لو شَخَصَتْ عينه بالجناية أو صار أعمش أو أحول، فالواجب على الجانِي الحكومةُ.
آخرُ: إذا أذهب ضوء عينه، وجاء آخر، وقلع الحَدَقة، ثم قال الأول: قُلِعَت بعد عود الضوء وقال الثاني: بل قبله، فالقول قول الثاني (١) ولو صَدَّق المجنيُّ علَيْه الأوَّلَ، ترتَّب في ذمَّة الأوَّل عن الدية، ولا يُقْبَل قوله على الثاني، بل يحلف، وعليه الحكومة.
قال الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: الشَّمُّ وَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَيُمْتَحَنُ بالرَّوائِحَ الكَرِيهَةِ الحَادَّةِ، وَعنْدَ النُّقْصَانِ يُحَلَّفُ لِعُسْرِ الامْتِحَانِ، وَقِيلَ فِي الشَّمِّ حُكُومَةٌ لأنَّهُ ضَعِيفُ النَّفْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في إزالة الشمِّ بالجناية على الرأس وغيره وجهان، عن رواية صاحبُ "التقريب"، وقولان فيما رواه منصور التَّمِيمِيُّ:
أحدهما: أنَّ الواجبَ فيه الحكومةُ، دون الدية؛ لأن الشمَّ ضعيفُ النفعِ؛ فإن منفعته إدراك الروائح، والأنتان أكثر من الطيبات، فيكون التأذِّي أكْثَرَ من التلذُّذ.
وأصحُّهما: وجوب الدية؛ لما روي في كتاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -﵁-: "وَفِي الشَّمِّ الدِّيَةُ" ولأنَّ الشم حاسَّة من الحواسِّ التي هي طلائعُ البدنِ فأشبهَتْ سائرها، ولو أذهب الشمّ من أحد المَنْخِرَيْنِ، فعليه نصف الدية، ويشبه أنْ يجيء فيه الوجه المذكُور في إِبطال السمع من إِحدى الأذنين.
ولو ارتتق المنفذُ، فلم يدرك الروائح، وقال أهل البَصَر: القوة باقيةٌ؛ فليكن كما مر في السمع ولو قَطَع أنفه، فأذْهَب شمَّه، وجبَتْ ديتانِ؛ كما في السَّمع؛ لأنَّ الشمَّ لا يحلُّ الأنف، وإذا أنكر الجاني زوالَ الشمِّ، امتحن المجنيُّ عليه بتقريب مالَهُ رائحةٌ حادَّةٌ منْه طيبةٌ وخبيثةٌ، فإن هَشَّ للطيب، وتعَبَّس للنتن، صُدِّق الجاني بيمينه، وإن لم يظهر عليه أثر، صُدِّق المجني عليه بيمينه (٢)، وان انتقص الشمّ، نُظِرَ؛ إن عُلِمَ قدْرُ الذاهب،
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٩٤ ]
وجب قسطه من الدية وروي أن (١) الشَّافعي -﵁- قال: "وَلا أَحْسِبُهُ يُعْلَمُ"، وإن لم يُعْلم، فيجب حكومة يقدِّرها الحاكم بالاجتهاد، ولم يذكُروا ههنا الامتحانَ بمن هو في مثل شمِّه، ولا بُعْدَ في طرده ههنا، فإن انتقص الشم من أحد المَنْخِرَيْنِ، فيمكن أن يعتبر بالجانب الآخر، ولم يذكروه ولعلهم (٢) اكتفَوْا بالمذكور في السمع والبصر، وإذا ادعى النقصان، وأنكر الجاني، فيحلَّف المجني عليه، إذ لا يعرف ذلك إلا من جهته، وشبه ذلك بما إذا ادعَتِ المرأة انقضاءَ الأقراء، وقالت: حِضْتُ، وقد عُلَّق الطلاقُ بحيضها، قَالَ الإِمام: وينبغي أنْ يعيِّن المجنيُّ عليه قَدْرًا يطالب به وإلاَّ فهو كمن يَدَّعِي شيئًا مجهولًا، وسبيله في نفْسه (٣) أن يأخذ الأقل المستيقَنَ، ولو عاد الشمُّ بعد ما ظُنَّ زواله، وأخذت الدية، وجب ردُّها، ولو وضع المجنيُّ عليه يده على أنفه عنْد رائحة منْكَرة، فقال الجاني: فعلت ذلك لعود شَمِّك، وأنكر المجنيُّ عليه، فهو المصدَّق باليمين؛ لأنه قد يقع ذلك اتِّفاقًا، ولرعاف وامتِخاطٍ، وعند تفكُّر ونحوه.
قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ: النُّطْقُ وَفِي إِبْطَالِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَإِنْ بَقِيَ فِي اللِّسانِ فَائِدَةُ الذَّوْقِ والحُرُوفِ الشَّفَوِيَّةِ والحَلْقيَّةِ، وَفِي بَعْضِ الكَلاَمِ بَعْضُ الدِّيَةِ، وَيُوَزَّع عَلَى ثَمَانِيَةِ وَعِشْرِينَ حَرْفًا، وَتَدْخُلُ الشَّفَوِيَّةَ والحَلْقِيَّةُ فِي التَّوْزِيعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا جنى على لسانه، فأبطل كلامه، فعليه كمالُ الدية؛ لما روي عن زيد بْنِ أَسْلَمَ -﵁- أنَّه قال: "مَضَتِ السُّنَّةِ بإيجَابِ الدِّيَةِ" (٤) ولأن اللسان عضْوٌ مضمونٌ بالدية، فتضمن منفعته العظمى بها؛ كاليد والرِّجْل، وإنما تؤخذ الدية، إذا حكم أهل البَصَر بأنَّ نطقه لا يعود، فإن أخذت، فعادَ، استردَّت، وإذا ادعى زوال النطْقِ، وأنكر الجاني، ففي "التتمة" أنَّه يفزَّع في أوقات الخَلْوة، وينظر هَلْ يبدر منه ما يُعْرَفُ به كذبه، فإن لم يظهر شيءٌ، حلف كما يحلف الأخرس، وأخذت الدية، ولو بطل بالجناية بعض الحروف، وزّعت (٥) الدية عليها، فإن الكلام يتركَّب منها، ولا فرق بين ما يخف على اللسان منها، وما يَثْقُل، قال في "التهذيب": والحروف مختلفةٌ في اللغات، وكلُّ من تكلم (٦) بلغة، فالنظر عند التوزيعِ إلى حروف تلك اللغة (٧)، وذكر
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: وليعلم.
(٣) في أ: تعيينه.
(٤) رواه البيهقي، كما في التلخيص.
(٥) في أ: وزع.
(٦) في أ: يتكلم.
(٧) كذا قطعوا به وحاول صاحب الوافي تخريجه على الخلاف فيمن ولد أصم لم يسمع الكلام ولم يتكلم هل يجب فيه الحكومة أو الدية وجهان ووجه التخريج أن اللسان من حيث هو له صلاحية الكلام لجميع الحروف إذا لم يكن به عارض يمنعه لكونه ما أشكل لسانه في هذا الحرف لا ينبغي أن يعطي حكم تعطيله.
[ ١٠ / ٣٩٥ ]
القاضي ابن كُجٍّ مثله، وحكى (١) عن رواية أبي الحُسَيْن بنِ القطَّان وجهين فيمن يتكلَّم بلغتين، وبَطَل بالجناية حُروفٌ من هذه، وأخرى من هذه، أنَّ الدية توزَّع على حروف أكثرهما حروفًا أو على أقلهما.
ثم في الحروف الموزَّع عليها وجْهانِ (٢)، قال أكثرهم، وهو ظاهر النَّصَّ: إن التوزيع يكونُ على جميعها، وهي (٣) ثمانيةٌ وعشرون في اللغة العربيَّة، فإن ذهب نصفها، وجب نصف الدية، وإن ذهب واحدٌ منها، وجب جزءٌ من ثمانية وعشْرين جزءًا من الدية، وعلى هذا القياسُ؛ وذلك لأنَّ الكلام يتركَّب من جميعها، وقال الإصطخريُّ: لا يدخل في التوزيع الحروفُ (٤) الشفويةُ، وهي الباء والميم والفاء والواو، ولا الحلقيةُ، وهي الهاء والعين والغين والحاء والخاء والهمزة، وإنما التوزيعُ على الحروف الخارجَة من اللسان، وهي ما عداها، وحكى أبو الفَرَج السرخسيُّ هذا المذْهَبَ. عن مالِكِ، وقد توجَّه ذلك؛ بأن منفعة اللسان هي النطْقُ بها، فيكون التوزيعُ عليها، وتكمل الديةُ فيها، ومن نصر الظاهر، قال: الحروفُ، وإن كانت مختلفةَ المخارج، إلا أنَّ الاعتمادَ في جميعِها على اللِّسَان، وبه يستقيمُ النطْقُ ويكمل، هذا إذا ذهب بعضُ الحروف، وله فيما بقي كلامٌ مفهومٌ.
أما إذا ذهب بعضُ الحروفِ، ولم يكن لَهُ فيما بَقِيَ كلامٌ مفهومٌ، ففي "التهذيب" أنه يجبُ كمالُ الديةُ؛ لأن منفعةَ الكلام [قد] فاتَتْ، ويحكَى هذا عن أبي إِسحاق، وعن القَفَّال، وفيما رواه الرويانيُّ أنَّه المذهب، ومنهم من قال: لا يلزمه إلاَّ قسْطُ الحروف الفائتة؛ لأنه لم يفت ما سواها من الحروف، وإنما تعطَّلت منافعُها، فصار كما إذا كَسَر صلبه، فتعطَّل مشيه، والرِّجل سليمةٌ؛ فإنه لا يلزمه بتعطيل المشْي ديةٌ أخرى، وفي "التتمة" أن هذا هو المشهورُ في المذهب، والمنصوص في "الأم"، ويمكن أن يكون السببُ فيما ذكره أنَّ الأئمَّة نقلوا في طرقهم عن "الأم"؛ أنه لو ذهب حرفٌ، وتعطَّل عليه بسببه الكلمةُ المشتملةُ عَلَى ذلك الحرف؛ كما إِذا ذهب حرفُ الميمِ، فلم يمكنه أن يأتي باسْمِ محمَّد، لم يلزمه إلا قسْطُ الحرف الفائت من الدية، ويجوز أنْ يقالَ: صورةُ النصِّ ما إذا لم يمكنه أنْ يأتي بالكلمة التي فيها الحرْفُ الذَّاهب، ولكن بقي له كلامٌ مفهومٌ، والذي صحَّحه القفَّال، صورتُهُ ما إذا لم يبْقَ له كلامٌ مفهومٌ، [والله أعلم].
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) لم يرجح المصنف ﵀ شيئًا منهما. قال في الخادم: الأقرب التوزيع على الأكثر لأن الأصل براءة ذمة الجاني فلا يلزمه إلا اليقين فعلى هذا يوزع على غير الحروف المذكورة للعربي.
(٣) في ز: وهو.
(٤) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٩٦ ]
وذكر المتولِّي تفريعًا على الخلافِ في أنَّ الحروف الشفويَّة، هل تدخلُ في التوزيع؛ أنَّه لو ضرب شفَتَيْهِ، فأذهب الحروفَ الشفويةَ، أو رقبته، فأذهب الحروفَ الحلقية، فإن وزَّعنا على جميع الحروف، وجب قسْطُ الذاهب، وعلى ما ذكره الاصطخريُّ لا يجب إلاَّ الحكومة، وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ، أنه لو قطع شفتيه، فأذهب الباء والميم، فعن أبي سعيد الإصطخريِّ؛ أنه يجب مع دية الشفتينِ أرشُ الحرفين، وأن ابنَ الوكيلِ، سُئِلَ عنه، فقال: لا يجبُ إلاَّ الديةُ؛ كما أنه لو قطع لسانه، وذهب كلامه، لا يجب إلاَّ الدية.
ولو جنَى على لسانِهِ، فصار يبدلُ حرفًا بحرف، وجب قسط الحرف الذي أبطله، ولا يصير الآخر بدلًا، فإنه أيضًا أحد الحروف المقصودة، ولو ثقل لسانه بالجناية، أو حدثت في كلامه عَجَلة أو تمتمة أوْ فأفأة، وجبت الحكومةُ دون الديةِ؛ لبقاء المنفعة، وكذا لو كان ألثغَ، وزادت لثغتُهُ.
وقوله في الكتاب: "وإن بقي في اللِّسان فائدةُ الذوقِ والحروفِ الشفويةِ والحلقيةِ" فيه تصريحٌ بأن الذوْقَ في اللسان، وهو المشهور، وفي "التتمة" أنَّ الذوقَ في طَرَف الحَلْق، ثم وجوبُ الدية بإبطال النطْقِ، وإن بقي الذوق لا شبهة فيه، فأما وجوبها بكمالها، وإن بقيت الحروفُ الشفويةُ والحلقيةُ، فقد ذكره ههنا، وفي "الوسيط"، وعلَّل هناك بأنَّ الذي بَطَل جزءٌ مقصودٌ برأسه، وهذا لم أجدْ له تعرُّضًا لسائر الأصحاب، وهو مناقض لما ذكره مِنْ بعد، وهو أنه يجبُ في بعض الكلام بعضُ الدية، ويوزَّع على جميع الحروفِ من الشفويَّة وغيرها، وإنما يستمرُّ ذلك على طريقة الإصطخريِّ على ما تبِّين.
وقوله: "وتدخُلُ الشفويةُ والحلقيةُ في التَّوْزيع" مُعْلَم بالواو، ويجوز إعلامه بالميم؛ لما سبق.
قال الغَزَالِيُّ: وَلوْ كانَ لا يُحْسِنُ بَعْضَ الحُرُوفِ فَهَلْ يَنْقُصُ الدِّيَةِ أَوْ هُوَ كَضَعْفِ القُوَي فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ بِجَنَايةِ فَوجْهَانِ مُرَتَّبانِ وَأَوْلَى بِالتَّنْقِيصِ، وَضَعْفُ سائِرِ المَنَافِعِ الَّتى لا تَتَقَدَّرُ مِثْلُ الحُرُوفِ، وَإِنْ كَانَ بِآفِةٍ لَمْ تنقُصْ، وَإِنْ كَانَ بِجِنايَةٍ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا لم يُحْسِنِ الرجلُ بعض الحروف؛ كالأرثِّ والألْثَغ الذي لا يتكلَّم إلاَّ بعشرين حرفًا مثلًا، هَل يجبُ في إبطال كلامه كلُّ (١) الدية؟ فيه وجهان (٢):
أصحُّهما: نعم، وهذا ما أورده صاحبُ "التهذيب"، ووجهه أنَّ هذا الشخْصَ ناطقٌ، وله كلام مفهومٌ إلاَّ أنَّ في منطقه ضعفًا، وضعف منفعة العضو لا يقدح في
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٩٧ ]
كمال (١) الديةِ، كضعف البطْش، والبَصَر، وسائر القُوَى، وعلى هذا، فلو أبطل بعضَ حروفه، فالتوزيع على ما يحسنه، لا عَلَى جميع الحروف.
والثاني: أنه لا يجبُ إلاَّ قسطُها من جميع الحروف؛ لأنَّ النطق مقدَّر بالحروف بخلاف البطش، وما لا يقدَّر بمثل ذلك، وعلى هذا، فالتوزيعُ عَلَى جميع الحروف، لا على ما يحسنها خاصَّة، وهذا ما أورده صاحب "التتمة"، وإذا قلنا بهذا الوجه الثاني، فلو كان الشخْصُ ممَّن يَقْدِرَ على التعبير عن جميع مقاصِدِهِ، لفطنته واستمداده من اللُّغة وتهدِّيه إلى مناظِمِ الكلامِ، فهل تكملُ الدية؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا؛ لأن اقتداره للحَذَق ومعرفة اللغةِ، لا لمعنى في الكلام، هذا إذا كان ما به مِنَ النقصانِ خلقيًّا أوحادثًا بآفة سماوية، فأما إذا حدث بجناية جانٍ، ففيه خلافٌ مرتَّب، والظاهر أنه لا تكمل (٢) الديةُ، كيلا تتضاعف الغرامةُ في القَدْر الذي أبطله الجانِي الأوَّل، وهذا ما أورده الإِمام، وتكلَّم ههنا في نقصان سائر المنافع وفي نقصان الأجْرَامِ أيضًا، أما سائرُ المنافعِ (٣)، التي لا تتقدَّر تقدَّر النطق بالحروف؛ كالبطش والبَصَر، فإن كان النقصانُ فيها بآفةٍ، فلا اعتبار به، ويجب عَلَى من أبطلها الديةُ الكاملةُ، وكذلك مَنْ قَطَع العضْوَ الذي هو محلُّ تلك المنفعة؛ وذلك لأنه لا ينضبطُ لضعفها وقوَّتها، ويختلفان بالأعراض والأمراض، وتَتَبُّعُ مقاديرها يَعْسُر أو يتعذَّر، وإن كان النقصان بجنايةٍ، فإنَّ فيه احتمالاتٍ متلقاةٌ من كلام المشايخِ، ولا بأس، لو نقلنا وجوهًا (٤):
أحدُها: أنَّ الجوابَ كذلك، والثَّاني، وهو الذي رجَّح أنَّه لا تكملُ الدية، بل يحط (٥) قدْرُ الحكومة الَّتي غرمها الأول عن مبطلِ المنفعةِ، وقاطع العضو جميعًا تحرُّزًا عن تضْعِيفِ الغرامةِ.
وثالُثها: أنه لا يحطُّ عن قاطع الجرم، ويحطُّ عن مبطلِ المنفعة الناقصة؛ لتناسب جنايته مع جناية الأول، وأما الأجرامُ، فإما أنْ يكون لِما نَقَص أرشٌ مقدَّرٍ أو لا يكون، إنْ كان له أرشٌ مقدَّر، فالواجب على الثاني الديةُ مخطُوطًا عنها أرشُ ما نقص، سواءٌ حصل النقصان بآفة أو جنايةٍ (٦)؛ حتى لو سقطتْ أنملةٌ من أنامله بآفة، ثم قطع اليد
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) وهو يقتضي حكاية طريقين ولم يصرح به المصنف لكنهما تخريج من كلامه فإنه قال ففيه خلاف مرتب والظاهر أنه لا يكمل. انتهى. فيخرج من الترتيب طريقة قاطعة بعدم التكميل.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: يحيط.
(٦) في أ: بجناية.
[ ١٠ / ٣٩٨ ]
قاطعٌ يحطُّ عن دية اليدِ أرش الأصبع أو الأنملة، ولو جرح رأسه متلاحمةً، وجاء آخر، وجعَلَها موضِّحة، فعلى مَنْ أَوْضَح أرْشٌ موضِّحةٍ محْطُوطًا عنه واجبُ المتلاحمةِ، سواءٌ قدَّرنا واجبها، أو أوجبنا الحكومةَ، ولو التأمتِ المتلاحمةُ، واكتسى موضعها بالجِلْد، لكن بقي غائرًا، وجاء آخر، وأوْضَح فيه، فالصحيحُ أنَّ حكم ذلك الجُرْح قد سقط، وعلى من أوضح أرشٌ كاملٌ، وإن لم يكن لما نقص أرشٌ مقدَّر؛ كفلقة ينفصلُ من لحمة الأنملة، فإن لم يؤثِّر في المنفعة، لم تنتقص به الديَة، وإن قدر وجوب حكومة فيه للشَّيْن، ولا فرق بيْنَ أن يحصل ذلك بآفةٍ أو جنايةٍ وإن أثَّر في المنفعة، فكذلك لا تنتقصُ به الديةُ، إن حصل بآفةٍ، وإنْ حَصَل بجناية، قال الإِمام: يجوز أن يجعلَ كالنقصان بآفةٍ، ويجوز أن يحط (١) عن الثاني مقدارُ الحكومة الواجبةِ على الأولِ، وهو الأقرب.
قال الغَزَالِيُّ: وَلوْ قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ فأَبْطَلَ بَعْضَ كَلاَمِهِ وَتَساوَت نِسْبَةُ الجُرْمِ والحُرُوفِ فَذَاكَ، وَإِنْ تَفَاوَتا أَخَذْنَا بأكْثَرِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلوْ قَطَعَ رُبُعَ اللِّسَانِ فَزالَ نِصْفُ الكَلاَمِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَلوْ قَطَعَ نِصْفَ اللِّسَانِ فَزالَ رُبُعُ الكَلاَمِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوِ اسْتأصَلَ البَاقِي وَقَدْ بَقِيَ ثَلاَثَةُ أَرْباَعِ الكَلاَمِ أَوْ ثَلاَثةُ أَرْبَاعِ اللِّسَانِ فَيَجِبُ ثَلاَثَةُ أَرْباعِ الدِّيَةِ أخْذًا بالأَكْثَرِ، وَقِيلَ: النَّظَرُ إِلَى الْجُرْمِ فِي حَقِّ البَاقِي وَلَكِنْ لَوْ بَقِيَ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ اللِّسَانِ وَفِيهِ نِصْفُ الكَلاَمِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ وَحُكُومَةٌ وَكأَنَّ رُبُعَ اللِّسَانِ أَشَلُّ.
قَالَ الرافِعِيُّ: نزَّل العلماء النطْقَ في اللسان منزلةَ البَطْش في اليدِ، والمشْي في الرِّجْل، وقالُوا: إذا استأصل لسان إنسانٍ قَطْعًا، وأبطل كلامه، لم يلزمه إلاَّ ديةٌ واحدةٌ، ولو قطع عَذَبة اللسانِ، وبطل الكلامُ، فكذلك الحكمُ، وهو كما لو قطع أصبعًا، من اليد، فشّلَّت اليد، وقد يشكل ما ذكروه، بأنَّا نرى المقْطُوع اللسان يتكلَّم، ويأتي بالحروف كلِّها مفهومةً أو معظمها، وذلك يشعر بأنَّ النطق في اللسان، ليس كالبطش في اليد، ثم قالوا: إذا قطع بعض اللسان، وذهب يعض الكلام، فينظر؛ إن تساوت نسبة جرم اللسان والكلام؛ كما إذا قطع نصْفَ لسانه؛ فذهب نصف كلامه، فالواجب نصْفُ الدية، وإن تفاوتت (٢) النسبةُ، كما إذا قطع رُبُعَ لسانه، فزالَ نصف كلامِهِ، أو نصف لسانه، فزال ربع كلامه، فعليه نصْفُ الدية، واختلفوا في تعليلِهِ، فقال أكثر الأصْحَاب: اللسانُ مضمونٌ بالدية، وإبطالُ منفعته أيضًا مضمونٌ بها، فيعتبَرُ الأغلظُ من موجبيها (٣)، ويجب الأكثر، وهذا كما أنه (٤) إذا بَطَل البطْش بقَطْع بعض الأصابع، يجب الدية، ولو
_________________
(١) في ز: يحيط.
(٢) في ز: تفاوت.
(٣) في ز: موجبهما.
(٤) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٩٩ ]
قطع الخنصر والبنصر، مثلًا، يلزمه خُمْسًا الديةِ، وإن كان الفائتُ من المنفعة دون الخُمْسَيْنِ، وقال أبو إسحاق: الاعتبارُ بالجرم لأنه الأصل الَّذي ينال بالجنايةِ، فيجب في قطع نصفِ اللسانِ، وذهابِ ربعِ الكلام نصفُ الدية، اعتبارًا بالجُرْم، وإذا قطع ربعه، وزال نصْف الكلام، فعليه أيضًا نصْف الدية (١)، فإنَّما يجب النصف لأنَّه قطع ربعًا صحيحًا، وأشَلَّ ربعًا آخر، وتظهر فائدة الاختلاف في صورتين:
إحداهما: إذا قطع نصْفَ لسانِهِ، وذهب ربع الكلام، ثم جاء آخر، واستأصل الباقي، فعلى ما قاله الأكثرون: يجبُ عليه ثلاثةُ أرباع الدية لأنه أبطل ثلاثة أرباع الكلامِ، وعلى ما قاله أبو إسحاق: نصف الدية كما على الأول اعتبارًا بالجرم.
والثانية: لو قطع ربع لسانه، فذهب نصف الكلام، ثم جاء آخر، واستأصَلَ الباقِيَ، فعلَى عبارة الأكثرين؛ عليه ثلاثة أرباع الديةِ؛ لأنه قطع ثلاثةَ أرباع اللسانِ، وفيها نصف (٢) الكلام، وعلَى ما ذكره أبو إسحاق، عليه نصفُ ديةِ وحكومةٌ؛ لأنه قطع نصفاٌ صحيحًا، وربعًا أشَلَّ.
ولو أذْهَبَ نصفَ الكلام بجنايةٍ على اللسان من غير قطْعٍ، ثم جاء آخر، وقطعه، فعلَى طريقةِ الأكثرينَ؛ عليه ديةٌ كاملةٌ؛ لقطعه جميع اللسان، مع بقاء المنفعة فيه، وعلى ما ذكره أبو إسْحَاق؛ يلزمه نصْفُ ديةٍ وحكومةٌ؛ لأن الجرم لذهاب نصف الكلامِ، نصفُةُ صحيحٌ، ونصفه أشَلُّ، فيجب للنصفِ الصحيحِ نصفُ الدية، وللأَشَلِّ الحكومة.
وقوله في الكتاب: "وإنْ تَفَاوَتَا أَخَذْنَا بِأَكْثَرِ الشَّهادَتَيْن"، أراد به ما ذكر في "الوسيط"؛ أنَّ نقصانَ كلِّ واحد من الجرم، والحروف مبينٌ مقدار الزائل من القوَّة النطقية الَّتي لا يتقدَّر تحقيقًا، وشاهد عليه؛ فتأخذ بأكثر الشهادتين، وقوله: "وقيل: النظَرُ إلَى الجُرْم في حقِّ الثَّاني"، المرادُ منه الوجهُ المنسوبُ إلَى أبي إسحاق، وإنما قال: "في حَقِّ الَثَّاني" (٣)؛ لأن الخلافَ يظهرُ في حقِّه، لا في حق القاطع الأول، وإلاَّ فالنظر إلى الجرم لا يختصُّ بالثاني على ما تبين.