أحدهما: تقطع حلمةُ المرأة بحلمة المرأة، وفي "التتمة" وجه؛ أنه إن لم يتدلَّ الثديُ، لا يجب القصاص؛ لاتصالها بلحم الصدر، وتعذُّر التمييز، والمشهورُ الأول، قال في "التهذيب": ولا يجري القِصاص في الثدْي؛ لأنه لا يمكن رعايةُ المماثلة فيه، وللمجنيِّ عليها أن تقْطَع الحلمة، وتأخذ حكومة الثدْي، ولك أن تمنع القولَ بأنه لا يمكنُ رعايةُ المماثلة فيه، وتقول: الثدْيُ هذا الشاخصُ، وهو أقرب إلى الضبْطِ من الشفتَيْن والألْيَتَيْنِ ونحوهما:
وتقطع حلمة الرجل بحلمة الرجل إن أوجبنا فيهما الدية أو الحكومة، وتقطع حلَمَة المرأةِ بحلَمَة الرجُلِ، وبالعكس إن أوجبنا في حلمة الرجلِ الديةَ، وإن أوجبنا فيها الحكومةَ لم تقطع حَلَمة المرأة بحَلَمة الرجُلِ، وإن رضيتْ؛ كما لا تقطع الصحيحة بالشَّلاَّء وتقطع حلَمَةُ الرجل بحلمةِ المرأة، إن رضيتْ؛ كما تقطع الشَّلاَّء بالصحيحة، إذا قنع المستحِقُّ بها.
الثاني: سبق في الطهارات ذكر وجهَيْن في أنه هَلْ يستدلُّ بنهود الثدْي، وتدليه (١) على أنوثة الخنثَى:
أحدهما، ويحكَى عن أبي علي الطَّبَرِيَّ: نعم، وبه قال الأكثرون: لا، فإن قطعهما قاطع، قال في "البيان": إن قلنا بقول أبي عَلِيٍّ، فعليه ديةُ امرأة، وإن قلنا بقول الأكثرين، فإن قلنا: يجب في ثَدْي الرجلِ الديةُ، فتجب ديةُ امرأة؛ أخذًا باليقين، وإن قلنا: تجب الحكومةُ، فالواجب عليه الحكومةُ.
فرع ثالث: لو ضرب ثدْي المرأة، فشَلَّت، فعليه الدية، ولو كان ناهدًا، فاسترسل ثديها،لم يجب إلا الحكومة؛ لأن الفائت مجرَّد الجمال، ولو استرسل بالضَّرْب ثدْيُ الخنثى، ولم يجعل نهود (٢) الثدي أمارة الأنوثة، ففي "البيان" أن القاضي أبا الفتوح قَالَ: لا تجبُ الحكومة؛ لجواز أن يكون رجلًا، فلا يلحقه نقص بالاسترسال، ولا يفوتُ جمال؛ فإن بان امرأةً، وجبت الحكومة.
_________________
(١) في ز: وتدليها.
(٢) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٨٢ ]
وقوله في الكتاب: "كمال الدية" يعني ديةَ المرأةِ، فليعلم لفظ القولَيْن بالواو؛ لطريقة القطعَ [والله أعلم].
قال الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَ عَشَرَ الذَّكَرُ والأُنْثُيَانَ وَفِيهِمَا دِيَتانِ، وَفِي ذَكَرِ الخَصِيِّ والْعِينّينِ دِيَةٌ، وَفِي ذَكَرِ الأشَلِّ حُكُومَةٌ، وَتَكْمَلُ بِقَطْعِ الحَشَفَةِ وَلا يَزِيدُ بِالاسْتِئْصالِ، وَفِيهِ وَجْةٌ آخَرُ أنَّهُ يَزِيدُ حُكُومَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الذكَرِ كمالُ الدية، وكذلك في الأُنْثَيَيْنِ؛ لما رُوِيَ أنه -ﷺ- قَالَ في كتاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -﵁-: "وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الأنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ"، ويروى "وفي البَيْضَتَيْنِ"، وفي إحدى الأُنْثَيَيْنِ نصفُ الديةُ يستوي اليمنى (١) واليسرى، ولا فرق بين ذكَر الصغيرِ والكبيرِ، والشيخ والشابِّ، والعِنِّينِ والخَصِيِّ، وغيرهم، وعن أبي حنيفةَ؛ أن ذكر الخصيِّ لا يجب فيه إلا الحكومةُ، وبنى على ذلك؛ أنه لو قطع قاطع أنثَيَيْهِ، ثم ذكَرَهُ، فعليه ديةٌ وحكومةٌ؛ لأنه حين قطعِ الذَّكَرِ خُصِيَ، وإن قطعهما معًا أو قطع الذكر قبل الانثيَيْنِ، فعليه ديتان، وروى القاضي الرويانيُّ مثله عن مالك؛ واحتجَّ الأصحاب بإطلاق الخبر، وبأن ذكَر الخَصِيِّ سليم، وهو قادرٌ على الإِيلاج، وإنما الفائتُ الإِيلاد، وبأنهما عضوانِ يضْمَن كل واحد منهما بالدية، ففوات أحدهما لا يوجبُ نقصان بَدَلِ الآخرِ؛ كالشفتَيْنِ واللِّسان، وفي الذكر الأشلِّ حكومةٌ؛ كما في اليد الشَّلاَّء ولو ضرب ذَكَرَهُ حتى شلَّ، فعليه الدية، ولو خرج عن أن يمكنه الجماعُ به من غير شَلَلٍ، وتعذَّر انقباضٌ وانبساطٌ، ففي "الشامل"، و"التهذيب" وغيرهما؛ أن عليه الحكومة؛ لأن العضْوَ ومنفعته باقيان، والخلل في غيرهما، وعلى هذا، فلو قطعه قاطعٌ بعد ذلك، فعليه القصاص، أو كمالُ الدية، والمسألةُ غير صافيةٍ عن الإشكال، وربما نَعُود إليها، وتكمل الديةُ بقَطْع الحَشَفة؛ لأن معظم منافع الذَّكَر، وهو لذَّةَ المباشرة، يتعلَّق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، فهي كالأصابع مع الكفِّ، وفي قطع بعض الحَشَفَةِ قسْطُهُ من الدية، فالتقسيط يكون على الحشفة خاصَّة، أو على جملة الذكَرِ؟ فيه خلاف، وقد تقدم، وذكر في "التتمة"؛ أن هذا إذا لم يختلَّ مجرى البَوْل؛ بأن قطع بعض الذكر طولًا، أما إذا اختلَّ، فعليه أكثر الأمرين من قسْطه من الدية، وحكومة فساد المجرَى، وأنه لو قطع جزءًا من الذكَرِ مما تحْت الحَشَفة، فإن انتهتِ الجراحة إلى مجرى البَوْل، فقد مرَّ الخلاف في أنَّها هل تكون جائفةٌ، وإن لم تنته، فإن قلنا في قطع بعض الحشفة؛ إنَّ التقسيط على الحشَفة وحْدَها، فعليه الحكومةُ ههنا، وإن قلنا: التقسيطُ على جميع الذَّكَر، فعليه قِسْطُ المقطوع من الدية، وأنه إذا لم يَبِنْ شيئًا من
_________________
(١) في ز: اليمن.
[ ١٠ / ٣٨٣ ]
الذكَرِ، ولكن شقَّه طولًا، زالت منفعُتهُ بذلك، وجبتِ الدية، كما في الشَّلَل، ويجب في بقية الذَّكَر وحْدها الحكومةُ، وفي استئصالِ الكلِّ الديةُ، وتدخلُ حكومةُ البقيَّة في دية الحَشَفة، وفيه وجه أنه يجب دية وحكومة، والمسألة مكرَّرة مذكورةٌ مرَّة في فصل الأسنان.
قال الغَزالِيُّ: الثَّالِثَ عَشَرَ: الألْيَتَانِ وَفِي قَطْعِ ما أَشْرَفِ مِنْهُمَا عَلَى البَدَنِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يُقْرعَ العَظْمُ.
قَالَ الرافِعِيُّ: في الألْيَتَيْنِ الديةُ؛ لما فيهما من الجمال، والمنفعة الظَّاهرة في القُعُود والركوب وغيرهما، وفي إحداهما نصفُها، والأليَةُ هي القَدْر الناتئ المُشْرِف على استواء الظهر والفخذ، فيجب بقطعه الديةُ، ولا يشترط قرع العظم وإيصال الحديدة إليه، ولو قطع بعض إحداهما، وجب قسْط المقطوع، إن عرف قدره، وأمكن الضبط، وإلاَّ فالواجب الحكومة، ولا فرق في ذلك بين الرجُل والمرأة، ولانظر إلى اختلافِ القَدْر الناتئ، واختلاف الناس فيه كاختلافهم في سائر الأعضاء.
ولو قطع ألْيَتَهُ، فنبتت والتحم الموْضِع، قال في "التهذيب": لا تسقط الدية على ظاهر المذهب، كالموضِّحة، إذا التحمت.
قال الغَزالِيُّ: الرَّابعَ عَشَرَ: الشُّفْرَانِ وَفِيمَا أَشْرَفَ مِنْهُمَا عَلَى المَنْفَذِ دِيَةُ الَمَرْأَةِ وَهُوَ القَدْرُ النَّاتِئُ عِنْدَ الانْطِبَاقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في شُفْرَي المرأةِ الديةُ؛ لأن فيهما جمالًا ومنفعةً؛ فإن بهما يقع الالتذاذُ بالجِمَاع، وفي إحداهَما نصفُ الدية، ويستوي في ذلك السمينة والهزيلةُ، والبكر والثيبُ، والرتقاء والقَرْناء، فإن النقصان والخَلَل في حقِّهما في داخل الفَرْج، لا في الشُّفْرَين، وكذلك لا فرق بين المختونة وغيرها، فإن الختانَ لا يَرِدُ على الشُّفْرين، والشُّفران: هما اللحمان المشرفانِ على المنفذ، ويقال: هما اللحمانِ المحيطانِ بالفَرْجِ إحاطةَ الشفتين بالفَم، وعبَّر الشافعيُّ -﵁- عن الشُّفْرِين بِالأَسْكَتَيْنِ، قال أبو النصر بْن الصَّبَّاغ وَغيره: أهلُ اللغة يقولون الإسْكَتَانِ حاشيتا الفرج، والشُّفْرانِ (١) هما الطرفانِ المشرفان، ويقال: الشُّفْران هما القدر الناتئ عند الانطباق من اللحمين المحيطَيْن بالفَرْج، والعبارات كلُّها ترجع إلى شيء واحد، ولا خلاف في الحقيقة، قال الإِمام: ولو ظن ظانٌّ أنَّ قطع الشُّفْرين هو الذي يزيلُ انطباق أحدهما على الآخر، فهذا لا يتأتى تصويره (٢) إلاَّ مع قطع لحمٍ كثيرٍ في الباطن، ولا ريب أن العلماء لم يريدُوا
_________________
(١) في ز: الشفران حاشيتا الاسكنين والحاشيتان.
(٢) في أ: تصوره.
[ ١٠ / ٣٨٤ ]
بالشُّفْرين ذلك، ولو جنَى على شُفْرَيْها، فَشَلَّتَا؛ فعليه كمالُ الدية، ولو قطع مع الشُّفْرَيْنِ الرَّكَبَ، وهو عانَةُ المرأة، فعليه حكومةٌ مع الدِّية، وكذا لو قطع شيئًا مِنْ عانة الرجل مع الذَّكَر، ولو قطع شُفْرَي [المرأة] (١) البكرِ، وأزال بالجنايةِ جلدةَ البكارة، فعليه مع دية الشُّفْرين أرْشُ البَكارة، ولو قُطِعَ شُفْرَا المرأة، ثم جرح جارحٌ موضَعُهما بقَطْع لحم وغيره، لم يلزمه إلا الحكومة.
قال الغَزالِيُّ: الخَامِسَ عَشَرَ: الرَّجُلاَنِ وَهُمَا كاليَدَيْنِ، وَرِجْلُ الأَعْرَجِ كَرِجْلِ الصَّحيحِ، وَرِجْلُ مَنِ امْتَنَعَ مَشْيُهُ بِكَسْرِ الفِقَارِ كالصَّحِيحِ عَلَى الأظْهَرِ، وَفِي التِقَاطِ أَصَابعِ الرِّجْلَيْن كَمالَ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الرِّجْلَيْنِ الديةُ، وفي إحداهما نصفُها؛ لما سبق من الخبر، ومنفعتهما ظاهرةٌ، ورِجل الأعرج كرِجْل الصحيح، كما أن يد الأعْسَرِ (٢) كيد الصحيحِ؛ وذلك لأنه لا خلل في العضو، وقد بيَّنَّا ذلك في الجراح، وفي الرِّجْل التي تعطَّل مشيها بكسر الفَقَارِ وجهان:
أحدهما: أن الواجبَ فيها الحكومةُ؛ كما في اليد الشَّلاَّء؛ لأن تعطُّل المنفعة كزوالها في تعذُّر الانتفاع.
وأظهرهما: وجوبُ الدية؛ لأن الرِّجْل صحيحةٌ، لا آفةَ بها، وخلَلُ غيرها لا يوجِبُ نقصان بدلها، وتكمل دية الرجلَيْن بالتقاط أصابعهما، والقَدَمُ كالكَفِّ، والساقُ كالساعدِ، والفَخِدُ كالعضدِ، وأناملُ أصابع الرجلِ كأناملِ أصابع اليدِ، وقدمانِ على ساقٍ وساقان على ركبة؛ كَكَفَّيْنِ على معْصَم، وساعدَيْن على عَضَّد، وقد بينا الحكْمَ في جميع هذه الصُّور، وكذلك يقاس بما تقدَّم حكم الرِّجْل الشلاء، وحصول الشلل بالجناية عليها، قال الإِمام: وبين أصابع اليدين وأصابع الرِّجْلين تفاوتٌ عظيم (٣)، ومنفعةُ الرِّجل العظمى وهي (٤) المشي تبقى ما بقي القدمان، وإنما تفوتُ بفوات الأصابعِ سرعةُ المشْي، وإن مَنِعَ (٥) ذلك من الاحتباء والقَبْض والبسط وتعاطي الأعمال، والآلات المتعلِّقة بأصابع اليدين، لكن حَسَم الشرْعُ النظَر إلى أقدار المنافع، وأجرى أجْنَاس الأعضاء مُجْرَى واحدًا في تكميل دياتها.
قال الغَزالِيُّ: السَّادِسَ عَشَرَ: الجِلْدُ وَفِي سَلْخِ جَمِيعِهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
_________________
(١) سقط في أ.
(٢) في ز: الأغشم.
(٣) في ز: يقع.
(٤) في أ: وهو.
(٥) في ز: يقع.
[ ١٠ / ٣٨٥ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجلْدُ كالجنس الواحدِ من الأعضاء؛ من حيث إنه معدٌّ لغرض واحدٍ، فيجب في سَلْخه الدية، قال الأئمة -﵏-: وسَلْخُ جميعِهِ قاتلٌ، لكن (١) قد يفرض حياةٌ مستقرةٌ بعده، فيظهر إيجاب الدية فيه، لو حَزَّ غيرُهُ رقبته (٢)، وحكى الإِمام عن الشيخ أبي عليٍّ؛ أنه لو قطعت يداه (٣) بعد سَلْخ الجلْد، توزَّع مساحةُ الجلد على جميع البدن، فما يخص اليدين يحطُّ من دية اليدين، ويجبُ الباقي، وعلَى هذا القياسِ، لو قطع يد إنسان، ثم جاء آخر، وسلخ جلده، فيجب عَلَى من سلخ دية الجلد محطوطًا عنْها قسْطُ اليدين من الجلد، والله أعلم.
قال الغَزالِيُّ: النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ الجِنَايَاتِ مَا يُفَوِّتُ المَنَافِعَ وَهِيَ عَشَرَةٌ: الأُوْلَى العَقْلُ فَإِذَا أَزَالَهُ بِالضَّرْبِ فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَوْ زَالَ بِقَطْعِ يَدَيْهِ فَالنَّصُّ أنَّهُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ لأنَّ العَقْلَ لَيْسَ لَهُ مَحَلٌّ مَخْصُوصٌ فَيَنْدَرجُ تَحْتَ كُلِّ عُضْوٍ تَكْمُلُ فِيهِ الدِّيَةَ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيهِ فَزَالَ عَقْلُهُ فَدِيَتانِ، وَقِيلَ: لاَ يَنْدَرجُ العَقْلُ لأنَّهُ لَيْسَ فِي اليَدِ وَهُوَ القِيَاسُ، وَإِذَا شَكَكْنا في زَوالِ العَقْلِ راقَبْنَاهُ فِي الخَلَوَاتِ ثُمَّ لَمْ نُحَلِّفْهُ لأنَّهُ يَتَجَانَنُ فِي الجَوَابِ.
قَالَ الرافِعيُّ: هذا النوع الثالث في الجنايات المفوِّتة للمنافع:
فمنها: العَقْلُ، ويجب بإزالته الديةُ، روي في كتاب عَمْرو بْنِ حَزْمٍ -﵁-: "وَفِي العَقْلِ الدِّيَةُ" (٤) ويذكر أنه مذهب عُمَر وزيد بْن ثابِتٍ -﵄- ولم يخالَفا فيه، وأيضًا: فالعقل أشرفُ المعانِي، وبه يتميز الإنسانُ عن البهيمة، ولا ينتفع بشيء انتفاعَهُ بالعقل، ولا يجب فيه القصاص؛ لعدم الإمكان، ولو انتقص عقله، ولم تستقم أحواله، نُظِرَ، إن أمكن الضبطُ، وجب قسط الزائل، والضبط قد يتأتى بالزمان بأن كان يُجَنُّ يومًا، ويفيق يومًا، فيجب نصف الدية، أو يومًا ويومين، فيجب الثلث، وقد يحصُلُ بغير الزمان، وذلك بأن يقابل صواب قوله، ومنظوم فعله بالخَطأ المصروح منهما، وتعرفُ النسبة بَيْنَهما، فيجب قسْطُ الزائل، وإن لم يمكنِ الضبطُ بأن كان يفزع أحيانًا مما لا يفزع منه، أو يستوحش إذا خَلاَ، فيجب فيه حكومةٌ يقدِّرها الحاكم باجتهاده، وذكر صاحب "التتمة" أن الديةَ إنَّما تجب عند تحقُّق الزوالِ بأن قَالَ
_________________
(١) في أ: لكنه.
(٢) قيل يتصور أيضًا في السالخ بأن تكون إحدى الجنايتين عمدًا والأخرى خطأ فالأصح أنهما لا يتداخلان، وكلام الشيخ يوهم اتفاق الأئمة على ما ذكره وجزم الماوردي في الحاوي بأنه يجب في سلخ الجلد حكومة لا تبلغ دية النفس ونقل ذلك أيضًا عن الصيمري في شرح الكفاية.
(٣) في ز: يده.
(٤) أخرجه البيهقي من حديث معاذ، وسنده ضعيف، قال: وروينا عن عمر وزيد بن ثابت مثله.
[ ١٠ / ٣٨٦ ]
أهْلُ الخبْرة: إن العارض الذي حَدَث لا يزول، أما إذا توقَّعوا الزوال، [أو قال أهل الخبرةِ: إنَّ العارِضِ الذي حَدَثَ يزُولُ، فيتوقَّف] (١) في الدية، فإن مات قبل الاستقامة، ففي الدية وجهان؛ كما إذا قلع سنَّ مثغور، فمات قبل أن تعود (٢).
ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: يُنْظَر في الجناية الَّتي ذهب بها العَقْل، إن لم يكن لها أرش، كما لو ضرب رأسه، أو لطمه، فزال عقله، فعليه ديةُ العَقْل، وإن كان لها أرشٌ؛ إما مقدَّر كالموضِّحة، وقطْعِ اليدِ، والرِّجل، وإما غير مقدَّر؛ كالجراحات الموجبة للحكومات، ففيه قولان:
القديم (٣)، وبه قال أبو حنيفة: أنه يدخلُ الأقل في الأكثر، فإن كانت ديةُ العقلِ أكثر؛ كما لو أوضح رأسه، فزال عقله، دخَلَ فيها أرشُ الموضِّحة، وإن كان أرشُ الجنايةِ أكثرَ؛ كما إذا قطع يديه مع بعض الذراعِ، أو يدَيْه ورجلَيْه، فزال عقله -يدخل فيه ديةُ العَقل؛ ووجّه بأن العقل يشبه الرُّوحَ؛ من حيث إنَّ زواله يشبهُ زوال الروح في زوال التكليفِ، ويشبه فواتَ منفعة البَصَر؛ من حيثُ إنه يبقى الجمالُ في صورة الأعضاء مع زواله؛ كما يبقى الجمال (٤) في الحَدَقة بَعْد [زوال الضوء، فلشبهة بالرُّوح يدخل أرْش الجناية في دِيَتِهِ، إذا كان الأرش أقلَّ، ولشَبَهِهِ بالضوء] (٥) لا يجمع بين بَدَله وبَيْن أرش الجناية على الجرم، كما لا يجمع بين دية الضوء وأرش العَيْن القائمة، وإن كان تفويتُ العين القائمة لا (٦) يوجبُ حكومةَ، بل يدخل الأقل في الأكثَرِ، والجديدُ الأصحُّ، وبه قال مالك وأحمد: أنه لا يدخلُ واحدٌ منهما في الآخر، بل يجب أرش الجناية ودية العقل جميعًا؛ لأنها جنايةٌ، أبطلت منفعةً غير حالَّة في محل الجناية؛ فصار كما لو أوضَحَه، فذهب سمعه أو بصره، لا يدخل أرش الموضِّحة في دية السمع والبصر، ولا بالعكس، فعلى هذا لو قطع يدَيْه ورجلَيْه، فزال عقله، وجبت ثلاثُ ديات، وعلى الأول لا يلزم إلا ديتان، هذا هو المشهُور من كيفية الخلافِ في المسألة، ووراءه شيئان:
أحدهما: في المهذَّب وغيره؛ أنه إن كان أرشُ الجناية مثلَ الدية، أو أكثرَ،
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) الصواب سن غير مثغور، وعبارة التتمة: سن من لم يثغر وكمل ما وقع الشيخ تبعًا لأصله على سبق القلم.
(٣) ليس قديمًا محضًا فله في الجديد قول يوافقه وعزي لنص الأم.
(٤) في أجمال.
(٥) سقط في ز.
(٦) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٨٧ ]
وجبت ديةُ العقلِ معه، ولا تداخل قولًا واحدًا، وإنما الخلافُ فيما إذا كان أرشُها دون الدية، هل تدخل الديةُ في العقل.
والثَّاني: نقل الإِمام عن القاضي الحُسَيْن؛ أن أرش الجناية، إن لم يكن مقدَّرًا، لم يدخل في دية العقل قولًا واحدًا، وإنما الخلافُ في الجناية التي لها أرشٌ مقدَّر، وأما ما أورده في الكتاب، فالسابِقُ إلى الفَهْم منه وضْع الخلافِ في أنَّ دية العَقْل، هل تنْدَرج تحْت أرش الجناَيةِ؛ ووجّه الاندراج بأن العَقْل لا يختصُّ بعضو معيَّن يحلّ فيه؛ حتى يجتنب موقعه فأيُّ عضو مضمون بالدية، أفضى قطعه إلى زواله، جعل كأن العقل كان حالًا فيه حلولَ الضوء في الحَدَقة، لكن هذا يخالفُ ما حكينا عن الكيفية المشهُورة، ويخالف أيضًا ما ذكره الإمامُ فيما لو قطع يَدَيْ رجل، وزال عقله، وقلنا: يجبُ ديةٌ واحدةٌ، فإن لفظ الشافعيِّ -﵁- يشيرُ إلَى أن الدية الواجبةَ ديةُ العقلِ، وديةُ اليدِ تندرج تحتها، ويخالف أيضًا قضية تشبيه العَقْل بالروحِ، فإن دية الروح لا تندرجُ تحت أروش الأطراف، وإنما تندرج الأروش (١) تحْتَها، ثم سياقُ الكتاب يُشْعِرُ بأن النصَّ الاندراجُ، وأن مقابلة وجْةٌ واحتمالٌ، وبأن الظاهر الأول، وإن كان القياسُ الثَّاني، لكن الخلاف في المسألة مشهورٌ بالقولَيْن، والظاهر الثاني عند الجمهور.
الثانية: لو أنكر الجانِي زَوالَ العقل، ونسبه إلى التجانُنِ، راقبناه في الخَلَوات، وأوقات الغَفَلات، فإن لم تنتظم أفعاله وأقواله، أوجبنا الدية، ولا نحلِّفه؛ لأنه يتجانن في الجواب، ويعدل إلى كلام آخَرَ؛ ولأن تحليفه يثبتُ جنونه، والمجنون لا يَحْلِف، وإن وجدناها منظومةً، فالقول قول الجاني مع يمينه، وإنَّما حلف؛ لجواز أنها صدَرَت منه اتفاقا أو جريًا على ما اعتاده (٢).
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: السَّمْع وَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِي إِحْدَاهُما نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقِيلَ: حُكُومَةٌ لأنَّ مَحَلَّ السَّمْعِ وَاحِدٌ، وَلَوْ قِيلَ: السَّمْعُ بَاقٍ وَقَدْ وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ ارْتِتَاق فَتَعَطُّلُ المَنْفَعَةِ كَزَوالِهَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَيَجْرِي فِيما إِذَا ذَهَبَ سَمْعُ الصَّبِيِّ فَتَعَطَّلَ نُطْقُهُ أَوْ ضُرِبَ صُلْبِ إِنْسَانٍ فَتَعَطَّلَ رِجْلُهُ فَفِي تَعَدُّدِ الدِّيَةِ خِلافٌ، وَإِذَا شَكَّ فِي السَّمْعِ جُرِّبَ
_________________
(١) في ز: الأرش.
(٢) صورة المسألة أن يدعي ولي المجنون زوال العقل لأن دعوى المجنون لا تسمع لعدم التكليف. نعم إن كان جنونه منقطعًا وادعى حال إفاقته فدعواه صحيحة واستشكل هذا الحكم لما فيه من مخالفة قواعد الشرع من إعطاء الشخص بدعواه وإن الصواب أنا نقول للولي إذا ادعى القول قول الجاني بيمينه، فإن حلف فلا شيء لك عنده وإن نكل لم يحلف الولى في الأصح، فإن قال الولي عندي بينة تشهد بأنه مجنون فشهد أهل الخبرة بذلك قبلت شهادتهم على مقتضى الظاهر كما تشهد له البينة بالمرض المخوف ونحوه وحينئذ يثبت جنون المجني عليه ويأخذ الولي الدية.
[ ١٠ / ٣٨٨ ]
بِصَوْتٍ مُنْكَرٍ بغْتَةً، وَإِنْ نَقَصَ السَّمْعُ جرِّبَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ سِنَّهِ بِقُرْبِ المَسافَةِ وَبُعْدِها، فَإنْ كذَّبَهُ الجَانِي حُلِّفَ المَجْنيُّ عَلَيْهِ.
قَالَ الرافِعِيُّ: في إبطالَ السمع كمالُ الدية؛ لما رُوِيَ عن مَعاذٍ -﵁-؛ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺقَالَ: "وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ" (١) ولو أبطل السمْعَ من إحدى الأذنين، ففي وجهٍ عن الشيخ أبي محمَّد؛ أنه يعتبر ما نقص من السمع، ويجب قسْطُه من الدية، وقد يقال: يَجِبُ فيه الحكومة؛ وذلك لأن السمع واحدٌ، وإنما التعدّد في المنفذ، بخلاف ضوء البَصَر، فإن تلك اللطيفةَ متعدِّدة، ومحلُّها الحَدَقة، والمشهور أنه يجب نصْفُ الدية، لا لتعدد السمع، ولكن (٢) ضبط النقصان بالمنفذ أولَى وأقرب من ضبطه بغَيْره، ولو قطع الأذن، وبَطَل السمع، وجبت ديتانِ؛ لأن السَّمْعَ ليس في الأذُن.
ولو جنَى عليه، فكان لا يسمعُ في الحال، لكن قال أهل البصر: إنَّه يتوقَّع عوده، نُظِرَ؛ إن قدَّروا مدة، انتظرنا تلك المدة، فإن لم يعد، أخذت الدية، واستثنى الإمامُ ما إذا قدَّروا مدة يغلبُ على الظن انقراضُ العمر، قبل انقضائها، وقال: الوجهُ أن تُؤْخَذَ الدية، ولا ينتظرَ هذه المدة كما لو لم يقدِّروا، وإن لم يقدَّروا مدة، فتؤخذ الدية في الحال؛ لأن الانتظار والتأخيرَ لا إلى غَاية؛ كالتفويت، فإن عاد (٣)، ردَّت الدية، إذا بان أنه لم يزل، وإن قال أهل البصر: لطيفةُ السمع باقيةٌ في مقرِّها، ولكن ارتتق داخل الأُذُنِ بالجنايةِ، وامتنع نفوذ الصوت، ولم يتوقَّعوا زوالَ الارتتَاقِ، فهلْ يكون تعطُّل المنفعة كزوالها؛ حتَّى تجب الديةُ بكمالها؟ ذَكَرُوا فيه وجْهَيْن، وألحقوهما بالوجْهَيْن فيما إذا أذهب سمع الصبيِّ، وتعطَّل لذلك نطقه، فإنَّ الطفل يتدرَّج إلى النُّطْق تَلَقِّيًا مما يسمعُ، فهل يجب لتعطيل النطْقِ ديةٌ مضمومةٌ إلى دية السمع؟ فيه وجهان، ومال الإِمام -﵀- في مسألة الارتتاق إلى وجوب الدية، وقال: بقاءُ السمعِ وسلامتُه ليْسَ موثوقًا به، والأظهر، وهو الجواب في "التتمة" وجوبُ الحكومة؛ فإنَّ التعطيل لا ينزَّل منزلة الزوال.
وأما قوله في الكتاب: "أو كسر صلب إِنْسان، فتعطَّل رجله، ففي تعدَّد الدية خلافٌ"، فهذا يُشْعِر بأن كسر الصُّلْب يوجبُ الدية بنفسه، وأنه إذا تعطَّلت الرِّجْل، كان تعطيلها كتعطيل (٤) النطْقِ؛ حتى تجب دية أخرى على رأْي، وفي كلام الإمامِ أيضًا ما يقتضي تعلّق الديةِ بمجرَّد كَسْر الصُّلْب، لكن الظاهر خلافه على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) رواه البيهقي من طريق قتادة عن ابن المسيب عن علي.
(٢) في ز: وإن.
(٣) في ز: عادت.
(٤) في ز: كتعطيب.
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
ثم الكلام في صورتين:
إحداهما: لو أنكر الجانِي زوالَ السمعِ، امتحن المجنيُّ عليه؛ بأن يصاح به في نومه وغفلته صياحَ مُنكِر، وبأن يتأمَّل حاله عند صَوْت الرعْدِ الشديدِ، فإن ظهر منه انزعاجٌ واضطرابٌ، ظهر (١) كذبه، ومع ذلك يحلف الجانِي؛ لاحتمال أن الانزعاج بسبب آخرَ اتِّفاقيَّ (٢)، وإن لم يظهر عليه أثر، بأن صدقه، ومع ذلك يحلفُ لاحتمال أنه يتجلَّد ويتكلَّف، وإن ادَّعى بطلان السمع من إحدى الأذنَيْن، وأنكر الجاني حُشِيَتِ السليمةُ، وامتحن في الأخرَى على ما ذكرنا.
الثانية: إذا انتقص سمعه من الأذنَيْن، فإن عرف قدْر ما نقص؛ بأن عرف أنه كان من أَيِّ موضع يسمع، وهو الآن يسمع ممَّا دون تلك المسافة، فيضبط ما انتقص، وُيؤْخذ قسْطُه من الدية، وإن لم يعرف، ولكن ساءَ سَمْعُه، وثقل أذنه، فالذي أورده أكثرهم، وعليه جرى صاحب "التَّهْذيب" وغيره: أنه لا سبيل إلى تقديره، ويجب حكومة يقدِّرها الحاكم باحتهاده، وذكر الإمَامُ وغيره أنه تقدَّر بالاعتبار بسمع رجل سليبم السمعِ في مثل سنِّه وصحَّته؛ بأن يجلس بجنب المجني عليه ويُؤْمَرُ من يرفعُ الصوت ويناديهما من مسافة بعيده لا يسمع فيها (٣) واحد منهما، ثم يقرب المنادي شيئًا فشيئًا إلى أن يقول السليمُ: سَمِعْتُ، فَيعْلَم على الموضع، ثم يديم المنادِي ذلك الحدَّ من رفع الصوت، ويقرب إلى أن يقول المجنيُّ عليه سمعت، فيضبط ما بينهما من التفاوت، وإنِ انتقص السمع من إحدى الأذنين، فيقدر النقصانُ بأن تصمَّم (٤) العليلة، ويضبط منتهى سماعِ الصحيحةِ، ثم تصمّم الصحيحة، ويضبط منتهى (٥) سماع العليلة، ويضبط ما بينهما من التفاوُت، ويؤخذ قِسْطُه من الدية، ويمكن أن يكون الفرقُ بين انتقاصِ السمعِ من إحدى الأذنَيْن؛ حيث اتفقوا على الاعتبار بالأخرى، ولم يعدلوا إلى الحكومة وبين أن يكُونَ الانتقاصُ في الأذنين جميعًا، حيث اختلفوا في أنَّ الواجب الحكومة، أو يعتبر المجنيُّ عليه بغيرة، والأشخاص يتفاوتون في السمْع حدَّةً وكَلاَلًا؛ بحسب الأمزجة، فاستعبد اعتبار شخصٍ بشخصٍ، ولم يستبعد اعتبار أذُنِ شخصٍ بأذنه الأخرَى، وإن كذبه الجاني فيما يدعيه؛ مِنِ انتقاص السمع، فالجواب في "التهذيب" وغيره؛ أن القول قولُ المجنيِّ عليه مع يمينه، سواءٌ ادعى الانتقاصَ في الأذنين، أو
_________________
(١) في ز: بان.
(٢) كذا جزم بالتحليف وهو فيه منابع للشيخ أبي حامد والماوردي والشيخ في المهذب وصاحب الشامل والتهذيب والتتمة، لكن الدارمي حكاه وجهًا وقال: عندي لا يحلف وهو المختار. قاله في الخادم.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: يضم.
(٥) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
إحداهما؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته، وهذا قوله في الكتاب في آخر الفصل: "فَإِنْ كذَّبه الجانِي حَلَفَ المجنيُّ عليه"، قال في "الوسيط": فلو قال الجاني: "حَلِّفُونِي" فإن الأصل بقاءُ السمع، قُلْنا: لو فتح هذا البابُ، لم يعجز من يستخير (١) الجنايةَ عن الحَلِف، وجريان الَجناية سببٌ مظهر لجانب المجنيِّ عليه، فتصديقه أَوْلَى.
وقوله: "في إحداهما نصْفُ الدية" قضيةُ هذا اللفظ تعدُّد السمع، والسمع واحد؛ عَلَى ما مرَّ، وإنما التعدد في طريقه، والمرادُ بطلان السمع من إحْدَى الأذنَيْنِ.
وقوله: "وإذا شك في السمع" أي ادعى المجنيُّ عليه ذهابَ السمع ونازعه الجاني، وشككنا في أن الصادق أيهما، فيمتحن بالطريق المذكور؛ لتظهر الأمارة الدالَّة على صدق الصادق منهما، وكذب الكاذب.
وقوله: وإنْ نقص السَّمْعُ، جرب" كلمة "جُرِّب" ههنا غير واقعة موقعها؛ بخلاف ما في الصورة السابقة؛ فإن المقصود ههنا تقديرُ بدَلِ ما نقص بالنسبة المذكورة لا الامتحان.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ: البَصَرُ وَفِي إبْطَالِهَا مَعَ بَقاءِ الحَدَقَةِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَيسْتَوِي فِيه الأَعْمَشُ والأَخْفَشُ، وَمَنْ فِي حَدَقَتِهِ بِياضٌ لا يَمْنَع أصْلَ البَصَرِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا النِّصْفُ، وَيُمْتَحَنُ بِتَقْرِيبِ حَدِيدَةٍ مِنْ حَدَقَتِهِ مُغَافَصَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في ضوء العينين (٢) تمامُ الديةِ؛ روي عن مُعَاذٍ -﵁- عَنِ النبيِّ -ﷺ-؛ أنَّه قَالَ: "في البَصَرِ الدِّيَةُ" (٣) ولأن إتلافَ المنْفَعَة المقْصُودةِ (٤) من العُضْوِ تقتضي وجوبَ الدية؛ كإبطالِ منفعةِ البَطْش من اليد، وفي إذهاب ضوء إحداهما نصفُ الدية، ولا فرق بين ضَعِيفِ البصرِ، بالعَمَشِ وغيره، ولا بَيْن الأَحْوَل والأَخْفش وغيرهما، ولو فقأ عينيه، لم تجبْ إلا ديةٌ كاملةٌ، كما لو قطع يديه؛ بخلاف ما لو قطع أذنَيْه، وبطل سمعه؛ لما مر أنه ليس السمْعُ في الأذنين، ولو قال عدلان: إنَّ البصر، وإن اختلَّ، يعود إلى ما كان فيفرَّق بين أن يقدروا مدةً أو لا يقدِّروا، ويكون الحكم على ما مرَّ في الأذنين، ولو مات المجني عليه قبل مُضِيِّ تلك المدَّة، فلا قصاص للشبهة (٥)، وفي الدية طريقان.
_________________
(١) في ز: مستجنى.
(٢) في ز: العين.
(٣) قال فيه الحافظ في التلخيص: لم أجده.
(٤) سقط في ز.
(٥) وما جزم به بن عدم القصاص تبع فيه البغوي وصاحب المهذب لكن جزم الماوردي والبندنيجي والروياني وغيرهم بوجوب القود وهو الصواب، فإن الشَّافعي نص عليه في الأم فقال وإذا شهد من أقبل شهادته أن بصره قد ذهب وآخر إلى المدة التي وصفوا أنه إذا بلغها قال أهل البصر: =
[ ١٠ / ٣٩١ ]
أحدهما: أنها على الوجهين فيما إذا قَلَع سنَّ غيرِ مثغور، ومات قبل أوانِ البيان.
وأصحهما: القطْعُ بوجوبها؛ لأن الظاهر في السنِّ العَوْدُ، ولو عاش (١) لاستمرار العادة، وههنا بخلافه، ولو قال الجاني: ماتَ بعد عَوْد السنِّ أو البصرِ، وقال الوارثُ: بل قبله، فالمصدَّق الوارث؛ لأنَّ الأصل عدم العود.
وإذا ادعى المجنيُّ عليه زوالَ البصر، وأنكر الجاني، فالذي أورده جماعةً من الأئمة، وهو المنقول عن "الأم" أنه يراجع أهل الخبرة، فإنهم إذا وقفوا الشخْص في مقابلة عين الشمس، ونظروا في عينيه، عرفوا (٢) أن الضوء ذاهبٌ أم (٣) قائمٌ بخلافِ ما في السمع لا يراجعون فيه؛ لأنه لا طريق لهم إلى معرفته، وقال آخرون، وعليه جرى صاحب الكتاب: إنَّه يمتحن بتقريب حَيَّة، أوْ عقرب منه، أو حديدة من حدقته مغافصة، فإن انزعج واضطرب، فالقول قول الجاني مع يمينه؛ وإلا، فالقول قوله مع يمينه، ويمكن أن يقدَّر في هذا اختلافٌ قولٍ أو وجهٍ، ورد في "التتمة" الأمر إلَى خيرة الحاكم إنْ أراد أن يراجعهم، فعل، وإن أراد أن يمتحنه، فَعَل، وإذا رجع أهْلُ الخبرة، فشَهِدوا بذَهَاب البصر، فلا حاجة إلَى التحليف، ويؤخذ الدية بخلاف الامتحان، فإنه لا بد من التحليف بَعْده، ولا يقبل في ذَهاب البَصَر، إنْ كانتِ الجنايةُ عمْدًا إلاَّ شهادة رجلَيْن، وإن كان خطأً، قبلت شهادة رجُلٍ وامرأتينِ، وإن ادعى ذهاب البصر من إحدى العينَيْن، فيراجع أهل الخبرة، أو يمتحَنُ، كما ذكرنا في العينين.
وإن انتقص (٤) ضوءُ العينين، ولم يَزُلْ، فإن عرف مقداره؛ بأنْ كان يرى الشخص من مسافة مضبوطةٍ، فصار لا يراه إلا مِنْ بعضها، فيجب من الديةِ قِسْطُ الذاهب، وإن لم يعرف، فعلى الطريقين المذكورين في السَّمْع، فمنهم من اعتبره بمثله في السنِّ والصحَّة، وقال الأكثرون: يجب حكومة يقدِّرها الحاكمُ، ولا يعتبر بغيره؛ لاختلاف الناس في الإِدراك (٥)، ويروى عن الماسرجسيِّ أنه قال: رأيتُ صيَّادًا [كان] يرى الصَيْد
_________________
(١) = لا يعود بصره فمات قبلها أو أصاب عينه شيء يجبها فذهابها من الجاني الأول حتى نستيقن أن ذهابها من وجع أو جناية وليس على الجاني الآخر إلا حكومة وكان على الجاني الأول القود إن كان عمدًا أو العقل إن كانت الجناية خطأ. انتهى.
(٢) في ز: عاد.
(٣) في أ: علموا.
(٤) في أ: أو.
(٥) في ز: ينتقص.
(٦) وقد حكى في الذخائر الوجهين واستبعدهما. وأما الاعتبار بالغير من أن النظر في الناس لا يتماثل فرُب صحيح النظر يرى الشيء من مسافة بعيدة ويراه غيره مع صحة نظره من مسافة أبعد منها، وأما اعتبار قوله وإيجاب حكومة فبعيد لأن الأصل عدم نقصان الضوء فكيف يقبل قوله بل ينبغي أن يكون القول قول الجاني مع يمينه وعلى المجني عليه البينة.
[ ١٠ / ٣٩٢ ]
على فرسَخَيْن، وإن انتقص من إِحدى العينين، فتعُصَّب العليلة، وتُطلق الصحيحةُ، ويوقف شخص في موضِعٍ يراه ويؤْمر بأن يتباعَدَ عَنْه إلى أن يقول لا أراه، فيُعْلَم [على] المسافة، ثم يُعَصَّب الصحيحةُ، وتُطلقَ العليلة، ويؤمر الشخص بأن يقترب راجعًا إلى أن يراه، فيضبط ما بين المسافَتَيْن، ويجب قسطه من الدية، وهذا الضبط مبنيٌّ على نهاية إبصاره في الصحيحة والعليلة، وهو متهم في الصحيحة بالزيادة، وفي العليلة بالنقصان؛ فلا يؤمن أنْ يكذب متدرجًا به إلى زيادة الواجب، فيمتحن في قوله:"أبصر (١) بالصحيحة" بأن تغيَّر ثياب الشخص الذي يبعدُ منه (٢)، ويقرب، ويسأل عنها، فينظر أيصيب أم لا؟ وفي قوله: "لا أبصرُ بالعليلة" قال بعضُهم: يحلف على أنَّه لا يبصر فوق تلك الغاية، وقال أكثرهم: يمتحن بانْ يضبط تلك الغاية، ويؤمر الشخص بأن ينتقل إلى سائر الجهَاتِ، والمجنيّ عليه بأن يدور، فإن توافَقَتِ الغاية من الجهات، فقد بأن صدْقُه، وإلا بانَ كذبه؛ لأن اختلافَ الجهاتِ لا يؤثِّر فيه، ويجري مثْلُ هذا الامتحان في نقصانِ السمْعِ من إحدى الأذُنين، فيمتحنُ في قوله: "أَسْمَعُ بالصحيحة"؛ بأن يغيِّر المنادي نداءه وكلامه، وينظر؛ هل يقف عليه المجنيُّ عليه، وفي قوله:" لا أَسْمَعُ بالعليلة" بأن ينتقل المنادي إلى سائر الجهات، وإذا انضبط (٣) تفاوتُ مسافتَي الإبصار، فالواجب القِسْطُ، فإن أبصر بالصحيحة من مائتَيْ ذراعٍ، وبالعليلة من مائةِ ذراعٍ، فموجبه التنصيف (٤)، ولكن لو قال أهلُ البصر: إن المائة الثانيةَ تحتاجُ إلَى مثلى ما يحتاج إليه المائة الأولى؛ لقرب الأولَى وبُعْد الثانية، فيجب ثلثا ديةِ العليلة؛ قال الشافعيُّ -﵁- وما أرى أنَّ ذلك يضبط.
وقوله في الكتاب: "البَصَر يستوي (٥) فيه من الأعمش والأخفش " إلى آخره، هذا ساكت (٦) من جهةِ اللفظِ عن بيان وجوب الديةِ في بَصَر السليم، وكان الأحسن أن يقول: "البصر، وفيه كمالُ الديةِ، وإنْ كانَ من الأعمشِ والأخفشِ " إلى آخره؛ ليتناول اللفظُ السليمَ وغيره، وهو الذي قصده، فيعتبر، وقد ذكرنا في النوع الثاني معنى الأعمش والأخفش، وسألت بعضَهم، ففسَّر الأخفش بالذي يبصر بالليل دون النهار، والقول بكمال الدية إلى إبْطَال بصره يقتضي وجوب كمالِهَا في بَصَر الأعشَى أيضًا، وهو الذي يبصر بالنَّهار دون الليل، لكن في "التهذيب": أنه لو جنى عليه، فصار أعشى، فعليه نصفُ الدية وأنَّه لو عَشِيَتْ بالجناية إحدى عينيه، فعليه ربع الدية، وقضيةُ إيجابِ النصفِ، إذا جعله بالجناية أعشَى -إِيجابُ النصف، إِذا جنى على الأعشَى، فأَذْهَبَ
_________________
(١) في ز: اقتصر.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: انضبطت.
(٤) في أ: النصف.
(٥) سقط في ز.
(٦) في ز: ساكن.
[ ١٠ / ٣٩٣ ]
بَصَره؛ وكذلك الأخْفش. وقوله: "ومَنْ في حدَقَتِهِ بياضٌ لا يَمْنَعُ أَصْلَ البَصَرِ" ظاهره وجوبُ الدية، ما دام يبصر شيئًا، وإن ضعف بصره، ونقص ضوْءه، لكن ذكرنا في فَقْء العين التي فيها بياضٌ؛ أنه إن لم ينقص الضوء، يجب فيه الدية، وإن نقص، فلا تكمل الدية، فليكن في إذهاب ضوء العين، وفيها بيضٌ، مثلُ هذا التفصيل.