الرجوع، فيعرض عنه احتياطًا، فإن رجع، فذاك، وإلا، أقيم عليه الحدُّ، ولو اتُّبعَ الهارِبُ، فرُجِمَ، فلا ضمان؛ لأن النبي -ﷺ- لم يُوجِبْ عليهم في قصَّة ماعز شيئًا، والرجوعُ عن الإقرار بِشُرْبِ الخمر كالرجوع عن الإقرار بالزنا، وفي الرجوع عن الإقرار بالسرقة وقَطْع الطريقِ خلافٌ سيأتي في "السَّرِقة" إن شاء الله تعالى:
ولو تاب مَنْ ثبت زناه، فهل يَسْقط الحدُّ عنه بالتوبة؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه رُوِيَ في بعض الروايات أنه -ﷺ- قال لماعِز: "ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ".
وَرُوِيَ أنه -ﷺ- قال: "هلاَّ رَدَدتُّمُوهُ إِلَيَّ لَعَلِّهُ يَتُوبُ".
وأصحُّهما، وهو الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يَسْقط؛ كيلا يتخذ، ذلك ذريعةً إلى إسقاط الحدود وإبطال الزواجر، ويدل عليه قولُه -ﷺ- (١): "مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ، أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدِّ اللهِ تَعَالَى، ولفظ "التوبة" في قصة ماعزٍ محمولةٌ على الرجوع عن الإقْرَار، وفي موْضِع القولَيْنِ طريقان:
أحدهما: أنهما جاريان فيما إذا تاب قَبْل الرفع إلى القاضي وبَعْدَه.
والثاني: أن القَوْلَيْنِ مَخْصُوْصانِ بما إذا تاب قبل الرفْع، أما بعْده، فيقطع بأنه، لا يَسْقِطُ الحد، وتمام الكلام في مسألة التوبة يأتي في "قطْع الطريق" إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب "ويكفي الإقرار مرةً واحدةً" معلم بالحاء والألف.
وقوله "سقط الحد" بالميم، ويُرْوَى عن مالك أنَّه قال: إن ذكر [لإقراره] تأويلًا، بأن قال: حسبت المفاخَذَةَ زنًا، يُقْبَل، ولا يُقْبَل الرجوعُ المُطْلَق.
وقوله "فإن ثبت بالشهادة، لم يُسقِطْ بشَيْء منْ ذلك" أي بالتماس تركْ الحدِّ والهَرَب وغيرهما، وفي "النهاية" حكاية خلافٍ فيه، وكان المقصود منه أنَّا إذا فرَّعْنا على أنه يَسْقُط الحدُّ بالتوبة، فينزل ذلك منزلة التوبة على رأْي، كما ينزل منزلة الرجُوع عن الإقرار عَلَى رأْي، وهذا يجوِّز إعلام قوله "لم يسقُطْ بشَيْءٍ من ذلك" بالواو، [والله أعلم].
" فَرْعٌ": إذا أقر بالزنا، ثم شهد عليه بالزنا أربعةٌ، ثم رجعَ عن الإقرار، هل يُحَدُّ؟ حَكَى القاضي ابن كَج فيه وجهَيْن عن أبي الحُسَيْن بن القطَّان؛ نعيم؛ لأنه [بقيت] (٢) حجة البيِّنة، وإن بَطلَتْ حجْةُ الإقرار، وشبِّهَه بما إذا شَهِدَ عليه ثمانيةٌ، ثم رجع أربعةٌ، وثبت أربعةٌ، وعن أبي إسحاق لا؛ لأنَّه لا مَعْنَى للبينة مع الإقرار،
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) تقدم.
[ ١١ / ١٥٣ ]
وكنا (١) نحدُّه بالإقرار، [وقد] بطل بالرجوع.
قال الغَزَالِيُّ: وَلوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنَاهَا فَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ عَلَى أنَّهَا عَذْرَاءُ سَقَطَ الحَدُّ (م)، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَنَّهُ زَنَى وَعَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ زَاوِيَةً مِنَ البَيْتِ فَلاَ حَدَّ إذْ لَمْ يَتَّفِقوا عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً وَاثْنَانِ عَلَى أنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوعَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الحَدُّ، وَفِي وُجُوِبهِ عَلَى الرَّجُلِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلامُ في عدد شُهُود الزِّنَا وفي رجوع بعضهم أو كلِّهم عن الشهادة مُؤَخَّرٌ إلى "كتاب الشهادات"، وهناك يذكر كيفية الشهادةِ، أنه لا بُدَّ من تفسير الزنا بخلاف ما لو قَذَفَ إنَسَانًا، فقال: زنيتُ، يجب الحدُّ، كان لم يُفَصِّل للحوق العار، وهل يُشْترط في الإقرار بالزنا التفسير كما في الشهادة، أو لا يُشْترط كما في القذْف؟ فيه وجهان. ولا فَرْق بين أن يشْهَد شهودُ الزنا في مجْلِسٍ واحِدٍ، أو في مجالس متفرِّقة، وقال أبو حنيفة: إن شهدوا في مجَالِسَ متفرِّقةٍ، لم تُقْبل، وعليهم حدُّ القذف، والاعتبار بمجْلس القاضي، طال أم قصر.
لنا: أن شهادتهم مقبولةٌ عند إلاجتماع، فكذا عند التفرُّق، كما في سائر الوقَائع؛ على أنهم إذا جَاءُوا متفرقين، كانوا أبعد عن التهمة، فتكون شهادتهم أولَى بالقبول، ولو شهد الشهود، ثم غابوا، أو ماتُوا، فللحاكم أن يحكم بشهادتهم، ويقيم الحدَّ خلافًا لأبي حنيفة، وتُقْبل الشهادةُ على الزنا بعْد تطاول الزمن خلافًا لأبي حنيفةَ، ويُرْوَى عنه
_________________
(١) قال الأذرعي: قوة كلامه يفهم أنه لو تقدمت البينة أنه لا أثر للرجوع. وقال الدارمي: إذا شهدوا عليه بالزنا ثم أقر ورجع. قال المروزي: يقبل. وقال ابن القطان: قال غيره لا يقبل وكذا نقلهما الماوردي في الصورتين. ثم قال: الأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين اعتبار أسبقهما سواء كان هو الإقرار أو البينة، وترتب على السابق حكمه دون اللاحق. انتهى وفي أشراف أبي سعيد الهروي وغيره أنه لو أقر المشهود عليه قبل الحكم فالقول مستند إلى الإقرار دون الشهادة. وحكى الفوراني وجهًا في المناظرة أنه مستند إليهما جميعًا وليس بمذهب. قال -أعني صاحب القوت: وسيأتي في الدعاوى ما يقتضي إسناده إلى الشهادة فقط، وتفصيل الماوردي هو المختار وسقوط الحد بعد ثبوت الزنا بالبينة وبالرجوع عن الإقرار اللاحق من بعد بعيد مؤد إلى سد الباب ولا خفاء أن محل الوجهين فيما قبل الحكم بالبينة. ولم أره نصًا. انتهى. وقال الشيخ جلال الدين البلقيني بعد ذكره كلام الروضة: لو انعكس التصوير فقامت البينة ثم قال: فهل يقبل رجوعه يعني على أن الحكم في هذه الصورة عند عدم الرجوع يستند إلى الشهادة والإقرار جميعًا أم إلى الإقرار دون الشهادة، وفيه وجهان حكلاهما النووي عن أبي سعيد الهروي. قال: والصحيح منهما الثاني والأول حكاه الفوراني في المناظرة، وقضيته أنا إذا قلنا: يستند إلى الإقرار وهو الصحيح صح رجوعه وإلا فلا، ولكن قد يتوقف في ذلك من جهة أن البينة لا رجوع فيها، وقد أقيمت في وقت إقامتها وهو الإنكار فلا سبيل إلى إبطالها.
[ ١١ / ١٥٤ ]
تحديد التطَاوُل بسنة. إذا عُرِفَ ذلك ففي الفصْل صُوَرٌ:
إحداها: إذا شهد أربعةٌ على امرأة بالزنا، وشهد أربع نسوة على أنها عذراء، لا يجب عليها حدُّ الزنا، لشبهة بقاء العذرة خلافًا لمالك، ولو قذفها قاذفٌ، لم يلزمه الحد؛ لقيام الشهادة على الزنا، واحتمال أنه زالَتِ العذرة، ثم عادتْ لترك المبالغة في الافتضاض، وكذلك لا يجب حد القذف على الشُّهود، ولو أقامت هي أربعةٌ على أنه أكرهها (١) على الزنا، وطلبَتِ المهرَ، وشهد أربعُ نسوة عَلَى أنها عذراء، فلا حد عليه للشبهة، وعليه المهْرُ؛ لأنه يثبت مع الشبهة، ولا يجب عليها حدُّ القذْف بشهادة الشُّهود، ولو شهد اثنان على أنَّه وطئها بشبهة، [وشهد] أربع نسوة على أنَّها عذراءُ، فكذلك يجب المهر [ولا حد عليه للشبهة] قال القاضي ابن كج: ولو شهد على امرأة أربعةٌ بالزنا، وشهد أربع نسوة على أنها رَتْقَاء، فليس عليها حدُّ الزنا، ولا عليهم حدُّ القذف؛ لأنهم رَموْا بالزنا مَنْ لا يتأتى منه الزنا.
الثانية: لو شهد أربعةٌ بالزنا، وعيّن كلُّ واحدٍ منْهم زاويةً منْ زوايا البيت، لم يجب الحدُّ على المشهود عليه؛ لأنهم لم يتَّفقوا على زَنْيةٍ واحدة، فأشبه ما إذا قال بعضُهم: زَنَى بالغداة، وبعضُهم: زَنَى بالعشيِّ، وقال أبو حنيفة "يجب الحدُّ عليه"، وسلم أنه لو شهد اثنان على أنَّه زنَى بها بالبصرة، واثنان على أنه زنا بها بالكوفة، أو اثنان على أنه زَنَى بها في هذا البيت، واثنان على أنه زَنَى بها في بيتٍ آخر، لا يجب الحد، وهل يجب حدُّ القذف على الشهود؟ فيه خلاف سيأْتي؛ لأنه لم يتم عدد الشهود على زنيَّة واحدة، وعند أبي حنيفة: لا يُحدُّ الشهودُ هاهنا مع مصيره إلى أن الشهود، إن نقص عددهم، يُحَدُّون.
الثالثة: إذا شهد اثنان على أن فلانًا أَكْرَهَ فلانةً على الزنا، لم يثبت الزنا، وهل يثبت المهر؟ يُبْنَى على أنه، إذا شهد على الزنا أقلُّ من أربعة، هل عليهم حد القذف؟ وفيه خلاف سيأتي، فإن قلنا: لا يجب، يثبت المهر وإلا فلا، ولو شهد أربعةٌ على رجُلٍ أنه زَنَى بفلانة، وذكر اثنان منهم أنها كانَتْ مكرهة واثنان أنها كانتْ مطاوِعةً، فلا حدَّ على المرأة؛ لأنه لم يتمَّ شهودُ زناها، وهل يجب على الرجُلِ؟ يُبْنَى على أن شاهدي الطواعية، هل عليهما حد القذْف للمرأة؟ وفيه قولان؛ لنقصان العَدَد، فإن قلْنا: يجب [الحد] عليهما، وهو الأظهر، لم يجب حد الزنا على الرجُل، لخروج قولهما عن أن يكون شهادةً، وإن قلْنا: لا يجب عليهما حدُّ القذف، ففي وجوب حد الزنا على الرجل وجهان، حكاهما الإِمام:
_________________
(١) في ز: أقر.
[ ١١ / ١٥٥ ]
أحدهما: المنع لاختلاف الشهادة في صفة الفعْل.
وأظهرهما: الوجوب، لاتفاقهم على زناه مكرهةً كانت أو مطاوعةً؛ ولذلك يجب عليه المهْر، ولا خلاف أنه لا يجبُ حدُّ القذف على شاهِدِي الإكراه، ولا يجب حدُّ القذف للرجُل، أما إذا حدَدْناه، فظاهر، وأما إذا لم نَحُدِّه؛ فَلأنَّ عددَ الشهود على زناه قَدْ تَمَّ، وإنما ردَدْنا الشهادة؛ لأمرٍ مجتَهَدٍ، [والله أعلم].
هذا تمام الكلام في طرف الوُجُوب.
قال الغَزَالِيُّ: (الطَّرَّفُ الثَّانِى في كَيْفِيَّةِ الاسْتِيفَاءِ وَمُتَعاطِيهِ) أَمَّا الكَيْفِيَّةُ فَيُسْتَحَبُّ حُضُورُ الوَالِي، وَإِنْ ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ فَحُضُورُ الشُّهُود وَبِدَايَتُهُم بِالرَّمْيِ وَلاَ يَجِبُ (ح) ذَلِكَ، وَلاَ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ بَل يُنَكَّلُ بِالرَّجْمِ لاَ بصَخْرَةٍ تذفف وَلاَ بِحَصَيَاتٍ تُعَذِّبُ بَلْ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في الاستيفاء في فصْلَيْن.
أحدهما: في كيفيته.
والثاني: في مباشرته.
أما الأول: ففيه صور:
منها: إقامة الحدِّ على الأحرار إلى الإِمام أو مَنْ فَوَّضَ إليه الإمامُ، وإذا أمر باستيفائه، جاز للمفوَّض إليه استيفاؤُه، ولا يجِبُ حضورُ الإِمام في الرجْم، سواءٌ ثبت الزنا بالبينة أو بالإقرار، ولا حضُورُ الشهود، إذا ثبت بالبينة، ولكن يستحبُّ حضورهم وبدايتهم بالرمْي.
وعند أبي حنيفة: يجب حضورُ الإمام، وَيبْدَأُ هو بالرمي إليه، ويجب حضورُ الشهودِ، إن ثبت بالبينة، ويبدءون بالرجم، ثم الإمامُ ثم الناس.
لنا: أن النبيَّ -ﷺ- أمر برَجْم ماعز والغامدية، ولم يحضُر، وأيضًا، فإنه لا يُشْترط حضورُهم في إقامة الحدِّ وقطع السرقة، فكذلك في الرجْم.
ومنها: يستحب أن يُستوفَى الحدُّ بمحضر جماعة، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وأقلهم أربعةٌ، وهم عدد شهود الزِّنا.
وعن أحمد: أنه يكفي حضور اثنين.
ومنها: لا يقتل المحصَنُ بالسيف، بل المقصود أن يمثَّل به ويُنَكَّل بالرجم، وليس لما يُرْمَى إليه تقديرٌ لا جنْسًا، ولا عددًا وقد تصيب الأحجارُ مَقَاتِلَهُ، فيموت سريعًا، وقد يتباطأ موته، ولا يرمى بصخرة تذَفِّف، ولا يطول [تعذيبه]، بالحصيات
[ ١١ / ١٥٦ ]
الخفيفة، بل يحيط الناس به، فيرمونه من الجوانب بحجارةٍ معتدلةٍ ومَدَرٍ ونحوها إلى أن يموت، رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ -﵁- في قصة ماعز قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِرَجْمِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلاَ حَفَرْنَا لَهُ، وَرَمَيْنَاهُ بالْعِظَامِ، وَالمَدَر، والخَزَف ثُمِّ اشْتَدَّ وَاشْتَدَدْنَا حَتَّى أَتَى الحَرَّةَ، فَانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلاَمِيد الحَرة حَتَّى سكن (١).
ومِنْهَا: لا يحفر للرجُل عند الرجْم، سواء ثبت زناه بالبينة أو بالإقرار، وأما المرأة، ففيها وجوه:
أحدها: أنه يستحبُّ أن يحْفرَ لها إلى صَدْرها ليكونَ أسْتَرَ لها، وهذا ما أطلقه الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ، والحسين الفراء.
والثاني: أن الأمر فيه إلى خَيْرةُ الإِمام، إن شاء، حفر، وإلا، لم يَحْفِرْ، ولا استحباب فيه؛ لما روي أنه حفر للغامدية، ولم يَحْفر للجُهَنِيَّة، وحُكِيَ هذا عن القاضي أبي الطيب.
وأشبهها، وهو المنسوب إلى الشيخ أبي حامد، والذي أورده الرويانيُّ في "جمع الجوامع" الفرق بين أن يثبت زناها بالبينة، فيستحبُّ أن يُحْفَر لها، لئلا تنْكَشف، وبيْن أن يثبت بالإقرار، فلا يُستحبُّ ليمكنها من الهَرَب، إن رجعتْ، وفي إقامة الجَلْد صورٌ أخرى يؤخرها إلى جناية "شرب الخمر"؛ لأن صاحب الكتاب ذَكَر بَعْضَها هناك.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا رُجِمَ، وَإِنْ كَانَ الوَاجِبُ الجَلْدَ أُخِّر إلَى البُرْءِ، وَإِنْ كَانَ مُجْدَجًا لاَ يَحْتَمِلُ السِّيَاطَ فَيُضْرَبُ بُعُثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَإنْ كَانَ خَمْسُونَ ضُرِبَ مَرَّتَيْنِ ضَرْبًا مُؤْلِمًا بحَيْثُ يَتَثَاقَلُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الشَّمَارِيخِ، وَلاَ نُفَرقُ السِّياطُ عَلَى الأيَّامِ، وَإِنْ احْتَمَلَ سِيَاطًا خِفَافًا فَالقِيَاسُ أنَّهُ أَوْلَى مِنَ الشَّمَارِيخِ، فَإِنْ ضُرِبَ الشَّمَارِيخِ فَزَالَ مَرَضُهُ عَلَى النُّدُورِ فَلاَ يُعَادُ الحَدُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الظاهر المشهورُ أن الرجْم لا يؤخَّر للمَرض؛ لأن نفْسه مستوفاةٌ، فلا فرق بين المريض والصحيح، وفيه وجه مذكورٌ في كتاب القاضي ابن كج "والتَهْذيب" وغيرهما: أنه إن ثبت بالإقرار فيِؤخَّر إلى أن يبرأ؛ لأنه بسبيل من الرجُوع، وربَّما يَرْجع بعْد ما رمى إلَيْه، فيُعَيَّن ما وُجِدَ من الرمي على قَتْله، وهذا الخلاف يعُود مثلُه في أَنَّه هل يُرْجَمُ في شدَّة الحر والبرد، وإن كان الواجب [الجلد] (٢)، فإن كان المرضُ مما يُرجَى زواله، فيؤخَّر إلى أن يبرأ؛ كيلا يَهْلِكَ بتعاون الجَلْد والمرض،
_________________
(١) رواه مسلم في حديث أبي سعيد.
(٢) سقط في ز.
[ ١١ / ١٥٧ ]
وكذلك المحدود والمقْطُوع في حدِّ وغيرِه، لا يقام عليه حدٌّ آخر حتى يبرأ.
وعن رواية أبي الحُسَيْن بْن القَطاَّن وجه: أنه لا يؤخَّر، ويُضْرَب في المرض بحَسَب ما يحتمله من الضَّرْب بالعُثْكَالِ وغيره؛ على ما سنبين، كما أن الصَّلاة إذا وجبتْ، يؤديها المريض قاعدًا، فلا ينتظر التمكُّن من القيام، ولو ضُرِبَ كما يحتمله ثم برأ، فهل يُقَام عليه حدُّ الأصحاء؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهَيْن، وليكونا مبنيين على أنه يُؤخَّر إقامة الجلد أو يستوفَى بحسب الإمكان؟ إن قلنا بالأول، فالذي جرى، ليس بحدٍّ؛ فلا يسقط، كما لو جُلدِ الزانِي المحْصَنُ، لا يسْقُطُ عنه الرجْم، وإنْ قلنا بالثاني، فلا يُعاد الحدُّ، وإن كان المرضُ مما لا يرجَى زواله؛ كالسُّلِّ، والزَّمَانَة أو كان مُخْدَجًا ضعيفَ الخلقة (١)، لا يَحْتَمِل السياطَ، فلا يؤخَّر الحدُّ؛ إذْ لا غاية تُنْتَظر، ولا يُضْرب بالسياط؛ لئلا يَهْلِك، ولكن يُضْرب بعُثْكالِ عليه مائةُ شمراخٍ، وهو الغصن ذو الفُرُوع الخفيفة. وعند أبي حنيفة ومالك [أنَّه] (٢) يضرب بالسياط، ثم [عن] أبي حنيفة: أنه يجمع مائةُ سوط، ويضرب بها دفعةً واحدةً، وعن مالك: أنه يُضْرب بالسياط [مفرَّقَة] على الأيَّام.
لنا ما رُوِيَ (٣) عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيْف: "أن رجلًا مُقْعدًا زَنَى بامرأةٍ، فأمر النبيُّ -ﷺ- أَنْ يُجْلَدَ بإثكالِ النَّخْلِ" والإثكالُ والعُثْكَال واحد ويُرْوَى (٤) أنه أمر أن يأخُذوا مائةَ شمراخٍ، فيضربوه بها ضربةً واحدةً.
ولا يتعيَّن الضرب بعُثْكال النخْل، بل يقوم [مقامه] الضَّرْب بالنعال (٥) أطراف
_________________
(١) في أ: الجبلة.
(٢) سقط في ز.
(٣) قال الحافظ في التلخيص: يروى أنه أمر أن يأخذوا مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة، الشَّافعي عن سفيان عن يحيى بن سعيد وأبي الزناد كلاهما عن أبي أمامة، ورواه البيهقي وقال: هذا هو المحفوظ عن أبي أمامة مرسلًا، ورواه أحمد وابن ماجة من حديث أبي الزناد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كان بين أبياتنا رجل مخدج ضعيف، فلم يرع إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها، فرفع شأنه سعد بن عبادة إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: اجلدوه مائة سوط، فقال: يا نبيَّ الله هو أضعف من ذاك، لو ضربناه مائة سوط لمات. قال: فخذوا له عثكالًا فيه مائة شمراخ، فاضربوه واحدة، وخلوا سبيله، ورواه الدارقطني من حديث فليح عن أبي حازم عن سهل بن سعد، وقال: وهم فيه فليح، والصواب عن أبي حازم عن أبي أمامة بن سهل، ورواه أبو داود من حديث الزهري عن أبي أمامة عن الرجل من الأنصار، ورواه النسائي من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد الخدري، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فيكون أبو أمامة قد حمله عن جماعة من الصحابة، وأرسله مرة.
(٤) في ز: وروي.
(٥) في أ: لعثكال.
[ ١١ / ١٥٨ ]