[لو] (٥) قال: قتلتُ بسحْري جماعَةً، ولم يعيِّن (٦) أحدًا، فلا قصاص؛ لأن المستحِقَّ غير متعيِّن، وعند أبي حنيفة يُقْتَل حدًّا، لسعْيه في الأرض بالفساد، وبمثله يقول إذا أقر بقتل اثنين فصاعدًا على التعيين، وإن كان لا يوجب القصاصَ بالقَتْل بالسحْر على ما حكينا مِنْ قبلُ.
آخَر: إذا أصاب غيْرَه بالعَيْن، واعترف بأنه قتله بالعَيْن، لم يجب القصاص، وإن
_________________
(١) في ز: ينتهي.
(٢) في أ: القائل.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: ويحل.
(٥) سقط في ز.
(٦) في ز: يعني.
[ ١١ / ٥٧ ]
كان العيْن حقًّا، ويقال: إن في الناس مَنْ يقصده، وقليلًا ما يخطئُ لأنه لا يقضي إلى القَتْل اختيارًا، ولا يُعَدُّ ذلكَ مِنْ أسباب الهلاك.
قال الغَزَالِيُّ: وَمِنَ الشُّرُوطِ أَلاَّ تَتَضَّمَنَ الشَّهَادَةُ نَفْعًا وَلاَ دَفْعًَا، فَلَوْ شَهِدَ عَلَى جَرْحِ المُوَرِّثِ لَمْ يُقْبَلُ، وَلَوْ شَهِدَ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لِمُوَرِّثِهِ المَرِيضِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى جَرْحٍ وَهُمَا مَحْجُوبَانِ ثُمَّ مَاتَ الحَاجِبُ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالنَّظَرُ إِلَى حَالَةِ الشَّهَادَةِ لِلتُّهْمَةِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَمَا في الإِقْرَارِ لِلوَارِثِ، وَلَوْ شَهِدَتْ العَاقِلَةُ عَلَى فِسْقِ بَيِّنَةِ الخَطَأ لَمْ يُقْبَل لِأَنَّهَا دَافِعَةٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ فُقَرَاءِ العَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانُوا مِنَ الأَبْاعِدِ قُبِلَ لِأَنَّ تَوَقُّعَ مَوْتِ القَرِيبِ بَعِيدٌ بِخِلَافِ تَوَقُّعِ الغَنِىِّ، وَقِيلَ فِي البَعِيدِ وَالقَرِيبِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سيأتي في "كتاب الشهادات" بتيسير الله -تعالى- أنَّ مِنْ شروطِ الشهودِ الانفكاكَ عن التهمة، وأن مِنْ أسباب التُّهمة أن يَجُرَّ بالشهادة نفْعًا إلى نفْسه أو يدْفع ضررًا، وأنَّ مِنْ صوَر الْجَرِّ أنْ يشهدَ على جَرْح مُوَرِّثه، وفيه مسائل:
إحداها: إذا ادعَى على إنسان أنه جرَحَه، وشهد للمدَّعِي وارثه، نُظِر؛ إن كان من الأصول أو الفروع، لم تقبل شهادته للبعضية، وإن كان من غيرهم، فإن شهِدَ بعْد الاندمال، قُبِلت شهادته، وإن شهد قبْله، لم تُقْبَلْ؛ لأنه لو مات كان الأرْشُ له، فكأنه شهد لنفسه، وإن شهد بمال آخر لمورثه المريض مرَضَ الموتِ، فوجهان:
أحدهما، ويُحْكَى عن أبي إسحاق: أنها لا تقبل أيضًا، ورجَّحَهُ صاحب "الإفصاح" وابن الصَّبَّاغ توجيهًا بأن المرِيضَ محجور [عليه] (١) المرض؛ لِحَقِّ الوَرَثَةِ؛ ولذلك لو وهب غير ذلَك المال، يعتبر من الثلث، وذلك يوجب التُّهْمَةَ في شَهَادَةِ الوارث.
وأظهرهما؛ عند أكثرهم، وبه قال أبو الطَّيِّب بن سلمة: أنها تُقْبَلُ، وبه أجاب صاحب الكتاب في "باب الشهادات"، ولم يذكر الَخلاف الذي ذكَره هاهنا، والمسألةُ معادةٌ هناك، وربَّما زدْنا في شرْحِها.
الثانية: لو شهد اثنان على الجَرْح، وهما محجوبان، ثم صارَا وارثَيْنِ، كأخوين يشْهَدان، وللمجْروح ابنٌ، ثم يموت الابن، فالشهادةُ في الأصل مقبولةٌ، ثم إن صارا وارَثَيْن قبل أن يقضي القاضي بشهادتهما، فلا يَقْضِي، وإن كان بعْدَ قضائه، لم ينقض القضاء، كما لو شهد الشاهد ثم فَسَقَ، وحكى الفورانيُّ طريقةً أخرَى، وهي أن في المسألة قولَيْن:
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١١ / ٥٨ ]
أحدهما: هذا.
والثاني: أن الاعتبار بحالة الشهادة، ولا أثر لما طرأ، وشبَّهه بالخلاف في "مسألة الإقرار للوارث" في أن الاعتبار بحالة الإقرار أعم بحالة الموت.
ومثاله: أن يقر لأخيه، وله ابنٌ، فيموت أولًا ابن له، فيولد، ولو شَهِدَ، وَهُمَا وارثان في ظاهر الحال، ثم وُلِدَ له ابنٌ، فالشهادة مردودةٌ للتُّهْمَةِ عند آدائها، وطردت الطريقة الأخرَى حتى إذا اعتبرْنا بالمال، فإذا خرَجَ عن كَوْنه وارثًا، تبيَّن كون الشهادة مقبولةً، وكأنَّا نتوقَّف في الشهادة إلى أن يتبين آخر الأمر، ولو شهد وارثان على جَرْحِ الموروث (١)، فَبَرِئَ المجروح، فظاهر المذْهَب أنه لا يثبت الجرح؛ لقيام التهمة حال أداء الشهادة.
وعن صاحب "الإفصاح" وغيره حكايةُ وجْهٍ أنه يثبت بناءً على أن الشهادة موقوفةٌ، كما أن عَطَايَاهُ في المرض موقوفةٌ، ومما عُدَّ من صُوَر دفْعِ الضرر؛ أن تقوم البينةُ على القَتْل الخطأ، فشهد اثنان من العاقلة الَّذين يتحمَّلون الدية عَلى فِسْق بينة القتل، فلا تقبل شهادتهما (٢)؛ لأنهما متهمان برفْع التحمُّل عن نفسهما، وهذا أيضًا معادٌ في "الشهادات". ولو كان الشاهدان من فقراء العاقلة الذين لا يتحمَّلون، فالنصُّ أن شهادتهما لا تُقْبل أيضًا، وإن كانا من الأباعد، وفي عدد الأقربين وفاءٌ بالواجب، فالنصُّ قَبُولُ شهادتهما، وفي الصورتَيْن طريقان:
أحدهما: أن فيهما قولَيْن نقلًا (٣) وتخريجًا.
وجْه القَبُول: أنهما لا يتحمَّلان في الصورتين شيئًا [فليس] وليس الموضِعُ موضِعَ التهمة.
ووجه المنْع: أن الفقير يتحمَّل لو أيسر والبعيد يتحمل، لو مات القريب، فهما مُتَّهَمَان بدفْع ضرَرٍ متوقَّع.
والثاني: تقرير النصين، والفرْق أن المال غادٍ ورائح، والغنيُّ غير مستبعد، بل كلُّ يحدِّث نفسه به، ويتمنى الأماني، وموتُ القريب الذي يُخْرِج الأبعد إلى التحمُّل كالمستبد في الاعتقادات، والتهمةُ لا تتحقَّق بمثله، وقد سبق ما يَقْرُب من هذا المعْنَى في "الإيلاء"، ورجَّح الإِمام طريقةَ القولَيْن معترضًا على الثانية بأن البَعِيدَ كما يلزمه التحمُّل بموت الأقربين، يلزمه (٤) التحمُّل بافتقارهم وحاجتهم، ولَئِنِ استبعد الموت،
_________________
(١) في ز: المورث.
(٢) في ز: بينهما ديتهما.
(٣) في أ: نصًا.
(٤) في ز: ملزم.
[ ١١ / ٥٩ ]
فاحتمال الفقر والحاجةِ غيْرُ مستبعد، كما أن احتمال الغني [غير] (١) مستبعد، والأظهر عند الأكثرين طريقةُ التقرير، وبها: قال أبو إسحاق، ولهم أن يجيبوا عما ذَكَرَه بأن الإنسان يطلب غنى نفسه وتدبير أسبابه، ويتحيل مساعدة القَدَر والظَّفَر بالمقصود، ولا يطلب فقْرَ (٢) غيره، ولا يسعى فيه، فتكون التهمةُ المَبْنِيَّةُ على تقدير غِنَاهُ أظْهَرَ من التهمة المَبْنِيَّة على فَقْرِ الغَيْر، وتُقْبَل شهادة العاقلة على فِسْق بينة القتل، وبينة الإقرار بالقَتْل الخطأ؛ لأن الدية لا تلزمهم، وإن حكمنا بالبينتين، فلم يكونا دَافِعَتَيْنِ.
وقوله في الكتاب: "وقيل في القريب والبعيد [قولان"] (٣) يعني في القريب الفقير، وفي البعيد، والأحسن أن يقال: "وقيل في الفقير والبعيد" [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ بِالقَتْلِ فَشَهِدَ المَشْهُودُ عَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا قَتَلاَ هَذَا القَتِيلَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا لِأَنَّهُمَا دَافِعَانِ وَمُبَادِرَانِ قَبْلَ الاسْتِشْهَادِ، وَشَهَادَةُ الحِسْبَةِ لاَ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الآدَمِيِّينَ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا المُدَّعِي بَطَلَ حَقَّهُ لِتَنَاقُضِ دَعْوَاهُ، وَلَوْ شَهِدَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِالقَتْل فَهْمَا دَافِعَانِ وَمُبَادِرَانِ، وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِالقَتْلِ فَهُمَا مُبَادِرَانِ وَلَيْسَا دَافِعَيْنِ فَيُخَرَّجُ عَلَى شَهَادَةِ الحِسْبَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شهد اثنان على رجلَيْن؛ أنهما قتلا فلانًا، فشهد المشهود عليهما أن الأوَّلَيْنِ قتلاه، قال الشافعيُّ -﵁- والأصحابُ: يُسْأل الوليُّ، فإن صَدَّق الأوَّلَيْنِ دون الآخَرَيْن، ثبت القتل على الآخَرَيْن بشهادة الأوَّلَيْن، ولا تُقْبَل الشهادة (٤) على الأولين؛ لأن الوليُّ يكذِّبهما، ولأنهما يدفعان بشهادتهما ضَرَرَ مُوجِبِ القتل الذي شهد به الأولان، والدافع مُتَّهَمٌ في شهادته، ولأنهما [صَارَا] (٥) عدوَيْنِ للأولَيْن بشهادتهما عليهما، وشهادة العدُوِّ على العدوِّ لا تقبل، وإن صدَّق الآخرَيْنِ دون الأولَيْن، بَطَلَت الشهادتان، أما شهادة الأولَيْن، فإنَّ تصديق الآخرَيْن يتضمن تكذيبهما، وأما شهادة الآخرين، فللمعنيَيْنِ الدفْعِ والعداوةِ، وإن صدَّق الفريقَيْن جميعًا، فكذلك تَبْطُل الشهادتان؛ لأن في تصديق كل فريق تكذيبًا للآخر، وإن كذبهما جميعًا، فهو اظهر، واعترض على تصوير المسألة أن الشهادةَ على القَتْل لا تُسْمَعُ إلا بعد تقديم الدعوَى ولا بد في الدعوَى من تعيين القاتل، فكيف يُسْأَلُ المدعِي بعد شهادة الفريقين، وأُجِيبَ عنه بوجوه:
أحدها، عن أبي إسحاق: أن تقديم الدعوى على الشهادة إنما يُشْتَرط إذا كان
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: ففي.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: شهادة الآخرين.
(٥) سقط في ز.
[ ١١ / ٦٠ ]
المُدَّعِي ممن يعبِّر عن نفسه، فأما مَنْ لا يعبر؛ كالصبيِّ والمجنون، فتجوز الشهادة لهم قبل الدعوَى والشهادة هاهنا لمن لا يعبر عن نفسه، وهو القتيل؛ ألا ترى أنه إذا ثبتت الديةُ، قضَى منها ديونَهُ، ونفذت وصاياه، وهذا ذهاب إلى أن شهادة الحِسْبَةِ تُقْبَلُ في الدماء، وهو وَجْه سيأتي -إن شاء الله تعالى ذكْرُه- في "الشهادات" لا مع وجْه آخر، وهو قَبُولُها في "الأموال" أيضًا، وظاهر المذْهب أنَّها لا تقبل في حقوق الآدميين المحْضَة أصلًا.
والثاني: قال قائلون: المسألة مصوَّرةٌ فيما إذا لم يعْلَم الوليُّ القاتلَ (١)، والشهادةُ قبل الدعوى مسموعةٌ، والحالةُ هذه، ويُحكَى هذا عن الماسرجسي والأستاذ أبي طاهر، وهو وجه يذكر في "الشهادات" أن شهادة الحسبة لا تقبل، إن علم المستحقُّ بالحق؛ وإن لم يَعْلَم، فتُقْبَل.
والأصحُّ: المنع، ويخبر الشاهدُ المستحِقَّ حتى تُقدِّم الدعْوَى، ثم يشهد الشاهد.
والثالث: قال الأصحاب تفريعًا على أن الشهادة لا تقبل إلاَّ بعد تقديم الدعوى، وهو الصحيح: صورة المسألة أن يدَّعِي القتْل على اثنين، ويشهد بذلك شاهدانِ، فيبادر المشهودُ عليهما، ويشهدا على الشاهدَيْن بأنهما القاتلان، وذلك يورِثُ رِيبَةً وشُبْهَةً للحاكم، فيراجع الوليَّ، ويسأله احتياطًا، وحينئذ، إن استمر عَلَى تصديق الأولَيْن، ثبت القتل على الآخرَيْن، وان صدَّق الآخرَيْن أو صدقَهُم جميعًا، بطَلَ الدعوتان لتناقضهما، وبطلت الشهادات، ولو كان المدعي وكيل للوليِّ، نُظِرَ؛ إن كان قد عيَّن الآخَرَيْن، وأمره بالدعوَى عليهما، ففعل، وأقام عليه شاهدَيْن، فشهد المشهودُ عليهما على الشاهدَيْن، فإن استمر الوكيلُ على تصديق الأوَّلَيْنِ، ثبت القتل على الآخرَيْن، وان صدَّقَهم جميعًا أو صدَّق الآخَرَين، انعزل عن الوِكَالَةِ، ولا تبطل دعْوَى الموكّل على الآخرين، وان لم يعيِّنْ للوكيل أحدًا، ولكن قال: ثأري عند اثنين من هؤلاء الجماعة، فادَّع عليهما، واطْلُبْ ثَأْرِي منهما، ففي صحَّة التوكيل هكذا وجهان مذكوران في "التهذيب". قال: وعلى تصحيحه يعْمَلُ الحُكَّامُ، والخلاف نازع إلى الخلاف المذكور فيما إذا قال: وَكَّلْتُك لمخاصمة خَصْمي أو هو هو، وعلى تصحيحه ينطبق ما حُكِيَ عن صاحب "التقريب" وأبي يعقوب الأبيوردي؛ أن المسألة في أصلها مصوَّرة فيما إذا كان قد وكَّل وكيلَيْن بطلب الدم، فادَّعَى أحدهما على اثنين والآخر على آخرَيْن، وشهد كلُّ اثنين على آخريْن، وإذا عيَّن الوكيلُ شخصَيْن، والتوكيلُ منهم كما صوَّرتا، وأقام عليهما شاهدَيْن، وشهد المشهودُ عليهما على الشاهدَيْن، والوكيل على تصديق الأوَلَيْن، يثبت
_________________
(١) في ز: القائل.
[ ١١ / ٦١ ]
القتل على المشهود عليهما، وإن صدَّق الآخرَيْن أو صدَّقهِم جميعًا، انعزل عن الوَكَالَة، [ثم] (١) إن صدَّق الموكلُ الأولَيْن، ثبت القتل على الآخرَيْن، وإن صدَّق الآخرين، جاز، وله الدعوى على الأولَيْن إذا لم يتقدَّم ما يناقض ذلك، لكن لا تُقْبَلُ شهادة الآخرين للتهمة بسبب الدفعِ والعداوة، والمبادرةِ قبل الدعوى والاستشهاد.
ثم هاهنا فائدتان:
إحداهما: عن صاحب "التقريب" تفريعًا على قبول الشهادة قبل تقديم الدعوَى: ذكر وجهين فيما إذا ابتدر أربعةٌ إلى مجْلس القاضي، وشَهِدَ اثْنان منْهم على الآخَرَيْن؛ أنهما قتَلا فلانًا، وشهد الآخران على الأولَيْن أنهما القاتلان.
أحدهما: بُطلانَ الشهادتين لتضادَّهما وتصادُمِهِما.
والثاني: أنا نُرَاجع الوليَّ، فإن لم يصدِّقْهم بَطَلت (٢) الشهادات، وإن صدَّق اثنين، تأيَّدت، شهادتهما بالتصديق، فتبطل شهادةُ الآخَرَيْن، وبه تصح شهادة المصدَّقَيْن، فيقضي بها. وفيه وجه آخر أنه يعمل بشهادة الأولَيْن، وتردُّ شهادة الآخَرَيْن؛ لأنهما دافعان وعدوَّان، وإذا فرَّعنا على أنه لا تُقْبَل الشهادة قبل [تقديم] الدعوَى، فلو ادعَى المدعي، وأعاد المبادر الشهادة هل تقبل شهادته فيه خلاف يُذْكر في "الشهادات".
الثانية: ردُّ الشهادة في المسألة لا لتهمة دفع الضرر ظاهرٌ، وقد نصَّ الشافعيَّ -﵁- على التعليل بها، وأما الردُّ للعداوة، فقد قال الإمامُ: العداوة التي تُردُّ بها الشهادةُ لا تثبت بهذا [القدر] (٣)، وموضِع ضَبْط العداوة التي توجِبُ ردُّ الشهادة بابها.
وفي الفصْل بعد هذا صورتان:
إحْداهما: إذا شهدَ رجلان على رجلَيْن بالقتل، فشهد المشهودُ عليهما على أجنبيِّ بذلك القتل، أو على أجنبيين (٤) فصاعدًا، فالنظر في كون الشهادة واقعةً بعد [تقديم] الدعوَى أو قبله، وفي تصديق الوليِّ الصنفين أو أحدهما على ما مرَّ، ولو كان المدعي وكيلَ الوليِّ، ولم يكن الوليُّ قد عين أحدًا، ثم إنَّه صدَّق الآخرَيْن، كان له أن يدعِيَ على الأولَيْن؛ لأنه لم يسبِقْ منه ما يناقضه، ولا تُقْبل شهادة الآخريْن، لأنهما مُتَّهَمان بالدَّفْعِ عن أنفسهما.
وعن أبي بكر الصيدلانيِّ -﵁-: أنه يُحْتمل ألاَّ يكونا (٥) متهمين؛
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: لطلب.
(٣) في أ: المقدار.
(٤) في ز: أجنبي.
(٥) في ز: يجعلا.
[ ١١ / ٦٢ ]
لأنهما ربَّما صَدَقا؛ فلا ينبغي أن ترد قولُهما بمبادرة غيرهما بالشهادة عليهما.
الثالثة: شهِدَ رجلان على رجلَيْن على التصوير الذي تقدَّم، فشهد أجنبيان على الشاهدَيْن؛ بأنهما القاتلان، فيَعُود فيه التفصيل، إن كان الوليُّ ادعَى بنفسه، وكذَّب الأَجْنَبِيَيْنِ بطلت شهادتهما، وإن صدَّقهما أو صدَّق الكلَّ، بطَلت الشهادات؛ لتناقض الدعوَتَيْن، وإن كان المدعي الوكيلَ، ولم يعيِّن الموكِّل أحدًا، فللموكّل الدعْوَى على الأولَيْن، والأجْنبيان ليْسا دافعَيْن، ولكنهما مبادران إلى الشهادة قبل الاستشهاد، فلو ادعَى عليهما، وجاء بالأجْنبِيَّيْن شاهدين، فعلى الخلاف في قبول الشهادة المُعَادَةِ من المبادرةِ.
والذي أورده في ""التهذيب": القبول، إن ادعَى وأعاد الشهادة في مجْلس آخر، وإن ادَّعَى [فشهدا] في ذلك المجلس، قال: فيه وجهان.
ولو ادعَى على اثنين ألفًا، وشهد له بذلك شاهدان، ثم شهد المشهود عليهما أو أجنبيان بان للمدعي على الشاهدَيْن ألفًا وصدَّق المدعي الآخَرَيْن أيضًا، لم تبْطُل دعواه الأُولَى، ولا شهادة الأَولَيْن على الآخرين، وله أن يَدَّعِي على الآخرَيْن أيضًا، لجواز اجتماع الألْفَيْنِ، وشهادة الآخرين على الأولَيْن شهادةٌ قبل الدعوَى والاستشهاد، قال في "التهذيب": فلو ادعَى وشهدا في مجْلسِ آخر، قُبِلَتْ شهادتهما، ولو جَرَى في ذلك المجْلِسِ، ففيه وجهان.
قال الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا شَهِدَ أَحَدُ الوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ سَقَطَ القِصَاصُ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ بِشَهَادَتِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أقر أحدُ الوَرَثَةِ بعَفْو بعضهم عن القصاص، وعيَّنه أو لم يعيِّنه، سقط القصاص؛ لأنه اعترف بسقُوطِ حَقِّهِ عن القِصَاص؛ إذ القصاصُ لا يتبعَّض، وإذا وُجِدَ منه ما يُسْقِط حقه من القصاص، سقط حقُّ الآخرين، كما لو قال: أسْقَطْتُ حقِّي عن القصاص، وقرب ذلك بما إذا أقر أحدُ مالكي العبْد بأن شريكه أعتقه، وهو موسِرٌ، يُحْكَم بنقود العتق، إذا جَعَلْنا السراية قضية لإقراره، وأما الدية، فإن لم يعيِّن المقر العافِيَ، فللورثة جميعًا الديةُ، وإن عيَّنه، وأنكرُ فكذلك، والقولُ في أنه لم يعْفُ عن الدية قولُه مع يمينه، وإن أقر بالعَفْو عن القصاص، فلغير العافي حِصَّتهم من الدية، والعافي إنْ عما على الدية، فكذلك، وإن أطْلَق العفْوَ، فعلى القَوْلين في وجوب الدية في العَفْو المُطْلَق، ولو شهد أحَدُ الورثة بِعِفُوِ بعْضِهم، نُظِرَ، إن كان فاسقًا، ولم يعَيِّن العافي، فحكم الشهادة حُكْم الإقرار، وإن كان عَدْلًا، وعيَّن العافي وشهد بأنه عفا عن القصاص والدية جميعًا، فللجاني أن يَحْلِفَ معه، ويسقط القصاص والدية.
أما القصاص فإنَّه يسقط بالإقرار الذي تتضمَّنه الشهادة، وأما الدية، فلأن العَفْو
[ ١١ / ٦٣ ]
عن المال يثبت بشاهد ويمين، وكذلك الحُكْم، لو شهد رجل وامرأتان من الوَرَثَةِ؛ لأن العفو عن المال يثبُت برجُل وامرأتين، وكيف يحْلِف الجاني مع شهادة الوارِثَ؟
قال في "المختصر": حلف القاتل مع شهادته، لَقَد عفا عن القصاص والمال، وتَعَجَّبَ من ظاهره جمهورُ الأصحاب، وقالوا: القصاصُ يسقُطُ بشهادة الوارث، فيكفي أن يذكر في يمينه، أنه عفا عن الدية، ولا حاجة إلى التعرُّض للقصاص، وتكلَّموا فيه من وجوه.
أحدها: أن قوله "لقد [عفا] (١) عن القصاص والمال" متعلِّق بشهادة الوارث لا بيمين الجاني، والمعنى بِحلف القاتل أنه عفا عن الدية مع شهادة الوراث على أنه عفا عنهما جميعًا.
[والثاني: حمله حاملون عَلَى ما إذا ادعَى المدعي العَفْو عنهما جميعًا] (٢)، وأجاب المدعَى عليه بأنه ما عفا عن القصاص، ولا عن الدية، فيحْلِف بِحَسَب الجواب، ولو اقتصر عَلَى أنه ما عفا عن الدية، كفَاهُ ذلك.
والثالث: أنه ذكر ذلك احتياطًا؛ لتكون عبارته في اليمين مطابقةً لعبارة الشاهد في الشهادة.
وعن بعْضِهم: أنه أخذ بظاهر النصِّ، وقال: إذا قلْنا: إن موجب العمْد القَوَدْ المَحْضُ، فإنما تثبت الديةُ بالعَفْوِ عن القَوَد، ولا يصحُّ العفْو عن الدية حتى يَعْفُوَ عن القصاص والدية جميعًا، فإذا حلَف على العفْو عن الدية من غير ذكْر العفْو عن القصاص، لم يكن حالفًا على عفْوٍ صحيحٍ، وإذا ادعَى الجانِي العفْوَ عن القصاص على الورثةِ، مِنْ غير ذِكْرِ العَفْوِ حلف، وثبت العفْو بيمين الرد.
وإن اْقام بينة على العفْو، لم تُقْبل إلاَّ شهادة رجلَيْن؛ لأن القصاص ليس بمال وما لا يثبت برجُل وامرأتين، لا يُحْكم بسقوطِه برجُلٍ وامرأتين.
وإن ادعَى على بعْضِهم العَفْوَ عن حِصَّتِهِ من الدية، فقد آلَ النِّزَاعُ إلى المال، فله إثباته بشاهد ويمينٍ، وبرجل وامرأتين؛ لأن المال يثبت بهما فكذلك إسقاطه.
وقوله في الكتاب: "سقط القصاص بإقراره، وإن كان فاسقًا، لا بشهادته" يعني: أن القصاص يَسْقُطُ بالإقرار الذي هو في ضِمْن الشهادة، لا بالشَّهَادة حتى يَسْقُطَ، إنْ كان فاسقًا لا شهادَة له.
قال الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّاهِدَيْنِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ آلَةٍ فَهُمَا مُتَكَاذِبَانِ،
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
[ ١١ / ٦٤ ]
ثُمَّ لاَ يَثْبُتُ بِهِ لَوْثٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الإِقْرَارِ بِالقَتْلِ المُطْلَقِ وَالآخَرُ عَلَى الإِقْرَارِ بِالقَتْلِ العَمْدِ ثَبَتَ أَصْلُ القَتْلِ، وَالقَوْلُ قَوُلُ المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي نَفْيِ العَمْدِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنُ لَوْثٌ، وَإِنْ قَالَ: أَحَدُهُمَا قَتَلُهُ عَمْدًا وَقَالَ الآخَرُ خَطَأً فَفِي ثُبُوتِ أَصْلِ القَتْلِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
الأولى: إذا اختلف شاهدا القَتْلِ في زمانٍ؛ بأن قال أحدهما: قتله يوم السبت أو غدوته، وقال الآخر: يوم الأحد أو عشيَّتَه، أو في مكان؛ بأن قال أحدهما: قتله في البيت، فقال الآخر: في السوق وفي الآلة؛ بأن قال أحدهما: قتله بالسيف، وقال آخر: بالرُّمْح أو بالعصا، أو في هيئةٍ؛ بأن قال أحدهما: قتله بالحَزِّ، وقال الآخَرُ: بالقَدِّ، لم يَثْبُتِ القَتْلُ، بقولهما، وكذا الحال فيما يشهدان به، ويَخْتَلِفَانِ فيه من الأفعال والألفاظ المنشأة. وهل يكون ذلك لوثًا حتى يُقْسم [فيه] المدعي؟
قال في "المختصر": إنه يكون لوثًا، وذكر أن في بعض نُسَخَ في "المختصر" أنه لا يكون لَوْثًا، وكذلك حكَى عن رواية الربيع، وفيهما طرق ثلاثةٌ، فعن أبي علي بن أبي هريرة وغيره: أن في المسألة قولَيْن:
أحدهما: أنه لا يكون لَوْثًا؛ لأن كل واحد من القولَيْن مُنَاقِضٌ للآخر، فكل واحد من القائلَيْن يكذِّب للآخر، فيندفعان، ولا يتحرَّك به ظنٌّ.
والثاني: أنه يكون لَوْثًا؛ لأنهما متفقان على أصْل القتل، وإن اختلفا في صِفَاتِهِ، وربَّمَا غَلِطَ أحدهما أو نَسِيَ، فقد لا يَشُكُّ في أصل الوَاقِعَةِ، وَيشُكُّ في وقتها وكيفيتها.
وعن أبي إسحاق: القطْعُ بأنه لَوْث، وبَانَ إثبات كلمة "لا" حيث أثبت غلطٌ، وعن أبي سلمة: وابن الوكيل القطْعُ بأنه ليس بلوث، والمصيرُ إلى أن إسقاط كلمة "لا" حيث أسقطت غلَطٌ.
وقال القاضي أبو حامدٍ: إنما أثبت الشافعيُّ -﵁- اللَّوْث فيما إذا شهد أحدهما بالقَتْلِ، والآخرُ على الإقرار بالقتل، فنقل المزنيُّ جوابه إلى هذه المسألة غَلَطًا، واختار الإِمام طريقة القولَيْن، وهي الأعدل. والأظهر من القولَيْن على ما بيَّنهُ في الكتاب، وذكَره صاحب "التهذيب" أنه ليس بلَوْث.
وقوله: "على الصحيح" يجوز أن يريد من القَوْلَيْنِ، ويجوز أن يريد من الطرق.