لو ارتد صاحيًا، ثم سَكَر، فأسْلَم، حكى القاضي ابن كج: القَطْع [بأنَّه] (١) لا يكون ذلك إسلامًا، والقياسُ جعْلُه على الخلافِ السَّابِق.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رِدَّتِهِ فَقَالَ: كَذَبا لَمْ يُسْمَعْ، وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ مُكْرِهًا فَإِنْ ظَهَرَ مَخَايِلُ الإِكْرَاهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَالأَسِيرِ، وَإِلاَّ فَلاَ يُقْبَلُ، وَلَوْ نَقَلَ الشَّاهِدُ لَفْظُهُ فَقَالَ: صَدَقَ لَكِنِّيَ كُنْتُ مُكْرِهًا قُبِلَ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبُ الصَّادِقِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا شَهِدَ بِالرِّدَّةِ فَإِنَّ الإِكْرَاهَ يَنْفِي الرِّدَّةِ دُونَ اللَّفْظِ، وَلاَ يَنْبَغِي أن تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّةِ مُطْلِقاُ دُونَ التَّفْصِيلِ لاِخْتِلاَفِ المَذَاهِبِ فِي التَّكْفِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصْل مفرَّع على أن المؤْمِن إذا أُكْرِه عَلَى أن يتكلَّم بكلمة الكُفْر، فتكلَّم بها، لا يُحْكَم بردته، حتى لا تبين زوجَتُه ويرثه ورثته إذا مات؛ قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقد ذكرنا في أول الجنايات أنَّه يباح له التلفُّظ بكلمة الكفْر بسبب الإكراه، وأن الأصحَّ أنه لا يجبُ، وأن الأفضل أن يثبت، ولا يتكلَّم بها.
إذا عُرِفَ ذلك، فهل تقبل الشهادة على الردَّة مطلقًا، أمْ لا بُدَّ من التفصيل ذكر (٢) الإِمام تخريجَه، على الخلاف في أن الشهادةَ على البَيْع وسائرِ العقُود، هل تُسْمَع مطلقةً، أم يجبُ التفصيل والتعرُّض للشرائط؟ فعَلَى قوْلٍ: لا بد من التفصيل؛ لأن مذاهب العلمَاء فيما يوجِبُ التكفير مختلفةٌ، والحُكْمْ بالردة عظيمُ الوَقْع فيُحْتَاطُ له، والظاهرُ قبول الشهادة المطْلقة والقَضَاءُ بها، وعلى هذا، فلو شهد شاهدان على ردَّته، فقال: كَذَبَا، أو ما ارْتَدَدتُّ، قُبِلَتْ شهادتهما، ولم يُغْنِه التكذيبُ، بل عليه أن يأتي بما يَصِير به الكافرُ مسلمًا، ولا ينفعه ذلك في بينونة زوْجته، وكذا الحُكْم، لو اشترطنا التفصيل، ففَصَّلا، وكذَّبهما المشهودُ عليه، وليس ذلك كما لو شَهِدَ شهودٌ على إقراره
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: نقل.
[ ١١ / ١٠٨ ]
بالزنا، وأنكر، لا يُحَدُّ؛ لأن الإقرار بالزنا يقْبلُ الرجوع، فيُجْعل إنكاره رجوعًا، ولا يَسْقُط القتل عن المرتد، بقوله رجعت ولا يقبل الإنكارُ والتَّكْذيب، ولو قال: كنْتُ مُكْرَهًا فيما أتيتُ به، نُظِر؛ إن كانت قرائنُ الأحوال تَشْهد [وله] (١) بأن كان في أسْر الكفار، أو كان محفوفًا بجماعة منْهم، وهو مستَشْعِرٌ (٢)، صُدِّقَ بيمينه، وإنما حَلَف؛ لاحتمال كونه مختارًا، قال صاحب "البيان" وغيره: وكذا الحكْم، لو قامت بينة على إقْراره بالبيع وغيره، وكان مقيّدًا أو محبوسًا، فقال: كنت مكرهًا، وإن لم تشْهَد القرائن بصدقه؛ بأن كان في دار الإسلام، لم يُقْبل قولُه، وأُجْرِيَ عليه أحكام المرتدِّين، وكذا لو كان في دار الحرْب، وهو مخلّى آمن، ولو لم يقل الشاهدان: إنه ارتدَّ، ولكن شَهِدَا أنه تلفَّظ بكلمة الرِّدَّةِ، فقال: صدَقَا، ولكني كنت مكرهًا، فالذي حُكِيَ عن الشيخ أبي محمَّد، وتوبع عليه: أنه يُقْبَل قوله؛ لأنه ليس فيه تكذيبُ الشاهِدِ بخلاف ما إذا شَهِد بالردَّة، فإن الإكراه ينافي الردَّة، ولا ينافي التلفُّظ بكلمة الرِّدَّةِ، ثم قال الشيخ: الحزم أن يُجدِّد كلمة الإسلام، ولو قُتِل قَبْلَ التجْديد، فهل يكون قتْلهُ مضْمونًا لأن الردة لم تثبت والأصل استمرار حُكْم الإسلام أو لا يكون مضمونًا؛ لأن لفظ الردَّة [قد] (٣) ثبت، والأصلُ في الناس الاختيارُ؟ فيه قولان، وموضع القولَيْنِ على ما ذكر الإِمام؛ ما إذا لم يَدَّعِ الإكراه، أو لم يَحْلِف عليه، أما إذا ادعاه، وحلَف عليه، فقد ثبت الإكراه بالحجة، فيقطع بأنه مضْمون، واعلم أن فيما سقناه دلالةً [بينة] على أنَّه إذا شهد الشهودُ بالردة على الأسير، ولم يدَّع أنه كان مكرهًا، يُحْكَم بردته، ويؤيده ما حُكِي عن القفَّال: أنه لو ارتد الأسير في أيدي (٤) الكفار، ثم حلَّ بهم خيلُ المسلمين، فاطَّلع عليهم من الحصْن، وقال: أنا مسلمٌ، وإنما تشبهْتُ بهم فَرَقًا منْهم يُقْبَل قولُه، ويُحْكم بإسلامه، وان لم يدع ذلك، حتى مات، فالظاهر أنه ارتدَّ طائعًا؛ وإن مات أسيرًا، وعن نصه: أنه لو شهد الشهودُ على أنه تلفَّظ بالكفر، وهو محبوسٌ أو مقيَّدٌ، لم يُحْكم بكفره، وإن لم يتعرَّض الشهود للإكراه، وفي "التهذيب": أن من دخل دار الحَرْب، وكان يسْجُد للصنم، ويتكلَّم بكلمة الكفْر، ثم قال: كنْتُ مكرهًا، فإن فعله في مكانٍ خالٍ، لم يُقْبل قوله، كما لو فعله في دار الإسلام، وإن فعَلَه بين أيديهم، فإن كان أسيرًا قُبِلَ قوله، وإن دخَل
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في هامش "ب" ما يلي: لفظ المفعول من الشعور، وهو العِلْم، أي والجماعة المحفُوفُ له بهم عالِمُون به أي بما يقوله، ويوضِّح ذلك بمفعل الزركشي في "التكملة" القول الثاني وهو عدم القوليَّة بقوله بأركان في دار الإسلام أو في دار الحرب، في خَلْوة لا يُشْعر به أحدٌ. انتهى.
(٣) سقط في ز.
(٤) في أ: يد.
[ ١١ / ١٠٩ ]
تاجرًا لم يُقْبَل. وقوله في الكتاب: فقال: "كَذَبا، لَمْ يُسْمَعْ" أي لم يسمعْ تكذيبه، وحُكِمَ بموجب الشهادة.
وقوله "كالأسير" ليس مقيسًا عليه، بل هو مثال ظهور مخايل الإكراه، والمعنى؛ فإن ظهرت مخايل الإكراه، كما في الأسير، فالقول قوله.
وقوله "ولو نقل الشاهدُ لفظه" إلى آخره هو الكلام المنسوبُ إلى الشيخ أبي محمَّد، وقد قَال: إن شرطَّنا التفصيلَ والتعرُّض للشرائط، فمِنَ الشرائط كونُه مختارًا، وإذا تعرَّض الشاهدُ له، فقوله "كنت مكرهًا" تكذيبٌ للشاهد، وإن لم يشترطِ التفصيل، فإنما لا يشترط إذا قال الشاهد: إنه ارتد، فيكتفي به لِتَضَمُّنِهِ حصولَ الشرائط، فأما إذا قال: إنه تكلَّم (١) بكذا،، ولم يتعرَّض إلى الاختيار (٢) وسائر الشرائط، فيبعد أن يُحْكَم بردته، ونَقْنَع بأن الأصل الاختيار. وقوله "ولا ينبغي، أن تُقْبَل الشهادةُ على الردَّة مطلقًا" مَيْلٌ إلى اشتراط التفصيل، والظاهرُ خلافُهُ.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ خَلَّفَ رَجُلٌ ابْنَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَاتَ أَبِي كَافِرًا صُرِفَ نَصِيبُهُ إِلَى الْفَيْءِ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ يُصْرفُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ كَيْفِيَّة الكُفْرِ وَالمَذَاهِبُ تَخْتَلِفُ فِيهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَفْسَرُ وَيُحْكَمُ بِمُوجِبِ تَفْسِيرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِّرْ يُوقَفْ، وَالأَسِير إِذَا ارْتَدَّ مُكْرَهًا فَأَفْلَتَ وَلَمْ يُجَدِّدَ الإِسْلاَمَ حَيْثُ عُرِضَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُخْتَارًا، فَإِنِ ارْتَدَّ مُخْتَارًا فَصَلَّى صَلاَة المُسْلِمينَ قِيلَ: يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ بِخِلاَفَ الكَافِرِ الأَصْلِيِّ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِغُمُوضِ الفَرْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل مسألتان:
إحداهما: ماتَ رَجُلٌ معروفُ الإسلام عن ابنَيْن مسلمَيْن، فقال أحدهما: مات مسلمًا، وقال الآخر: إنَّه كَفَر بَعْد إسلامه، ومات كافرًا، فإن بيَّن سببه، فقال: إنه سجَد للصنم، أو تكلَّم بما يوجب الكُفْر، فلا إرْثَ له، ونصيبه ينْصَرِف إلى بيت (٣) المال، وإن أطلَق، ولم يفصِّل، فقولان:
أحدهما؛ عن رواية الشيخ أبي محمَّد؛ أن نصيبه يُصرف إليه، ولا يعتبر الإقرار المُطْلَق؛ لأن المذاهب في التَّكْفِير مختلفةٌ، وقد يكفر أهل البدَعِ، ويعتقد ما ليس بالكُفْرِ كفرًا.
_________________
(١) في ز: يحكم.
(٢) في ز: للاختيار.
(٣) في ز: بنت.
[ ١١ / ١١٠ ]
وأظهرهما: المنع؛ لأنه أقر بِكُفْره، فلا يُورَّثُ منه، وعلى هذا، فقولان:
أحدهما: أنه فَيْءٌ يُجعل في بيتِ المال بموجب إقراره.
وأظهرهما: أنَّه يوقَفُ ويُسْتَفْصَل، فإنْ فصَّل وذَكَرَ ما هو كُفْرٌ صُرِف إلى الفيْء، وإنْ ذكر في التفْسير ما لَيْس بِكُفْر صُرِفَ إليه، هكذا نقل (١) صاحب الكتاب، ولو قال أحدُهما: مات كافرًا؛ لأنَّه كان يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنْزير، فقد حكي في التهذيب، فيه قَوْليْن:
أحدهما: أنه لا يُوَرَّثُ [منه] لإقراره بكفره.
والثاني: يُوَرَّثُ؛ لأنه [فسَّره] (٢) بما يبين خطأ اعتقاده، وهذا أظهر.
الثانية: إذا تلفَّظ الأسير بكلمة الكفْر مكرهًا، لم يُحْكم بكفره؛ على ما مرَّ، فإن مات هناك، ماتَ مسلمًا، وورثه ورثته المسلمون، وإن رجع إلى دار الإسلام، بإفلات وغيره، عرض عليه الدينُ وكلمة الإسلام؛ لاحتمال أنه كان مختارًا فيما أتى به، وإن جرتْ صورةُ الإكراه.
ثم (٣) فيه كلماتٌ:
إحداها (٤): أطلَقَ كثرهم العرْضَ، وشرطَ له القاضي ابن كج [أنه (٥) لا يَؤُمُّ] الجماعاتِ، ولا يُقْبِل على الطاعات بَعْد العَوْد إلَيْنا، فإن فعل ذلك، استغنينا عن العَرْض.
الثانية: هذا العرْض واجبٌ أو مستَحَبٌّ؟ سَكَتَ عنه المعظَم، وذهب ابن كج إلى أنه مستحَبٌّ، واحتج له بأنه لو أُكْرِه على الكُفْر في دار الإسلام، لا يُعْرَض عليه الكلمة بعْد زوال الإكراه؛ باتفاق الأصحاب.
الثالثة: إذا امتنع بعْد العرض، فالمنقول أنه يُحْكم بكُفْره ويستدل بامتناعه على أنه كان مختارًا يوم التلفُّظ وقضيةُ هذا أن يحكم بكُفْره من يومئذ، قال الإِمام: وفي الحكْم بكفره احتمالٌ ظاهرٌ؛ لأنا إذا حَمَلْنا الأمر في الابتداء على ظاهر الإكراه، وأدَمْنا الإسلام، فامتناعه عن تجديد الكلمة لا يَنْبغي أن يغيِّر حكم الإسلام، وإذا مات قبْل العَرْض والتلفظ بكلمة الإسلام، فهو كما لو مات قبل أن يعُودَ إلينا، وعن رواية أبي الحُسَيْن بن القطَّان وجْهٌ أنه يموت كافرًا، وكان مِنْ حقِّه إذا جاء [أن] يتكلَّم بكلمة الإسلام.
_________________
(١) في ز: فضل.
(٢) في أ: تفسير.
(٣) في ز: و.
(٤) في ز: إحداهما.
(٥) في ز: أن يوم.
[ ١١ / ١١١ ]
ولو ارتدَّ الأسير مختارًا ثم رأيناه يصلِّي صلاة المسلمين في دار الحَرْب، فالمشهور [المنسوب] (١) إلى النَّص أنه يُحْكم بإسلامه بخلاف ما إذا صلَّى في دار الإسلام، لا يُحْكَم بإسلامه، وفرق بينهما بأنَّ الصلاةَ في دارِ الإسلام تحتمل (٢) التقيَّة، والإرادة [والصلاة] (٣) في دار الحَرْب لا تكون إلا عن اعتقاد صحيح، ونسب الإِمام جعْلَ الصلاةِ إسلامًا إلى العراقيِّين، واستبْعَدَه، وقال: الوجْه، في قياس المراوزةِ القَطْع بأنه لا يُحْكم بإسلامه كما لو رأينا الكافر الأصليَّ يصلِّي في دار الحرب، قال: ولو حكم [حاكم] (٤) بإسلامه، كان صائرًا إلى مذْهب أبي حنيفة، ورأيتُ صاحب "البيان" سوى بين الكافر الأصلي والمرتد، [فقال] إذا صلَّى الكافرُ الأصليُّ في دار الحرْب، حكِم بإسلامه، ولو صلَّى في دار الإسلام، لا يُحْكَم، فدفع الإلزام، ويمكن أن نُفَرِّق بينهما بأن المرتدَّ كان مسلمًا، وعلقة الإسلام باقيةٌ فيه، وهو محمول على العَوْد إليه، والعودُ إلى ما كان أهونُ من افتتاحِ أمرٍ لم يكنْ، فجاز أن يُجْعَل الشيْء عَوْدًا إلى الإسلام، ولا يجعل افتتاحًا.
وقوله في الكتاب "وفيه احتمال؛ لغموض الفَرْق" يعني بين المرتدِّ وبين الكافر [الأصلي]، ويجوز أن يُعْلَم قوله "بخلاف الكافر الأصلىِّ" بالواو؛ لِمَا حَكَيْنا عن البيان، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (فَأَمَّا حُكْمُ الرِّدَّة) في نَفْس المُرْتَدِّ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ (فَأَمَّا نَفْسُهُ) فَتُهْدَرُ إنْ لَمْ يَتُب، فَإِنْ تَابَ لَمْ يُقْتَل إِلاَّ إذَا كَانَ زنْدِيقًا فَفِي قَبُول تَوْبتِهِ خِلاَفٌ، وَالظَّاهِرُ القَبُولُ، ثُمَّ في إِمْهَالِ المُرْتَدِّ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَجِبُ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَمْنُوعٌ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنا: يُمْنَعُ فَقَالَ حُلُّوا شُبْهَتِي لَمْ نُنَاظِرْهُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِمَ أَوَّلًا ثُمَّ يَسْتَكْشِفَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطرفُ الثاني في حُكْم الردَّة، وللردة أحكامٌ كثيرةٌ مذكورةٌ في مواضِعَ متفرِّقة، والمقصودُ هاهنا الكلامُ في نفْسِهِ وولَدِهِ ومالِه، أما نفْسُه، فهي (٥) مهْدَرةٌ فيجب قتلُه، إن (٦) لم يَتُبْ سواءٌ انتقل إلى دِينِ أهلْ الكتابِ أو غَيْره، وسواءٌ كان حُرًّا أو عَبْدًا رَجُلًا أو امرأةٌ.
_________________
(١) في أ: للضرب.
(٢) في ز: فيحتمل.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: ففي.
(٦) لقوله -ﷺ-: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس، أخرجه أبو داود (٤/ ١٦٩) في الديات/ باب: الإِمام يأمر بالعفو في الدم حديث (٤٥٠٢) والترمذي (٤/ ٤٠٠) في الفتن/ باب: ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث =
[ ١١ / ١١٢ ]
وعند أبي (١) حنيفة: لا تقتل المرأةُ بالردَّة، ولكن تحْبَسُ، وتُضْرَب إلى أن تَمُوت، أو تُسلم وقدْ يُسْتَثْنى على مذْهبه الملكة والساحرة، والتي كَفَرتْ بسبِّ رسول الله -ﷺ-.
_________________
(١) = حديث (٢١٥٨) وقال حديث حسن. وابن ماجة (٢/ ٨٤٧) في كتاب الحدود/ باب: لا يحل دم امرئ مسلم حديث (٢٥٣٣).
(٢) اختلف في المرأة على ثلاثة مذاهب مذهبنا أنها تقتل كالرجل، وبه قال من أصحاب رسول الله -ﷺ- أبو بكر ﵁ ومن التابعين الزهري والبصري ومن الفقهاء مالك والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق. وذهب علي ﵁ إلى أن المرأة إذا ارتدت استرقت. وبه قال قتادة، وذهب الإِمام أبو حنيفة ﵀ إلى أنها إن ارتدت بدار الإسلام حبست حتى ترجع، وإن كانت بدار الشرك، فإن سبيت استرقت وإن كانت أمة أجبرها سيدها على الإسلام. وقد استدل من نصر قوله بما يروى عن النبي -ﷺ- أنه نهى عن قتل النساء والولدان. أخرجه البخاري (٦/ ١٧٢) في الجهاد حديث (٣٠١٤). وهذا لم يخص مرتدة من غيرها فهو على العموم. قالوا: ولما روي عنه -ﷺ- أنه نهى عن قتل المرتدة، وهذا نص. قالوا: ولما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا تقتل المرتدة. أخرجه الدارقطني في السنن (٢/ ٣٣٨) في الحدود من حديث عبد الله بن عيسى الجزري عن عفان عن شعبة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس. وقال الدارقطني: وعبد الله هذا كذاب يضع الحديث على عفان وغيره. كذا في نصب الراية (٣/ ٤٥٦) وقالوا: ولأنها كافرة لا تقاتل فوجب أن لا تقتل قال السهيلي: ولم يصب من قاس المرتدة على نساء الحرب فإن المرتدة لا تسترق ولا تسبى كما تسبى نساء الحرب. قال القاضي أبو علي ﵀: هذا مقتضى بما رواه عبد الله ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه". أخرجه البخاري (١٢/ ٢٦٧) حديث (٦٩٢٢). ولفظ من وضع لجنس من يعقل فيدخل تحته رجال والنساء والعبيد يثبت أن كل من يعقل إذا بدل دينه قتل. قالوا: هذه اللفظة إنما تناولت الذكور دون الإناث بدليل قوله: فاقتلوه لا يصلح للإناث فعلم أن المراد به الرجال. وقالوا: قد روينا عن النبي -ﷺ- أنه نهى عن قتل النساء والولدان كما تقدم ورويتم أنه من بدل دينه فاقتلوه فتعارضا. قال: قلنا هذا الخبر لا يعارض خبرنا وذلك أن خبركم لفظ عام خرج على سبب لأن المنقول أن النبي -ﷺ- مر بامرأة حربية قتلت فقال: ما بال هذه قتلت ليست ممن يقاتل فنهى عن قتل النساء والولدان، ولأن اللفظ إذا ورد على سبب خاص كان التعليق باللفظ العام لا بسببه اللهم إلا أن يعارضه لفظ عام خرج ابتداء بالشرع لا على سبب فحينئذ يقتصر باللفظ العام الذي خرج على غير سبب على عمومه، وخبركم لفظ عام، وخبرنا لفظ عام خرج على سبب فالذي خرج على سب أجريناه على عمومه واقتصرنا بالذي خرج على سببه فيكون النبي -ﷺ- نهى عن قتل النساء والولدان من أهل الحرب. والثاني خبركم عام وخبرنا خاص ناقص وهو بعض ما يتناوله خبركم والخبر الخاص يقضي على الحاكم بدليل ما روي أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت فأمر النبي -ﷺ- بأن تستتاب فإن تابت وإلاّ قتلت. أخرجه الدارقطني في السنن (٢/ ٣٣٨) في الحدود. =
[ ١١ / ١١٣ ]
لنا ما روي [عن] ابن عبَّاس -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا] (١) - أن النبيَّ -ﷺ- قال: "مَنْ بدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ" (٢) وعن جابر -﵁- أن امرأةً يقال لها أمُّ رُومَانَ ارتدَّتْ فَأَمَرَ رَسُولُ الله -ﷺ- "بأن يَعْرِضَ عَلَيْها الإِسْلاَمَ، فَإِنْ تَابَتْ وَإِلاَّ قُتِلَتْ" (٣)، وأيضًا فإن المرأة تُقْتَل بالزنا بعْد الإحصان، فكذلك في الكُفْرَ بعْد الإيمان، كالرجل [وأيضًا] (٤) فنقيس على ما سلَّمه، فإن تاب المرتدُّ، وعاد إلى الإسلام، قُبلت توبته وإسلامه، سواءٌ كان مسلمًا أصليًّا فارتدَّ، أو كافرًا فأسلم ثم ارتد؛ لقوله تعالىَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقوله -ﷺ-: "فإذا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ" (٥) ونحوهما من العموماتِ، وهل يُفْرَق بين أن يكون كفْره الذي ارتَدَّ إليه كفرًا ظاهرًا أو غيره، ككفر الباطنية، فيه وجوه، وكذا الكافر الأصليُّ إذا أسلم [وتاب] (٦) [ثم مات]، هل يَفْتَرِقُ الحال بيْن أن يكون ظاهرَ الكفْر وبين أن يكون زنديقًا؛ يظهر الإسلام ويُبْطِن الكفر، وذلك بأن تقوم البينةُ على كفْره باطلاع الشهود على كلمة الكُفْر [منه] في خَلْوة.
أظهرُ الوجوه: أنه لا فَرْق، وتقبل توبة الزنديق وإسْلامُه، وهذا هو المنصوص في "المختصر" ولم يورد العراقيُّون غيره، واحتَّج له بإطلاق الآية والخبر، وبما رُوِيَ (٧) أنه اشتدَّ نكير رسول الله -ﷺ- على أُسامة (٨) حِينَ قَتَلَ من تكلَّم بكلمة الإسلام، وقال: إنَّما قَالَهَا فَرَقًا مِنِّي، فَقَالَ [عَلَيْهِ السَّلاَمُ] (٩) "هَلاَّ شَقَقْتَ عَن قَلْبه"؟ وبأنه يمتنع (١٠) أن يظهر الحقُّ لزنديق كما لا يمتنع (١١) أن يتزنْدق مُسْلِم، فكيف لا يُمَكَّنُ من الرجوع إلى الحقِّ؟
والثاني: وبه قال مالك وأحمد: أنه لا تقبل توبتُه ورجوعُه إلى الإسلام؛ لأن
_________________
(١) = وإن كل سبب لو فعله رجل لوجب عليه القتل فوجب إذا فعلته المرأة أن يجب عيها القتل، وقد أنكر الإِمام أحمد وشيوخ الحديث هذا الحديث، ولم يثبتوه ويؤكده أهل الصوامع والرهبان، إذا أسلموا ثم ارتدوا بعد الإسلام قتلوا، وإن كان النبي -ﷺ- منع قتلهم في حالة الشرك، فدل على ما قلناه.
(٢) في أ: عنه.
(٣) تقدم.
(٤) رواه الدارقطني والبيهقي من طريقين، وزاد في أحدهما: فأبت أن تسلم فقتلت، وإسناداهما ضعيفان. (تنبيه) وقع في الأصل أم رومان، وهو تحريف، والصواب أم مروان، قال البيهقي: وروي من وجه آخر ضعيف عن الزهري عن عروة، عن عائشة أن امرأة ارتدت يوم أحد، فأمر النبي -ﷺ- أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت، واحتج به ابن الجوزي في التحقيق. قاله ابن حجر في التلخيص
(٥) سقط في ز.
(٦) الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر.
(٧) سقط في ز.
(٨) متفق عليه من حديث أسامة بمعناه.
(٩) في ز: إسلامه.
(١٠) سقط في ز.
(١١) في ز: يمنع.
(١٢) في ز: يمنع.
[ ١١ / ١١٤ ]
[التَّقِيَّةَ (١) عند الخوف عيْنُ الزندقة، فلا اعتماد على ما يظهره قال القاضي الرويانيُّ في "الحلية" والعَمَلُ على هذا، وعن أبي حنيفةَ روايتان كالوجهين.
والثالث: عن القفَّال الشاشيِّ، أن المُتَنَاهينَ في الخبث (٢) كدعاة الباطنية، لا تُقْبل توبتهم ورجوعُهم إلى الإسلام، ويُقْبَل من عوامِّهم.
والرابع: عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني: [أنه،] (٣) إنْ أُخِذَ ليقتل فتاب، لم تقبل توبته، وإن جاء تائبًا ابتداءً، وظهرت مخايلُ الصدْق، قُبِلَتْ، وقد ينسب إلى الأستاذ الوجْه الثاني، ولاَ فَرْق بين من تكرَّرت منه الردَّة، ومن لم يتكرَّر [منه الردة] ومتى أسلَم يُقْبَل إسلامه، وعن أبي إسحاق المروروذي أنه لا يُقْبَل إسلام من تكرَّرت [الرِّدَّةِ (٤) منه]؛ لبطلان الثقة به، والظاهرُ الأولُ، قال الأصحاب: ولا يبْعد أن يخطئ الإنسانُ مرَّتين، ويصيب مرارًا.
نعم، إذا تكرَّرت منه الردَّة، ثم عاد إلى الإسلام، يُعزَّر لتهاونه بالدين.
ويقتل المرتد، [بضرب الرقبة دون التحريق بالنار وغيره] (٥) ويتولاه الإِمام أو من ولاَّه (٦) الإِمام، فمَنْ فوَّت عليهم، عُزِّر، ويستتاب المرتدُّ قبل القَتْل؛ لما روي أن رسول الله -ﷺ- "اسْتَتَابَ رَجُلًا ارْتَدَّ أَرْبَعَ مَرَّات" (٧) وأنَّ أبا بكر -﵁- استتابَ امرأةً من بني فزارة (٨) ارتدَّتْ، وأنَّ عُمَرَ -﵁- أشارَ على أبي مُوسَى الأشعريِّ -﵁- بالاستتابة في قصَّة، سنذكرها إن شاء الله تعالى، وهل الاستتابة واجبةٌ أو مستحبةٌ؟ فيه قولان، ويُقال: وجهان:
أحدهما: أنها مستحبَّة، وبه قال أبو حنيفة، واحتج له بما رُوِيَ أنَّه -ﷺ- قال: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ" (٩) أمر بالقتل، ولم يتعرَّض للاستتابة، وبأن الكافر الأصليَّ الذي ظهر عناده لا يجب استتابته فكذلك المرتدُّ، وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة.
_________________
(١) في ز: البقية.
(٢) في ز: الخنث.
(٣) سقط في ز.
(٤) في أ: منه الردة.
(٥) سقط في ز.
(٦) في ز: يتولاه.
(٧) رواه أبو الشيخ في كتاب الحدود من طريق المعلي بن هلال وهو متروك، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل عن جابر، ورواه البيهقي من وجه آخر من حديث عبد الله بن وهب عن الثوري عن رجل عن عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلًا، وسمى الرجل نبهان.
(٨) رواه البيهقي من طريق ابن وهب عن الليث عن سعيد بن عبد العزيز: أن امرأة يقال لها أم قرفة، كفرت بعد إسلامها فاستتابها أبو بكر، فلم تتب فقتلها، قال الليث: هذا رأيي، قال ابن وهب وقال لي مالك مثل ذلك، قال البيهقي: ورويناه من وجهين مرسلين، ورواه الدارقطني أيضًا.
(٩) تقدم.
[ ١١ / ١١٥ ]
وأصحُّهما؛ على ما ذكر القاضيان الطبريُّ والرويانيُّ وغيرهما، أنها واجبةٌ؛ لأنه كان محترمًا بالإسلام، [وربما] (١) عرضت له شبهةٌ، فيسعى في إزالتها، وردَّه إلى ما كان، وسواءٌ قلْنا: الاستتابة واجبة أو مستحبةٌ، ففي مدتها قولان:
أحدهما: أنه يستتاب ثلاثًا لما رُوِيَ أن رجلًا وفد على عُمَر -﵁- من قِبَل أبي موسى الأشعريِّ، فقال له عمر -﵁- هل من [مغربة] [خبر] فأخبره أن رجلًا كفَرَ بعْد إسلامه؛ فقال: ما فعلْتم به؟ قال: قربناه، فضربْنا عنقه، فقال: هلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كلَّ يوم رغيفًا، وأسقيتموه، لعله يتوب، اللهم [إنِّي] (٢) لم أحْضُر، ولم آمرْ، ولم أرْضَ إذْ بلغني.
وأصحهما: وهو اختيار المزنيِّ أنه يُسْتتاب في الحال، فإن تاب، وإلا قُتل، ولم يمهلْ؛ لمَا سَبَقَ من حديث أم رومان.
ومذْهب مالك وأحمد كالقول الأول وعن أبي حنيفة مثله، ويُرْوَى أنه يُستتاب ثلاثَ مراتٍ في كل جمعةٍ مَرَّة، ولا خلاف (٣) في أنه لا [يُخلَّى] (٤) في مدة الإمهال بل يُحْبَس. وفي أنه لو قتل قبل الاستتابة أو قَبْل مضي المدة (٥) للمهلة، لم يَجِبْ بقتله شيْء، وإن كان القاتل مُسِيئًا بما فعل.
وقوله في الكتاب "والظاهر القبول" لِيُعْلَمْ لفظ "القبول" بالحاء والميم والألف؛ لما حكينا. وقوله "ثم في إمهال المرتد ثلاثةَ أيام قولان" يعني في وجوبه؛ ألا تراه قال: "فإن قلنا: لا يجب" ويجوز أن يُعْلَم لفظ "القولين" بالواو؛ لأنه من الأصحاب من قال: لا خِلاف في أنه لا يجبُ الإمهال ثلاثًا، إنما الخلاف في الاستحباب، وهذا ما اختاره الشيخ أبو محمَّد في "المنهاج".
وقوله "فإنْ قلْنا: لا يجب، فهو مستحبٌّ أو ممنوعٌ، وجهان" هكذا رتب الإِمام فيما ذَكَر أنه جمَعَه من طُرق الأصحاب، والمفهوم من كلام الأئمة ترجيحُ المنعِ من الأمهال وتشدِيدُ الأمر عليه.
وقوله "فإن قلنا: يمنع، فقال: حُلُّوا شبهتي". هذه المسألة لا تختص بالمنع من الإمهال، بل مهما (٦) حقَّ قتله، إما عقيب الاستتابة، وإما بمضي مدة المهلة، فقال: [قد] (٧) عرضَتْ لي شبهة، ولذلك تكلَّمت بكلمة الكفْر، فأزيلوا شبهتي، لأعود إلى ما
_________________
(١) في أ: وإنما.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: إخلاف.
(٤) في ز: يحكى.
(٥) في ز: المهلة.
(٦) في ز: منهما.
(٧) سقط في ز.
[ ١١ / ١١٦ ]
كنت عليه، فهل نُناظِره لإزالة الشبهة وإيضاح الحق؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الحُجَّةَ مقدَّمةٌ على السيف.
والثاني: لا؛ لأن، الشبهة لا تنحصر، وقد يوردُ بعضها إثر بعْض، فتطول المدة، فحقُّه أن يسلم، ثم يُسْتَكْشف ويبحث بمراجعة العلماء، وهذا أصحُّ عند صاحب الكتاب، وحكى القاضي الرويانيُّ الأول عن النصِّ، واستبعد الخلاف فيه، وعن أبي إسحاق؛ أنه لو قال: أنا جائع فأطعموني، ثم ناظروني، وكان الإِمام مشغولًا بما هو أهمّ منه تَأَتَّيْنَا به، والله أعلم.
ونختم الفصْل بخاتمة فيما يَحْصُل به توبةُ المرتدِّ لاشتماله على ذكْر توبته، وفي معناها إسلام الكافر الأصليِّ، وقد وصف الشافعيُّ -﵁- توبته، فقال: أن يشْهَد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويبرأ من كل دين [خالف] الإسلام، وذكر في موضع آخر؛ أنه إذا أتى بالشهادتين [حُكِمَ] (١) بإسلامه، وليس ذلك باختلاف قول عند جمهور الأصحاب، كما [بينا (٢) في] كتاب "الكفارات"، ولكن يختلف الحال باختلاف أحوال الكفار وعقائدهم، قال في "التهذيب" إن كان الكافرُ وثنيًّا لا يُقِرُّ بالوحدانية، فهذا قال: لا إله إلا الله، حكم بإسلامه ثم يجبر على قَبُول سائر الأحكام، وإن كان مُقِرًا بالوحدانية غيْر أنه ينكر رسالة رسول الله -ﷺ- فلا يُحْكَم بإسلامه بمجرَّد كلمة التوحيد، حتى يقول: محمَّد رسول الله، فإن كان من الذين يقُولون: إن محمدًا مبعوث إلى العرب خاصَّة، أو يقول: إن النبي محمدًا يبعث من بعْد، لم يحكم بإسلامه، حتى يقول: محمد رسول الله إلى كافة الخلْق، أو يبرأ من كل دين خالَفَ الإسلام، وإن كان كُفْره بجحود فرض، أو استباحة محرَّم، لم يصح إسلامه، حتى يأتي بالشهادتَيْن ويرجع عمَّا اعتقده، ويُسْتحب أن يمتحن كلُّ كافر أسْلَمَ بالإيمان وبالبعث، ولو قال الكافر: أنا وليُّ محمدٍ أو أحب محمدًا لمْ يصحُّ إسلامه؛ لأنه قد يحبُّه؛ لخصاله الحميدة، وكذا لو قال: أنا مثلكم أو مؤْمن أو مُسْلِم أو آمنت أو أسلمت؛ لأنه قد يريد به في البشريَّة، ومؤمن بموسى، ومنقاد لكم، ولو قال: أنا من أمة محمَّد أو دينُكُم حقٌّ، حكم بإسلامه، ولو أقر بركن من أركان الإسلام على خلاف عقيدته، كفرضية [الصلوات] الخمْس أو إحداها أو أقر بتحريم الخمر والخنزير، حُكِم بإسلامه وما يصير به المسلمُ كافرًا إذا جَحَدَ، يصير به الكافرُ مسلمًا، إذا أقر به، ويُجْبر على قَبُول سائر الأحكام، فإن امتنع، قتل كالمرتد، وإذا أقر اليهوديُّ برسالة عيسى -﵇- ففي قولٍ: يُجْبر على الإسلام؛ لأن المسلم، لو جَحَد نبوته لكفر، نقل هذا
_________________
(١) في ز: حكمها.
(٢) في أ: سيأتي في.
[ ١١ / ١١٧ ]
كله صاحب التهذيب، [وهو] طريقة ذكرنا في الكتاب (١) أن الإِمام نسَبَها إلى المحقّقين، والمشهور غيرها.
وفي "المنهاج" للإمام الحليمي أنه لا خلاف أن الإيمان ينعقد بغَيْر القول المعْرُوف، وهو كلمة "لا إله إلا الله" حتى لو قال: إلا إله سِوَى الله، أو غيْر الله أو ما عدا الله، فهو كقوله "لا إله إلا الله" [كذا] (٢) ولو قال "ما من إله إلا الله، أو لا إله إلا الرحمن أو لا رحمانَ إلاَّ الله، أو لا إله إلا الباري، أو لا بارئَ إلا الله" وإن قول القائل أحمد أو أبو القاسم (٣) رسولُ الله، كقوله محمَّد رسول الله، وأنه لو قال الكافرُ: آمنت بالله، يُنْظر؛ إن لم يكُنْ على دينٍ من قبْلُ، صار مؤمنًا بالله، وإن كان يشركُ بالله غيره، لم يكن مؤمنًا حتى يقول: آمنت باللهِ وحْده وكفرت بما كنت أشركُ به، وأن قوله "أسلمت لله (٤)، أو أسلمت وجهي لله كقوله "آمنت بالله" وأنه لو قيل للكافر: أسْلمْ لله أو آمِنْ بالله، فقال أسلمت أو آمَنْتُ، فيحتمل أن يُجْعَل مؤمنًا، وأنه لو قال: أُؤمِنُ بالله أو أُسْلِم لله، فهو إيمانٌ كما أن قول القائل "أقسم بالله" يمينٌ، ولا يحمل على الوعد، إلا أن يريده، وأنه لو قال: "الله ربي، أو الله خالقي"، فإن لم يكن له دِينٌ من قبْلُ، فهو إيمانٌ، وإن كان من الذين يقولون بقدم أشياء مع (٥) الله تعالى، لم يكن مؤمنًا حتى يقر بأنه لا قديم إلا الله، وكذا الحُكْم، لو قال: "لا خالق إلا الله"؛ لأن القائلين به يقولون: الله تعالى خلَق ما خلَق، لكن من أصل قدِيم، وأنه لو قال اليهوديُّ المشبِّهُ: لا إله إلا الله، لم يكن هذا إيمانًا منه حتى يتبرأ من التشبيه، ويُقرَّ بأنه ليْس كمثله شيْء، وإن قال مع ذلك: محمَّد رسول الله، فإن كان يعلم أن محمدًا -ﷺ- جاء بإبطال التشبيه، كان مؤمنًا، وإلا فلا بد وأن يتبرأ من التشبيه، وطرد هذا التفصيل، فيما إذا قال الذي يذهب إلى قِدَم أشياء مع الله تعالى: لا إله إلا الله، محمَّد رسول الله، حتى إذا كانَ يَعْلَم أن محمدًا جاء بإبطال ذلك، كان مؤمنًا، وأن الثنويَّ، إذا قال: لا إله إلا الله، فإن كان يزعم أن الوثَنَ شريكُ لله تعالى، صار مؤمنًا، وإن كان يرى أن الله هو الخالقُ، ويعظم الوَثَن؛ لزعمه أنه يُقَرِّ به إلى الله تعالى، لم يكن مؤمنًا، حتى يتبرأ من عبادة الوثن، وأنه لو قال البرهميُّ، وهو يوحِّد الله تعالى، وإنما يكفر بجحد الرسُل: محمَّدٌ رسولُ اللهِ، صار مؤمنًا، وإن أقر برسالة نبيٍّ قبله؛ كإبراهيم -﵇- لم يكن مؤمنًا [لأن
_________________
(١) ثبت في هامش "ب" ما يلي: ينظر في: "كتاب الكفارات"، فإنه حكى عن الإِمام هذه الطريقة، ونسبها إلى المحقّقين، ثم قال الرافعيُّ، وهي خلاف ظاهر المذْهب من أن الكافر لا يصير مسلمًا إلا بالشهادتين.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: القسم.
(٤) في ز: بالله.
(٥) سقط في ز.
[ ١١ / ١١٨ ]
الإقرار] (١) بنبوة محمَّد -ﷺ- إقرارٌ بنبوة مَنْ قبله؛ لأنه شَهِدَ لهم وصدَّقهم، ويجيء على القْولِ الذي حكاه صاحب "التهذيب" فيما إذا أقر اليهوديُّ بنبوة عيسى -﵇- أنه يُجْبر على الإقرار بنبوة سائر الأنبياء -﵈- ويتوجَّه أن يقال كما أن محمّدًا -ﷺ- شَهِدَ للأنبياء قبله وصدَّقهم، فإنهم شهدوا له، وبشروا به؛ وأن المعطِّل، إذا قال: محمَّد رسول الله، فقد قيل: يكون مؤمنًا؛ لأنه أثبت الرسُولَ والمُرْسِل معًا، وأنه إذا قال الكافر: لا إله إلا [الله] الذي آمن (٢) به المسلمون، كان مؤمنًا، ولو قال: آمنتُ بالذي لا إله غيره [أو بمَنْ لا إله غيره] لم يكن مؤمنًا؛ لأنه قد يريد الوَثَن وأنَّه، لو قال: آمنت بالله وبمحمد، كان مؤمنًا بالله؛ لإثباته الإله، ولم يكن مؤمنًا بنبوة محمد -ﷺ- حتَّى يقول: بمحمد النبي أو بمحمد رسول الله [-ﷺ-]، وأن قوله: "آمنتُ بمحمَّد النبيِّ" إيمانٌ برسول الله -ﷺ-.
وقوله: "آمَنت بمحمدٍ الرسولِ" ليس كذلك؛ لأن النبيّ لا يكون إلا لله، والرسول قد يكون لغيره وأن الفلسفيَّ إذا قال: أشهد أن الباريَ تعالَى علَّةُ الموجودات، مبدؤها أو سبَبُها، لم يكن ذلك إيمانًا، حتى يقر بأنه مخْتَرعٌ ما سواه ومُحْدِثه بعْد أن لم يكن، وأن الكافر إذا قال: لا إله إلا [الله] المُحْيي المميت، فإن لم يكن من الطبائعيين كان مؤمنًا، وإن كان منْهم، فلا؛ لأنهم ينسبون الحياة والموت إلى الطبيعة، فينبغي أن يقول: لا إله إلا الله، أو إلا الباري أو يَذْكُر اسمًا آخر لا تبقى معه الشبهةِ، وأنه لو قال: لا إله إلا الله المالك أو إلا [الرازق]، لم يكن مؤمنًا؛ لأنه قد يريد به المَلِك الذي يقيم عطايا الجُنْد، ويرتب أرزاقهم كما كان يَذْكر قومُ فرعونَ له، وكانَ مَلِكهُم، ولو قال: لا مالك إلا الله أو لا رازقُ إلا الله، كان مؤمنًا وبمثله أجابَ، فيما إذا قال: لا إله إلا الله العزيز [أو] العظيم أو الحكيم أو الكريم، وبالعكوس، وأنه لو قال: لا إله إلا الله المَلِكُ الذي في السماء، أو إلا مَلِك السماء، كان مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وأراد نفسه تعالى وتقدَّس، ولو قال: لا إله إلا ساكنُ السماء، لم يكن مؤمنًا، وكذا لو قال: إلا الله ساكن السماء؛ لأن السكون غيرُ جائز على الله ﷾، وأنه لو قال: آمنت باللهِ، إن شاء، أو إن كانَ شاء بنا، لم يكن مؤمنًا، وأنه لو قال اليهوديُّ: أنا بريْء من اليهودية، أو النصرانيُّ أنا بريء من النصرانية، لم يكن مؤمنًا؛ لأنه ليس ضدَّ الإسلام ما تبَّرأ منه، فحسب، حتى يَدْخل بالتبرؤ منه في الإسلام، وكذا لو قال: مِنْ كل ملة تخالف الإسلام؛ لأنه لا ينفي التعطيلَ الذي يخالِفُ الإسلام، وليس بملَّةٍ، فإن قال: كُلِّ ما يخالف الإسلام من دِينٍ ورأْي وهوىً، كان مسلمًا، وأنه، إذا قال: الإسلامُ حقٌّ، لم يكن مسلمًا، لأنه، قد يقر بالحقِّ ولا ينقاد
_________________
(١) في أ: إلا بالإقرار.
(٢) في ز. أمر به.
[ ١١ / ١١٩ ]
له، وهذا يخالف ما حَكَيْنا عن "التهذيب" فيما إذا قال: دينكم حقٌّ، وأنه إذا قال لمليٍّ: أَسْلِم، فقال: أسلمتُ، أو أنا مسلمٌ، لم يكن مقرًّا بالإسلام؛ لأنه قد سَمَّى دينَه الذي هو عليه إسلامًا، ولو قال في الجواب: أنا مسلمٌ مثلكم، كان مقرًّا بالإسلام، ولو قيل لمعطِّل: أسْلِم، فقال: أنا مسلِمٌ أو من المسلمين، كان مقرًّا بالإسلام؛ لأنه لا دِينَ له حتى يسميه إسلامًا، وقد يتوقف في هذا.
قال الغَزَالِيُّ: (فأَمَّا وَلَدُ المُرْتدِّ) فَإِنْ عَلَّقَ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَمُسْلِمٌ، وَبَعْدَ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (أحَدُهَا) أنَّهُ مُسْلِمٌ لِبَقَاءِ عُلْقَةِ الإِسْلاَمِ (وَالثَّانِي) أنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ (وَالثَّالِثُ): أَنَّهُ مُرْتَدٌّ، وَأَمَّا وَلَدُ المُعاهَدَ إِذَا تَرَكَهُ عِنْدَنَا فَنُقِرُّهُ بِجِزْيَةٍ، أَوْ يُلْحَقُ بِالمَأْمَنِ مَهْمَا بَلَغَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: ولد المرتدِّ المنفصل أو المنعَقِد قبل الردَّة محكومٌ له بالإسلام، حتى لو ارتدَّت المرأة الحامل، لم يُحْكَم بردة الولَد؛ لأنه قد حكلم بإسلامه تبعًا، والإِسلامُ يعلو، فلا يحكم بكفره تبعًا، فإذا بلغ، وأعْرَب بالكفْر، كان مرتدًّا بنفسه، وإن حدَث الولدُ بعد الردة، فإن كان أحد الأبوَيْن مسلمًا، والآخرُ مُرتدًّا، فالولدُ مسلمٌ بلا خلاف، وإن كانا مرتدَّيْن، ففيه قولان، وفيما فيه القولان طريقان:
أحدهما: أن أحد القولَيْن، أنه يُحْكم له بالإسلام أيضًا؛ لبقاء عُلْقة الإسلام في الأبوَيْنِ؛ لأن المرتدَّ يجبر على الإسلام، ولا تُؤْخَذ منه الجزْية، ولا تعْقَد معه الهدنة، ويُؤْمَر بقضاء الصلوات التي مَرَّ عليه أوقاتها في الكُفْر، ويُغرَّم ما يتلفه، وكل ذلك من علائق الإسلام، وإذا بقيتْ فيهما علقة الإسلام، غَلَب في الولد حكمه.
والثاني: أنه كافر أصليٌّ، أما كونُهُ كافرًا، فلتولده من كافرَين، وأما كونه أصليًّا؛ فلأنه يباشر الردة، حتى يُجْعَل مرتدًا، ويغلَّظ عليه، وقطَع أصحابُ هذا الطريق بأنه ليس بمرتدٍّ.
والثاني: أن أحد القولين أنه كافرٌ أصليٌّ؛ لما ذكرنا.
والثاني: أنه مرتدٌّ تبعًا للأبوين، كما أن [ولد] (١) المسلمَيْن مسلمٌ، وولد الكافرَين الأصليَّيْن كافرٌ، أصليٌّ، وقطع أصحاب هذا الطريق بأنَّه لا يحكم [له] بالإِسلام، ويخرج من الطريقين ثلاثةُ أقوالٍ على ما ذكرها صاحبُ الكتاب.
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١١ / ١٢٠ ]
والأصحُّ على ما أورد في "التهذيب": أنه محكوم له (١) بالإِسلام، وبه قال صاحب "التلخيص" وإذا قلْنا به، فلا يُسترقُّ بحال، ولو مات في الصِّغَر، جرى التوارث بينَه وبين أقاربه المسلمين، ويجوز إعتاقه عن الكفَّارة، إن كان رقيقًا، وإذا بلغ وأعرب بالكفر كان مرتدًّا، وإن قلنا: إنه كافر أصليٌّ فيجوز استرقاقُه، قال الإِمام: ويجوز عقد الجزية معه، إذا بلغ، وهو كالكفار الأصليّين في كل معنى، والذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وحكاه القاضي الرويانيُّ عن "المجموع" أنه لا يجوز عقد الجزية معه؛ لأنه ليس له حرمةُ الكتاب، وإن قلنا: إنه مرتدٌ، فلا يسترق بحالِ، ولا يُقْتل حتى يبلغ، فيستتاب، فإن أصرَّ، فحيئذ يقتل، وعن أبي حنيفة: أنه إنْ لحق بدار الحرب، جاز أن يسترق، وإلا، فلا، وروى صاحب "الشامل" عنه: أنه إن وُلِدَ في دار الحرب، جاز استرقاقه، وإلا، لم يجز، وأولاد أولادِ المرتدين (٢) حكمُهم حكمُ أولاد المرتدين، وعن أبي حنيفة، أن البطْن الأول مرتدُّون، والباقون كفار أصليُّون.
والمرتد نفسه لا يُسترقُّ بحال يستوي فيه الرجلُ والمرأة.
وعند أبي حنيفة، المرتدة إذا لَحِقَت بدار الحرب، جاز استرقاقها واحتج بان [أم] (٣) محمد ابن الحنفية -﵁- كانت مرتدة، فاسترقها علي -﵁- واستولَدَهَا، وقاس الأصحابُ المرأةَ علَى الرجل، وَرَوَوْا أن الحنفية كانت أمَةً لبعضهم، فلما قُتِلَ على الرَّدة، كانت من الفيْء.
_________________
(١) قال النووي في زوائده: كذا صححه البغوي، فتابعه الرافعي، والصحيح أنه كافر، وبه قطع جميع العراقيين، نقل القاضي أبو الطيب في كتابه "المجرد" أنه لا خلاف فيه في المذهب، وإنما الخلاف في أنه كافر أصلي أم مرتد، والأظهر: مرتد. والله أعلم. قال الشيخ البلقيني: محل الخلاف في هذه التي ذكرها من زيادته عن البغوي ما إذا لم يكن هناك أصل مسلم غير الأبوين المذكورين فإن كان هناك أصل مسلم كجد أو جدة فإنه يكون مسلمًا بناء على ما صحح في كتاب اللقيط ولا يأتي هنا تصحيح أنه مرتد ولا كافر أصلي، أما كونه لا يكون كافرًا أصليًا تفريعًا على الأصح فواضح لأنه لو كان بين كافرين أصليين. وهناك أصل مسلم غير الأبوين فإنه يتبعه على الأصح وكذلك فيما إذا كانا مرتدين بل أولى. وأما كونه لا يأتي هنا إلا أن يكون مرتدًا لأنه تابع في الإسلام لأصل مسلم غير أبوله فامتنع أن يكون مرتدًا. انتهى. وقول الشيخ النووي قطع به جميع العراقيين. قال الأذرعي: في الترجيح والنسبة وقفه فإن صاحب المعتمد في إتقان المذهب المجرد عن الشَّافعي من رؤوس العراقيين نقل في باب الغرة أن في هذا الجنين غرة، وعن القديم أنه لا شيء فيه، وهذا يشير إلى أن المذهب في الجديد أنه مسلم، وبه جزم الصيمري في شرح الكفاية إلى آخر ما ذكره.
(٢) في ز: المهدين.
(٣) سقط في ز.
[ ١١ / ١٢١ ]
والثانبة: الذميُّ أو المستأمَنُ، إذا نقض العَهْدَ، ولحق (١) بدار الحرب، وترك ولده عندنا، فلا يجوز استرقاقه: لأن الآباء إذا عاهدوا، ثبَت العهْد في حق الأولاد، ثم لا ينتقض عهدهم بعد الآبَاء، فهذا بلغ الولَدُ، فإن قبل الجزية، فذاك، وإلا، لم يُجْبر عليه ويلحق بالمأمن، هذا ظاهر المذْهب، وحكَى القاضي ابن كج وجهًا: أنه يُسترق ولدُه بلُحُوقه بدار الحرب، ووجهًا آخر، أنه إذا هلك هناك أو استرق، يُسْترق ولده.
وعند أبي حنيفة: يُجْبَر على قبول الجْزية، إذا بلغ.
وقوله في الكتاب "ثلاثة أقوال" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لأن منهم مَنْ نفى القول الأول، ومنْهم من نفى الثالث، والفريقان متَّفقان على أنَّه ليس في المسألة الأقوال الثلاثة، ويجوز أن يُعْلَم القول الأول والثاني بالحاء؛ لما حكينا عن أبي حنيفة في البطْن الأول.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا مِلْكُ المُرْتَدّ) فَيَزُولُ عَلَى قَوْلٍ، وَيَبْقَى عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى قَوْلٍ، فَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ فَيُقْضى دُيُونُهُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الرِّدَّة، وَمَا يَلْزَمُهُ بِالإِتْلاَفِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ هَلْ يُقْضَى مِنْهُ؟ فيه وَجْهَانِ، وَكَذَا نَفَقَةُ القَريبِ فِي دَوَامِ الرِّدَّةِ وَمَا يَكْتَسِبُهُ فِي حَالِ الرِّدَّة بِالاحْتِطَابِ أَوْ الشِّراءِ أَوْ الاتِّهَابِ فَجِهَةُ الْفَيْءِ فِي حَقِّهِ كَالسَّيِّدِ فِي حَقِّ العَبْدِ فِي وُقوعِ المُلْكِ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَزُولُ مِلْكُهُ فَلاَ بُدَّ مِنَ الحَجْرِ، وَهَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ، أَوْ بِضَرْبِ القَاضِي؟ وَجْهَانِ، ثُمَّ حُكْمُة حُكْمُ الفَلَس أَو التَّبْذيرِ وَجْهَانِ، وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الوَقْفِ فَكُلُّ تَصَرُّف لاَ يَقْبَلُ الوَقْفَ فَهُوَ بَاطِلٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هل يزول مِلْك المُرْتَدِّ عن أمواله بالردَّة؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: نَعَمْ؛ لأن عصْمة الدمِ والمالِ بالإسلام، وإذا ارتدَّ، زالَتْ عصمة الدم، فكذلك عصمة المَالِ، وأيضًا [فإنه] أحد الملْكَيْن، فتؤثِّر الردة في قطعه كالنكاح.
والثاني، وهو اختيار المزنِّي: أنه لا يزول؛ لأن الردَّة سبب يبيح الدمَ، فلا يزول (٢) المِلْك كزنا المُحْصَن.
وأصحُّها، على ما ذكر صاحب التهذيب: أنا نتوقَّف، فإن هلك على الردة، بأن زوالُ ملكه بالرَّدة، وإن عاد إلى الإسلام، بان أنه لم يَزَلْ، ووُجِّه بأن بطلان أعماله، يَتَوقفُ على هلاكه على الرَّدة، فكذلك زوال مِلْكه، وبأنه نوع ملْكٍ، فيصير موقوفًا بالردة، كالنكاح بعد الدخول، ومدة العمْر هاهنا كمدة العِدَّة في النكاح بعْد الدخول، هذا هو الطريق المشهور، ووراءَه طريقان:
_________________
(١) في ز: التحق.
(٢) في ز: يريد.
[ ١١ / ١٢٢ ]
أحدهما: اقتصر طائفة من الأصحاب على القولَيْن الآخَرَيْن، ولم يثبتوا قوْلَ زوال المِلْك.
والثاني: حكى الرويانيُّ؛ أن منهم مَنْ قطع باستمرار المِلْك، ورد الخلاف إلى أنه هل يصير بالردة محجُورًا عن التصرُّف، على ما سيأتي، والخلافُ في بقاء المِلْك وزواله يَجْري في ابتداء المِلْك، فهذا اصطاد، أو احتطب، فإنْ قلْنا: يزول (١) المِلْك، فقد قال الإِمام: ظاهر القياس أنه يثبت الملْكُ لأهل الفيْء فيما احتطب واصطاد، كما يَحْصُل المِلْك للسيد فيما يَحْتطب العبْدُ، ويصطاد، قال: وليكن شراؤه واتِّهابُه كشراء العبد واتهابه بغَيْر إذن السيد، حتى يجيْء فيه الخلافُ، وعلى هذا جَرَى صاحب الكتاب، والذي أورده أبو سعْد المتولِّي، أنه يبقى على الإباحة، كما إذا اصطاد المُحْرِم، لا يمكله ويبقى الصيد على الإباحة، وإن قلْنا: إن أملْك المرتد يَبْقَى، فيما احتطب أو اصْطاد مِلْكُه كالحربىِّ، وإن قلْنا: إنه موقوفٌ، فإن عاد إلى الإسلامِ، بان أنه ملْكُه من يوم الأخذ، وإن هلك على الردَّة، قال المتولِّي: نحكم بان المأخوذَ باقٍ على الإباحة، وعلى قياسِ ما ذَكَره الإمامُ، يبين أنه لأهل الفيْء، وعلى الأقوال كلِّها تقضى من ماله ديونَه التي لَزمت قبل الردَّة؛ لأنا، وإن حكمنا بزوال المِلْك، فإنه يَعْرِض أن يعود، وغايةُ ما في الباب تنزيلُ الردَّةُ منزلةَ المَوْت، والديونُ اللازمة في الحياة تُقْضَى من تركة الميت، فكذلك هاهنا، وقد تكون نفقة الزوجة من الدُّيون اللازمة قَبْل الردَّة، ولا تكون نفقة القريب منها (٢)، لسقوطها بمضيِّ الزمان، وعن الاصطخريِّ، عن حكاية صاحب "التقريب" وجه، أنه ديونه لا تقضَى على قول زوال المِلْك، ويُجْعَل كأن أمواله تَلِفَت، والمذْهَبُ الأول، وأمَّا في مدَّة الرِّدَّةِ، فينفبن عليه من ماله، ويُجعل حاجته إلى النفقة كحاجة الميت إلى التجهيز بعْد زوال الملك بالموت، وأغرب القاضي ابن كج؛ فحَكَى عن أبي حفْص بن الوَكيل: أنه لا ينفق عليْه على قولِ زوال الملك، ولكن يُنْفق عليه في مدة الاستتابة من بيت المال، وهلْ يلزمه غرامةُ ما يُتْلِفه في الرِّدَّةِ، ونفقة زوجاته الموقُوفِ نكاحُهن، ونفقة أقاربه؟ فيهِ وجهان؛ على قول زوال الملك:
أحدهما: لا؛ لأنه لا مالَ له، ويُرْوَى هذا عن أبي الطيِّب بن سلمة، والاصطخرِّي، واختاره صاحب "التتمة".
وأظهرهما؛ عند الأكثرين: نعم، كما أن من حفر بئر عدوان، ومات، وحصَلَ بسببها تَلَفٌ، يُؤْخذ الضمان من تركته، وإن زال ملْكه بالمَوْت.
وتمام التفْريع على الأقوال: أنا إذا قلْنا بزوال المِلْك، فإذا عاد إلى الإسلام، يعود
_________________
(١) في ز: زوال.
(٢) في ز: ههنا.
[ ١١ / ١٢٣ ]
المِلْك كالعصير يزول الملْك عنه بانقلابه خمْرًا، ويعود [بعودِه] خلًّا، قال في "التتمة" وليس كالنكاح المُنْقَطِع بالردَّة، لا يعود بالعود إلى الإسلام؛ لأن الحكم بزوال المِلْك سبيلُه سبيل العقوباتِ، والعقوبةُ تسقطُ بالعود إلى الإسلام، وانقطاع النكاحِ ليس سبيلُه سبيلَ العقوبات؛ ألا ترى أن انقطاعه بردَّة المرأة كانقطاعه بردة الرجل، والنكاحُ حقُّ الزوج، فلا يجوز أن تجعل جنايتها سببًا لعقوبته، وإنما انقطاعه بالردة؛ لفوات الحل بما عرض، لا إلى غايةٍ تُنْتَظَر؛ وعلى هذا القولِ، لا يصحُّ تصرُّفه بالبيع والشرك والإعتاق والوصية وغيرها؛ لأنه لا مال له، وفي الشراء ما قدَّمناه عن الإِمام، وإن قلْنا: يبقى مِلْك المرتد، فيمنع من التصرُّف؛ نظرًا لأهل الفيْء، وهل يصير بنفْس الردَّة محجورًا عليه، أم لا بُدَّ من ضرْب القاضي؟ فيه وجهان، ويقال قولان، وهما مشبهان بالخلاف في أنَّه، إذا طرأ السفه بَعد الرُّشْد، يصير [الشخص] (١) محجورًا عليه بنَفْس [السفه] (٢) أم لا بُدَّ من ضرب القاضي، وإنما يجيْء إذا فُرِّع على قول الوقْف.
ثم حَجْر المرتدِّ سواء حصل بنفس الرِّدَّةِ أو بضرب القاضي كحجر السفيه أو كحَجْر المُفْلِس؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه كحَجْر السفيه؛ لأَن تضييع الدين أشدُّ سفهًا من تضييع المال.
وأصحُّهما: أنه كحَجْر المُفْلِس؛ لأنه لصيانة حقِّ المسلمين الذي يتعلَّق بماله، كما أن حجْر المفْلِس لصيانة حق الغرماء في مالِه، فإن قلْنا: لا بدَّ من ضرب القاضي، ولم يضربه، فتصرُّفاته نافذةٌ، وإن قلْنا: يحصل الحجْر بنفسْ الردَّة أو ضَرَبَهُ القاضي، فإنْ جَعلْناه كحَجْر السفه، لم تنفُذْ تصرفاته في المال، وإذا أقرَّ بدين، لم يقبل إقرارُه، وإن جعلْناه كالمُفْلِس، فتصرفاته تُوْقَف أو تَبْطُل؟ فيه قولان، كما ذكرنا في المُفْلِس، وإقراره بالدَّيْن أو العَيْن، كإقرار المفْلِس، وقد مَرَّ، وإن قلْنا بالوقف، فكل تصرُّف يَحْتمل الوقْف، كالعتق والتدبير والوصية، فهو موقوف إنْ أسْلَم نفذ، وإن هلك على الردَّة، فهو باطل، وخلْعه موقوف أيضًا على ما تقدَّم في الخَلْع، وأما [البيع والهبة والكتابة] ونحْوُها، فهي (٣) على قولَيْ وقف العقود، فَعَلَى الجديد، هي باطلةٌ وعلى القديم تُوقف، إن أسلم، حُكِم بصحتها، وإلا فلا، ولا يصحُّ نكاح المرتد، وكذا إنكاحُه؛ لسُقُوط ولايته، قال في "التهذيب": وفي تزْوِيج أمته وجْهٌ غير قويٍّ: أنه يجوز، إذا قلْنا: إن ملكه لا يزولُ، ولم يحجر عليه الحاكم، كسائر تصرفاته المالية، وهذا ما أورده صاحب "التتمة" وغيره، وقالوا: إنه كسائر التصرُّفات التي لا تَقْبل الوقْف.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: الردة.
(٣) في ز: فهو.
[ ١١ / ١٢٤ ]
وعند أبي حنيفة تصرُّف المرتدِّ موقوفٌ، إن أسلم، نَفَذَ، وإن التحق بدار الحرب أو قتل، فباطل.
وعلى الأقوال كلها، لا يُعْتَق بالردَّة مُدَبَّر المرتد، ولا أُمُّ ولده (١)؛ لأن المدَبَّر [معلَّق] (٢) عتقه بالمَوْت لفظًا، ولم يوجَدْ، وعتق المستولَدَة يتعلَّق باليأس عن الاستفراش، ولم يَحْصُل، فإنْ هَلَكَ على الردَّة، قال في "التتمة": تعتق المستولُدَة علَى الأقوال كلِّها؛ لأنها لا تَقْبَل التصرُّف ونَقْلَ المِلْك، وأما المُدبَّرِ فسيأتي [ذكره] (٣) في "باب التدبير" (٤) فإن قلْنا، يزول ملكه بالردَّة أو قلنا إنه موقوفٌ، فلا يعتق ويَسْقط التدبير (٥)، وإن قلْنا: لا يزول ملكه إلى الموت، فيعتق المدَّبر، ويكون كما [لو] (٦) دبَّر ذَميٌّ عبدًا ومات.
ولا فرق في جميع ما ذَكَرْنا بين أن يلتحق المرتدُّ بدار الحرب، وبين أن يكون في قبضة الإِمام.
وعند أبي حنيفة: التحاقه بدار الحَرْب كموته، حتى يُورَثَ مالَهُ على أصْله، وفي توريث المرتدِّ حتى يُعْتَق مدَبَّره وأمُّ ولده، قال: فإن عاد، رُدَّ ماله إليه، ولا يُرْفَع العتق.
وعلى الأقوال يُوقَف مالُ المرتدِّ بأن يوضَعْ عنْد عدْل، وتجعل أمته عند امرأة ثقة؛ لأنا وإن قلنا ببقاء ملكه فقد تعلَّق به حقُّ المسلمين، فيحتاط ويؤَجَّر عقاره ورقيقه، ومدَبّره [ومستولدته] ومكاتبه يؤَدِّي النجوم إلى الحاكم، وإذا التحق بدار الحرب، ورأَى الحاكمُ الحظَّ في بيع الحيوان، فَعَل، وإذا ارتدَّ، وعليه ديْنٌ مؤجلٌ، فإن قلْنا: يزول ملْكه، فيحل الأجل كما لو ماتَ، وإن قلنا: لا يزول، لم يحل، وإن قلنا بالوقف، فإن عاد إلى الإسلام، بان أنه لم يحلَّ، وإن (٧) استولد [جاريته]، نفذ الاستيلاد، إن أبقينا ملكه، وإن أزلْناه، لم ينْفُذ، فإن أسلم، فقولان، كما لو استولد المشتري الجاريةَ المشتراةَ في [زمان] (٨) الخيار، وقلْنا: الملْك للبائع، فتم البيع، وليعلَمْ من لفظ الكتاب قولُه "على قول" أولًا وثالثًا بالواو؛ لما ذكرنا أن بعْضَهم نفَى القول الأول، وأن بعضهم قَطَع بالقول الثاني.
وقوله "فيُقْضى ديونُه وينفق عليه في مُدَّة الردَّة" يجوز إعلامهما بالواو أيْضًا، وقضاء الديون القديمة والإنفاق عليه لا يختصان بقول زوالِ المِلْك، وإن ذكرهما في
_________________
(١) في ز: الولد.
(٢) في أ: يتعلق.
(٣) في ز: حكمه.
(٤) في ز: التديين.
(٥) في ز: الديون.
(٦) سقط في ز.
(٧) في ز: ولو.
(٨) في أ: زمن.
[ ١١ / ١٢٥ ]