به؛ حيث قال: "وقول واحدٍ ممَّنْ تُقْبل شهادتُه لوْثٌ"، وكذا الحال في قول العبيد والصبية؛ فلا ينبغي أن يفرق بين أن يتقدَّم على الدعْوَى أو يتأخَّر.
وقوله "وقول جَمْعٍ ممن يُقْبَل روايتهم لوْثٌ" يجوز إعلامه بالواو؛ للوجه الفارق [والله أعلم].
_________________
(١) في ز: يقتل.
(٢) سقط في ز.
[ ١١ / ١٧ ]