الأول: أسندَ خشبةً إلَى جدارٍ، فسقط الجدارُ عَلَى شيء، فأتلفه؛ إن كان الجدارُ لغير المُسْنِدِ، ولم يأذنِ المالكُ، فعليه ضمان الجدار، وما يسقط عليه الجدارُ، ولا فرق بين أن يسقطَ الجدارُ عَقِيب الإسناد، أو يتأخَّر عنه؛ بخلاف ما لو فتح قَفَصًا عن طائر، وطار؛ حيث يفرَّق بين أن يطير في الحال، أو بعد مدَّة؛ لأنَّ الطائر مختارٌ، والجماد لا اختيار له، وإن كان الجدارُ للمُسْنِدِ أو لغيره وقد أذِنَ فيه، لم يجبْ ضمانُ الجدارِ، ففي ضمان ما يسقُطُ عليه وجْهَانِ عن صاحب "التَّلْخيص"، وبه قال أبو زَيْدٍ: إنه إن سقط في الحال، وجب الضمان؛ كما لو أسقط جداره على مالِ الغَيْر، وإن سقط بعد زمان، لم يجبْ كما لو حفر بئرًا في ملكه، لا يضمن ما يسقُطُ فيها، وعن القَفَّال؛ أنه لا يضمن في الحالتَيْنِ؛ كما أنَّ في حفر البئر إذا كان في ملكه، لا يجب ضمانُ ما يسقُطُ، فيها سواءٌ كان عَقِيبَ الحفْرِ أو بعد مُدَّة، فإن قلْنا: يضمن، إذا سقط في الحال، فلو لم يسقط، لكن مَالَ في الحال إلَى الشَّارع، ثم سقط بعد مدة، يجب الضمانُ، كما لو بني الجدارَ مائلًا؛ لأنه مَالَ بفعله؛ بخلاف ما لو مال في الدوامِ بنفسه.
الثاني: إذا نَخَس دابَّةً، أو ضربها مغَافَصَةٌ، فقفزت، ورمت راكبَها، فمات، أو أتلفتْ مالًا -وجب الضمان، قال في "التهذيب": فان كان النخْسُ بإذن المالك،
_________________
(١) = حصل به التلف أما إذا رآه وتعمد وضع رجله عليه حتى هلك فلا ضمان جزمًا في جميع الصور. وكذا ذكره المصنف نحوه إذا قصد المشي على الرش أو البول، وفي تعليق البغوي وإنما يضمن في الرش وقشور البطيخ وأمثالها إذا لم يتعمد الماشي المشي عليه حتى لو تعمده فلا ضمان لأنه أتلف نفسه.
(٢) وهذا ظاهر إن منعناه البناء، فإن جوزناه ففي الضمان نظر لتولده من مباح لا سيما إذا كان أذن الإِمام، وقد حكى الماوردي قولين فيما لو حفر بئرًا في طريق واسع بفناء داره فتلف به إنسان هل يضمنه، ولا شك أن الدابة في ذلك كالبئر.
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
فالضمان (١) عليه، ولو غلبته دابَّته، فاستقبلها إنسانٌ، وردها، فأتلفت في انصرافها، فالضمانُ على الرادِّ، ولو كان رجلٌ يحمل رجلًا، فجاء آخر وقرص الحامل، أو ضربه، فتحرَّك، فسقط المحمولُ من ظهره، قال في "التتمة": هو كما لو أكره الحامل (٢) على إلقاء المحمول عن ظَهْره [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي تَرْجِيحِ سَبَبٍ عَلَى سَبَبٍ وَمَهْمَا اجْتَمَعَ سَبَبانِ مُخْتَلِفانِ قُدِّمَ الأَوَّلُ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا وَنَصَبَ آخَرُ حَجَرًا فَتَعَثَّرَ بِالحَجَرِ وَوَقَعَ فِي البِئْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الحَجَرِ، وَكَذَا لَوْ سَقَطَ الحَجَرُ بِسَبَبِ السَّيْلِ عَلَى طَرَفِ البِئْرِ سَقَطَ الضَّمَانُ عَنِ الحَافِرِ، وَلَوْ سَقَطَ فِي بِئْرِ عَلَى سِكِّينٍ مَنْصُوبٍ فالضَّمَانُ عَلَى الحَافِرِ لاَ عَلَى ناصِبِ السِّكِّين، وَلَوْ حَفَرَ بِئْر قَرِيبُ العُمْقِ فَعَمَّقَها غَيْرُهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الأَوَّلِ فِي وَجْهٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُما يَشْتَرِكانِ لِتَناسُبِ الْجِنايَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع سَبَبَا هَلاَكٍ، يقدَّم الأول منهما؛ لأنه المُهْلِك؛ إما بنفسه، أو بواسطة الثاني، فيشبه التردَيَة مع الحفر، فلو حَفَر بئرًا في محلِّ عدوان أو نصبِ سكِّينًا، ووضع آخر حجرًا، فتعثَّر بالحجر، ثم وقع في البئر، أو على السِّكِّين، فمات، فالضمان يتعلَّق بواضع الحَجَر، وفي "البيان"؛ أنَّ أبا الفيَّاض البَصْرِيَّ قال: يتعلَّق الضمانُ بناصب السِّكِّين، إذا كان قاطعًا موحيًا، فإنه أقوى، والمشهورُ الأول؛ لأن التعثُّر بالحجر هو الذي ألجأه إلى الوقوع في البئر أو على السكين، فكأنه أخذه (٣) فردَّاه في البئْر، أو ألقاه على السِّكِّين، وهذا كما أنه لو كان في يدهِ سكِّينٌ، فألقى عليه رجلٌ إنسانًا، يجب الضمان والقصاصُ على المَلْقِي، ولو أهوى إليه مَنْ في يده السِّكِّينُ، ووجْهُه نحوه، لما ألقاه الملْقِي، كان القصاصُ على صاحبِ السِّكِّين، هذا إذا كانا متعدِّيَيْن، ولو حفر بئرًا، أو نصب سكينًا في ملكه، ووضع متعدِّيه حجرًا، فتعثر بالحَجَر، ووقع في البئر، أو على السِّكِّين، فكذلك يكون الضمان عَلَى واضع الحَجَر، ولو وضع حَجَرًا في مِلْكه، وحَفَر متعدٍّ هناك بِئْرًا، أو نصب سِكِّينًا، فتعثَّر بالحجر، أو وقع في البِئرِ، أو على السِّكِّينِ فالمنقول أنه يجب الضمانُ على الحافر، وناصب السِّكِّين، فإنه المتعدِّي، وإنما يجعل الضمان على واضع الحَجَر، إذا كان متعدِّيًا، وينبغي أن يقال: لا يجب الضمانُ على الحافرِ، وناصبِ السِّكِّين؛ كما يذكر في مسألة السبيل على الأثر، ويدلُّ عليه أن أبا سَعْدٍ المتولِّيَ قَالَ في "التَّتِمَّة": لو حفر بئرًا في
_________________
(١) ما ذكره الشيخ هو المعتمد وليس مخالفًا لما ذكره في ضمان البهائم وذكر في الخادم كلامًا غير محرر والموجود في الروضة في البائن سواء سوى أنه عبر هنا بإذن المالك وهناك بإذن الراكب.
(٢) في ز: الحاصل.
(٣) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٣١ ]
ملكه، وجاء آخر، فنصب فيها حديدةً، فوقع إنسانٌ في البئر، وجرحته الحديدةُ، فمات، فلا ضمانَ عَلَى واحدٍ منهما؛ أما الحافرُ، فظاهر، وأما الآخَرُ؛ فِلأَنَّ الوقوع في البئر هو الذي أفضَى إلى الوقوع على الحديدة، فكان حافر البئْر كالمباشر، والآخرُ كالمتسبِّب.
ولو حفر بئرًا في محلِّ عدوانٍ، وسقط الحجر على طرف البئرِ بمجيء السيل به، أو وضعه هناك حربيٌّ، أو سبع، فتعثَّر بالحجر، ووقع في البئر، أو على السِّكِّين، فلا ضمان على أحدٍ، كما لو ألقاه السبع، أو الحربي في البئْرِ، وفي "التتمة" وجه آخر؛ أنه يجب الضمان على عاقلة الحافر؛ لأنه لا وجه للإِهدار، والحافرُ هو المتعدِّي.
ولو حفر بئر عدوانٍ، ونصب آخر في أسْفَلِها سِكِّينًا، فالضمان على عاقلة الحافِرِ، دون ناصب السِّكِّين؛ لأن الحفر هو الذي ألجأه إلى الوقوع على السِّكِّين، هذا هو المشهُور، ويحكَى عن أبي حنيفة، وفي "البيان" وجه أن الضمانَ على ناصب السكينِ؛ لأن التلف حصلَ بوقوعه على السِّكِّين قبل الانصدام بقَعْر البئر، ولو حفر بئرًا قريبةً العمقِ، فعمقها غيره، فضمانُ من تردَّى فيها عَلَى مَنْ يَكونُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يختص بالأول لما مرَّ.
وأظهرهما: أنه يتعلَّق بهما جميعًا؛ لتناسب الجنايتين وتأثره بالانصدام، فعليهما جميعًا، فصار كما لو تعاونا على الحَفْر، وعلى هذا، ففي كيفية شركتهما في الضمان وجهان، حكاهما الشيخ أبو عَلِيٍّ:
أحدهما: التنصيف؛ كما لو مات بجراحاتٍ صدَرَتْ من شخصين.
والثاني: يوزَّع على القَدْرِ الذي حفره كلُّ واحدٍ منهما، حتَّى لو حفر أحدهما عشرين ذراعًا، والآخر ثلاثين ذراعًا، يكون الضمانُ بينهما أخماسًا.
ولو حَفَر بئرًا متعديًا، ثم طَمَّها، وجاء آخر، وأخرج ما طُمَّت به، وتردَّى فيها إنسانٌ، فالضمان يتعلَّق (١) بالأول؛ لأنه المبتدئُ بالتعدي، أو بالثاني؛ لانقطاع أثر الحفر الأولِ بالطَّمِّ؟ فيه وجهان، نقلهما في "البيان" (٢).
ولو وضع رجلٌ حجرًا في الطريق، وآخران حجرًا بجنبه، وتعثَّر بهما إنسانٌ،
_________________
(١) في أ: متعلق.
(٢) قال النووي في زوائده: أصحهما الثاني. والله أعلم. ما صححه جزم به البغوي في فتاويه فقال: لو حفر بئرًا عدوانًا ثم سد رأسها ثم جاء آخر فتحها ثم وقع فيها إنسان فالضمان على من فتح رأسها.
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
ومات- فالوجه الأظهرُ: أن الضمان يتعلَّق بهم أثلاثًا، وإن تفاوت فِعْلُهُمْ؛ كما لو مات بجراحةِ ثلاثةٍ، واختلفت الجراحاتُ، وفي "التهذيب" وجه؛ أنه يتعلَّق نصف الضمان بالمنْفَرِد، ونصفه بالآخرين.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ تَعَثَّرَ بِحَجَرٍ فِي الطَّرِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِهِ، وَلَوْ تَعَثَّرَ بِقَاعِدٍ فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَلَوْ تَعَثَّرَ بِواقِفٍ فَالمَاشِي مُهْدَرٌ وَضَمَانُ الوَاقِفِ عَلَى المَاشِي لِأَنَّ الوُقُوفَ مِنْ مَرَافِقِ المَشْيِ دُونَ القُعُودِ، وَقِيلَ في المَسْأَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان:
إحداهما: وضْعُ الحَجَرِ كحَفْر البئرِ؛ يتعلَّق الضمان به، إذا تعثَّر به من لم يره؛ عَلَى ما مَرَّ، ولو وضع حَجَرًا في الطريق، فتعثَّر به إنسانٌ ودحْرَجة، ثم تعثَّر به آخر وهلك، فضمان الثانِي يتعلَّق بالمُدَحْرِجِ؛ لأن الحجر في ذلك الموضع، إنما حَصَل بفعله.
الثانية: من قعد في موضع، أو نام، أو وقَفَ، فتعثَّر به ماشٍ، وماتا، أو أحدُهُما، نُظِرَ؛ إن كان ذلك في مِلْكه، ودخله الماشي من غير إذْنٍ، فهو مُهْدَر؛ لأنه قتل نفْسَه، وعلى عاقلته ديةُ القاعدِ، أو الواقفُ، وكذا الحكم لو قَعَدَ أو وَقَفَ في مَوَاتٍ، أو طريقٍ واسع لا يتضرَّر به المارَّة، ولا فرق بين أن يكون القاعدُ أو الواقفُ بصيرًا أو أعمَى، كما لو قصد قتل من يمكنه الاحتراز (١) منْهُ، فلم يحترز حتَّى قتله، وإن قعد أو وقَفَ في طريقٍ ضيِّقٍ يتضرَّر به المارَّة، واتفق ما صوَّرناه، فالأصحاب فريقانِ، قال أكثرهم، وتابَعَهُم صاحبُ الكتاب: النَّصُّ فيما إذا تعثر الماشي بالقاعدِ أو النائم؛ أن دَمَ القاعدِ والنائم مُهْدَر، وعلى عاقلتهما ديةُ الماشي، والنصُّ فيما إذا كان التعثّر بالواقف، وماتا؛ أنه يُهْدَر دمُ الماشِي (٢)، ويجبُ دية الواقِفِ على عاقلته، وفيهما طريقان:
أحدهما: التصرُّف في النصَّيْن، وجعل الصورتين عَلَى قولَيْن بالنقل والتخريج:
أحدهما: أنه يُهْدَرُ دم الواقفِ، والقاعدِ، والنَّائم، ويجب ديةُ الماشِي على عاقلة هَؤُلاء؛ لأن الطريق للطروق، وهم بالوقوفِ والقعودِ والنَّوْم مقصِّرون، فينزل فعْلُهم منزلةَ وضْع الحَجَر في مثل هذا الطَّريق.
_________________
(١) في ز: الأخيران.
(٢) ما جزم به من أن الماشي مهدر وعلى عاقلته دية القاعد والواقف لأن الماشي بحركته هو الذي يلي نفسه ويلي غيره وعلى هذا فالنائم حكمه حكم القاعد ليس كذلك فيه خلاف ذكره القاضي الحسين. فإنه نقل التضمين وذكر فيها الطريقين.
[ ١٠ / ٤٣٣ ]
والثاني: يُهْدَر ديةُ الماشِي، ويجب على عاقلته ديةُ الواقِفِ أو القاعدِ أو النائمِ؛ لأن القتل حصل بحرَكَتِهِ، والمَشْيُ ارتفاقٌ بالطريق، فيباحُ بشرط السَّلامة، فصار كما إذا تردَّد الأعمَى في الطريق بلا قائد، فأتلف، فلَزِمَهُ الضمان.
والثاني: تقريرُ النصَّيْن، والفرق أن الماشي قد يحتاجُ إلى الوُقُوف؛ لانتظار رفيقٍ أو كلالٍ أو سماع كلامٍ، أو إِسماعِهِ، فالوقوف من مرافِقِ الطريقِ؛ كالمشْي، لكن الهلاكَ حصَلَ بحركة الماشِي، فيختص بالضمان، والقعودُ والنومُ ليْسَا من مرافق الطريقِ، فمن قَعَد أو نامَ، فقد تعدَّى، وعرض نفْسَه للهلاك، وهذا ما اختاره القاضي الحُسَيْن، وفي "التهذيب" أنه الأصحُّ، وقال أصحابنا العراقيُّون: يجبُ على عاقلة كلِّ واحدٍ من الماشِي والواقِفِ ديةُ الآخر، أما الماشي، فلأنَّه قتل الواقف، وأما الواقف، فلأنه تسبَّب إلَى قتل الماشي بالوقوف في الطريق، وينسب هذا إلَى نصِّه في القديم، ونقلوا وجْهًا آخر؛ أنه لا ضمانَ عَلَى عاقلة الواقفِ؛ لأنه لا حركَةَ منه، والقعودُ عَلَى هذه الطريقة كالوُقُوف، ويخرجُ من الطريقَيْن في الواقِفِ والماشِي ثلاثةُ أوجُه، أو أقوالٍ:
أحدُها: وجوبُ دية كلِّ واحدٍ منهما عَلَى عاقلة الآخر.
والثاني: وجوبُ ديةِ الواقِف عَلَى عاقلة الماشِي، دون العكس.
والثالث: وجوبُ ديةِ الماشِي عَلَى عاقلة الواقِفِ، دون العكس، والأقربُ الثَّاني، وبه أجاب صاحب "التتمة" ورجَّحه أبو الحَسَنِ العَبَّادِيُّ، ويليه الأول، وهذا كلُّه فيما إذا لم يوجَدْ من الواقف فعلٌ، فإن وجد كما إذا انحرف إلى الماشي، لما قَرُب منه وأصابه في انحرافه، وماتا، فهما كماشِيَيْنِ اصْطَدَما، وسنذكر حُكْمَه، ولو انحرف عنْه، فأصابه في انحرافه، أو انحرف إليه، وأصابه بعد تمامِ الانحرافِ، فالحكْمُ كما لو كان واقفًا لا يتحرَّك.
ولو جلس في مسْجدٍ، فتعثَّر به إنسانٌ وماتا، فعلى عاقلة الماشي ديةُ الواقفِ، ولا ضمان للماشي؛ كما لو جلس في ملكه، فتعثَّر به ماش، ولو (١) نام في المسجد معتكفًا، فكذلك، ولو جلس لأَمْرٍ يُنَزَّهُ عنه المسجدُ، أو نام غيْرَ معتكِفٍ، فهو كما لو نام في الطريق، ذكره في "التهذيب" (٢)، وعن أبي حنيفة وأصحابه، أنَّ الجالس يضمن ديةَ الماشِي، إذا جلس لغير الصَّلاة، ولا يخفى أن ما أطلقه صاحبُ الكتاب في هذا الفَصْل، والذي قبله من أنَّ الضمان على الحافر، وعلى واضع الحجر، وعلى القاعد،
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) ما نقله عن البغوي في النوم لغير المعتكف لم يصرح به بل ذكر الاستيطان وعبارته لو جلس لأمر تنزه عنه المسجد إذا استوطن المسجد إلا لقربه فهو الجاني لا الصادم فإن مات الصادم يجب الضمان على عاقلته. انتهى وكذا ذكره الخوارزمي في الكافي إلا أنه فرضه في الجلوس.
[ ١٠ / ٤٣٤ ]
أراد به تعلُّقَ الضمان بهم بوجوبه عَلَى عواقلهم، لا وجوبَ الضمانِ عليهم في أنْفُسِهِمْ، وقد وقَع في لَفْظ الشافعيِّ -﵁- في مسألةِ وضْع الحَجَر، وإذا قلنا: إن العاقلةَ يتحملَّون الدية فالوجوب يلاقي الجاني أخذًا بظاهر اللفظ، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَسَقَطَ عَلَيْهِ آخَرُ فَضَمَانُهُما عَلَى عَاقِلَةِ الحَافِرِ، وَهَلْ لِوَرَثَةِ الأَوَّلِ مُطَالَبَةُ عَاقِلَةِ الثَّانِي بِنِصْفِ الدِّيَةِ حَتَّى يَرْجِعُوا بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الحَافِرِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، مَنْشُؤُهُ أَنَّ المُكْرَهُ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ عُهْدَةٌ؟، وَلَوْ تَزَلَّقَ عَلَى طَرَفِ البِئْرِ فَتَعَلَّقَ بِآخَرَ وَجَذَبَهُ وَتَعَلَّقَ الآخَرُ بِثَالِثِ وَجَذَبَهُ وَوَقَعَ بَعْضُهُم عَلَى البَعْضِ فالأَوَّلُ مَاتَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَسْبَابٍ بِصَدْمَة البِئْرِ وَثَقِلَ الثَّانِي والثَّالِثِ وَهُوَ مُتَسَبَّبٌ إَلَى وَاحِدٍ فَيُهْدَرُ ثُلُثُ دِيتِهِ وَثلُثُهُ عَلَى الحَافِرِ وَثُلُثُهُ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ جَذَبَ الثَّالِثِ وَأَمَّا الثَّانِي هَلَكَ بِسَبَبَيْنِ وَهُوَ مُتَسَبِّبٌ إِلَى أَحَدِهِمَا فَيُهْدَرُ نِصْفُهُ وَنِصْفُ دِيتِهِ عَلَى الأَوَّلِ لِأَنَّهُ جَذَبَهُ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَكُلُّ دِيتِهِ عَلَى الثَّانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وقع في البئرِ واحدٌ [خَلْفَ واحدٍ]، وهلكوا أو بعضُهم، فإما أن يكون وقوع الثاني بجَذْبِ الأول، أو من غير جذبه:
الحالة الأولَى: إذا وقع الثاني من غير أن يجذبه الأوَّل، فإن مات الأول، فالثاني ضامنٌ؛ لأنه أتلفه بثَقلِهِ ووقوعِهِ عليه، فكان كما لو رماه بحَجَر، فقتله، وما الذي يلزمه ينظر؛ إن تعمد إلقاء نفسه عليه، ومثله يَقْتُلُ مثْلَهُ غالبًا؛ لضخامته، وعُمْق البئر، وضيقها فعليه القصَاص، وإن تعمَّده، لكنه لا يقتل بمثله غالبًا، فهو شبه عمد، وإن لم يتعمَّد وتردَّى في البئر بغير اختياره، أو لم يعلم وقوع الأول في البئر، فهو خطأ محضٌ، ثم الذي أطلقه المطْلِقُون، إذا آل الأمر إلى المال؛ أنه تجبُ الدية بتمامها، وقد يحتجُّ له بما روي أن بصيرًا كان يقُودُ أعمَى، فوقع البصيرُ في بئْرٍ، ووقع الأعمَى فوقه، فقتله، فقَضَى عُمَرُ -﵁- بِعَقْلِ البَصِيرِ على الأَعْمَى، فذكر أنَّ الأَعْمَى كان ينشد في المَوْسِمِ: [الرجز]:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ، رَأَيْتُ مُنْكَرًا!!
هَلْ يَعْقِلُ الأَعْمَى الصَّحِيحَ المُبْصِرا؟
خَرَّا مَعًا كِلاَهُما تَكَسَّرا
واستدركَ مستدركونَ؛ فقالوا: كما أن وقوعَ الغيرِ على الإنسان مُهْلِكٌ، فوقوعه في البئر وتأثُّره بما يصادِمُه (١) مهلِكٌ أيضًا، فالأول ماتَ بوقوع الثاني عليه، وبوقوعه في البئر، فعلى الثاني نصفُ الدية، ويكون النصْفُ على الحافر، إن كان الحفر (٢) عدوانًا،
_________________
(١) في ز: يعتاد به.
(٢) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٣٥ ]
وإلا فهو مُهْدَرٌ، وهذا أصحُّ عند صاحب "التتمة" وغيره، نَعَمْ، لو نزل الأولُ في البئْر، ولم ينصدم (١)، ثم وقع عليه الثاني، تعلَّق بوقوعه كلُّ الدية، وإن ماتَ الثاني، فإن تعمَّد إلقاءَ النَّفْس فيها، أو لم يكنِ الحَفْر عدوانًا، فهو هَدَر، وإلا تعلَّق الضمان بالحافر، وإنْ ماتا معًا، فالحكم في حقِّ كل واحد منهما (٢) على ما بيَّنَّا، وإن تردَّى في البئر ثلاثةٌ، واحدٌ بعد واحدٍ، فمن قال في الصورة السابقة: إن ديةَ الأول على عاقلة الثاني، قال هاهنا دية الأولِ علَى عاقلة الثاني، والثالثُ؛ لأنه مات بوقوعهما عليه، ويحكَى هذا عن الشيخ أبي حامد، ومَنْ قال هناك: ليس على الثانِي إلاَّ النصْفُ، قال هاهنا: ليس على الثاني والثالث إلاَّ ثلثا الضمانِ، والثلُثُ الباقي (٣) على الحافر إن كان متعديًا، وإلا فهو هَدَر، وينْسَبُ هذا إلى القاضي أبي الطَّيِّب (٤)، واختاره ابن الصبَّاغ وقوله في الكتاب: "ولو تردَّى في بئْر، وسقَطَ عليه آخر، فضمانُهُما على عاقلة الحَافِر"، يعني: إذا ماتا، وكان الحفّر عدوانًا، فيثبت لورثة كلِّ واحد منهما مطالبةُ عاقلةِ الحافِرِ بالدية.
وقوله: "وهَلْ لورثة الأوَّل " إلى آخره، أراد به أن الثاني، وإن أهلك (٥) الأول بوقوعه عليه، فإنه غير مختارٍ فيه، بل ألجأه الحفْرُ إليه، فهو كالمكْرَهِ على الإِتلاف، وليس للإتْلاَف (٦) في صورة الترَدِّي موجبٌ سوى المال، فكان كالمكْرَهِ على إتلاف المال، وقد سبق ذكْرُ وجهين في أن المكْرَهَ على إِتلاف المال، هل يُطَالَب بالضمان، وأن القرار على المِكْرَه، وإن طولِبَ به المُكْره، وإذا كان كذلك، استقرَّ ضمان الثاني على عاقلة الحافر؛ لأنه كالمكْرَه، وفي مطالبة عاقلة الثانِي به الخلافُ في مطالبة المُكْرَه، والظاهر المطالبةُ.
_________________
(١) في ز: يصطدم.
(٢) سقط في ز.
(٣) في أ: الثاني.
(٤) وهذا الخلاف من الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب إنما هو بالنسبة إلى الثاني لا الأول. وعبارة الشامل: فإن وقع ثالث عليهما فمات الثلاثة كان ضمان الأول على الآخرين. وأما الثاني فذكر الشيخ أبو حامد أن ضمانه على الثالث لأنه أتلفه بوقوعه عليه. وذكر القاضي أبو الطيب أن نصف ديته هدر ويجب ضمان النصف على الثاني ويجب ضمان النصف على الثالث لأنه تلف بوقوعه على الأول ووقوع الثاني على الثالث وهذا أقيس لأن وقوعه على غير سبب في تلفه كوقوع غيره عليه. وهكذا ذكر الشيخ أبو حامد الأول إذا رمى نفسه فألقى آخر نفسه عليه فمات الأول أن ضمانه على الثاني، وعلى ما ذكره القاضي يجب أن يكون نصفه هدر إذا مات الثالث فديته صدر لأنه تلف برمي نفسه. انتهى. وهكذا أورده الروياني في البحر على عادته في الأخذ من الشامل وأورده في البيان أيضًا وجزم الماوردي في الحاوي وسليم في المجرد وغيرهما بمقالة الشيخ أبي حامد وقال الشاشي: إنه المذهب وجزم الكل بأن دية الأول على عاقلة الثاني والثالث نصفين ولم يحكوا في ذلك خلافًا.
(٥) في أ: هلك.
(٦) في ز: الإتلاف.
[ ١٠ / ٤٣٦ ]
وقوله: "فضمانُهُما على عاقِلَةِ الحافِرِ"، يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لأن الحافر، وإن قدر أنه كالمَكْرَهِ، فقد قدَّمنا وجهًا؛ أن ضمان المال علَى المُكْرِهِ، دون المكْرَه.
وكذا قوله: "حتَّى يرجِعُوا به عَلَى عاقلة الحافر" لوجهٍ آخر، أنَّ الضمان يتقرَّر عليهما بالسوية، فلا يرجع المكره، إذا غرم النصف.
وقوله: "بنصْفِ الدية" يوافقُ قَوْلَ من قال: إن الضَّمَان الذي يتعلَّق بالثاني نصْفُ الدية لا جميعها، [والله أعلم].
الحالة الثانية: أنْ يقَعَ الثاني في البئْر بجذب الأول، فإذا تَزَلَّق على طرف البئر، فجذب غيره، ووقع في البئر، ووقع المَجْذُوب فوقه، فماتا، فالثاني هلك بجَذْب الأول، فكأنه أخذه، وألقاه في البئْر إلاَّ أنه قَصَد الاستمساكَ والتحرُّز عن الوقوع، فكان مخطئًا؛ ووجب ضمان الثاني على عاقلته، وأما الأول، فإن كان الحفْرُ عدوانًا، ففيه وجهان:
أحدهما، ويحكَى عن الخُضَرِّي: أنه مُهْدَر لا يتعلَّق شيءٌ من ضمانه بحافر البئر؛ لأن الحفر سبَبٌ، والذي وجد منه، وهو جذب الثاني مباشرة، فصار كَمَا إذا حفر بئرًا عدوانًا، وطرح آخر فيها نفْسَه لا يجب على الحافر شيْءٌ من ضمانه.
والثاني: أنَّه يجبُ نصف ديته على عاقلة الحَافر، ويُهْدَر النصْفُ؛ لأنه مات بسببين؛ صدمةِ البئرِ، وثِقَلِ الثاني، والثَّاني: فعلُه، فيهدَرُ النصفُ، ويجب النصف، وهذا أصحُّ على ما ذكره الشيخ أبو علي وغيره، وأجاب الشيخ عن الأول؛ بأن ابتداءَ السقوط والتردِّي لم يكن بفعْلِهِ واختياره، والجَذْب وجد بعْدَ ذلك، كأنه زَلِقَتْ رجْلُه، أو انهار طَرَفٌ من أطراف البئر، فتعلَّق بغيره مستمسكًا، فانقلع الغَيْرُ معه، ويخالف ما إذا طرح نفسه في البئر قصْدًا؛ فإنه أحدث سبب الهلاك باختياره، وإن لم يكن الحفر عدوانًا، فالأول مُهْدَر بلا خلاف، وليحمل على هذه الحالةِ إطلاقُ من أطلق القولَ بإهدار الأول، وقد أطلقه كثيرون (١)، ولو كان التصويرُ كما ذكرنا، وجذب الثاني ثالثًا، وماتوا جميعًا، فأما الأول، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يُهْدَر نصْفُ ديته لجذْبه الثاني، وبجبُ نصفها على عاقلة الثَّاني؛ لجذْبه الثالث، فإنه مات بثقلهما، وهذا ما أورده جماعةٌ، منهم صاحبُ "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ، وهو مبنى على أن الحفْر لا أثر له مع الجَذْب.
_________________
(١) منهم الماوردي والروياني وابن الصباغ وصاحب البيان وغيرهم وعلى هذا فيرتفع الخلاف في المسألة لكن الطبري في العدة حكى عن الحصري التصوير في التعدي.
[ ١٠ / ٤٣٧ ]
وأَظْهَرُهُما، وهو المذكور في الكتاب: أنه مات بثلاثةِ أسبابٍ، صدمةِ البئر، وثِقَلِ الثاني والثَّالث، فيهدر لما حَصَل بفعله، وهو ثقلُ الثاني -ثلُثُ الدَية، وينظَرُ بعد ذلك؛ إن كان الحفر عدوانًا، فيجب ثلث الدية (١) على عاقلة الحافر، وثلثُهَا على عاقلة الثاني؛ لجذبه الثالث، وإن لم يكن الحفْرُ عدوانًا، فيهدر ثلث آخر، ويجب الثلث على عاقلة الثاني، وذكر ابن الحَدَّاد؛ أنه مات بالوقوعِ في البئرِ، وبَجذبْه الثاني، فيهدَرُ نصْف ديته، ونصْفُها على عاقلة الحافر، وأعْرَضَ عن النظر إلى تأثره بثقل الثالث، وهو غيْرُ مرضيٍّ عند الأصحاب.
وأما الثاني: فإنه ماتَ بجَذْب الأول وإلقائه إياه في البئْر، وبثقل الثالث، وثقلُ الثالثِ حَصَل بفعله، فيُهْدَرُ نِصْفُ ديته، ويجب نصفها على الأول، ولا أثر للحَفْر في حقِّه؛ إذ جذب وألقى فيها.
وأما الثَّالث: فإنه لم يوجَدْ منه ما يؤثِّر في هلاكه، فيجب تمام ديته، وعلى مَنْ تجب؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه على الثاني؛ لأنه الذي جَذَبَهُ، وأوْقَعَه في البئر.
والثَّاني: على الأوَّل والثاني جميعًا؛ لأنه لما جذب الثاني الثالثَ، والأوَّلُ الثانِيَ، صار الثالث مجذوبًا بالقوتَيْن جميعًا.
ويجوزُ أن يُعْلَم؛ [لما ذكرنا] (٢)، قولُه في الكتاب في حقِّ الأول: "فَيُهْدَرُ ثُلُثُ دِيَتهِ" بالواو.
وكذا قوله في آخر الفصْل "على الثاني"؛ إشارةً إلى الوجه الذاهب إلَى أن ديةَ الثالثِ على الأول، والثاني مَعَهُ، لا على الثاني وحْده.
[ولو كانَتِ] (٣) الصورةُ بحالها وجذبَ الثَّالِثُ رابعًا، وماتوا جميعًا، ففي الثلاثة الأولينَ وجوه:
أصحها: أن الأول مات بأربعة أسبابٍ؛ صدمةِ البئرِ، وثقلِ الثلاثةِ؛ فيهدَرُ ربع ديته؛ لجذبه.
الثاني، ويجبُ الربعُ على عاقلة الحافِرِ، إن كان الحفْرُ عدوانًا، ويهدر أيضًا إن لم يكن عدوانًا، ويجب الربع على عاقلة الثاني؛ لجذبه الثالثَ، والربُعُ (٤) على عاقلة الثالث؛ لجذبه الرابع، وأمَّا الثاني، فلا أثر للحَفْر في حقه، وقد مات بجَذْب الأوَّل
_________________
(١) في: ثلثها.
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: والرابع.
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
إياه، وبثقل الثالث والرابع، فيُهْدَر ثلث ديته، ويجب ثلثها على الأوَّل، والثُّلُث على الثالث، وأما الثالثُ، فقد مات بجَذْب الثاني إياه، وبثقل الرابع، فيُهْدَر نصْفُ ديته، ويجب نصْفُها عَلَى عاقلة الثاني.
والوجه الثاني: أنه لا يجبُ للأول شَيْء؛ لأنه باشر قَتْل نفسه بجذب الثاني، وما تولد من جذبه، ودية الثاني بُهْدَرُ نصْفُها بجَذْبه الثالثَ، ويجبُ نصْفُها على عاقلة الأول؛ لجذبه إياه، وديةُ الثالثِ يُهْدَرُ نصفها لجذْبه الرابعَ، ويجبُ نصفُها على عاقلة الثاني؛ لجذبه إيَّاه، وقضيةُ هذا الوجْه: ألا يجبَ للأولِ في صورة الثلاثةِ شَيْءٌ؛ أيضًا، وإن لم يذكُرُوهُ هناك.
والثالث: أنه يجعلُ دية الأول أثلاثًا، فيهدَرُ ثلثها، ويجبُ الثلث على عاقلة الثاني، والثلُثُ على عاقلة الثالث؛ لأنه هَلَك بفعلِ نفسه وفعْلِ الثانِي والثالِث؛ لأن أفعالهم مباشرةٌ، فَيُقَدَّم على الحَفْر الذي هو السبب، وكذلك، تجعلُ دية الثاني أثلاثًا، فيهدر ثلثها؛ لجذبه الثالث، ويجب الثلث على عاقلة الأول؛ لجذبه إياه (١)، والثلثُ على عاقلة الثالث، [وأما الثالثُ، فَيُهْدَرُ أيضًا] ثلثها؛ لجذبه الرابعَ، وكذلك تجعلُ ديةُ الثالثِ أثلاثًا، فيهدر ثلثُها؛ لجَذْبه الرابعَ، ويجب ثلثها على عاقلة الأول، وثلثُها على عاقلةِ الثاني؛ لأن الأوَّل جَذَب الثانيَ، والثانِيَ جذَبَ الثالثَ؛ فكأنهما شاركاه في إهْلاَك نفسه.
والرابع، حكاه أبو سَعْدٍ المتولِّي، أن للأول رُبُعَ الديةِ، إن كان الحفر عدوانًا، وللثانِي الثلثُ، وللثالثِ النصفُ، وللرابع كمالُ الدية؛ لما رُوِيَ أنَّ ناسًا باليمن حَفَرُوا زُبْيَةً للأسد، فوقع الأسد فيها، فازدحم الناسُ عليها، فتردَّى فيها واحدٌ، فتعلَّق بواحدٍ، فجذبه، وجذب الثاني ثالثًا، والثالثُ رابعًا، فرفع ذلك إلى عَلِيٍّ (كرم الله وجهه)، فقال: للأوَّلِ رُبُعُ الديةِ، وللثانِي الثلثُ، وللثالثِ النصْفُ، وللرابعِ الجميعُ، فرفع ذلك إلى النبيِّ -ﷺ- فأمْضَى قَضَاءَهُ، والمعنى فيه؛ بأن الأوَّل ماتَ بالوقوع في البِئْر، ووقوع الثلاثة فوْقَهُ، ووقوعهم نتيجة فعله، ولم يتعلَّق به ضمان، وموت الثانِي بجَذْب الأول، ووقوع الاثنين فوقه، ووقوعهما من نتيجة فعْله، فوجب ثلث الدية، وموت الثالث مِنْ جذب الثاني، ووقوع الرابع فوقه، وذلك من فعله؛ فوجب النصفُ، والناصرُونَ للأصحِّ في المسألة لم يثبتوا قصَّةَ عليٍّ (كرَّم الله وَجْهَه)، وربما تكلَّفوا تأويلها، واتفاق الوجوه تجبُ دية الرابع بكمالها، لكنها على من تجبُ؟ فيه وجهان:
أصحهما: على الثالث.
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
والثاني: على الجميع. وقد مرَّ نظيرُهُما، وجميعُ ما ذكرنا فيما إذا وقع الثلاثةُ أو الأربعةُ بعْضُهم فوق بعض.
أما إذا كانتِ البئرُ واسعةً، وجذب بعضهم بعضًا، لكن وقع كلُّ واحد منهم في ناحية من البئر، فديةُ كلِّ مجذوبٍ على عاقلة جاذِبِه، وديةُ الأولِ عَلَى عاقلة الحافِرِ، إن كان متعديًا، ومن على عاقلة ديةُ بعضهم أو بعضُها في هذه الصورة، وجبت في ماله الكَفَّارة، ويقع النظر في أنَّها هل تتجزأ، ومَنْ أَهْدِرَ دمُه، أو شيْءٌ منه لفعْلِهِ، ففي وجوب الكفَّارة عليه الخلافُ في أن قاتِل النفْسِ، هل يلزمه الكفَّارة؟
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِيما يُوجِبُ الشَّرِكَةَ كَمَا إِذَا اصْطَدَمَ حُرَّانِ وَمَاتَا فَكُلُّ وَاحِدٍ شَرِيكٌ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ وَقَتْلِ صَاحِبِهِ فَفِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدِ كَفَّارَتانِ وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ صَاحِبِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَا مُتَعَمَدِّيْنِ فَهِيَ فِي تَرِكَتِهِمَا، فَإنْ كَانَا راكِبَيْنِ زَادَ فِي تُرْكَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَّةِ صَاحِبِهِ، فَإنْ غَلَبَهُمَا الدَّابَّتَانِ أُهْدِرَ الهَلاَكُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ إِحَالَةً عَلَى الدَّوَابِّ، وَفِي الثَّاني يُحَالُ عَلَى رُكُوبِهِمَا، فَإِنْ كَانَا صَبِيَّيْنِ أَرْكَبَهُمَا أَجْنَبِيٌّ مُتَعَدِّيًا فَحَوالَةُ الكُلِّ عَلَى الأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ أَرْكَبَهُمَا الوَلِيُّ فَلا حَوَالَةَ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ كَرُكُوبِ الصَّبِيَّيْنِ بِنَفْسِهِمَا، وَإِنْ أَرْكَبَ الوَلِيُّ لِأَجْلِ زِينَةٍ لاَ حَاجَةٍ فَفِي تَقْيِيدِهِ بِشَرْطِ سَلامَةِ العَاقِبَةِ فِي حَقِّ الوَلِيِّ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: غرضُ الطرفِ الكلامُ في الاصطدامِ وما يناسبه، وفيه مسائل:
الأولى: إذا اصطدم ماشيانِ، فوقَعَا، وماتا، فكلُّ واحدٍ منهما ماتَ بفعْله وفعْل صاحبه، فهو شريكٌ في القتلين، فيكونِ فعْلُه هدرًا في حقِّ نفسه، ومضمونًا في حقِّ صاحبه؛ كما لو جرح نفسه، وجَرَحَه غيرُهُ، ومات من الجراحَتَيْنِ، يسقطُ نصف الدية، ويجبُ على ذلك الغَيْر نصفها، وإذا تحقَّق ذلك، فعَلَى كلِّ واحد منهما كفَّارةٌ لقتلِ الآخر، إن قلنا: إن الكفارةَ لا تتجزأ، ونِصْف كَفَّارَةٍ، إن قلنا: إنَّها تتجزأ، ثم إن لم نوجب الكفَّارة على قاتل النفس، لم يلزم واحدٌ منهما بشركتة في قتل نفسه كفارةٌ، وإن أوجبنا، فيعود الخلافُ في التجزؤ، والصحيحُ: أن الكفَّارة لا تتجزأ، وأنَّ قاتل النفس يلزمه الكفَّارة على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، والمسألتان في باب الكفَّارة.
وقوله هاهنا: "ففي تركةِ كلِّ واحدٍ كفَّارَتان"؛ اقتصارًا على الصحيحِ في المسألتَيْن، ويجوز أن يُعْلَم بالواو.
وأمَّا الديةُ، فيجب نصف ديةِ كلِّ واحد منهما، ويسقط نصفُ الديةِ بفعْله؛ لِمَا ذكَرْنا، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفةَ، وأحمدُ: يجبُ لكل واحد منهما كمالُ ديته.
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
ثم إنْ لم يقصد الاصطدامُ بأن اتفق ذلك في ظلمة، أو كانا أعْمَيَيْن، أو مدَّبَّرَيْن، فاصطدما من خلفٍ، أو كان كل واحد منهما غافلًا عن الآخر، فهو خطأٌ محضٌ، فيجب على عاقلة كلِّ واحد منهما نصفُ دية الآخر مخفَّفة، وإن تعمَّد الاصطدام، فوجهان:
الذي نصره الأكثرونَ ونقل عن نَصِّه -﵁- في "الأم": أن القتلَ الحاصلَ شبْهُ عمد؛ لأن الغالب أنَّ الاصطدامَ لا يفضي إلى المَوْت، فلا يتحقَّق فيه العمدُ المحضُ؛ ولذلك لا يتعلَّق به القصاصُ، إذا مات أحدهما دون الآخر، وعلى هذا فيجبُ على عاقلة كلِّ واحد منهما نصفُ دية الآخر مغلَّظة، وعن أبي إسحاق؛ أن الحاصل عمْدٌ محضٌ، ويجب في تركة كلِّ واحد منهما نصْفُ دية الآخر، وهذا ما أورده صاحبُ الكتاب، والإمامُ، وجعل وجوب القصاص على الخلاف في شريكِ النَّفْس، وقال: إذا اصطدما مقبلَيْنِ، وقَصَدا الصدْمة، فالذي صدر عن كلِّ واحد منهما عَمْدٌ مَحْضٌ، وإذا كانا مقبلَيْنِ، واتفق الاصطدام، لا عن قصد، فهذا يلتحق بشبه العمد، وهذا غَيْرُ واضح.
وليعْلَمْ؛ لما ذكرنا، قولُه في الكتاب: "فهو في تَرِكَتِهِمَا" بالواو، ولو تعمَّد أحدهما الصدمةَ دون الآخر، فلكلِّ واحدٍ منهما حُكْمه.
وقوله في أوَّل الطرف: "كما إذا اصْطَدَمَ حُرَّان" أشار به إلَى أنه لو كان المصطَدِمان عبْدَيْن، كان الحكْمُ بخلاَف ما ذكرنا، وسيأتي من بعد.
الثانية: إذا كان المصطدمانِ راكبَيْن، فحكم الدية والكفَّارة ما بيَّنَّاه، ولو تلفت الدابتان، ففي تركة كلِّ واحد منهما نصْفُ قيمة دابة الآخر؛ لاشْتراكِهما في إتلاف الدابَّتَيْنِ، وعن أبي حنيفة، [أنه يجب] عَلَى كلِّ واحد منهما تمامُ قيمة دابَّة الآخر، ولا مجالَ في القيمة لتحمُّل العاقلة، وقد تقعُ في التقَاصِّ، ولا تقع الديةَ في التقاصِّ؛ لأنها تجبُ على العاقلَةِ، ويستحقُّها الورثة، ولو غَلَبَت الدابتان، وجرى الاصطدام، والراكبانِ مغلوبانِ، ففيه طريقانِ، نقلهما صاحبُ "التهذيب" وغيره:
أحدهما: أن هلاكهما وهلاك الدابَّتَيْنِ، والحالَةُ هذه، مُهْدَرَان؛ لأنه لا صنع ولا اختيار للراكبين فيما جَرَى، فصار كالهلاك بالآفة السماوية.
والثاني: أن الحُكْم كما لو لم يكُونا مغلوبَيْن؛ لأن الركوبَ كان بالاختيار، والركوبُ لا يتقاعَدُ في التَّسَبُّب عن حَفْر البئر، ولذلك كان الراكبُ في عُهْدة ما تتلفه الدابَّة، وهذا أظهرُ، إن أثبتنا الخلافَ.
والثاني: القطْعُ بأن المغْلُوب كغَيْره بخلافِ السفينَتَيْن؛ لأن السفينة تجْرِي بالرِّيح،
[ ١٠ / ٤٤١ ]
وليستِ الريحُ تحت ضَبطِه، والدابَّةُ زمامُها وعنانُها بيده، فإذا غلبته، دلَّ ذلك على سوء فروسيته وتقصيره، ويجْري الوجهانِ فيما إذا غَلَبَتِ الدابَّةُ راكبَها، أو سائِقَها، وأتلفتْ مالًا، هل يسقط الضمانُ عنه؟
ويجوز أن يُعْلَم لذلك قولُهُ في الكتاب: "على أَحَدِ القوليْنِ" بالواو، ولا فرق في اصطدام الراكبَيْن بين أن يتَّفِقَ جنْسُ المركوبَيْن، أو يختلفَ الجنْس والقُوَّة؛ بأن يكون أحدهما راكبًا بعيرًا، أو فرسًا، والآخر راكبًا بغلًا أو حمارًا، ولا في الراجلَيْنِ بَيْن أن يتَّفِق سيرهما قوَّةً وضعفًا، أو يختلفَ، بأنْ كان أحدهما يعْدُو، والآخر يمْشِي، ولا بَيْن أن يكونَا مقبلَيْن أو مدبرَيْن؛ كما إذا جرت (١) الدابَّتان، فاصطدما من خَلْف، أو أحدُهما مقبلًا، والآخر مدبِرًا؛ لأنَّ الاصطدام والحركة المؤثِّرة إذا وجدتْ منهما جميعًا، اكتفى به، ولم ينظر إلى مقادير المؤثِّر، وتفاوت التأثيرِ كالجراحَةِ الواحدة والجراحات، نَعَمْ، قال الإمامُ: لو كانتْ إحدى الدابَّتين ضعيفةً؛ بحيث يقطع بأنّه لا أثر لحركتها، مع قوة الدابَّة الأخرى، فلا يناط بحركتها حُكْم؛ كغرز الإبْرة في جلْد العَقِب مع الجراحات العظيمة (٢)، ولا فَرْق بين أن يقع المُصْطَدِمان مُنكَبَّيْنِ أَو مُسْتَلْقِيَيْنِ، أو أحدهما منكبًّا، والآخر مستلقيًا، وقال أبو حنيفةَ: إنما يجبُ الضمان، إذا وقعا مُسْتَلْقِيَيْنِ، فأما إذا وقعا منكبَّيْنِ، فهما مُهْدَران؛ لأن الانكباب إنما يحصل بفعل المنكَبِّ، لا بفعل الآخر، وإذا وَقَع أحدهما منكبًّا، والآخر مستلقيًا، فالمنكب هَدَر، وضمان المستلقي على عاقلة المُنْكَبِّ، وعن المُزَنِيِّ؛ أنه ساعده في "المنثور" فيما إذا وقع أحدهما منكبًّا، والآخر مستلقيًا، وعن صاحب "التلخيص" مثله؛ تخريجًا، ويقال: إنه وافق أبا حنيفةَ في المنكبَّيْنِ أيضًا، وإنَّ الأصحاب مَنْ تابعه عَلَى تخريجه، وعامتهم قالوا: الانكبابُ أثرُ الصَّدْمة، والصدمة بينهما، فأشبه الاستلقاء، ولو اصطدم ماشٍ وراكبٌ لطول الماشِي (٣)، وهَلَكا، فالحكم عَلَى ما بيَّنَّا.