قال الإِمام: لو قال المستحق عند إعواز الإبل: لا أطالب الآن بشيء، وأصبر إلى أن توجد، فالأظهر أن الأمر إليه؛ لأن الأصل هو الإبل، ويحتمل أن يقال لمن عليه الدية أن يكلفه قبض ما عليه [تبرأ ذمته] (٢)، ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنَّه لو أخذ الدراهم، ثم وجدت الإبل تردُّ الدراهم، ويرجع إلى الإبل، بخلاف ما إذا غرم قيمة المثل (٣) لإعواز (٤) المِثْل، ثم وجد ففي الرجوع إلى المِثْل خلاف، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُنَقِّصَاتُ لِلدِّيَةِ عَمَّا ذَكرْنَاهُ فَأَرْبَعَةٌ، الأوَّلُ الأُنُوثَةُ فَإنَّهَا تُرَدُّ إلَى الشَّطْرِ، وَالاجْتِنَانُ فَإنَّهُ يُرَدُّ إلَى غُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، وَالرِّقُّ فإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى القِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَة الحَرِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما مهد أصل الدية، وعقبه بما يعتبر بها من الأسباب المغلّظة التي تزيد صفة، أو قدرًا أراد أن يبين ما يعتبر بها من الأسباب المنقصة التي تنقص صفة، أو قدرًا، فهي وهي كما عدها أربعة:
أحدها: الأنوثة فَدِيَةُ المرأة على النصف من دية الرجل، لما روي عن عمرو بن حَزْمٍ -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "دِيَة المَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ" (٥).
_________________
(١) في ز: يعدل.
(٢) في ز: ليتدافعه.
(٣) في ز: المثلى.
(٤) في ز: لأعوان.
(٥) أخرجه البيهقي من حديث معاذ بن جبل، وقال: إسناده لا يثبت مثله. قوله: وروي ذلك عن عمر، وعثمان وعليّ، والعبادلة: ابن مسعود وابن عمر وابن عباس، أما أثر عمر فتقدم في أثر عطاء ومكحول، ويأتي مع علي، وأما أثر عثمان فلم أره، وما أثر على فرواه البيهقي من طريق إبراهيم النخعي عنه. فيه انقطاع، لكن أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عن علي، وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن إبراهيم عن عمر وعلي، وأما ابن مسعود =
[ ١٠ / ٣٢٧ ]
ويروى ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، والعَبَادِلَةِ: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس -﵃-.
قال الأصحاب: قد اشتهر ذلك، ولم يُخَالفوا، فصار إجماعًا، ويجب في الخُنْثَى المُشْكل دِيَةَ المرأةِ؛ لأن الزيادة مشكوك فيها. ذكره صاحب "البيان" وغيره.
وكما أن دية المرأة على النصف، فدية أطْرَافها وجِرَاحَاتها على النصف من دية أطراف الرجل وجِرَاحاته على الجديد، وبه قال أبو حنيفة اعتبارًا بالأجزاء بالجملة.
وفي القديم قول أن المرأة تُعَاقِلُ الرَّجل إلى ثلث الدية أي: تساويه في العقل (١)، فإذا زاد الواجب على الثّلث صارت على النصف لما روي أنَّه -ﷺ- قال: "عَقْلُ المَرْأةُ كَعَقْلِ الرَّجُلِ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ" (٢).
وعلى هذا فيجب في أُصْبع من أَصَابعها عشر من الإبل، وفي أُصْبُعَيْنِ عشرون من الإبل، وفي ثلاث ثلاثون، وفي أربع عشرون [على النصف] (٣) مما يجب في الرجل؛ لأن الواجب في الأربع يزيد على الثلث، ويروى هذا عن مالك وأحمد، ويروى عنهما أنها تعاقله فيما دون الثُّلث، وفي الثلث فما فوقه تكون على النصف، وذكر أن القول القديم مرجوع عنه.
_________________
(١) = فأخرجه البيهقي من طريق الحكم عن الشعبي عن زيد بن ثابت أنَّه قال: في جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، فما زاد فعلى النصف، وقال ابن مسعود: إلا السن والموضحة فإنهما سواء، وما زاد فعلى النصف، وقال عليّ: على النصف في الكل، قال: وأعجبها إلى الشعبي قول عليّ، وأما ابن عمر وابن عباس فلم أره عنهما. مراده بقوله العبادلة، جميع الثلاثة؛ لأن الذين اشتهروا بهذا اللقب هم هؤلاء الثلاثة، ولا معنى لاعتراض من اعترض عليه بذلك، ووقع في المبهمات للنووي أن الجوهري قال في مادة عبد في ذكر العبادلة، أنَّه عد فيهم ابن مسعود، وحذف ابن عمر، وليس كما قال: فالذي في الصحاح حذف ابن الزبير، والاقتصار على ثلاثة، ولم يذكر ابن مسعود انتهى. والذي في الصحاح في مادة عبد بإثبات ابن مسعود، وحذف ابن الزبير، فهم عنده أربعة، لكن في آخر الكتاب في مادة هاء، قال: وهم ابن عباس وابن عمر وابن الزبير، فاقتصر على ثلاثة فيه، ووقع في شرح الكافية لابن مالك العبادلة خمسة، فذكر الأربعة وابن مسعود فيهم، وعد الزمخشري في الكشاف ابن مسحود فيهم أيضًا، وحذف ابن عمرو، وتعقب، قاله الحافظ في التلخيص.
(٢) في ز: القصد.
(٣) أخرجه النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، قال الشَّافعي: وكان مالك يذكر أنه السنة، وكنت أتابعه عليه وفي نفسي منه شيء، ثم علمت أنه يريد سنة أهل المدينة، فرجعت عنه. قاله الحافظ في التلخيص.
(٤) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٢٨ ]
وأن الشَّافعي -﵁-: قال كان مالك يذكر أنَّه السُّنة، وكنت أتابعه عليه، وفي نفسي شيء منه حَتَّى علمت أنَّه يريد سُنَّة أهل "المدينة"، فرجعت عنه.
والثاني: الاختيار، فإنه يرد الواجب إلى الغرّة، والقول فيه مؤخر إلى القسم الرابع من الكتاب.
الثالث: الرّق، فيجب في قَتْل العبد قيمته، سواء كان القتل عمدًا أو خطأً، وسواء نقصت القيمةُ عن قدر الدية، أو زادت مسلوكًا به مَسْلك الأموال، ولذلك لو تَلِفَ في يد الغاصب ضمنه بتمام قيمته، وبهذا قال مالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: لا يزاد الواجب على دِيَةِ الحُرّ، بل ينقص منه عشرة دراهم.
وفي رواية ينقص في حقِّ الأَمَةِ خمسة.
وأما أطراف العَبْدِ وَجِرَاحاته، فالذي يجب فيها مذكور في آخر القسم الأول من الكتاب، وقد يعترض في لفظ الكتاب من وجهين أحدهما (١) أنَّه الآن يتكلّم في مُنْقِصَات الدية، فكيف يليق به أن يقول: وإن زادت على دية الحر، فإن الرِّقَّ حينئذ يكون موجبًا للزيادة دون النُّقْصَان.
والثاني: أنَّه قال: يرد إلى قدر القيمة، والرد إلى الشيء في هذا المعرض يقتضي كون المردود إليه أنقص، فكيف ينتظم أن يقول معه: وإن زادت على دية الحر.
والجواب على الأول أن قَدْر القيمة في الغالب دون قَدْر الدية، والرق يقتضي القيمة، فيكون منقصًا في الغالب، فلذلك عَدَّهُ من المنقصات، ويمكن أن يقال: القيمة ناقصة، وما يرد إليها فهو منقص، وإن زاد قدرها على قدر الدية لما فيه من العرض على المقومين والإلحاق بالبهائم، وسائر الأموال، ويخرج به الجواب عن الثاني.
قال الغَزَالِيُّ: وَالْكُفْرُ فَإِنَّ دِيَةَ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ثُلْثُ دِيَةِ المُسْلِمِ، وَدِيَةِ المَجُوسِيِّ ثَمَانْمَائَةُ دِرْهَمٍ، وَالْمَعَاهَدُ كَالذِّمِّيِّ، وَأَمَّا عَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَالزَّنَادِقَةُ وَالمُرْتَدُّونَ فَلاَ عِصْمَةَ لَهُمْ، فَلَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِأَمَانٍ كَفَفْنَا عَنْ قَتْلِهِ، فَإِنْ قُتِلَ وَجَبَ أَخَسُّ الدِّيَاتِ في الوَثَنيِّ، وَلَمْ يَجِبْ شَيءٌ في الْمُرْتَدِّ، وَفِي الزِّنْدِيقِ تَرَدُّدٌ، وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَبلُغهُمْ دَعْوَتُنَا فَقَدْ قِيلَ: يُقْتَلُ المُسْلِمِ وَبِقَتْلِهِ، وَقِيلَ: لاَ قِصَاصَ وَيجِبُ دِيَةُ المُسْلِمِ، وَقِيلَ: يَجِبُ دِيَةُ ذَلِكَ الدِّينِ، وَأَمَّا المُسْلِمُ فِي دَارِ الحَرْبِ إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ فَهُوَ كَالمُسْلِمِ المُهَاجِرِ فِي العِصْمَةِ، وَالصَّابِئونَ مِنَ النَّصَارَى، وَالسَّامِرَةُ مِنَ اليَهُودِ، فَإِنْ كَانُوا مُعَطَّلَةَ في دِينِهِمْ فَلاَ دِيَةً لَهُم.
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٢٩ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرابع: الكفر: وَالكُفَّارُ أَصْنَافٌ:
أحدها: اليَهُودِي والنصراني، فديتهما ثُلُث دية المسلم، وهو من الإبل ثلاثة وثلاثون وثلث، وإن أثبتنا الإبل بدلًا مقدرًا، فهو من الذَّهَب ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون دينارًا وثلث دينار، ومن الوَرِقِ أربعة آلاف درهم.
وقال أبو حنيفة: ديتهما مِثْلُ دية المسلم.
وقال مالك: نصف دية المسلم.
وقال أحمد: إن كان القَتلُ عمدًا، فدية المسلم، وإن كان خطأ فنصف دية المسلم.
واحتجّ الأصحاب بما روي عن عُبَادة بن الصَّامت -﵁ - أن النبي -ﷺ- قال: "دِيَةُ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ" (١).
وبأنهما (٢) مكلفان لا سَهْمَ لهما من الغَنِيمَةِ، فلا تكمل ديتهما كالمرأة، والسَّامرة من اليهود، والصَّابِئُون من النصارى إن كانوا معطلة لدينهم (٣) كفرة عندهم لم يجب بِقَتْلِهِمْ دية اليهودي والنصراني، بل يكون حكمهم حكم مَنْ لا كتاب له من الكُفَّارِ، وإن كانوا [لا يكفرونهم و] (٤) لا يخرجونهم من جُمْلتهم، فهم كسائر فرقهم، وقد سبق في النِّكَاح أن بعضهم أطلق قولين في جواز مُنَاكحة السَّامرة والصَّابئين، وسيأتي مثله في جواز تقريرهم (٥) بالجِزْيَةِ، ولا بد من مجيء هذه الطريقة هَاهُنَا.
والثاني: المَجُوسِيّ، وديته ثلثا عشر دية المسلم، وإن شئت قلت: خمسها (٦) وخمس ثلثه، وبهذا الاعتبار يقال: إن ديته خمس دية اليهودي، وذلك من الإبل ستة
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص: لم أجده من حديث عبادة، إلا فيما ذكر أبو إسحاق الاسفراييني في كتاب "أدب الجدل" له، فإنه قال: رواه موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن عبادة به، ورواه الشَّافعي عن فضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر، عن ثابت الحداد عن ابن المسيب: أن عمر قضى في دية اليهودى والنصراني بأربعة آلاف، وفي دية المجوسي ثمانمائة درهم، وروى البيهقي من طريق الشَّافعي عن سفيان عن صدقة بن يسار قال: أرسلنا إلى سعيد بن المسيب أسأله عن دية المجاهد، فقال: قضى فيه عثمان بأربعة آلاف، وروى عبد الرزاق في مصنفه عن رباح بن عبيد الله عن حميد عن أنس: أن يهوديًا قتل غيلة، فقضى فيه عمر باثني عشر ألف درهم، ورباح ضعيف، وروى الطحاوي والحاكم من حديث جعفر بن عبد الله بن الحكم: أن رفاعة بن السمؤال اليهودي قتل بالشام، فجعل عمر ديته ألف دينار، وهذا معضل.
(٢) في ز: ثانيهما.
(٣) في الروضة: ملاحدة في دينهم.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: تقديمهم.
(٦) في.
[ ١٠ / ٣٣٠ ]
وثلثان، وإذا أثبتنا البدل، فهو من الذهب ستة وستون دينارًا [وثلثا دينار] (١)، ومن الوَرِقِ ثمانمائة درهم. وقال أبو حنيفة: ديته كدية المسلم.
واحتج الأصحاب بأن ما ذكرناه قد روي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود -﵃- قالوا: ولا مخالفة لهم من الصحابة -﵃- فصار ذلك إجماعًا، واستأنس الشَّارح لـ"مختصر الجويني" الاعتبار خمس دية اليهودي والنصراني بأن قال: لليهود والنصارى كتاب ودِيْن كان حقًّا بالإجماع (٢) وتحلّ مناكحتهم، وذبائحهم، ويقرون بالجزية، وليس للمجوس من هذه الأمور الخمسة إلاَّ التقرير بالجزية، فكانت ديتهم خمس ديتهم، ولا يخفى أن الدية في الصنفين إنما تجب إذا كان القتيل (٣) معصومًا إما بِعَقْدِ الذّمة، أو بعهد جرى معهم مؤقتًا، أو بأمان مثل أن دخل رسولًا، أو تاجرًا (٤)، ودية نسائهم على النصف من ديّة الرجال، وفي شرح "مختصر الجويني" وجه أن دية نساء المَجُوس كَدِيَةِ رجالهم؛ لأن ديتهم أقل الديات، والأقل يحطّ منه شيء، كما أن [أقل] (٥) النفقات تستوي فيه الخَادِمة والمَخْدومة.
وفي "أمالي أبي الفرج" ذكر هذا الوجه في المَجُوس، وسائر الكفار الذين يجب فيهم مِثْل دية المجوسي، وشبه أقل الدية بغُرَّةِ الجنين لا يختلف بالذكورة والأنوثة، والظاهر المشهور الأول، فتكون دية اليهودية والنصرانية بالدراهم [أربعة آلاف] درهم، ودية المجوسية أربعمائة درهم.
وعلى هذا قياس الأطراف ففي أصبع اليهودي والنصراني أربعمائة درهم وفي موضحته مائتا درهم، وفي أصبع المجوسي ثمانون درهمًا، وفي موضّحته أربعون، ويراعى في ديات هؤلاء التغليظ والتخفيف، وإذا قتل اليهودي عمدًا أو شبه عمد وجبت عَشْر حِقَاق، وعشر جِذَاع، وثلاث عشر خَلِفَة وثلث، وإذا لم يوجد ما يقتضي التغليظ وجب من بِنْت المَخَاض ستة وثلثان، وكذلك من بَنَات اللَّبُون، وسائر الأخماس، وفي المجوسي عند التغليظ يجب حِقَّتان وجَذَعتان وخَلَفتان وثلثا خَلَفة، وعند التخفيف بنت مَخَاض وثلث، وبنت لبون وثلث، وكذلك من سائر الأخماس.
الصنف الثالث: الكافر الذي ليس له كتاب، ولا شبهة كتاب كعَبَدَةِ الأوثان والشمس والقمر، والزَّنَادقة، وفي معناهم المرتدون، فهؤلاء لا يفرض لهم عَقْد ذمْة، ولكن لو فرض أمان بأن دخل بعضهم رسولًا كفينا وبذلك عن قتله، فلو قتله قاتل
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: بالاجتماع.
(٣) في ز: القتل.
(٤) في ز: بأجر.
(٥) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٣١ ]
وجبت أخَسُّ الديات، وهي دية المَجُوسي والوثني، وعابد الشمس والقمر، ولا يجب في المرتد شيء، فإنه مقتول بكل حال، وليس من أهل الأمان.
قال الإِمام: ولو تحزبت طائفة من المرتدين، ومست الحاجة إلى سماع رسالتهم، فإذا جاءنا رسول منهم فقيل: لا يتعرض له، لكن لو قتل لم يتعلق بقتله ضمان، وفي الزنديق للشيخ أبي محمَّد تردد أنه يلحق بالمرتد، أو الوثني.
والأصح إلحاقه بالوثني؛ لأنه لم يسبق منه التزام الإِسلام، وكان إلحاقه بالمرتدين من جِهَةِ أنه يظهر الإِسلام، وإن كان يستسر بالكُفْر، فإظهاره لإسلام يجعل كإسلام المرتد من قبل، ومن لا عَهْدَ له ولا (١) ذمة ولا أمان من الكفار لا ضمان في قتله على أي دين كان المرتد (٢) وجميع ما ذكرناه في الكَافِرِ الذي بلغته دعوتنا، وخبر نبينا -ﷺ-.
أما من لا يبلغه دعوتنا، فلا يجوز قتله قَبْل الإعلام، والدعاء إلى الإِسلام، ولو قتل، كان مضمونًا خلافًا لأبي حنيفة، وبني الخلاف على أنه مَحْجُوج عليه بالعَقْدِ عنده، وعندنا من لا تثبت لم تبلغه الدعوة الحُجّة، ولا تتوجه المُؤَاخذَة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وبم يضمن؟ أما الكفَّارة (٣) فتجب بلا تفصيل، ثم له أحوال ثلاث:
إحداها: إذا لم تبلغه دعوة نبي أصلًا، فعن القَفَّال أنه يجب القِصَاصُ بقتله، فإنه لم يوجد منه عناد وإنكار، وهو على الفِطْرَةِ الأصلية بأسرها لم يجب إلاَّ أرْشُ والظاهر أنه لا قصاص لعدم التكافؤ ونقل نصان في أنه تجب الدية الكاملة أخس الديات فأقامهما بعض الأصحاب قولين يوجه أحدهما بأنه معذور والآخر بأنه لا دين له وقطع آخرون بوجوب الأخس وحمل النص الآخر على الحالة الثانية.
الثانية: إذا كان متمسك بدين لم يبدل ولم يبلغ ما يخالف ففيه الوجه الذاهب إلى وجوب القصاص وهو أقرب هاهنا لأن الدين الذي لم يُبَدَّلْ حقٌ وهو في التمسك به محسنٌ والحالة هذه، وإذا قلنا لا يجب القصاص وهو الظاهر ففي الدية الواجبة وجهان أحدهما: الدية الكاملة والثاني: دية أهل ذلك الدين فإن منصب ذلك الدين لا يقتضي الزيادة عليها.
الثالثة: إذا كان متمسك بدين لحقه التبديل لكنه لم يبلغه ما يخالفه فلا يجب
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) قال النووي: قد سبق خلاف في الذمي والمرتد إذا قتلا مرتدًا هل تجب الدية؟ فإن أوجبناها فهىِ دية مجوسي، ذكره البغوي.
(٣) في ز: الكفار.
[ ١٠ / ٣٣٢ ]
القصاص بقتله لتعلقه بالدين المغير وكذلك الدية الكاملة وفيما يجب ثلاثة أوجه أحدها دية أهل ذلك الدين والثاني أخس الديات والثالث ذكره الإِمام أنه لا يجب شيء لأنه ليس على دين حق ولا عهد له ولا ذمة وامتناعنا عن قتله كالامتناع عن قتل النساء والذراري والأشبه بالترجيح في الحالة الأولى والثالثة وجوب أخس الديات، وفي الثانية دية أهل ذلك الدين ومن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر مع التمكن من المهاجرة أو دونه فقتله مسلم تعلق بقتله القصاص أو الدية، والعصمة بالإِسلام على ما قاله -ﷺ-: "فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها" وعند أبي حنيفة لا يتعلق العصمة بالدار وقوله في الكتاب: ثلث دية المسلم مُعلم بالحاء والميم والألف وقوله ثمانمائة درهم بالحاء ويجوز أن يعلم بالواو لأن وجوب هذا المِقْدَار تتفرع على أن للإبل بدلًا مقدرًا من التقدير، وقوله: "كالمسلم المهاجر في العصمة" معلم بـ"الحاء" وقوله: "فلا دية لهم" بـ"الواو".