لو لم يقتصرْ على استئصال الشَّاخص، بل أوضح معه العظم، لم يجعل أرش الموضِّحة تبعًا لدية الأذن؛ لأنَّه لا يتبع مقدَّرٌ مقدَّرًا (٨).
قال الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: العَيْنَانِ وَفِي إِحْدَاهُمَا إِذَا فُقِئَتِ النِّصْفُ، وَفِي عَيْنِ الأَعْوَرِ النِّصْفُ (م) وَفِي عَيْنَيِ الأَخْفَشِ كَمَالُ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجبُ في فَقْء العينَيْنِ كمالُ الدية، وفي إحداهما نصفُها؛ لما روي عن (٩) النبي -ﷺ- أنه قال: "في العينينِ الدِّيَةُ" (١٠)، وفي كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -﵁- الذي كتبه رسولُ اللهِ -ﷺ-: "فِي العَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الإبِلِ" (١١)، وعينُ الأعورِ المبصرةُ كغيرها؛ لا يجب فيها إلا نصفُ الدية؛ كما أن يد الأقْطَع لا يجبُ فيها إلا نصْفُ الدية، وقال مالك وأحمد: في عين الأعور كمالُ الدية.
ولو فقأ الأعورُ مثْلَ عينه المبصرة مِنْ إنسان، فله القصاص خلافًا لأحمد، فإن
_________________
(١) في ز: وان اعتدنا.
(٢) في ز: بالجمع وحيث.
(٣) في ز: اعتدنا.
(٤) في ز: لم يجب.
(٥) في ز: المدعية.
(٦) في ز: يطلب.
(٧) سقط في ز.
(٨) سقط في ز.
(٩) في ز: أن.
(١٠) تقدم.
(١١) تقدم، وهو لفظ مالك أبي داود.
[ ١٠ / ٣٥٧ ]
عفا المجنيُّ عليه عن القصاص، فله نصف الدية، وعن مالك أن له جميعَ الدية، وتكمل الدية (١) في عينَيِ الأحول والأعمش، قال في الصحاح (٢): والعَمَشُ ضعْفُ الرؤيةِ، مع سَيْلاَنِ الدمع في أكثر الأوقات، ويقال: إنَّ خلل الأعمش في الأجْفَان، والأعشَى: هو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار، والأخفشُ والخَفَش: صغَرُ العَيْن، وضعفُ البَصَر خلقةً، ويقال: الأخفش الذي يُبْصِرُ بالليل، دون النهار، وهذا لأن المنفعة باقيةٌ في أعين هؤلاء، ومقادير المنفعة غير منظور إلَيْها؛ ألا ترى أنه لا ينظر إلى قوة البطش، والمَشْي وضعفهما، وإذا كان في العَيْنِ بياضٌ لا ينقص الضوء، لم يمنع القصاص، ولا كمال الدية، وكان كالثَّالِيلِ في اليد والرِّجْل، ولا فرق بين أن يكون على بياض الحَدَقة، أو سوادها، وكذا لو كان على النَّاظِر (٣) إلا أنه رقيقٌ لا يمنع الإبصار، ولا ينقص الضوء، فإن كان ينقص الضوء نُظِرَ: إن أمكن ضبطُ النقصان بالاعتبار بالصحيحة التي لا بياض فيها سقط (٤) من الدية قسْطُ ما انتقص وإن لم يمكنِ الضبطُ، فالواجب الحكومة (٥)، وفرق بينه وبَيْن عين الأعمشِ؛ بأن البياض نقْصُ الضوء الذي كان في أصلِ الخِلْقَة، وعيْن الأعمش لم ينقص ضوءُها عما كان في الأصل.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: الأَجْفَانُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُ الدِّيَةِ (م) وَفِي بَعْضِ الوَاحِدِ
_________________
(١) في ز: دية.
(٢) ينظر الصحاح ٣/ ١٠١٢ (عمش).
(٣) في ز: الباطن.
(٤) في ز: يسقط.
(٥) فَصَّل الماوردي في الحاوي هذه المسألة؛ فقال: لو كان في عينه قبل الجناية عليها بياض، لم يخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: ألا يؤثر في البصر، ويرى مع البياض ما كان يراه قبله، ففي بصره إذا ذهب بالجناية الدية تامة، ولا يكون للبياض تأثير في الدية، كما لم يكن له تأثير في البصر. وسواء كان يشق عليه النظر أو لا يشق، لأنه يدرك مع المشقة ما كان يدركه بغير مشقة. والقسم الثاني: أن يكون البياض قد منعه من النظر حتى صار لا يبصر من قرب ولا بُعْد، فيكون بالجناية عليه كالبصر الذاهب لا تجب فيه إلا حكومة. وان كان بصره باقيًا تحت البياض؛ لأنه لا يبصر به، كما لا يبصر بالذاهب من أصله، وليس ما يرجى من زوال البياض بالعلاج، فيعود البصر بمانع من أن يجري عليه في الحال حكم الذاهب البصر. وإنما يفترقان في قدر الحكومة فتكون حكومة ذات البياض أكثر لبقاء البصر تحته. والقسم الثالث: أن يكون البياض قد أذهب بعض بصره وبقي بعضه، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون قد غشي جميع الناظر، وهو رقيق فصار مبصرًا أقلّ من بصره قبل البياض، فيتعذر في هذا معرفة منه بالبياض، إلا أن يكون قد عرف مدى بصره قبل البياض، فيعرف ما بقي منه بعده. أو يكون ذلك في إحدى عينيه، وقد اعتبر ذلك بالعين الصحيحة، فيلزمه من الدية بقسطه، وان لم يعرف، ففيه حكومة. والضرب الثاني: أن يكون البياض قد غشي بعض الناظر، فلا يبصر بما غشاه، ويبصر بما عداه، فيلزم الجاني عليها إذا ذهب بصرها ما كان باقيًا منها من نصف، أو ثلث، أو ربع، إذا عرف ذلك، وخير من أهل العلم بالبصر. ينظر الحاوي ١٢/ ٢٥٤ بتحقيقنا.
[ ١٠ / ٣٥٨ ]
يُقَدَّرُ نِسْبَتُهُ مِنَ الرُّبُع، وَلَيْسَ فِي إِفْسَادِ مَنَابِتِ الأهْدَابِ وَسَائِرِ الشُّعُورِ إِلاَّ الحُكُومَةُ خِلاَفًا لِأَبِي حَنِيْفَةَ ﵁، وَفِي انْدِرَاجِ حُكُومَةِ الأهْدَابِ تَحْتَ دِيَةِ الأَجْفَانِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: في الأجفان كمالُ الدية؛ لأن فيها جمالًا ومنفعة، أم الجمالُ، فظاهر، وأما المنفعة؛ فلأنها تقي الحَدَقَة عن الحَرِّ والبَرْد، والقَذَى والآفات، وعن مالك: أن فيها الحكومةَ، وفي جَفْنَيْ إحدى العينَيْن نصْفُ الدية، وفي كلِّ واحدة منهما الربع؛ وذلك لأن كل متعدِّد من أعضاء البدن يجبُ في جنسه الدية، وتوزع الدية على عدد ذلك الجنس، ألا تَرَى أن الدية توزَّع على اليدين والرِّجْلين؛ حتى يجب في اليد الواحدة النصفُ، وعلى الأصابع العُشْرُ؛ حتى يجب في إحداها العشر؛ قال الإِمام: هذا مطَّرد إلا أن يقدِّر الشرع بدلَ الواحدِ من ذلك الجنس؛ كما فعل في السن، وفي بعض الجفْنِ الواحدِ قسطُه من الربع، وإنما يجب كمالُ الدية في الأجفان، إذا استُؤْصِلَتْ، وقد يقطع معظم الجفْن، فيتقلَّص الباقي، ويوهم الاستئصال فليحقق، ولا فرق بين الجَفْن الأعلَى والأسفل، وجفنُ الأعمَى كجفن البصير، وكذلك جفن الأعمش، والعَمَش بمنزلة المَرَض فيه، ولا ديةَ في جَفْن المستحشف، وإنما يجب فيه الحكومةُ، ولو ضرب على الجفن، فاستحشف، فعليه الدية، ولا يجيء فيه الخلافُ المذكورُ في استحشاف الأذن؛ لبقاء المنفعة هناك، مع الاستحشاف، وإذا قلع الأجفان مع العينين، وجب دية للأجفان (١)، وأخرى للعينين.
الثانية: إزالة الأهداب وسائر الشعور؛ كشعر الرأس واللحية؛ بالحلق وغيره من غير إفساد المَنْبِتِ: لا يوجب إلا التعزير (٢)، فإن أفسد منبتها، فعليه الحكومة؛ لأن الفائت (٣) بتلفها الزينةُ والجمالُ، دون المقاصد الأصلية، وبهذا قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: تجب الدية بكمالها في أربعةِ من الشُّعُور، وهي: الأهداب، والحاجبانِ وشَعْرُ الرأْس واللِّحية، فإنْ لم يكُنْ على الأجفان أهدابٌ، فالواجب بقطعها الديةُ؛ عَلَى ما تبيَّن، وإن قطعت وعليها الأهْدَابُ فهلْ يجب مع الدية حكومةُ الأهداب في دية الأجفان؟ فيه وجهان:
أحدُهما: أنه تجب الحكومة مع الدية؛ لأن فيها جمالًا وفائدةً زائدةً، وهي أنها
_________________
(١) في ز: الأجفان.
(٢) ما جزم به من إيجاب التعزير فقط محله إذا كان فيما لا يؤلم كالقص يؤلم كالنتف فوجهان في الحاوي.
(٣) في ز: الغالب.
[ ١٠ / ٣٥٩ ]
يحتد بها النظر، وإذا أسبلت (١) دارت الغبار مع نفوذ البصر.
وأظهرهما؛ على ما ذهب إليه القاضي الطَّبريُّ والشيخُ أبو محمَّد وغيرهما: أن حكومة الأهداب تدخلُ في دية الأجفان؛ كما تدخلُ حكومة الكفِّ في الأصابع، وكما أن الشَّعْر على الساعدِ والساقِ لا يفرد بالحكومة؛ واستشهد لهذا الوجْه أيضًا بأن الشَّعر عَلَى محلِّ الموضِّحة لا يُفْرَد بالحكومة، بل يدخل في أرْش، وهذا يشعر بالقَطْع به، وكذلك ذكره الإِمام وغيره، لكن في كتاب القاضي ابن كج حكايةُ وجهين في دُخُول حكومة الشعْر تحت أرش الموضِّحة، والظاهر الأول، وإن ثبت الخلافُ، وأجاب صاحب "التتمة" بما يوافق الوجه الآخر، فقال فيما إذا أوضح على الرأس أو الجبين (٢)، وأزال الشعر، إنه يجب عليه أغلظ الأمرين من الأرش أو الحكومةِ؛ كما حكينا عنه فيما إذا أَوْضَحَ جبينه، وأزال الحاجب، ويمكن أن يعود الخلاف هناك أيضًا، وقوله في الكتاب: "خلافًا لأبي حَنِيْفَةَ" بخلاف رسْم الكتاب، ويجوز أن يعلم لفظ "الأجْفَان وربع الدية" بالميم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: الأنْفُ وَفِي قَطْعِ جَمِيعِ مَا لاَنَ مِنَ المَارِنِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي بَعْضِهِ البَعْضُ بِالنِّسْبَةِ، وَهُوَ مَعَ الحَاجِزِ بَيْنَ المَنْخَرَينِ ثَلاَثُ طَبَقَاتٍ، فَفِي كُلِّ طَبَقَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَقيلَ الحَاجِزُ فِيهِ حُكُومَةٌ، وَفِي ظَاهِرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ المَنْخِرَينِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب في قطع المارن، وهو ما لان من الأنف، وخلا من العظم -كمالُ دية النفس؛ لما رُوِيَ في كتاب عمرو بْنِ حَزْم الَّذي كتبه رسول الله -ﷺ-: "وَفِي الأَنْفِ إِذَا أَوْعَبَ جَذعًا- الدِّيَةُ" (٣) أي: استوعب وحمل ذلك على المارن، دون جميع الأنف؛ لما رُوِيَ عن طَاوُسٍ -﵁- أنه قال: "عِنْدِي كتابُ النبيِّ -ﷺ- وفيه: "وفي الأنْفِ، إذًا قُطِعَ مَارِنُهُ مَائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ" (٤)، ويروى: "وفي الأنفِ، إذا استُؤْصِل المارن الديةُ الكاملةُ" (٥) ولأن الأنف عضوٌ فيه جمال، وفيه منفعة جمع الروائح، ومنع الغبار، وسائر ما يؤدي الدماغَ عنه، وهو فرد في جنسه، فكمل فيه الديةُ؛ كاللسان والذكر، والمارنُ ثلاثُ طبقات؛ الطرفان، والوترة، الحاجزة بينهما، وكيف تتوزَّع عليها الدية؟ فيه وجهان:
_________________
(١) في ز: اشتبكت.
(٢) في ز: واللحيين.
(٣) تقدم.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريح عن ابن طاوس عن أبيه به، وذكره الشَّافعي تعليقًا، ورواه البيهقي من طريق عكرمة بن خالد عن رجل من آل عمر، نحوه.
(٥) أخرجه البيهقي من حديث أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم قال: كان في كتاب عمرو بن حزم حين بعثه رسول الله إلى نجران: وفي الأنف إذا استؤصل المارن، الدية كاملة.
[ ١٠ / ٣٦٠ ]
أحدهما؛ وبه قال أبو علي الطبريُّ: أنها تتوزَّع عليها جميعًا؛ لتعلق الجمال والمنفعة بها، فلو رفع الجاجز وحده، فعلَيْه ثلث الدية، ولو قطع إحدى الطرفَيْن، فكذلك، ولو قطعهما دون الحاجز أو أحدهما، مع الحاجز، فعليه ثلثا الدية، ولو قطع أحدهما، ونصف الحاجز، فعليه نصْفُ الدية.
والثاني، ويحكَى عن ابن سُرَيْجٍ وأبي إِسحاق: أن الدية تتعلَّق بالطرفين، وليس في الحاجز إلا الحكومة؛ لأن الجمال وكمالَ المنفعةِ فيهما دُون الحاجز، وعلَى هذا ففي الحاجزِ وحده الحكومةُ، وفي قطع أحد الطرفين نصفُ الدية، وفي قطعهما دون الحاجز تمامُ الدية، وفي قطعِ أحدهما مع الحاجز أو بعض الحاجز نصفُ الدية وحكومة، وفي "التهذيب": أن هذا الوجه الثاني أصحُّ، ونقل أبو إسحاق الشِّيرازيُّ؛ أنه المنصوصُ، لكن إيراد الكتاب يقتضي ترجيحَ الأول، وإليه ذهب القاضيان الطبريُّ والرويانيُّ، وقد يؤيَّد بأنه إذا قطع جميع المارن لا يجبُ إلا ديةٌ واحدةٌ، ولو كانت (١) الديةُ في مقابلة الطرَفَيْن، وكان واجب الحاجز الحكومة، لأشبه ألا تدخل (٢) حكومته في الدية، كما لو قطع مع المارن شيئًا بما يتصل بالشفة أو من الخدِّ، فإنه يجب لذلك حكومةٌ مع الدية، ويخرَّج مما ذكره الإمامُ نقلًا وتلخيصًا أنه لا يجب في أحد الطرفين النصْفُ، ولا الثلث، ولكن ينسب ما أُبِينَ إلى ما بقي، ويوزَّع الواجب عليهما، فيجب ما يقتضيه التقْسيط، وأقام هذا وجهًا آخر، لكنه لا يستغنى عن النظر في أن الدية يجبُ في مقابلة الطرفين، أو الطبقات الثلاث، ثم إنْ جعلنا الدية في مقابلة الطرفين، فلا يكاد يُفْرَضُ تفاوت بينهما، ولا يكون الواجب إلا النصف، وإن جعلنا في مقابلة الطبقات الثلاثِ، فيظهر تفاوت الطرفين على الوَتَرَة، ويكون الواجب فَوْقَ الثلاث، ودون النصْفَ، وأنف المجذوم إذا سَقَط بعضُه، وقطع الباقي، يجبُ فيه قسْط الباقي من الدية، وأنف الأخشم (٣) كأنف السَّليم؛ فإن الشمَّ لا يحل الأنف، ولو ضرب على أنفه فاستحشف أو قطع أنفًا مستحشفًا، فعلى الخلاف المذكور في الأذن.
وقوله في الكتاب: "وفي قطع جميع ما لان مِنَ المارِنِ كلُّ الدية"، في هذه اللفظة نظرٌ، فإن المارن هو الذي لاَنَ، ويجب بقطعه الدية؛ لأنه من المارن، فكان ينبغي أن يقول: وفي قَطْعِ جميعِ ما لاَنَ من الأنف، وهو المَارِنُ، وقد يتكلَّف، فيحمل "مِنْ" على بيان الجنس، ويقال: المعنَى في جميع ما لان مِنْ هذا الذي يُقَال له المارن.
_________________
(١) في ز: كان.
(٢) في ز: أن لا يدخل.
(٣) خشِم الأنف: تغيرت رائحته من داء فيه، والخُشَام داء يأخذ الخيشوم فيفقده حاسة الشم. ينظر المعجم الوسيط ١/ ٢٣٦.
[ ١٠ / ٣٦١ ]
وقوله: "وفي بعْضه البغض بالنسبة"، يعني إذا قطع بعْض المارِنِ، اعتبر [الباقي] بالمساحة، وأخذ قسط المقطوع من الدية، ثم الاعتبار بالجملة التي يقابلُها الدية، وفيه الخلافُ الذي بيَّناه.