لو أوضح جبينه، وأزال حاجبه، فعليه أغلظُ الأمرين من أرش الموضِّحة، وحكومة الشين، وإزالة الحاجب، قاله في التتمة (٦).
النوع الثاني في القطعِ المُبِينِ للأعضاء. فرغْنَا عن الكلام في "الجراحات".
والنوع الثاني من الجنايات: إبانةُ الأطرافِ والأعضاءِ، فمنْهَا الأذنان، فظاهر المذْهَب، وبه قال أبو حنيفة وأحمدُ: أن في استئصالهما قطعًا أو قلعًا كمالَ الدِّية، وحُكِيَ قولٌ أو وجةٌ مخرَّج؛ أن فيهما الحكومة؛ لأن السمع لا يحلهما، وليس فيهما منفعة ظاهرة (٧)، وإنما فيهما جمالٌ وزينة، فاشبهتا الشعور؛ قال الإِمام (٨) والذي
_________________
(١) في ز: الحد.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: جرى.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: تقرع.
(٦) وأخذه المتولي من الشامل كعادته وذكر في المطلب أن الماوردي نقله عن النص. قال: الشَّافعي في موضع آخر على خلاف.
(٧) في هامش أ: تقع ظاهر.
(٨) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٥٥ ]
يقوي (١) هذا الوجهَ: أنه لم يُجْزِ (٢) رسولُ اللهِ -ﷺ- للأذنين ذِكْرًا في كتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -﵁- مع سائر الأعضاءِ الَّتي أوجبَ فيها الدِّيَةَ، وذلك يُشْعِر بإخراجها عن الأعضاء التي لها بدلٌ مقدَّر، ولكن الموجهين (٣) لظاهر المذهب رَوَوْا (٤) عن كتاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -﵁- أنَّ في الأذنين (٥) خمسِينَ من الإبل (٦)، وعن عمر وعليٍّ -﵄-؛ أنَّهُمَا قالا: في الأذنين الدية (٧).
واحتجُّوا أيضًا؛ بأن الأذن جنس مثنَّى (٨) من الأعضاء، مضمونٌ، فيضمن بكمال الدية؛ كاليدين، والعينين، وبأن فيهما مع الجمال منفعةً من وجهين:
أحدهما: أنها تجمع الصوت وتؤديه إلى الصماخ ومحلِّ السماع.
والثاني: أنها تمنع الماء والهوامَّ؛ فإنه يحيى بسبب معاطفها وتعاريجاتها بدبيب الهوامِّ، فيطردها.
وإذا قلنا؛ بالظاهر، ففي إحدى الأذنَيْنِ نصْفُ الدية، وفي بعضها بقسط، وتقدَّر بالمساحة، ولا فرق (٩) بين الأعلى والأسفل، كان اختلفا في الجمال والمنفعة؛ كما لا فَرْقَ بين الأسنان والأصابع، كان اختلفتْ في المنافعِ، ولا فرق في الديَةِ بين أذن السميع والأصمِّ؛ لاستوائهما في السلامة، وليس السمعُ في نفس الأذن، ولو ضرب (١٠) على أذنه، فاستحشفت، والاستحشافُ في الأذن كالشلل (١١) في اليَدِ، يقال: استحشفَتِ الأذنُ، إذا يَبِسَتْ، وصارَت كَحَشَفِ التَّمْرِ، وفيما يجب علَى الجاني قولانِ منقولانِ عن "الأم":
أصحهما، على ما ذكر في "التهذيب": أنه يجب كمالُ الدية، كما لو ضرب على يده، فشَلَّت.
والثاني، ويحكَى عن أبي حنيفة: أنه لا يجب إلا الحكومة؛ لأن منفعتها لا تبطلُ بالاستحشاف؛ بخلاف شلل اليد؛ فإنه تُبطل منفعتها، وأشار في الكتاب إلى بناء الخلاف عَلَى أن الدية في الأذن تجبُ، لما فيها من جمع الصوت، أو لما فيها من مَنْع
_________________
(١) في ز: يهون.
(٢) في ز: يحد.
(٣) في ز: الوجهين
(٤) في ز: وروى.
(٥) في أ: الأذن.
(٦) تقدم.
(٧) رواه البيهقي عنهما، وفي الطريق عن عمر انقطاع. قاله الحافظ في التلخيص.
(٨) في ز: مبني.
(٩) سقط في ز.
(١٠) سقط في ز.
(١١) في ز: كالشلاء.
[ ١٠ / ٣٥٦ ]
الهوامِّ، فإن اعتبرنا (١) الجمع، لم (٢) تجبِ الديةُ؛ لبقائه بعد الاستحْشَاف، وإن اعتبرنا (٣) المنْعَ وجب (٤) لسقوط الحسن بالاستَحشاف، وبطلانِ الشعور بالدَّبيب.
ولو قطع أذنين مستحشفتين، يبنى عَلَى هذا الخلاف، إن قلنا: هناك تجبُ الدية، فههنا تجب الحكومةُ؛ كما لو قطع يدًا شلاء، وإن قلنا: تجب الحكومة، فالواجب ههنا الدية؛ لأن المنفعة المرعية (٥) إنما بطَلَتْ (٦) بالقطع.
وعن الشيخ أبي حامدٍ: القطعُ بوجوب الحكومة؛ كما في العين القائمة، واليد الشَّلاَّء، وإذا أوجبنا بقطع الممستحشفتين الحكومةَ، فهل يشترط ألا تنقص هذه الحكومة مع الحكومة الواجبة بالجناية التي حَصَل بها الاستحشاف عن كمال الدية؟ حكى القاضي ابن كَجٍّ فيه وجهين. وقوله في الكتاب: "والمقدَّر من الأعضاء" يعني المقدر بذْلُهُ (٧).
ولفظ "الأُذُنْينِ" مُعْلَم بالواو، وكذلك قوله: "نصْف الدِّية"، وقوله: "لأن فيه منفعة جَمْعِ الصَّوْتِ" لا يختص بالأصمِّ، بل الغرض بيانِ منفعةِ العُضْو، والردّ على من لم يوجِبْ فيه إلا الحكومة.