لو استولى باغ على أَمَةٍ أو مُسْتَوْلَدَةٍ لأهل العدْلِ، فغشيهما، فعليه الحدُّ، وإن أولَدَها، فالولد رقيقٌ غير نسيب، وهل يجب المهْر، إذا كانت مكرهة؟ منْهم مَنْ جعله على الخلاف في ضمان المالِ، وقال صاحب "التهذيب": ينبغي أن يُقْطَع بوجوبه، كما لو أتلف المال المأخوذَ بعد الانهزام (٣)، ولو استولى الحربيُّ على أمة مسلمةٍ فأولدها (٤)، فالولد رقيقٌ غير نسيب، ولا حدَّ ولا مهر؛ لأنه لم يلْتَزِم الأحكام.
وأما المقْصِد الثاني، فالذين يخالفون الإمامَ بتأويلٍ يعتقدونه، وليس لهم شوكة
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي من حديث عرفجة عن أيه قال: لما جيء عليّ بما في عسكر أهل النهروان قال: من عرف شيئًا فليأخذه قال: فأخذوا إلا قدرًا قال: ثم رأيتها بعد أخذت، وأخرجه البيهقي من طرق.
(٣) في ز: الالتزام.
(٤) في ز: وأولدها.
[ ١١ / ٨٧ ]
وامتناع؛ لقلة عددَهِم، فلزمهم ضمان ما أتْلَفوا منْ نفْس، ومال، وإن كان على صورة القتال. أما إذا لم يكن في قتال، فكما ذكَرْنا في الباغين.
وأما إذا أتْلَفُوا في قتال، فحكمهم حكْم قُطَّاع الطريق، ولو أسقطْنا الضمان، لم تعجز كل شِرْذِمَة تريد إتْلاف نفْسِ أو مالٍ أن تُبْدِيَ تأويلًا، وتَفْعَل من الفساد ما تشاء، وفي ذلك إبطال (١) السياسات، وهذا ظاهرٌ، سِيَمَا إذا لم يكن قتالٌ، لكن احتج الشافعيُّ -﵁- له بأن قال: قتل ابْنُ مُلْجَم عليًّا -كرم الله وجهه ورضي الله عنه- متأولًا، فأمر بحبْسه، وقال: "إنْ قتلتم، فَلَا تُمَثِّلُوا بهِ" ورأى عليه القتل، وقتله الحسنُ -﵁- وفي الناس بقية من أصحاب النبي -ﷺ- فما أنكر قتلَه، ولا عاتبه (٢) أحد، وأراد بقوله "قتله متأولًا أنه قتله زاعمًا أن له شبهة وتأويلًا، وحكي أن تأويله أن امرأة من الخوارج تسمَّى قَطَامٍ، خطبها ابن مُلْجَمٍ، وكان علي -﵁- قتل أباهَا في جُمْلة الخوارج، فوكلته بالقصاص، وهمَا يزعمان أن عليْه قصاصًا، وأن الواحد في الورثة ينْفَرِد بالاقتصاص وشرطتْ علَيْه مع ذلك ثلاثة آلاف درهم وعبدًا وقينة لتحببن في ذلك.
وفي ذلك قيل:
فَلْم أَرَ مَهرًا سَاقَهُ ذُو سَماحةٍ كمهر قَطَام من فصيح وأعجم
ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ وقتل علي بالحسام المصمصم
وأما الذين لهم كثرة وشوكة ولا تأويلَ لهم، ففي ضمان ما أتلفوا في القتال طريقان:
أحدهما: القطْع بوجوبه؛ لأنهم ليْسوا بأهل البغْيِ، كالذين لهم التأويل دُونَ الشوْكة.
وأظهرهما: طرْد القولَيْن المذكورَيْن في الباغين؛ لأن المعْنَى المعتمد هناك ترغيبُهُم في الطاعة ليجتمع الشمل وتندفع الفتَن وهذا المعنَى موجودٌ في أصحاب الشوكة، وإن لم يكن لهم تأويلٌ، والقولان المذكوران في أنَّ أهل البغْي، هل يضمنون جاريانِ في المرتدين، إذا كانت لهم شوكةٌ، وأتلفوا في القتال مالًا أو نفسًا، ثم تابوا، وأسلموا؟ والظاهر نفْيُ الضمان عند بعضهم، وفي "التهذيب" أن الأصحَّ الوجوب، وهو اختيار المزنيِّ؛ لأن المرتدين جنوا على الإسلام بتأويل غير معتَبَرٍ (٣)، ولذلك لا ينفذ قضاء قاضيهم، وقد يُرَتَّب الخلاف في المرتدين على الخلاف في الباغين، وفي كيفية التَّرْتيب افتراق رأْي؛ فقائِلٌ يقولُ: إن أوجبنا الضمانَ على الباغي، فالمرتد أولَى
_________________
(١) في ز: بطلان.
(٢) في ز: عابه.
(٣) سقط في ز.
[ ١١ / ٨٨ ]
بالوجوب (١)، وإلا، ففي المرتدِّ قولان، والفرْقُ أنه أولَى بالتغليظ، ويحْكَى هذا عن اختيار القفَّال، وآخر يقول: إن لم نوجبِ الضمانَ على الباغي، فالمرتد أولَى، وإن أوجبنا على الباغي، ففيه قولان، والفرق أن المرتدين منخلعون عن الإِسلام وأحكامه (٢)؛ فهم بأهل الحرب أشبه، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "والقولان جاريان" بالواو؛ لطريقة القطْع التي تخرج من الترتيب.
قال الْغَزَالِيُّ: فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ قِتَالِهِمْ فَلَا نُقَاتِلُهُمْ بَلْ نُقَدِّمُ النَّذِيرَ أَوَّلًا، وَلاَ نَتَّبعُ المُدْبِرَ آخِرًا، فَلَوْ بَطُلَتْ شَوْكتُهُمْ فِي الحَالِ وَلَكِنْ لَمْ نُؤْمَنْ غَائِلَةُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي المَآلِ فَفِي جَوَازِ اتِّبَاعِهِمْ بِالقَتْلِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا أَسِيرُهُمْ فَلا يُطْلَقُ إِلاَّ بَعْدَ الأَمْنِ مِنْهُمْ، وَإِنْ أُمِنَ فِي الحَالِ وَتُوقِّعَ فِي ثَانِي الحَالِ فَفِي الإِطْلَاقِ وَجْهَانِ، وَفِي أَسْرِ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ لِكَسْرِ قُلُوبِهِمْ تَرَدُّدٌ، فأَمَّا أَسْلِحَتُهُمْ وَخُيُولُهُمْ فَلاَ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهَا فِي القِتَالِ وَتُرَدُّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الأَمْنِ مِنْهُمْ وَلاَ تُرَدُّ قَبْلَهُ، وَالصَّبِيُّ المُرَاهِقُ وَالعَبْدُ كَالخَيْلِ، وَالصَّغِيرُ كَالمَرْأَةِ، وَلاَ نُقَاتِلُهُمْ بِالمَجَانِيقِ وَالنِّيرَانِ إِلاَّ إِذَا خِفْنَا أَنْ نُصْطَلِمِ، وَإِنْ تَحَصَّنُوا بِقَلْعَةٍ وَكَانَ فِيهِمْ رَعَايَا لَمْ نُقَاتِلْهُمْ بِالنَّارِ وَالْمَنْجَنِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ المُقَاتَلَةُ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل صورٌ، يتعلَّق بكيفية القتال، والأصلُ فيها أن سبيل مقاتلة الباغين سبيلُ دفْع الصائل، والمقصودُ ردُّهم إلى الطاعة ودفْعُ شرِّهم لا النفي والقتل، فهذا أمكن الأسرُ لا يُعْدَل إلى القتل، وإذا أمكن الإتخان، لا يعدل إلى التذفيف، فإن التحم القتال، واشتد الحرب، خرج الأمر عن الضبط، قال الإِمام: وقد تتخيَّل من هذا أنا لا نسير إليهم، ولا نفاتحهم بالقتال، وأنهم إذا ساروا إلَيْنا، فلا نبدأ بقتالهم، بل نصطَفُّ في مقابلتهم، فإذا قَصَدُونا، فحينئذ ندفعهم، قال: وقد رأينا هذا، الطائفة من المعتبرين، وهو ذلك بل إذا آذَنَهُمُ الإِمام بالحَرْب، ولم يرجعوا إلى الطاعة، فيسير إليهم، ويمنعهم عن القُطْر الذي استولَوْا عليه، فإن انكشفوا وكَلِمَتَهُم واحدةٌ، اتبعناهم إلى أن يتوبوا عن العصيان، وَيسْتَسْلِموا، وقد يفضي الاصطفافُ والصبرُ إلى أن يَبْدَءُوْنَا بقتال إلى الاستئصال، [فليس] قتال الفريقَيْن كصيال الرجُل الواحدِ ودفْعه، وربما كان تاركُ البداية معرِّضًا نفْسه للهلاك.
إذا عرف ذلك فمِنْ صور الفصْل: أنهم لا يغتالون ولا يَبْدءُونَ بالقتال، حتى يُنْذَروا، وليبعث (٣) الإِمام إليهم أمينًا فطنًا ناصحًا، فإذا جاءهم، سألهم ما ينقمون، فإن
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: وحكمه.
(٣) في ز: ولبعث.
[ ١١ / ٨٩ ]
أظهروا مظلمةً، وعلَّلوا امتناعهم بها، أزالها، وإن ذكروا شبهةً كشَفَها لهم، وإن لم يذكروا شيئًا، أو أصروا بعد إزالة (١) العلَّة، نصحهم، ووعظهم، وأمرهم بالعَوْد إلى الطاعة، لتكون كلمة أهل الدين واحدةً فإن أصروا، دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا إليها أو أجابوا، فغُلبوا، وأصروا مكابِرِينَ، آذَنَهُمْ بالقتال.
بَعَث عليٌّ -كرَّمَ الله وجهه- ابن عباس -﵄ (٢) - إلى أهُل النَّهْرَوان للمحاجَّة والنصيحة، ورجعَ بعضهم إلى الطاعة بذلك، وإذا آذَنَهم بالقتال، فاستنظروا، بَحَثَ الإمامُ عن حالهم، واجتهد، فإن كان الظاهرُ عنْده أنَّهم عازمون على الطاعة، وأنهم يستنظرون (٣) لكشف (٤) الشبهة أو يتأمَّلوا ويتشاوَرُوا، أنْظَرَهم، وإن كان الظاهرُ عنْده أنهم يقصدون الاجتماع، أو يستلحقون (٥) مَدَدًا، لم يُنْظِرْهم، وإن سألوا ترْكَ القتال أبدًا، لم يجبْهم، وحيث لا يجوز الإنظار، فلو بذلوا مالًا أوْ رهنوا الأولادَ أو النساء، لم يقبله؛ لأنهم قد يَقْوَوْن في المدة، فيغلبون على أهل العدْل، ويستردُّون ما بذلوا، وأيضًا، فلو قاتلوا، لم يجُزْ قتل الأولاد والنساء، وإذا كان بأهْل العدْل ضَعْفٌ، فيؤخِّر الإِمام القتال، ولا يخاطر (٦) بالناس، وعن نصه -﵁- في "الأم": أنه لو كان عندهم أسارَى من أهل العدل، فسألوا، والحرب قائمة، أن يُمْسِك ليُطْلِقوهم، وأعطوا بذلك رهائن، تقبل الرهائن استيثاقًا واستنقاذًا للأسارَى، وإن أطلقوهم، أطلقْنا الرهائن، وإن قتَلُوهم، لم يجُزْ قتل الرهائن بهم، ولا بدَّ من الإطلاق بعد انقضاء الحَرْب.
من صور الفَصْل: مَنْ أدبر منْهم وانهزم، لم يُتْبع، وكذا مَنْ ألقى السلاح، وترك القتال لم يقاتل؛ روي أن النبيَّ -ﷺ- قال لابن مسعُودِ -﵁-: "يَا بْنَ أمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى مِنْ أمَّتِي"؟ فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمْ، فَقَالَ -ﷺ-: "لاَ يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلاَ يَجْهِزَ عَلَى جَريحِهِمْ، وَلاَ يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ" وروي أنه نادَى منادي عليٍّ -كرم الله وجهه- يوم الجَمَل: "أَلاَ لاَ يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلاَ يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ" وانهزامُ الجنْد بأن يتبددوا وتبْطُل شوكتهم واتفاقهم، فلو ولَّوْا ظهورهم، وهم مجتمعُون تحْت راية زعيمهم، فلا ينكف الإِمام عنْهم، بل يطلبهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، والواحدُ إذا بَطَلت قوته واعتضاده بالجَمْع؛ لتخلُّفه عنهم مختارًا أو غيْرَ مختار، ولا يُتْبَع، ولا يقاتل مَنْ ولَّى متحرفًا لقتال، ليس بمنهزم بل يُتْبَع، ويُقَاتَل، وإن ولَّى متحيزًا إلى فئة، قال الإِمام: إن كانت قريبةً، فهو كالمداوم على القتال؛ وإن كانت بعيدةً، فوجهان:
أحدهما: لا تُتْبَعُ؛ لظاهر الخبر، وهذا أظهر عند أصحابنا العراقيين، وصاحب
_________________
(١) في ز: إزاحة.
(٢) في ز: عنه.
(٣) في ز: يستنظرون.
(٤) في ز: لينكشف.
(٥) في ز: أو سيلحقون.
(٦) في ز: يخطر.
[ ١١ / ٩٠ ]
"التتمة" والرويانيِّ وغيرهم، وقالوا: الاعتبار بما يُتوقَّع، ويُخَاف، كما إذا خيف اجتماعهم وخروجهم ولم يفْعَلوا بعْدُ، لا يجوز التعرُّض لهم.
والثاني: يتبع؛ ليندفع الشرُّ، وبهذا قال أبو حنيفة، واختاره أبو إسحاق، وإيرادُ صاحب "التهذيب" يُشْعِر بترجيحه، وربما أُطْلِقَ الوجهان مِنْ غير فصل بين أن تكون الفئة قريبةً أو بعيدةً، وأجْرِيَ الوجهان فيما إذا بطَلتِ شوكةُ الجنْدِ في الحال، ولم يُؤْمَنْ مِنْ غائلة (١) اجتماعهم [في المآل، وموضع وفاقِ الأَصْحاب مَا إذا لم يُتوقَّع اجتماعهم] (٢).
ومنْها: لا يُقْتل المثخن منْهم، ولا أسيرهم، وعن أبي حنيفة: أنه يجوز قتْلهما صبرًا، ثم مِنهم مَنْ يطْلِق الرواية، ومنْهم مَنْ يقيده بحالةِ قيامِ الحَرْب.
لنا: ما سبق من الخبر.
وإذا قتل رجُلٌ مِنْ أهل العدل أسيرهم عمدًا، ففي وجوب القصاص وجهان مذكوران في "البيان": في وجْهٍ نعم؛ لأنه صار بالأَمْر محقُونِ الدم، كما لو رجع إلى الطاعة، وفي وجْه: لا، ويصير خلاف أبي حنيفة شبهةً، ولا يطْلَقَ الأسير قبل انقضاء الحرْب، إلا أن يبايع الإِمام، ويرجع إلى الطاعة باختياره، فيُخلَّى (٣) وإذا انقضت الحرب وجموعُهم باقيةٌ، فكذلك الحكم لا يُطلقَ، إلا أن يبايع، وإن بَذَلوا الطاعة أو تفرَّقت جموعهم، وأُمِنَ عودهم، أُطْلِقَ، وإن تُوُقَّع عودُهم، ففي الإطلاق الوجهان السابقان، وينبغي أن يُعْرَض على أسراهم بيعةُ الإِمام، هذا حكْم الأسرى الذين هم من أهل القتال، وأما (٤) النساء والذَّراري [والولدانُ] (٥)، إذا وقعوا في الأسر والضبْطِ، فيحبَسُون إلى انقضاء القتال، ثم يخلَّى سبيلهم؛ لأنه لا يؤخَذُ عليهم الطاعة والبيعة على الجِهَاد، هذا هو الظاهر ووراءه وجهان:
أحدهما؛ عن أبي إسحاق: أن الإِمام إذا رأَى في إطلاقهم قوة أهْلِ البغْيِ، أو أن حبسهم يردُّهم إلى الطاعة ويدعوهم إلى الرجوع إلى الحقِّ، فله أن يحبسهمَ إلى أن يَرجِعُوا إلى الطاعة.
والثاني؛ عن بعْض الأصحاب: أن له حبْسَهم مطلقًا، كسرًا لقلوب أهل البغْي، وعلى هذا، فوَقْتُ تخليتهم وقْتُ تخلية الرجال، نقل الوجهَيْن هكذا الرويانيُّ في "جمع الجوامع" وأما العبدُ والمراهِقُون، فقد أطْلَق مطلِقون أن العبد والصبيان كالنساء، وذكر الإِمام والمتولِّي أنه إن كان يجيءْ منهم القتالُ، فهم كالرجال الأقوياء في الحَبْس والإطلاق، وهذا حسن، وكان يمكن [حمل] (٦) إطلاق مَنْ أطلق على ما ذكراه، إلا أنَّ
_________________
(١) في ز: عاقلة.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: فيحكى.
(٤) في ز: فأما الفساد.
(٥) سقط في ز.
(٦) سقط في ز.
[ ١١ / ٩١ ]
منهم مَنْ صرَّح بأن المراهقين والعبيد، وإن كانوا يقاتلون كالنساء والأطفال، ولا شك أنهم، إذا قاتلوا، وكذا النسوان، فإن سبيلهم سبيلُ الرجال في أنَّهم يُقْتَلون مقبلين، ويُتْركون مُدْبِرِين.
وإذا ظفرنا بخيولهم وأسلحتهم، لم نردَّها حتى ينقضي القتالُ، ويحصل الأمن مِنْ غائلتهم بعَوْدهم إلى الطاعة، أو تَفَرُّقِ شمْلِهم، وهو وقتُ إطلاق الأسرى، ولا يجوز استعمالها في القتال، كما لا يجوز الانحكاع بسائر أموالهم.
نعَمْ؛ لو وقعت ضرورةٌ بأن لم يجد أحدُنا ما يدْفَع به عن نفسه سوَى سلاحهم أو ما يركبه، وقد وقعت الهزيمة إلا خيولهم، فيجوز الاستعمال والركُوب، كما يجوز أكل مال الغير للضرورة. وعند أبي حنيفة: أنه يجوز استعمالُها ما دامتِ الحرْب قائمةً.
وما ليس من آلات الحرب مِنْ أموالهم، فيرد عليهم، كما انقضتِ الحرْب، وهي التي أردناها مما أطْلَقْنا مِنْ قبل.
ومنْها: لا يقاتلهم بما يَعْمُّ، ويعظم أثر كالرمْي بالمنجنيق (١) والنيران، وإرسال السيول الجارفة، بخلاف ما في قتال الكفار، لكن لو قَاتَلُونا بهذه الوجوه، واحتجْنا إلى المقابلة بمثْلها دفعًا أو أحاطوا بنا، واضطررنا إلى الرمْيِ بالنار ونحوها، فعَلْنا، للضرورة، وعلى ذلك حمل مَنْ أَبْدَى الجَدَّ في قتال الباغين مِنْ عليِّ -كرم الله وجهه- حتى إنه قتل بنَفْسه ليلة الهرير ألفًا وخمسمائة، وإن تحصَّنوا بقلعة أو بلدةٍ ولم يتأتَّ الاستيلاء عليها إلا بهذه الأسباب العظيمة الأثر، فإن كان فيها (٢) رعايا لا يكفي منْهم، لم يجُزْ توجيهُ هذه الأسباب عليها محافظةً عليهم، وإن لم يكن فيها إلا الباغون المقاتِلُون، فقد حكَى في الكتاب تردُّد وجه فيه، وقال الإِمام: الذي أراه المنْعُ؛ لأن الإِمام ينظر للمسلمين، وترك بلدة في أيدي طائفة من المسلمين، وربما قدر على احتيال في المحاصرة، والتضييق أقربُ إلى الصلاح مِنْ اصطلام (٣) أمم.
وأما لفظ الكتاب فقوله "فلا نقاتلهم" يجوز أن يعلم بالحاء؛ لأن في "البيان" وغيره أن عند أبي حنيفة يجُوز ابتداؤُهم بالقتال، ولا حاجة إلى تقديم النذير، وقوله "ولا يتبع المدبر آخرًا" كذلك؛ لأن عند أبي حنيفة يجوز قتْل المنهزم في حال قيام الحرب. وقوله "وفي سائر نسائهم وذراريهم؛ لكسر قلوبهم تردُّدٌ" إن حُمِلَ على حبْس الواقعين في الأسر بعد انقضاء الحرْب، فهو الخلاف الذي قدَّمناه، والظاهر أنهم لا يُحْبَسُون بعد انقضاء الحرب، والسابق إلى الفهْم منه التصويرُ وإثبات الخلافِ في أنه،
_________________
(١) في ز: بالمجانيق.
(٢) في ز: منها.
(٣) في ز: اصطدام.
[ ١١ / ٩٢ ]
هل يجوز أسْرُهم ابتداءً؟ ولا يبعد أن يؤْخَذ ذلك مِنْ الخلاف المذْكُور في جواز الحبس بعْد انقضاء الحَرْب، والذي يُشْعِر به إطلاقُ الأئمة تجويز الأسر ابتداءً، ويجوز أن يُعْلَم قوله "كالخيل" بالواو؛ لِمَا ذكرنا أن منهم مَنْ ألحق المراهقين والعبيد بالنساء على الإطْلاق [والله أعلم].
قال الْغَزَالِيُّ: وَلاَ نَسْتَعِينُ عَلَيْهُمْ بِأَهْلِ الكُفْرِ وَلاَ بِمَنْ يَرَى قَتْلَ مُدْبِرِهِمْ، وَإِنْ اسْتَعَانُوا عَلَيْنَا بِأَهْلِ الحَرْبِ لَمْ يُنْفَذْ أَمَانُهُمْ عَلَيْنَا بَلْ نَقْتُلُ مُدْبِرَ أَهْلِ الحَرْب، وَفِي نُفُوذِ الأَمَانِ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ لاِبْتِنَائِهِ عَلَى الفَسَادِ، وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الحَرْبِ: ظَنَّنَا أنَّهُمْ مُحِقُّونَ فَلْيُلْحَقْ مُدْبِرُهُمْ بِالْمَأْمَنِ لِأَجْلِ ظَنِّهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ بَطَلَ عَهْدُهُمْ وَكَانُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانُوا مُكْرَهِينَ كَانُوا كَأَهْلِ البَغْي، وَإِنْ كَانُوا جَاهِلِينَ بِالْحَقِّ فَفِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يُنْتَقَضُ وَجَبَ ضَمَانُ مَا أَتلَفُوا عَلَيْهِمْ عَلَى الظَّاهِرِ إِذْ سُقُوطُهُ عَنِ البَاغِي لِتَرْغِيبِهِ فِي الطَّاعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل:
إحداها: لا يجوز للإمام أن يستعينَ على قتال أهل البغْيِ بأهل الحرب؛ لأنه لا يجوز تسْلِيط الكافِرِ على المسْلِم، ولذلك نقول: لا يجوز لمستَحِقِّ القصاص أن يوكل كافرًا بالاستيفاء، ولا للإمام أن يتخذ جلاَّدًا كافرًا لإقامة الحدود على المسلمين، ولا يجوز أيضًا أن يستعين على أهُل البغْيِ بمن يرى قبْلَهم مدْبرين، إما لعداوة تحملُهم عليه، وإما لاعتقادهم جوازه؛ إبقاءً عليهم، إلا أن يكون للإمام حاجة إلى الاستعانة بهم لجرأتهم وحسن إقْدَامهم، وكان متمكنًا من منعهم، لو اتبعوا أهُل البغْي بعد الانهزام، ولا بد من اجتماع الشرطَيْن؛ لتجويز (١) الاستعانة؛ هكذا حكاه ابن الصبَّاغَ والرويانيُّ، وغيرهما عن وفَاق الأصحاب، ولفظ "التهذيب" يقتضي جواز الاستعانة إذا وُجِدَ أحدُ المعنيَيْن.
الثانية: إذا استعان البغاة علَيْنا بأهل الحرب، وعقَدوا لهم ذمةً وأمانًا، ليقاتلونا (٢) معهم، لم تنعقد أمانهم علينا؛ لأن الأمان لتَرْكِ قتال المسلمين، فلا ينقعد على شرط القتال؛ فيجوز لنا أن نغنم (٣) أموالهم، وأن نسترقَّهم، أو نقتلهم إذا وَقَعُوا في الأسر، وأن نقتلَهُم مُقْبِلين ومدبرين ونذفف على جريحهم، وحكى الإِمام عن القاضي الحُسَيْن: أنا لا نتبع مُدْبِرَهم، ولا نذفف على جريحهم، والمشهورُ الأولُ، وهل ينقعد الأمان في حقِّ أهل البغْي؟ فيه وجهان:
_________________
(١) في ز: فيجوز.
(٢) في ز: لو قاتلوا.
(٣) في ز: يغنهم.
[ ١١ / ٩٣ ]
أصحُّهما: نعم؛ لأنهم أَمِنُوهم وأَمِنُوا منهم.
والثاني: المنْع، كما في حق أهل العدْل؛ لأنه أمان على قتال المسلمين، وعلى هذا ففي "التهذيب": أنه يجوز لأهل البغْي أن يكروا (١) عليهم بالقتل والاسترقاق، والذي ذكره الإِمام: أنه أمان فاسدٌ وليس لأهل البغْي اغتيالهم، بل يبلِّغونهم المأمن، وإن قالُوا: ظننا أنه يجُوز لنا أن نعِينَ (٢) بعْض المسلمين على بعْض أو قالُوا: ظننا أنهم المحقُّون، وأن لنا معاونتهم، أو ظننا أنهم استعانُوا بنا في قتال الكفَّار، فوجهان:
أحدهما: أنه لا اعتبار بظنهم الفاسد، ولنا قتْلُهم واسترقاقهم.
وأظهرهما: أنا نبلِّغهم المأمن، ونقاتلهم مقاتلة أهُل البغْي، فلا نتعرَّض لهم، إذا أدبروا وما يتلفه أهل الحرب على أهْل العدْل غيرُ مضمونٍ عليهم، وما يتلفون على أهل البغْي يضمنونه، إن نفَّذْنا الأمان عليهم، وإلا فلا.
الثالثة: إذا استعان أهل البغْي بأهل الذمة فاعانوهم في قتالِنا، نظر؛ إن علموا أنه لا يجوز لهم قتالُنا، ولم يُكْرَهُوا، انتقض عهدهم، كما لو انْفَرَدوا بالقتال، وحكْمُهم حكم أهل الحرب، فيُقْتلون مقبلين ومدبرين، ولو أتلفوا بعد القتال شيئًا، لم يضمنوه، وفي كتاب القاضي ابن كج وغيره طريقةٌ عن رواية القاضي أبي حامد وأبي الحُسَيْن بن القطَّان: أن في انتقاض عهدهم الخلافَ المذكورَ من بعْدُ، وإن قالُوا: كنا مكرَهِين، لم يُنْتقض عهدُهم، وقوتلوا مقاتلة أهل البغْي، وعن أبي الطيِّب بن سلمة أنه على الخلاف المذكُور مِنْ بعْدُ، وإن قالوا: ظنَنَّا أنه يجَوز لنا إعانةُ بعْض المسلمين على بعْض [أو] أنهم يستَعِينون بناءً على الكفَّار أو أنهم المُحِقُّون وأن لهم إعانةَ المحقِّ، فمنهم مَنْ قال: في انتقاض العهْد قولان، وكذا أورده صاحب "التهذيب"، ومنهم مَنْ جزم بالمنع؛ إلحاقًا لهذه الأعذار بالإكراه، وجعل موضع القولَيْن ما إذا لم يذكروا عذْرًا، وكذا أورد صاحب "المهذب" والرويانيُّ أحد القولَيْن؛ أنه ينتقض العهد، كما لو انفردوا بالقتال.
والثاني: المنع؛ لأنهم ما استقلُّوا بذلك، بل وافقوا طائفةً مِنْ المسلمين، فلا ترتفع عنهم (٣) العصمة، ثم منهم مَنْ أطلَق القولَيْن، ومنهم مَنْ قال: إنْ شرَطَ عليهم الإمامُ الكَفَّ عن القتال عند عقد الذمة، انتقض عهدهم بلا خلاف، وموضعُ القولَيْن ما إذا لم يصرِّح بهذا الشرط، والظاهر مِنْ هذه الاختلافات انتقاضُ العهد، إذا لم يُبْدُوا عذرًا، والمنع إذا (٤) أبدَوْا، فإن قلْنا: ينتقض (٥) عهدهم، فيبلغون المأمن أو يجوز قتلهم
_________________
(١) في ز: يمكروا.
(٢) في ز: يغير.
(٣) في ز: بهم.
(٤) في ز: إن.
(٥) في ز: ينقض.
[ ١١ / ٩٤ ]
واسترقاقهم؟ فيه خلاف مذكور في موضعه، فإن قلنا: يُبلَّغُونَ المأمنَ، فقد حَكَى الإِمام وجهَيْن؛ في أنا هل نقتلهم مُنْهَزِمين؟ فمن قال: نعم، جعل ذلك من بقيَّة العقوبة على القتال، وقال الإِمام: ينبغي أن يُقْطَع بأنهم يَضْمَنُون ما أتلفوا؛ لأنا إذا قلْنَا: إنهم يُبلَّغون المأمن، جعلناهم في بقية من الأمان، فكيف يجوز أن تُغرِّمهم، والذي ذكره صاحب "التهذيب" وغيره: أنه كما ينتقض (١) في حقِّ أهل العدل، يتبعض في حقِّ أهل البغْي، وفي "البيان" أنه ينبغي أنْ يكونَ في انتقاضه في حقِّ أهل البغْي الخلافُ الذي مرَّ في المسألة الأولَى، وإن قلْنا: لا ينتقض عهْدُهم، فهم كأهل البغْي، في أنه لا يُتْبَعُ مُدْبِرهُم، ولا يُذفَّف على جريحهم، [ولو] (٢) أتلفوا مالًا على أهْل العدْل، لزمهم الضمان بخلاف أهل البغْي؛ فإنهم لا يَضْمَنون على قول؛ لأنا إنما أسقَطْنا الضمان عنهم استمالة لقلوبهم، وردًَّا لهم إلى الطاعة؛ كيلا يتنفَّروا بسبب التَّبعاتِ، ويستمروا على الخُروج عن قَبْضة الإِمام، [وبأهل الذمة في قبضته] (٣) وأمانُهُمْ باقٍ لأن الله -تعالى- أمر بالإصلاحِ بيْن المؤمنين في "آية [البغي] " (٤) ولم يذكر مؤاخذةً بدَمٍ، ولا مالٍ، فأَشْعَر ذلك بالتخَفيف في حقِّهم؛ هذا في ضمانِ المال، ولو أتلفوا نفسًا قال الإِمام: إن قلنا: يجب القصاص على أهل البغْي، [فأولَى أن يجب على أهْلِ الذمة، وإن قلنا: لا قصاص عَلَى أهْل البغي] (٥)، فوجهان:
أحدهما: يجب على أهل الذمة، كما يُقْطَع لإيجاب ضمان المال.
والثاني: لا يجبُ؛ للشبهة المقترنة بأحوالهم.