لو قلع سنّ صغير، فطلع بعضها، وماتَ الصغيرُ قبل أن يتمَّ نباتها، فعليه من الدية قسْطٌ ما لم ينبت، إن قلنا بوجوب الدية فيما إذا مات قبل النبات، والحكومةُ إن قلنا لا تجب هناك الديةُ، حُكِيَ هذا التصويرُ والتفريعُ عن نصِّ الشافعيِّ -﵁- (١)؛ وذلك يقوي رواية من روى الخلافَ في المسألة قولين، وقد حكاهما القاضي ابن كَجٍّ عن "الأم"، ولو قلعها قبل تمام الطلوع آخَر، فعن نصه -﵁- أنه ينتظر بها، إن لم تنبت، فعليه الديَةُ، وإن نبتت، لزمته حكومةٌ أكثر من حكومة القَلْعِ في المرة الأولَى.
قال الغَزالِيُّ: وَسِنُّ الشَّيْخِ الهَرِمِ إِذا تَقَلْقَلَتْ فَفِيهَا الأَرْشُ إِذَا كَانَ الظَّاهِرُ ثَباتَها، وَإنْ كَانَ الظَّاهِرُ سُقُوطَها فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيدُ الرابعُ: كونها ثابتةً غير متقلقلة، فإن كانت متحرِّكة، نظر: إن كانت الحركةُ يسيرةً؛ لا تنقص المنافع، لم يؤثر تحريكها في القصاص، ولا في الأرش، وإن كان بها اضطرابٌ شديدٌ، وتحرُّك قويٌّ بسبب مرض أو هَرَمٍ، فينظر؛ إن بطَلَت منفعتها، ففي قلعها الحكومةُ دون الأرشِ، وإن انتقصتْ منافعها، فقد أطلق مطلقون قولَيْن في وجوب الأرش، وقال الإِمام: إن كان الظاهرُ الغالبُ على الظن نباتَها، وجب الأرش بلا خلاف، وكان نقصانُها كالأمراض الحاصِلَة في الأعضاء، وإن كان الغالِبُ على الظنِّ سقوطَها، فهذا موضع القولَيْن:
أحدهما: أن الواجب الحكومةُ دون الأرش، لِنُقْصَانِ المنفعة؛ كما في اليد الشَّلاَّء.
وأصحُّهما: وجوبُ الأرش؛ لتعلُّق الجمال، وأصل المنفعة بها في المَضْغ، وحفْظِ الطعام، وردِّ الريق، ولا أثر لضعفها؛ كضعف البطش والمشْيِ، ولو ضرب سن إنسان، فتزلزلت وتحرَّكت، نُظِرَ؛ إن سقطت بعد ذلك، وجب الأرش، وإن عادتِ كما كانت، فمنهم من يقول: تجب الحكومةُ، ومنهم من يقولُ: لا يجبُ شيء، ويشبه أن يكون هذا الخلافُ هو الخلافَ المذكورَ فيما إذا اندملَتِ الجراحةُ، ولا نقص ولا شَيْن، وإن بقيت كذلك ناقصةَ المنفعةِ، فالواجب عليه الأرش أو الحكومةُ؟ فيه القولان السابقان، فإن قلعها آخر، فعليه الأرْشُ، أن أوجبنا على الأولِ الحكومةَ، والحكومةُ إن
_________________
(١) وممن حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه والروياني في البحر فإن قيل كان ينبغي الجزم بعدم الوجوب لأن مناط الإيجاب المنبت وقد تبين أنه لم يفسد ولذلك قلنا لو قطع بعض أسنان الصغير الذي لم ينطق فتكلم بعد ذلك ببعض الحروف وجب في المقطوع بالقسط لا باعتبار أنه كان ناطقًا.
[ ١٠ / ٣٧٣ ]
أوجبنا على الأولِ الأرشَ، ثم عن الشيخ أبي حامد؛ أنا إذا أوجبنا الحكومةَ هاهنا، فتكون الحكومة أقلَّ من الحكومة في السنن المتحرِّكة بالهَرَم، أو المرض؛ لأن النقصان الحاصل ههنا قد غرمه الجاني الأول؛ بخلاف نقصان المرض والهَرَم، وفي "التتمة"؛ أنه ليس على الجاني الثاني إلا الحكومةُ؛ بخلاف ما إذا كان الاضطرابُ لمرض وكِبَر، والاختلال الحاصلُ بالجناية يخالف الاختلالَ الحاصلَ من غير جناية؛ بدليل أنه لو قتل مريضًا انتهى إلى آخِرِ رمقٍ، يلزمه القصاص، ولو انتهى إلَى تلك الحالة بجناية جانٍ، لا يجب القصاص على الثاني، وإذا جنَى على سنٍّ، فاضطربتْ، وانتقصت منفعتها، وقلنا: إنَّ الواجبَ عليه الحكومة، فعاد وقلعها قبل أن يضمن الحكومة، فعليه الأرش بكماله، ولو قلع سنًّا سوداء كاملةَ المنفعة، نُظِرَ؛ إن كانت سوداءَ قبل أن يثغر، وبعده، فعليه كمالُ الأرش، وإنْ كانَتْ في الأصل بيضاءَ، فلما ثغر، نبتت سوداءَ أو نبتتْ [بيضاء]، [ثم اسوَدَّتْ]، فعن نص الشافعيِّ -﵁- أنه يراجع أهل الخبرة، فإنْ قالوا: إن ذلك لا يكونُ إلا لعلَّةٍ حادثةٍ، ففي قلعها الحكومةُ، وإن قالوا: لم يحدثْ ذلك لعلَّة، أو قالوا: مثل هذا قد يكون لمرضِ وعلَّةٍ، وقد يكون لغير ذلك، وجب كمال الأرش، والردُّ إلى الحكومة للمرض، مع كمال المنفعة خلافُ القياس، وإن ضرب على سِنَّة، فاسودَّتْ، فالواجب فيه الأرشُ أو الحكومةُ؛ نقل المزنيُّ اختلافَ نصٍّ فيه، وذكر الأصحاب طريقين:
أحدهما؛ وبه قال المزنىُّ، وابن سلمة، وابن الوكيل: أن فيه قولين:
أحدهما: يجبُ الأرش؛ لأنه أذهبَ روُحَ العضو وطراوته، فصار كما إذا أشلَّ (١) اليد، ويحكَى هذا عن أبي حنيفة، ومالك.
وثانيهما: تجب الحكومة؛ لأن الفائت الجمالُ دون المنفعة، فأشبه ما إذا جنَى على يده، فاسوَدَّتْ.
وأصحُّهما، وبه قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، وعامَّة الأصحاب: تنزيلُ النصَّيْن على حالين، إن فاتت المنفعةُ مع الاسوداد، وجب تمام الأرش، وإلا فالواجبُ الحكومة، ولو اخضرت السنُّ بجناية (٢)، أو اصفرَّتْ، وجبت الحكومة (٣)، وحكومةُ الاخضرار أقلُّ، وحكومةُ الاصفرار أقلُّ. واعلم أن قوله في أول الضبط: "غير متقلقلة
_________________
(١) في ز: أرسل.
(٢) في ز: بجنايته.
(٣) قضيته أنه لانظر فيها خلاف الاسوداد وبه صرح في الذخائر فقال: وإن جنى عليها فاحمرت واصفرت قال أصحابنا، يجب فيها الحكومة قولًا واحدًا لأن منافعها باقية وإنما يقتص جمالها. نعم كلام القاضي الحسين في التعليقة يقتضي طرد الخلاف.
[ ١٠ / ٣٧٤ ]
بالهَرَم" إشارةٌ إلى هذا القيد الرابع، لكن الحكم لا يختص بالهرم، بل التقلقل بالمرض في معناه، ولو لم يتعرَّض للهرم، أو قال بالهَرَم ونحوه، لكان أحسن.
قال الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَلَعَ جَمِيعَ الأسْنَانِ فَكَانَتِ اثْنَيْنِ وَثَلاَثينَ لَمْ يَجِبْ إلاّ مائةٌ مِنَ الإِبِلِ فِي قَوْلٍ كَيْلا يَزِيدَ عَلَى الدِّيَةِ، وَفِي قَوْلٍ مائَةٌ وَسِتُّونَ لِكُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ، فَإِنْ قُلْنا بِالمائَةِ فَذَلِكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الجانِي وَالْجِنَايَةِ، فَلَوِ اقْتَلَعَهَا مُتَفَرِّقًا مَعَ تَخَلُّلِ الانْدِمَالِ فَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَإِنْ كانَ عَلَى التَّعَاقُبِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، والجِنايَةَ المُتَّحِدَةُ أَنْ يَسْقُطَ الكُلُّ بِضَرْبةٍ واحِدَةٍ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: الأَسْنَانُ في غالب الفطْرَة اثنتانِ وثَلاثُون، أربعٌ منها ثنايا، وهي الواقعةُ في مُقَدَّم الفم اثنتان من الأعلَى، واثنتانِ من الأسْفَل، ويليها أربعٌ من الأعلَى، والأسفل يقال لها الرَّبَاعِيَات، ثم أربعٌ ضواحِكُ، وأربعة أنياب، وأربعة نواجز، واثنا عشرة أَضْرَاسٌ، ويقال: لها الطَّوَاحِن، وفي قلع الواحدةِ منها خَمْسٌ من الإِبل؛ على ما سبق، ولو قلع عددًا، وجب ما يقتضيه الحساب ما لم يجاوز عشرين، فإن جاوز عشرين، فقولان:
أحدهما: لا يجب عليه إلا مائةٌ من الإبل؛ لأن الأسنان [من] جنسٍ متعدِّد من الأجزاء والأطراف؛ فلا يضمن بأكثر من دية النفس؛ كالأصابع وسائر الأعضاء.
وأصحُّهما: أنه يجب لكل واحدة خِمسٌ من الإبل؛ حتى إذا كانت اثنتين وثلاثين، فيجب مائة وستُّون من الإبل؛ لما روي أنه -ﷺ- قال: "فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ"، وعن أبي حفْصِ بنِ الوكيلِ، وغيره القطْعُ بالقول الثاني، فيجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب: "لم يجِبْ إلا مائةٌ من الإبل" في قولٍ بالواو، وهذا الخلافُ فيما إذا اتحد الجاني والجنايةُ، فأما إذا تعدَّد الجانِي؛ كما إذا قلع واحدٌ عشرين سنًّا، وقلع آخر ما بَقِيَ، فعلَى كلِّ واحدٍ أرْشُ ما قلعه. وِلو اتحد الجاني، وتعدَّدت الجناية، نُظِرَ؛ إن تخلَّل الاندمال بأن قلع سنًّا، وتركه حتى بَرَأت اللِّثة، وزال الألم، ثم قلع سنًّا أخرى، وهكذا إلى استيعابِ الأسنان، فعليه أرشٌ كاملٌ لكل سنٍّ، وإن لم يتخلَّل الاندمال، ففيه طريقان:
أحدهما: القطع بوجوب أرشٍ لكلِّ سنٍّ؛ لتعدد الأفعال.
وأظهرهما: أنه على قولَيْن؛ لأن الجنايتين قبل الاندمال بمثابة الجناية الواحدَةِ، وصورةُ الجناية الواحدة أن يسقطها جميعًا بضربة واحدة أو يسقيه دواءً يسقطها، وقوله في الكتاب: "ولو قلع جميع الأسْنانِ، وكانت اثنتَيْنِ وثلاثين" فيه إشارةٌ إلى أنها قد تزيدُ عَلَى هذا العدد، وقد تنقص، وإذا زادَتْ، ففي كتاب القاضي ابن كَجٍّ ما يخرَّج منه وجْهَان:
[ ١٠ / ٣٧٥ ]
أحدهما: أنه يجب لكلِّ سنٍّ مما زاد أرشٌ أيضًا لظاهر الخبر.
والثاني، عن رواية أبي الحُسَيْن: أن الواجب لما زاد الحكومةُ؛ لأن الغالب في الأسْنَان هذا العددُ، فالزائد عليه كالأصبع الزائدة.
قال الغَزاليُّ: الثَّامِنُ اللَّحْيَانِ وَفِيهِما كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كانَ عَلَيْهِما الأَسْنَانُ لَمْ يَنْدَرجْ دِيَةُ الأَسْنَانِ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في اللَّحْيَيْنِ الديةُ؛ لما فيها من كمال المنفعة والجَمَال، وفي أحدهما، إن ثبت الآخر، ونصف الدية، واللَّحْيَان هما العَظْمان اللَّذان عليهما تنبت الأسنان السفْلَى، وملتقاهما الذَّقَن، وقال أبو سعد المتولِّي: وفي إيجاب الدية في اللَّحْيَين إشكالٌ؛ لأنه لم يردْ فيه خبر، والقياسُ لا يقتضيه بل اللَّحْيُ من العظام الداخلةِ، فيشبه التَّرْقُوَةَ والضِّلَعَ، وأيضًا: فإنه لا دية في السَّاعد، والعَضُد، والسَّاق، والفَخِذ، وهي أيضًا عظامٌ فيها جمال ومنفعة، ثم إن لم يكن على اللَّحْيَيْن أسنانٌ، فذاك، وهو كَلَحْيتَي الطفلِ قبل نبات الأسنان، ولُحْييَ الشيخ بَعْد تناثرها، ولَحْيَيَ من سقطت أسنانُه باقةٍ أوَ جنايةٍ، وإن كانت (١) عليها أسنان (٢)، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجب إلا ديةُ اللَّحْيين، ويدخل فيها أروشُ الأسنانِ إتباعًا للأقل الأكثرَ؛ كما تدخل حكومةُ الكَفِّ في دية الأصابع.
وأصحُّهما: أنه يجب دية اللَّحْيين، وأروش الأسنان عليه، والمَبْلَغ إذا كانت الأسنان ستَّ عَشْرة على الغالب -مائةٌ وثمانون من الإبل؛ وذلك لأنَّ كلَّ واحد من العضوين مستقلٌّ برأسه، ولكل واحد منهما بدلٌ مقدَّر، فلا يدخل أحدهما في الآخر؛ بخلاف اليد وجميع الأصابع، وأما الأسنان العلْيا، فمنبِتُها عظم الرأس، فلو قلع منها شيئًا من العظم، فعليه الحكومةُ مع الأَرْش.
قال الغَزالِيُّ: التَّاسِعُ: اليَدَانِ وَفِيهِمَا مَعَ الكَفِّ كَمالُ الدِّيَةِ وَتَكْمِلُ الدِّيَةُ بِلَقْطِ الأَصَابعِ فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ، وَلَوْ قَطَعَ مَعَ السَّاعِدِ أَوِ المِرْفَقِ أَوِ العَضُدِ فَيَجِبُ حُكُومَةِ السَّاعِدِ والعَضُدِ وَلا يَنْدَرجُ بِخِلاَفِ الكَفِّ، وَفِي كُلِّ أُنمُلةٍ ثُلُثُ الْعُشَرِ إِلاَّ فِي الإِبْهامِ فَهِيِ. أنْمُلَتانِ وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الأَرْشِ، فَإِنْ كانَ عَلَى العَظْم كَفَّانِ باطِشَانِ فَفِي الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ، فَإنْ كانَتْ إِحْداهُمَا مُنْحَرِفَةً عَنِ السَّاعِدِ أَوْ ناقِصَةً بِأصْبُع أَو ضَعِيفَةَ البَطْشِ فَهِيَ الزَّائدَةُ، فَإنْ كانَتْ المُنْحَرِفَةُ أَقْوَى بَطْشًا فَهِيَ الأَصْلِيَّةُ والَّتِي عَلَيْهَا أُصْبُعٌ زائِدَةٌ تُجْعَلُ
_________________
(١) في ز: كان.
(٢) في ز: الأسنان.
[ ١٠ / ٣٧٦ ]
زائِدَةً في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنْ تَسَاوَيا فَفِي كِلْتَيْهِما دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ، وَلا قِصَاصَ في إحْداهُما، وَفِيها نِصْفُ دِيَةِ اليَدِ وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ لأَنَّهُ نِصْفٌ فِي صُورَةِ الكُلِّ، وَلَوْ قُطِعَتِ اليَدُ الباطِشةُ فاَشْتَدَّتِ اليَدُ الأخْرَى بِالقَطْعِ وَبَطَشَتْ فَفِي اسْتِرْدادِ الأَرْشِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب بقطع اليدين الديةُ بالإجماع، وعن معاذٍ -﵁-؛ عن النبيِّ -ﷺ-: "وَفِي اليَدَيْنِ الدَّيَةُ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إِحْدَاهُما نِصْفُها" (١)؛ روي في كتاب عِمْرِو بن حَزْمٍ -﵁-: "في اليَدَيْنِ مائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي اليَدِ خَمْسُونَ" (٢) وتكمل الدية بِلَقْطِ الأصابع؛ لما روي: "فِي كُلِّ أُصْبُع مِنْ أَصَابعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، ولو قطع من الكوع، فالواجبُ هو الواجبُ فَي لَقْطِ الأصابعِ، وحكومةُ الكف تدخلُ في ديتها، ولا يزاد بسبب الكف شيء (٣) ولو قطع (٤) بعض الساعد، أو المرفَقِ، أو المنكب، وجب حكومتها مع الديةِ، بخلاف الكَفِّ؛ لأنَّ الكف مع الأصابع كالعضو الواحد؛ ألا تَرَى أن أصل الكف يأخذ في الانشعاب والانقسام الظاهر في الأصابع، وبهما جميعًا يتمُّ البطش، وعليهما يقع اسم اليدِ والساعدِ والعضدِ، وخلقتهما (٥) تخالفُ خلقةَ الكفِّ والأصابع، هذا هو المذهبُ، وعن أبي عُبَيْدِ بن حربويه، أن نهاية اليد التي يجبُ فيها الديةُ، الإبطُ والمَنْكِب، ويجب فيما دون ذلك قسْطُه من الدية؛ واحتجَّ الأصحاب لوقوع اسم اليدِ على الأصابع والكفِّ؛ بقوله تعالَى في حد السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فقطع رسول الله -ﷺ- السارق من الكوع (٦)، ويجوز أن يُعْلَم للوجه المذكور من لفظ الكتاب قوله: "وَتَكْمُلُ الدِّيَةُ بِلَقْطِ
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص: لم أجده من حديث معاذ، وهو في حديث عمرو بن حزم، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٢) قال الأذرعي: وتنبه هنا لصورة ذكرها الشَّافعي ﵁ في باب صول الفحل وهو أنه لو أتى الدفع على قطع يمين الصائل فولى فتبعه فقطع يساره لزمه قودها فلو عاد الصائل بعد قطع يديه فدفعه المصول عليه عن نفسه ثانيًا فأتى ذلك الدفع على قطع إحدى رجليه ثم مات لزمه ثلث الدية ليده اليسرى وإن أتى الدفع على قطع يديه ثم قطع إحدى رجليه بعد أن ولى لزمه نصف الدية. هذا لفظ المتعمد وذكرها الأصحاب بمعناه ووجهه ظاهر فهذه صورة قطعت فيها اليد عمدًا عدوانًا ولا يلزم القاطع وهو المصول عليه في مسألتنا إلا ثلاث الدية فقس بذلك ما يضاهيه وهو واضح وقد يغفل عنه.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
(٥) سقط في ز.
(٦) أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: أمر بقطع السارق من المفصل، ورواه البيهقي بمثله من حديث جابر وغيره، ومن حديث عبد الله بن عمر، وفي إسناده عبد الرحمن بن سلمة مجهول.
[ ١٠ / ٣٧٧ ]
الأصابع". وقوله: "فَيَجِبُ حكومةُ الساعِدِ والعَضُدِ"، "وأَرْش كُلِّ أصبع" وحْدَها عَشْرٌ من الإِبل يستوي في ذلك جميعُ الأصابع، روي في كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -﵁-: "وَفِي كُلِّ أصْبُعٍ مِمَّا هُنالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، وفي كل أنملة ثلثُ أرش الأصبع؛ لأن كل أصبع ثلاثُ أناملَ، إلا الإبهام، فهي أنملتان، ففي كلِّ واحدة نصف الأرش، وعن أبي حنيفة ومالك؛ أن في كل واحدة ثلثَ الأرش، وهي ثلاثُ أنامل أيضًا، إلا أن إحداهما غائصةٌ، ولو انقسم أصبع بأربع أنامل متساوية، ففي كل واحدة ربع الأرش.
والذي ذكرناه من اندراج حكومةِ الكَفِّ، موضعُهُ ما إذا قطع مِنَ الكُوع وأبَانَ الأصابعَ والكَفَّ بجناية واحدة (١)، فأما إذا قطع واحدٌ الأصابعَ، وآخرُ الكفَّ أو وقطع الأصابعَ، ثم قطع الكف بَعْد الاندمال، أو قبله، فعلَى ما ذكرنا في فصل الأسنان.
وقوله في الكتاب: "وَفِي كُلِّ أنملةٍ ثُلُثُ العَشْرِ" الأحسنُ أن يقرأ ثلث العَشْرِ بفتح العين؛ لأنه تقدم قوله: "عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، ويمكن أن تضم العينُ، ويراد عُشْر الدية.
إذا كان على مِعْصَم إنسانٍ كَفَّان مع الأصابع، أو على العَضُد ذراعانِ وكفان، أو على المنكب عضُدَانِ وذراعانِ وكفان مع الأصابع، نُظِرَ؛ إن لم يبطشْ بواحدة منهما، فليس فيهما قصاصٌ ولا ديةٌ، وإنما الواجبُ فيهَما الحكومةُ؛ كاليدِ الشَّلاَّء، وإن كان فيهما بطْشٌ، فإن كانت إحداهما أَصْلية، والأُخْرَى زائدة، ففي الأصلية القصاصُ أو الديةُ، وفي الزائدة الحكومةُ، وطريقُ تمييز الزائدة عن الأصلية بأن (٢) ينظر، إن اختصَّت إحداهما بالبَطْش أو بقوَّة البطش، فهي الأصلية، ولا فرق بين أن تكُونَ الباطشة، أو التي هي أقوَى بطشا على استواء الذراع أو منحرفةً عنه؛ لأن اليد خلقتْ للبطش، وهي أقوى دليلٍ على كونها أصليةٌ، وإن استويا في أصل البطش، وكيفيَّته، فإن كانت إحداهما مستويةً، والأخرى منحرفةً فالمستويةُ الأصليَّة، وإن كانت إحداهما كاملةُ الأصابع، والأخرَى زائدة، ففيه وجْهَان عن القاضي الحُسَيْن؛ أنَّ المعتدلة هي الأصليَّة؛ لأن الزيادة على الكمال نقصانٌ، وقال الأكثرون: لا يؤثَّر ذلك في التمييز (٣)، فإن اليد
_________________
(١) وصورته أن يضع آلة لها طرفان قاطعان أحدهما على آخر الأصابع والآخر على الكوع.
(٢) سقط في ز.
(٣) وما نقله عن القاضي صرح به في تعليقه لكنه لم يخصه بحالة استوائهما وعبارته: وإذا كانت على إحداهما ستة أصابع وعلى الأخرى خمسة فالأصلية التي عليها خمسة والزائدة التي عليها ستة إذا استويا في البطش أو كان بطشه بالذي عليها خمسة أقوى، فإن كان يبطش بالتي عليها ستة أو بهما غير أن بطشه بها أقوى فهي الأصلية والتي عليها خمسة زائدة. هذا كلامه واستفدنا منه أن الناقصة بأصبع إذا كانت أقوى بطشًا أصية وهو ظاهر كالمتحرفة إذا كانت أقوى بطشًا.
[ ١٠ / ٣٧٨ ]
الأصليَّة كثيرًا ما تشتملُ على الأصبع الزائدة، والزيادة على القوة أدلُّ منها على الضعْفِ، ولو كانت إحداهما ناقصةٌ بأصبع، لكنها مستوية، والأخرى كاملةُ الأصابعِ، لكنها منحرفة، فأيتهما الأصليَّة، فيه احتمالٌ عند الإِمام، وإن لم تتميَّز (١) الزائدةُ عن الأصلية بوجْهٍ من الوجوه، فهما كَيَدٍ واحدةٍ؛ حتى يجب في قطعهما القصاص أو كمال الدية، ويجب مع القصاص أو الديةِ حكومةٌ لزيادة الصورة، وعن المزنيِّ؛ أنه لا قصاص بقطعهما؛ لنقصانهما وتشوُّه خلقهما، ولو قطعت إحداهما، لم يجب القصاصُ، ويجب فيها نصفُ دِيَةِ يد وزيادةُ حكومة؛ لأنها نصف في صورة الكلِّ، قال في "الوسيط": هذا ما قيل، وجعلُها نصفًا مع احتمال كونها زائدةً مشكلٌ، وهذا يشير إلى أن يقال إحداهما أصلية، والأخرَى زائدة، ويؤخذ في الأحكام باليقين، وفي كتاب القاضي ابن كج عن أبي الحُسَيْن روايةُ وجه؛ أنه لا يجب الحكومةُ مع نصف الدية، فيجوز أن يُعْلَمَ لذلك قولُه في الكتاب "وَزِيادَةُ حُكُومةٍ" بالواو، والظاهر الأول، وإذا قيل به، فلو قطع أصبع منها، ففيه نصفُ ديةِ أصبع وزيادةُ حكومة، ولو قطعتْ أنملة، فنصفُ ديةِ أنملةٍ، وزيادةُ حكومةٍ، ولو عاد الجانِي بَعْد قطع إحدى اليَدَيْن، وأخذ الأرش، والحكومة منه، وأراد المجنيُّ عليه القصاصَ، ورد ما أخذه إلى قَدْر الحكومة، هل له ذلك؟ فيه وجهان منقولاَنِ في "النهاية":
أحدهما: لا؛ لأن القصاص يتعلق بقطعِ اليدين جميعًا، وقد سبق منه أخذ الأرش عن إحداهما، وأخذُ الأرش يتضَّمن إسقاط القصاص، ولا عود إلى القصاص بعد إسقاطه.
والثاني: نعم؛ لأن القصاصَ لم يكن ممكنًا حينئذ، وإنما أخذ الأرش؛ لتعذُّر استيفاء القصاص، لا لإسقاطه (٢)، فإذا قطع الثانية، حصل الإمكان، ولو قطع صاحب اليدين الباطشتَيْن يدَ معتدلٍ، لم تقطع يده للزيادة، وللمجنيِّ عليه أن يقطع إحداهما، ويأخذ نصف دية اليد ناقصًا بشيء، وإن بادر وقطَعَهُمَا، عُزِّر، وأخذت منه الحكومة للزيادة، وإن كانت إحدَى يدَي القاطع زائدةٌ، وأمكن إفراد الأصلية بالقَطْع، قطعت، ولم يلزمه شيء آخر، وإنْ عرَف أن إحداهما زائدة، ولم يعرف عَيْنُها (٣)، لم تقطع واحدةٌ منهما كذلك، حكاه القاضي الرُّويانيُّ، ولو كانت إحدَى يدَي الشخْصِ باطشة دون الأخرى، فقطعت الباطشةُ، واستوفينا ديتها، فصارت الأخرَىَ باطشةً أو كانتْ
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) لم يرجحا شيئًا وذكر الإِمام ما يؤخذ منه الترجيح فإنه قال حكاهما صاحب التقريب وقد سبق نظرهما في القصاص في الأنملة الوسطى والعليا ويؤخذ منه التشطير. قاله في الخادم.
(٣) في ز: عنها.
[ ١٠ / ٣٧٩ ]
ناقصةَ البطش، فقوي بطشها؛ فقد تبيَّن أن الباقية هي الأصليةُ، حتى لو قطَعَها قاطعٌ، يلزمه القصاص، أو كمال الدية، وهل يستردُّ من المجنىُّ عليه الأرشَ، فيرد إلى مقدار الحكومة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وإلا فقد قدرنا الأولَى أصليةً، والثانية أصلية، ولا تجتمع أصليتَان على مِعْصَمٍ واحد.
وأظهرهما: أنه لا يتبع ما مضَى، وهذه نعمةٌ من الله تعالَى، وقرب بعضهم الخلافَ من الخلاف في عَوْد السنِّ، وفرق بينهما فَارِقُون، وقالوا: السنُّ تعودُ في محلِّ الجناية، والبطش ههنا حصل في غير محلِّ الجناية، ولو كانت اليدان باطشتَيْنِ على السواء، فقطعت إحداهما، وغرمنا القاطع نصفَ ديةِ اليدِ، وزيادةَ حكومةٍ، فإن زادتْ قوة الأولَى، واشتد بطشها، فهل يستردُّ من أرش الأولَى ما يرده إلى قدر الحكومة؟ فيه مثل هذا الخلافِ، وإن ضعُفَت الثانية، لما قطعت الأولَى، وبطَلَ بطْشُها، عرفنا أن الأصلية هي المقطوعَة، فعَلَى قاطعها القصاصُ أو كمالُ الدية؟ قال القاضي ابن كَجٍّ: ويحتمل أن يقال: لا يجبُ القصاص؛ لأن الضعْفَ الذي حدَثَ يحتملُ أن يكون لسراية ألَمٍ أو علةٍ حادثةٍ، لا لكونها زائدة.
قال الْغَزَالِيُّ: العَاشِرُ التَرْقُوَةُ والضِّلَعُ فَفِي كَسْرِ كُلِّ ضِلَعٍ جَمَلٌ تَقْلِيدًا لَعُمَرَ ﵁، وَحُكُومَةٌ عَلَى قَوْلٍ آخَرِ قِيَاسًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا تكمل الديةَ في كَسْر الضِّلْع والتَّرْقُوَةُ، إذْ لم يردْ فيهما توقيفٌ، ولا هما في معنَى ما وردَ التوقيفُ فيه، بل هما شبيهانِ بسائر العظام الباطنةِ؛ كعظم الساق والفَخِذ، والترقوة: العظْمُ المتَّصلُ بين المنكب وثُغْرة النَّحْر، ولكلِّ واحدٍ ترقوتان، وما الذي يجبُ في كسرهما؛ عن نصِّ الشافعيِّ -﵁- في "اختلاف الحديث" وغيره؛ أن فيه جَمَلًا وفي "الأم" وغيره؛ أن فيه حكومةً، وفيهما طريقانِ للأصحابِ:
أحدهما، وبه قال المُزَنِيُّ، وصاحبُ "الإِفصاح":أنَّ فيه قولَيْن:
القديم، وبه قال أحمد: أنه يجب فيهما (١) جَمَلٌ؛ لما روِيَ عن عُمَرَ -﵁-؛ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ (٢).
_________________
(١) في ز: فيه.
(٢) أخرجه رواه مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم عن مسلم بن جندب عن أسلم مولى عمر: أن عمر قضى في الضرس بجمل، وفي الترقوة بجمل وفي الضلع بجمل، ورواه الشَّافعي عن مالك وقال: وبه أقول، لأني لا أعلم له مخالفًا من الصحابة. قاله الحافظ في التلخيص.
[ ١٠ / ٣٨٠ ]
والجديدُ: أن واجبه الحكومةُ؛ كما في سائر العظام، فإن انجبر ولا شين، ولا اعوجاج، فقد مَرَّ حكمه.
والثاني، وبه قال أكثرهم: القَطْع بأنَّ الواجب فيه الحكومة، وحملوا ما رُوِيَ عن قضاء عُمَرَ -﵁- عَلَى أن الحكومة في الواقعة كانَتْ قدر جَمَلٍ.
ويجوز أن يعلم لفظ "الجَمَل" في الكتاب بالحاء والميم، ولفظ "الحُكُومة" بالألف، وقد يوهِمُ نظم الكتاب ترجيحَ قول الجمل، والظاهر عند عامة الأصحاب القَوْل الآخر.
قال الغَزالِيُّ: الحادِي عَشَرَ الحَلَمَتانِ مِنَ المَرْأَةِ فِيهِمَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي حَلَمَتَي الرَّجُلِ قَوْلاَنِ إِذْ لاَ مَنْفَعَةٌ لَهُمَا.
قَالَ الرافِعِيُّ: في حلمتَي المرأة تمامُ ديتها؛ لما فيهما من الجَمَالِ، ومَنْفَعَة الإِرضاع، وفي إحْداهُما نصْفُها، والحَلَمة هي رأْس الثدْي الذي يلتقمُهُ المرتَضِعُ، ويقال: المجتمعُ ناتئًا على رأس الثدْي، وهذه العبارةُ أحسنُ؛ لتناولها حَلَمَةَ الرجل، قال الإِمام: ولونُ الحَلَمة في الغالب يخالِفُ لون الثدْي، وحوالَيْها دائرةٌ على لوْنها، وهي من الثَّدْيِ، لا من الحلمة، ولو قطع الثَّدْي (١) مع الحلمة، لم يجب إلا الدية، ويدخلُ فيها حكَومةُ الثدْي، وفيه وجهٌ قدَّمناه، وعن الماسرجسيِّ نقله قولًا (٢)، ولو قطع مع الثدْي جلدةَ الصدر، وجبت حكومة الجِلْدة، مع الدية، بلا خلاف، وإن وصلت الجراحةُ إلى الباطن، وجب مع دية الثدْيِ أرشُ الجائفة، وفي حلمتَي الرَّجُلِ طريقان:
أظهرهما: أن فيهما قولَيْنِ:
أحدهما: أنه يجبُ الدية؛ كما في المرأة؛ إلحاقًا باليد والرِّجْل، وغيرهما.
وأصحُّهما: أنه لا يجب إلا الحكُومة؛ لأنه ليس في حَلَمة الرَّجُل منفعةٌ مقصودةٌ وإنما فيها جمالٌ مجرَّد، ويقال: هذا منصوصٌ، والأول مخرَّج.
والثاني: القطْعُ بالقول الثاني.
ولو قَطَع مع حلمة (٣) الرَّجُل الثَّنْدُوَةَ، ففي "التهذيب"؛ أنا إنْ أوجبنا الديَةَ في حَلَمَتِهِ (٤)، دخلَتْ فيها حكومةُ الثندوة، وإلا وجبتْ حكومتهما معًا، وقال الإِمام: تحْتَ
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) صورة المسألة كما قاله في الخادم أن يتحد القاطع، فلو قطع واحد حلمتها من آخر، وقطع يديها لزم الثاني الحكومة. صرح به القاضي حسين.
(٣) في أ: حلمتي.
(٤) في ز: حلمتها.
[ ١٠ / ٣٨١ ]
حلمة الرجل، إن لم يكُنْ هَزِيلًا، لحمةٌ تسمَّى الثَّنْدُوَة، وليست هي من الحَلَمَةِ بمنزلة ثَدْيِ المرأة من حلمتها، فإنهما من المرأة كالعضوِ الواحدِ، وليست تلك اللحمةُ مع الحَلمة كذلك، فتفرد الثندوة بالحكومةِ؛ بلا خلاف، وفي "جمع الجوامع" للرُّويانيِّ نحوٌ من هذا الكلام، يقال ذكره الصيدلانيُّ من عنده، وهو صحيح، إن شاء الله تعالَى.