إذا التأم الجُرْح بعد الإفضاء، سقطَتِ الديةُ، وعليه حكومةٌ، إن بقي أثر، كما لو عاد ضوء البصر بعد ما ظُنَّ زواله، وعن رواية الماسرجسيِّ وغيره وجه أنَّها تسقُطُ، كما إذا التحمت الجائفة.
آخر: لو أفضى الخنثَى المُشْكِل، ففي "البيان"؛ أنَّا إن قلنا: إن الإفضاء رفَعَ الحاجز بين منفذ البول ومدخل الذكَر، لم تجبِ الديةُ؛ لأنه لا يعلمُ، هل هو فرج
_________________
(١) في أ: الافتضاض.
(٢) ما صححه نص عليه الشَّافعي في الأم في كتاب جراح العمد.
(٣) سقط في ز.
(٤) من قوله: التمكين، ثم الذي أورده صاحب الكتاب إلى قوله: "ويسقط بدل الاطراف، ولو عاد فحزَّ" سقط في أ.
[ ١٠ / ٤٠٨ ]
أصليٌّ أم لا، وإن قلنا: إنه رفع الحاجز بين القُبُل والدبر، ففيه اختلافٌ، ولو أزيلت البكارةُ من فرج المشكِلِ، فيجب حكومة الجِراحةِ، من حيث هو جراحة، ولا تعتبر البكارةُ؛ لأنه لا يتحقَّق كونه فَرْجًا.
قال الغَزَالِيُّ: العَاشِرَةُ فِي مَنْفَعَةِ المَشْيِ والبَطْشِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَلَ مَشْيُهُ وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي تَكْمِيلِ الدِّيَةِ فِي الرِّجْلِ المُعَطَّلَةِ بِخَلَلٍ فِي غَيْرِ الرِّجْلِ خِلافٌ سَبَقَ، وَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَلَ مَشْيُهُ وَمِنَيُّهُ فَفِي الانْدِراجِ خِلاَفٌ إِذِ الصُّلبُ كَأَنَّهُ مَحَلٌّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في البطْشِ الديةُ بكمالها، وكذلك في المشْي؛ لأنهما من المنافع الخطيرة، فإذا ضَرُبَ يديه، فشَلَّتا، فعليه الديةُ، وإذا ضرب على أصْبع، فشَلَّت، فعليه ديةُ الأصبعِ، ولو كسر صلبه، ففات مشيه، والرِّجْل سليمة، وجبت الديةُ، ويحتجُّ له بما رويَ عن النبيِّ -ﷺ- في كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -﵁-: "وفي الصُّلْبِ الدِّيَةُ" ولا تؤخذُ الديةُ؛ حتى تندمل، فإن انجبر، وعاد مشيه، كما كان، فلا دية، وعليه الحكومة، إن بقي له أثرٌ، وكذا لو انتقصَ مشيه، بأن كان يحتاجُ إلَى عصًا، أو يمشي مُحْدَوْدِبًا (١)، ولو كسر صُلْبُه، وشَلَّت رِجْله، قال في "التتمة": يلزمه الدية؛ لفوات منفعة المشي، وحكومةٌ؛ لكسرِ الظهر، ويخالف ما إذا كانت الرجلُ سليمةً؛ حيث لا يجبُ مع الدية حكومةٌ؛ لأن المشيَ منفعةٌ في الرجل، وإذا شَلَّت الرجل، ففواتها لشلَلِ الرجلِ، فأفرد كسر الصلب بالحكومة، وإذا كانت سليمةً، ففوات المشي لخللِ الصُّلب، ولا يفرد بحكومة، ويوافق هذا ما ذكره ابن الصَّبَّاغ؛ (٢) أنه لو كسر صلبه، فشَلَّ ذكره، يجبُ حكومة للكَسْر، وديةٌ لشللِ الذكر، وفي هذا تصريحٌ بأن مجرَّد الكسر لا يوجب الديةَ، وإنما يجب الدية، إذا فات به المشْيُ، أو الماءُ، أو الجماعُ على ما سبقَ، وإذا ادَّعَى المجني عليه ذَهَابَ المشي، وكذبه الجاني، امتحن؛ بأن يقصد بالسيف في غفلة منه، فإن تحرَّك، ومشى، ظهر كذبه، وإلا حَلَف وأخذ الدية، ولو ذهب بكسر الصُّلْب مشيه ومَنِيُّهُ (٣)، أو مشيه وجِمَاعُه، ففيه وجهان:
_________________
(١) في ز: محدوبًا.
(٢) ما أيد به كلام المتولي بكلام ابن الصباغ في شلل الذكر عجيب، فإن ابن الصباغ جزم بما نقله عن المتولي وقال: إنما وجبت الحكومة لأن الدية وجبت لذهاب منفعة غير خالية في الطهر فلا يدخل فيها أرش الكسر أي ولم تجب الدية في نفس الصلب لأنه مجرد عن إفساد منفعة فيه. ولو فقد ذلك لم يجب إلا الحكومة فكذا إذا ذهبت منفعة من غيره، وأوجبنا ديتها، وعلى ذلك جرى البندنيجي في تعليقه وسليم في المجرد.
(٣) في ز: منه.
[ ١٠ / ٤٠٩ ]
أصحهما: أنه يلزمه ديتَانِ؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما مضمونٌ بالدية عند الانفراد، فكذلك عند الاجتماع.
والثاني: لا يجبُ إلا ديةٌ واحدةٌ؛ لأن الصُّلْب محلُّ المني، ومنه يبتدئ المنيُّ، واتحاد المحل يقتضي اتحادَ الدية، ومن قال بالأول، قال: المشيُ في الرِّجْل لا في الصُّلْب، ومنع كون الماء مستقرًا في الصُّلْب، وقال: ليس له محلٌّ مخصوصٌ، إذا أخذ منها البَدَن، وإنما يتولَّد من الأغذية الصحيحة، إذا أخذ منها البدن.
وقوله في الكتاب: "في منفعةِ البطشِ والمَشْيِ كمالُ الدية" أي: في كلِّ واحد منهما.
وقوله: "وفي تكميلِ الديةِ في الرِّجْل المعطَّلة بخَلَلٍ في غير الرَّجْل خِلافٌ سبق"، وقد بيَّناه من قبلُ، ولا حاجة إلَى إعادته في هذا الموضع.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا حُكْمُ الأَطْرَافِ فَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَجِبَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ قَرِيبٍ مِنْ عِشْرِينَ دِيَةٌ جَمْعًا، فَلَوْ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ تَدَاخَلَ، فَلَوْ حَزَّ الجَاني رَقَبَتَهُ تَدَاخَلَ أَيْضًا، وَعَلَى القَوْلِ المُخَرَّجِ لاَ يَتَداخَلُ، وَلَوْ كانَ القَطْعُ خَطَأً والحَزُّ عَمْدًا أَوْ بِالعَكْسِ فَفِي التَّدَاخُلِ قَوْلاَنِ لِأَنَّ تَغَايُر الحُكْمِ يُضَاهِي تَغَايُر الجَانِي، وَعَلَى التَّدَاخُلِ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ خَطَأً وَقَتَلَ عَمْدًا فالواجِبُ دِيَةٌ نِصْفُهَا مُغَلَّظَةٌ عَلَى الجَانِي وَنصْفُهَا مُخَفَّفَةٌ عَلَى العَاقِلَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الكُلُّ مُغَلَّظَةٌ إِذِ الحَزُّ أَبْطَلَ مَا سَبَقَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمَّا فرغ من الكلام فيما يقابَلُ بالدية فيما دُونَ النفْسِ من الأجْرَام واللطائف، بَيَّنَ أنه يجوز أن يجتمعَ على الشخص الواحد كثيرٌ من أسباب الدية؛ بأن بيان منه أجرامٌ، وتزال منافعُ، ولا تسري إلى النفس، بل تندملُ، ثم بين الحكم، إذا سَرَتْ إلى النفس، أو قتله الجاني قبل الاندمال، أما الدياتُ المجتمعةُ، فقد ذكر أنه يتصوَّر في شخص واحد قريبٌ من عشرين ديةً جميعًا، وإذا تأمَّلت ما سبق، وجدْتَها أكثرَ من ذلك، وهي هذه الأذنانِ، أو إبطالُ حسِّهما، وَالعينان، أو البَصَر، والأجفان، والمَارِن، والشَّفَتَان، واللِّسان، أو النّطْق، والأَسْنَان، واللَّحْيَان، واليدان، والرجلان (١)، والذَّكَر، أوالأُنْثَيَيان، والحَلَمَتان، والشُّفْران، والألْيَان، والعَقْل، والسَّمْع، والشَّمّ، والصَّوْت، والذَّوْق، والمَضْغ، والإمناء، والإحْبَال، وإبطالُ لذَّة الطَّعام، أو لذَّةِ الجمَاعِ، والإفضاءُ في المرأة، والبَطْش، والمَشْيُ، وقد يضافُ إليها موجباتُ الحكوماتِ، والمواضحِ، وسائرِ الشَّجَّات، والجوائفِ، ويجتمع مالٌ كثيرٌ لا ينحصِرُ.
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤١٠ ]
وأما إذا سَرَت الجراحاتُ، وقَطْع الأطراف، ومات فيها، فقد صارَتْ نَفْسًا، فالواجبُ ديةُ النَّفْس، ويسقطُ بدلُ الأطراف، ولو عاد، فحزَّ رقبته، أو قدَّه نصفَيْن، نُظِر؛ إن كان ذلك بعد الاندمالِ، فله ديةُ الأطراف، وديةُ النفسِ؛ لاستقرارِ دياتِ الأطرافِ بالاندمال، وإنْ كانَ قبل الاندمال، فقدولان: [أحدهما، وهو] (١) ظاهرُ المذهبِ، وهو المنسوبُ إلى النصِّ: أنه لا يجبُ إلاَّ دية النفس؛ لأنها وجبتْ قبل استقرار بدلِ الأطرافِ، فيدخل فيها بدلُ الأطراف، كما لو سَرَتْ، وأيضًا فإن السراية، إذا لم تنقطعْ بالاندمال، كانت الجناياتُ كلُّها قتلًا واحدًا.
والثاني، خرجه ابنُ سُرَيْج، وبه قال الإِصطخريُّ، واختاره الإِمام: أنه يجب دياتُ الأَطرافِ مع دية النَّفْس، ولا تداخل؛ كما لو حَزَّ بعْد الاندمالِ، وكما لو كان الجالي (٢) غيره، وهذا إذا اتفقتِ الجنايةُ على الأطراف، والجناية على النفْسِ في العمدية، أو الخَطَئِيَّةِ (٣).
أما إذا كانت إحداهما عمْدًا، والأخرى خَطَأً، وقلنا؛ بالتداخل عند اتفاقِ الصفَةِ، فوجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أن الحكْمَ كما لو كانا عمدَيْن، أو خطأَيْنِ.
وأشبههما: المنع؛ لأن التداخل يليقُ بحالة الاتفاقِ دون الاختلافِ، ولأن المستحقَّ عليه يختلفُ عند اختلاف الصفةِ، فلو قطع يد رجلٍ خطأً، ثم حز رقبته قبل الاندمال عمدًا، فللولي قتله قصاصًا، وليس له قطع يده، فإن قتله قصاصًا، فإن قلنا: بالتداخُلِ، وجعلْنا الحكم للنفْسِ، فلا شيء له من الدية، وإنْ قلنا، بعدمِ التداخلِ، فيأخذ نصف الدية من العاقلة لليد، وإن عفا عن القصاص، فإن قلنا بالتداخل، فوجهان:
أحدهما: أنه يجبُ ديةٌ نصفُها مخَفَّفةٌ على العاقلة، وصفُها مغلَّظة على الجانى، ويراعى الصفتان، وينسبُ هذا إلى النصِّ.
وأظهرهما، وهو الذي أورده في "التهذيب": أنه يجب دية مغلَّظة على الجاني؛ لأنا إذا قلنا بالتداخل، فمعناه إسقاطُ بدل الطرف، والاقتصارُ على بدل النفس لصيرورةِ الجنايةِ نفسًا، ولو لم يسبق قطعُ اليد، لكان يلزمه دية مغلَّظة، فكذلك هاهنا، وإن قلنا لا تداخل، فيجب نصف دية مخفَّفة على العاقلة لليد، وديةٌ مغلَّظة عليه للنفس.
وإن قطع يديه عمدًا، ثم حز رقبته قبل الاندمال خطأً، فللوليِّ قطع يده، وإذا (٤)
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: الحاز.
(٣) في ز: الخطاية.
(٤) في ز: وإن.
[ ١٠ / ٤١١ ]
قطعها، فإن قلنا بالتداخل، فله نصفُ الدية المخفَّفة؛ لأنه أخذ بالقطع نصف بدلِ النفْسِ، وإن قلنا: لا تداخل، فيأخذ كمال الدية المخفَّفة، وإنْ عفا عن قطع اليدِ، وإن قلنا بالتداخلِ، فعلى الوجهين على المنسوب إلى النصِّ؛ يجب نصف دية مخفَّفة، ونصف دية مغلَّظة لليد، وعلى الآخر ديةٌ مخفَّفة للنفْسِ، قال الإِمام: ولو قطع يديه، أو يديه ورجلَيْه، أو أصبعًا من أصابعه عمْدًا، ثم قبل الاندمال حزَّ رقبته خطأً أو بالعَكْس، وقلنا: يراعى صفة الجنايَتَيْن على القول بالتداخل فينَصَّف تغليظًا وتخفيفًا، ولا ينظر إلَى أقدار أُرُوش الأطرافِ؛ لتوزَّع الدية عليها تغليظًا وتخفيفًا؛ لأن الحكم بالتداخل مبنيُّ على أن الحزَّ بعد قطع الأطراف كسراية تلْك الأطراف؛ فكان الحَزُّ مع الجنايات السابقة، كجراحاتٍ مؤثرة في الزهُوق، انقَسَمَت عمدًا وخطأ، فحينئذٍ فتُنَصَّفُ الديةُ تغليظًا وتخفيفًا، ولا نَظَر إلى أقدار الأُرُوش، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَجَرَاحُ العَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ كَجَرَاحِ الحُرِّ مِنْ دِيَتِهِ عَلَى النَّصِّ، وَفِيهِ قَولٌ مُخَرَّجٌ أَنَّ الواجِبَ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ، فَلَوْ قَطَعَ ذَكَرَ العَبْدِ وَجَبَ كَمالُ قِيمَتِهِ عَلَى النَّصِّ، وَعَلَى التَّخْرِيجِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَنْقِصَ القِيمَةُ كَالبَهِيمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصل الكلامُ في الجناية على الرقيق، وقد مرَّ أن الواجب بقتل الرقيقِ قيمتُهُ بالغةً ما بلغَتْ يستوي في ذلك القِنُّ، والمدَبَّر، والمكاتَبُ، وأمُّ الولد، وأما الجناية عليه فيما دون النفْسِ، فينظر؛ إن كانت الجنايةُ مما توجِبُ مقدارًا في الحُرِّ؛ كالشَّجَّات، وقطع الأطراف، ففيه قولان:
أصحهما: أن الواجبَ فيها جزءٌ من القيمة، نسبته إليها نسبةُ الواجب في الحُرِّ إلى الدية؛ لما رُويَ عن عمر وعليٍّ -﵄-؛ أنَّ جراحَ العبدِ من ثَمَنِهِ كجراحِ الحُرِّ من ديته (١)، والمرادُ من الثمن القيمةُ، وعن سعيد بْنِ المُسَيَّب -﵁-؛ أن جراحَ العبدِ من قيمته، كجراح الحرِّ من ديته، ولأن العبد شخصٌ مضمونٌ بالقصاصِ، فيتقدَّر بدل أطرافه؛ كالحرِّ، وبهذا قال أبو حنيفةَ في رواية، ويروى عنه أن ما فيه منفعةٌ مقصودةٌ (٢) يضمَّن بالمقدَّر من قيمته، وما ليْسَ فيه منفعة
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص: أما الأثر عن عمر وعليّ فروى البيهقي عنهما أنهما قالا: في الحر يقتل العبد ثمنه بالغًا ما بلغ، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: أن عمر جعل في العبد ثمنه كجعل الحر في ديته، فيه انقطاع إلا أن أراد عمر بن عبد العزيز، وروى ابن أبي شيبة عن حفص عن حجاج عن حصين الحارثي عن الشعبي عن الحارث عن عليّ قال: ما جنى العبد ففي رقبته، ويخير مولاه إن شاء فداه، وإن شاء دفعه.
(٢) أخرجه الشَّافعي بإسناد صحيح إلى الزهري عنه، وفي رواية قال الزهري وكان رجال سواه يقولون: تقوم سَلْعَة.
[ ١٠ / ٤١٢ ]
مقصودةٌ (١)؛ كالأذنَيْن، والحاجبَيْن، واللِّحْية، ففيه من العبد ما نقَصَ من قيمته، وهذا على أصْله في تقدير بعْض الشعورُ من الحرِّ.
والثاني، ويحكَى عن المُزَنِيِّ، وابْنِ سُرَيْجٍ: أن الواجب قدْرُ ما نقص من القيمة؛ لأنه مملوك؛ كالبهيمة، وقال مالك: الواجبُ قدرُ النقصان إلاَّ في الموضِّحة، والمنقِّلة، والمأمُومَة، والجائفة، ففيها المقدَّر، ومن الأصحاب من قطع بالقول الأول (٢)؛ ولم يثبت الثاني، والمشهور إثباتُهُما، ثم منهم من يقول: الأوَّلُ هو المنصوصُ، والثاني خرَّجه ابنُ سُرَيْج من أحد القولَيْن في أن بدَلَ العبد يتحملَّه (٣) العاقلة، فإنه ألحقه بالبهيمة عَلَى هذا القول، وقال قائلون: الأول الجديد، والثاني القديم، وهما جميعًا منصوصان.
لوان كانت الجنايةُ لا توجِبُ؛ مقدارًا في حق الحر، فالواجبُ فيها في العبد ما ينقصُ من القيمة بلا خلاف.
إذا تقرَّر ذلك، فعلى الأصحِّ في إحدى يدَي العبد نصْفُ قيمَتِهِ، وفي يدَيْه قيمته (٤)، وفي الأصبعِ الواحدةِ عُشْرُها وفي الأنمُلَةِ الواحدَةِ ثلُثُ عُشْرِها، وفي الموضِّحة نصفُ عُشْرِها، وعلى هذا القياس.
ولو قطع قاطعٌ ذكَرَهُ، وأنثييه، فعليه قيمتان؛ كما يجب فيها من الحرِّ ديتان، وعلى القول الآخر، الواجبُ فيهما جميعًا قدْرُ النقصان، وإذا لم تنقصِ القيمةُ بقَطْع الذَّكَر والأُنْثَيَيْن، أو زادت، فوجهان:
أظهرهما، وبه قال أبو حنيفة، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجبُ شيء.
والثاني: تجبُ حكومةٌ يقدِّرها الحاكم بالاجتهاد، أو يعتبر بما قبل الاندمال، وجعل هذا الخلاف كالخلافِ فيما إذا اندملَتِ الجراحة، ولم يبق شَيْن، ولا أثر (٥)، ومنهم من قطع بالوجه الأول، وإذا قطع يد عبد، قيمته ألفٌ، فعادت قيمته إلى مائتَيْن، فعلى الأصحِّ لا يجب إلا خمسُمائةٍ، وعلى الآخر ثَمَانمائة، ولو عادت إلى (٦) ثمانمائة،
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في أ: الأول.
(٣) في ز: يتحملها.
(٤) قال في القوت: لو قطع الغاصب ونحوه يده مثلًا ونقص ذلك ثلثي القيمة فقد قالوا في كتاب الغصب أنه يلزمه أكثر الأمرين من نصف القيمة والأرش وقدمناه هناك وبينا أن الزائد على الأرش بسبب اليد العادية وهو واضح وقد يعتد عنه.
(٥) قضية هذا التشبيه ترجيح إقامة الحكومة هنا فإنه الراجح فيما إذا لم يبق شين لكنه رجح خلافه فيحتاج للفرق مكانه لأن الاعتبار هنا بالقيمة وهي غير ناقصة وهناك الحكومة ليست للقيمة.
(٦) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤١٣ ]