الأول: لو نكح العَبْدُ صغيرة، فأرضعَتْها أمه، وانفسخ النكاحُ، فللصغيرةِ نِصْفُ المُسمَّى في كَسْبه، ولسيده الرجوعُ على أمِّ العَبْد بالغرم، قال في "التتمة": وإِنما أثبتنا للسيد الرجُوعَ علَيْها، لأنَّ العَبْد إذا خَالَع زوْجَتَه، كان العوض للسَّيِّد، فكذلك إذا وَجَبَ المَال بتفْوِيت البُضْع علَيْه.
والثاني: عن ابن الحدَّاد -﵀- أنَّه لو كانت الصغيرةُ مفوَّضةً، وأرضعتها أُمُّ الزوج، فالواجب لها عَلَى الزوج المتعة، والزوج يرجع على المُرْضِعة بالمُتْعَة.
قال الأئمة -﵏-: وهذا إِنما يُتصوَّر أَوَّلًا فيما إِذا كانَتِ الصغيرةُ أُمَّةً، فَزَوَّجَها السيِّدُ بلا مَهْر، وأَمَّا الحُرَّة الصغيرة، فلا يُتصوَّر في حقِّها التفويض (١)، ثُمَّ القَوْلُ "بأن الزوج يَرْجِع بالمتعة، يوافق من الأقوال المذكورة القَوْلَ الذاهبَ إلى أَنه
_________________
(١) وما ذكره من كلام ابن الحداد إنما يجيء إذا قلنا في غير المفوضة يرجع بنصف المسمى ممنوع بل هو مفرع على الأصح وهو الرجوع بنصف مهر المثل.
[ ٩ / ٥٨٥ ]
يَرْجِعَ بنصْف المُسمَّى. [والظاهر: أَنه يَرْجِعِ بنِصْف مهْر المِثْل] (١) أو جَمِيعه، وإِن كان الَّذي غرمه نصْفَ المسمَّى، فكذلك الحُكْم هاهنا.
والثالث: لو حَلَب أجنبيٌّ لبنَ أُمِّ الزوج أو غيرها مِنَ المذكورات، أو كان اللَّبَن محلوبًا، فأخَذَه وأَوْجره الصغيرةَ تحته، فيكون الغُرْم على الأجْنَبِيِّ، وفي قَدْرِهِ الخلاف، ولو أوجرها خمسةُ أَنْفُسٍ منْ لبن إحداهُنَّ، كل واحدٍ مرة، فعَلَى كلِّ واحدٍ منْهم خُمْس الغُرْم، ولو أوجر واحدٌ مرةً، وآخران، كلُّ واحدٍ مرتين ففي كيفية التوزيع عليهم وجهان:
أَحدهما: أَنه يُوَزَّع الغُرْم عليهم؛ لاشتراكهم في إفساد النكاح، كما لو طرح إِنْسَانٌ قدرين متفاوتين من النجاسات في مائعٍ يستويان في الضَّمان.
وأصحهما: عَلَى ما ذَكَر القاضي ابن كج: أَنه يُوزع على عدد الرضعات؛ لأَنَّ انفساخ النِّكَاحَ يتعلَّق بالعَدَد؛ فعلَى هذا يجب على الأَوَّل خُمْسُ الغُرْم، وَعَلَى كلِّ واحدٍ من الآخرين خُمْساه.
الرابع: لو أرضعت بتَخْوِيفِ الغَيْر، قال في "البَحْر": الغرامة علَيْها في أصحِّ الوجْهَيْن، وعلى المُخَوِّف في الثاني، ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو كانَتْ تحته صغيرةٌ وكبيرةٌ، فأرضعتْ أُمُّ الكبيرةِ الصغيرةَ خَمْسًا، اندفع نكاحُ الصغيرة؛ لأنها صارَتْ أُختًا للكبيرة، ولا سبيل إِلى الجَمْع بين الأُخْتَيْن، ويندفع نكاحُ الكبيرة أيضًا أَمْ يختص الاندفاع بالصَّغِيرة؟ فيه قولان مذكوران في نظائر المسألة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- توجيهُهما، واقتصر ههنا على إيراد أصحِّهما؛ وهو أنَّ نكاحها يَنْدَفع أَيضًا، ولو أرضعَتْها جَدَّة الكبيرة أو أختها،، فالحُكْم كذلك؛ لأن في صورة إرضاع الجَدَّة تُصَيِّر الصغيرةَ خالةً للكبيرة، وفي صورة إرضاع الأُخْت تَصِيرُ الكبيرة خالةً للصغيرة، ويصير الرجل جامعًا بين المرأة وخالتها، وكذلك لو أرضعَتْها بنتُ أخِ الكبيرةِ؛ لأنها تَصِيرُ بنْتَ بنت أخِ الكَبيرةِ [أو بنْتَ أُختِ الكبيرةِ؛ لأَنَّها تَصِير بنْتَ بنْتِ أُخْتِ الكبيرة] (٢)، ولا يجوز الجمعُ بَيْن المرأَة وبيْن عمة أُمِّها، وبينها وبيْن خالة أُمِّها، ويجوز في الصورة أن يَنْكِح واحدةً منهما بعْد ذلك، ولا يَجْمَع، ولو أرضعَتْها بنْتُ الكبيرة، فحُكْمُ الاندفاع على ما ذكَرْناه، وتَحْرُم الكبيرة على التأْبِيد، وكذا الصغيرةُ إِنْ كانَت الكبيرةُ مدخولًا بها؛ لكونها ربيبةً له، وحُكْم مهْرِ الصغيرة عَلَى الزَّوْج، والغُرْمُ على المرضعة للزوْج على ما سبق، وكذا القول في الكبيرة، إذا قلْنا باندفاع نكاحها، ولم تكن ممسوسة أمَّا إِذا كانت ممسوسةً، فعلى الزوج مَهْرها المسمَّى وهل يُغَرَّم المرضِعَة له؟ فيه قولان:
_________________
(١) سقط من: أ.
(٢) سقط من: أ.
[ ٩ / ٥٨٦ ]
أحدهما: ويُنْسَب إلى رواية المزنيِّ -﵀- في "منثوراته": أنه لا تُغَرَّم؛ لأن البُضْع بعد الدخول بها لا يتقوم للزَّوْج، ألا ترى أنَّها إذا ارتدَّت، وأصرَّتْ حتَّى انفسخ النِّكَاح، لا تُغَرَّم للزوج شيئًا، وأنه استوفَى بالمسيس ما يُقَابِل المهْر، فلا يأخذ عوضًا.
وأصحهما: أنها تُغَرَّم له مهْرَ المثل، كما لو شهدوا على الطلاق بَعْد الدخول، ثم رجعوا، يُغَرَّمون مهْرَ المثل [و] أيضًا، كما لو ادَّعَى الزوْجُ أنه راجعَهَا قبل انقضاء العدَّة، وأنكرت، وصدَّقْناها بيمينها، فَنَكَحَتْ زوجًا آخر، ثم أقَرَّتْ للأول بصِحَّة الرجْعة، لا يُقْبل إِقرارها على الثَّاني، وتُغَرَّم للأوَّل مهْرَ مثْلِها؛ لأنها أتْلَفَت بُضْعَها علَيْه.
المسأَلة الثانية: إِنما يجب الغُرْم في الصورة السابقة على أُمِّ الزوج وَمَنْ في معناها، إِذا أرضعت أو مكنت الصغيرة من الارتضاع، فلا يُعْتَبَرُ مع إِرضاعها ارتضاعُ الصغيرة، ولا يحال الانفساخ علَيْه، قال في "البسيط": لأن الارتضاع منْها بِحُكْمِ الطبع، فلا وقع له، ولم ينزل هذا منزلة إفْلات الطائر عنْد فتْح باب القَفَصِ، حتى يكون على الخِلاَف، والفرق غامِضٌ، أمَّا لو كانت صاحبةُ اللَّبَن نائمةٌ، فَدَبَّت إليها الصغيرةُ، وارتضعت، وانفسخ النكاح، فيحال الانفساخ على فعْل الصغيرة، ولا غُرْم عَلَى صاحبة اللبن؛ لأنها لم تصنع شيئًا، وعن الشيخ أبي عليٍّ روايةُ وجْهٍ؛ وعن الداركيِّ: أن عليها الغُرْمَ؛ لأن اللبن لها، وقد يعد نومها بحيث تَصِل الصغيرة إلى الارتضاع منْها نوعًا من التَّقْصِير والظَّاهر الأول. ولا مهْر للصغيرة؛ لأن انفساخ النِّكاح حَصَل بفِعْلها، وذلك يُسْقِط المهر قبل الدخول، هذا أصحُّ الوجهَيْن.
والثاني: أن لها نصْفَ المُسمَّى ولا يُعْتبر فعلها في الإِسْقَاط، وإذا قلْنا بالأصح، فيرجع الزوْج في مالها، حيث يندفع نكاح الكبيرة بنسبة ما يغرم لها من مهْرِ مِثْلِها؛ لأنها أتْلَفَت عليه بُضْعَ الكبيرة، ولا فَرْق في غرامة المُتْلِفات بين الكبيرة والصغيرة، ولو وصلت القطرة إلى جوف الصبية بتطيير الريح، فلها نصْفُ المَهْر، ولا غُرْم على صاحبة اللبن؛ لأنه لا صنيع مِنْ واحدةٍ منهما، ويجيْءُ في وجوب الغُرْم عليها الوجْه المنقول عن الداركيِّ، ولو ارتضعَتِ الصغيرةُ أمِّ الزوج مثلًا رضعتَيْن، وهي نائمةٌ، ثم أرضعَتْها الأمُّ ثلاث رَضَعَات، فعلى الوجهَيْن السابقَيْنِ في أن الغُرْم يُوزَّع على عدد المُرْضِعَات أو على عدد الرَّضَعَات، إن قلنا بالأول، فيسقط مِنْ نصْفِ المسمَّى نِصْفُه، وَيجِبُ على الزَّوْج نصْفُه، وهو الربع، وإن قلْنا بالثاني، فيسقط من نصْفِ المسمَّى خُمُسَاه، ويجب على الزوج ثلاثةُ أخماسه، وكذلك أورد صاحب "المهذب" و"التهذيب"، قال في "التهذيب": يرجع الزوج على المرضِعَة بربع مهْر المثْلِ، على الوجه الأول، وثلاثةِ أخْماسِ نِصْفِ مهْرِ المثْلِ؛ على الوجه الثاني.
[ ٩ / ٥٨٧ ]
وهذا تفريعٌ [على الأظهر] من الأقوال السابقة في أن الزَّوْج يرجع على المرضِعَة بِنِصْف مَهْر المثْل.
ولو أرضعَتْها الأمُّ أرْبَعَ رَضَعَاتٍ، ثم ارتضعَتِ الصغيرة منْها، وهي نائمة المرة الخامِسَة، فقد قال صاحب "التتمة": في نظيره لأصحابنا اختلاف؛ وهو أن الرجل إذا طَلَّق زوجته ثلاثًا على التلاحُقِ، يتعلَّق التحريم بالطَّلْقة الثالثة وحدها أو بالطلقات الثلاث؛ إن قلْنا: يَتعلَّق بالثالثة وحدها فكذلك هاهنا يحال التّحْرِيم عَلَى المرضعة الأخيرة فيكون الحكْمُ، كما لو ارتضعَتِ الخَمْسَ، وصاحبةُ اللبَنِ نائمةٌ، ولا يحرم عليها، ويسقط مهْر الصغيرة، وإن علَّقْنا التحريم بالطَّلقَات الثلاثِ، فهاهنا يتعلَّق التحريم بالرَّضَعَات، وعلى هذا فقياسُ التوْزِيعِ على الرَّضَعَات أن يسقط من نِصْف المهر خُمْسَهُ، ويجب على الزوج أربعةُ أخْمَاسِهِ، ويجب على المُرَّضِعة أربعة أخماس مهْر المِثْل تفريعًا على القوْل الأظْهَر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الأَصْلُ الثَّانِي المُصَاهَرَةُ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالرِّضَاعِ فَمَنْ نَكَحَ رَضِيعَةٌ حُرِّمَ عَلَيْهِ مُرْضِعَتُهَا لأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبَانَ صَغِيرَةٌ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ مَنْ أَرْضِعَتْهَا بَعْدَ الطَّلاَقِ، وَلاَ نَظَرَ إِلَى التَّارِيخِ فِي ذَلِكَ، وَإذَا نَكَحَتِ المُطَلَّقَةُ صَغيرًا أَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلِبَانِ الزَّوْجِ حُرِّمَتِ المُرْضِعَةُ عَلَى المُطَلِّقِ لأَنَّهَا صَارَتْ زَوْجَةَ الرَّضِيعِ وَالرَّضِيعُ ابْنُ المُطَلِّقِ، وَكَذَلِكَ المُسْتَوْلَدَةُ، وَإذَا نَكَحَ زَيدٌ كَبِيرَةٌ وَعَمْرو صَغِيرَةً فَطَلَّقَاهُمَا ثُمَّ نَكَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَةَ صَاحِبِهِ فَأَرْضَعَتِ الكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ حُرِّمَتِ الكَبِيرَة عَلَيْهِمَا لأَنَّهَا أُمُّ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ زَوْجَتَهُمَا، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَرَبِيبَتُهُ لأَنَّهَا بِنْتُ الكَبِيرَةِ فَيُنْظَرُ إِلَى أَنَّ الكَبِيرَةَ مَدْخُولٌ بِهَا أَمْ لاَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الأصل لبيان أن المُصَاهرة تَتَعلَّق بالرَّضاع، فلنف به.
فمَنْ نكح صغيرةً أو كبيرةً، حُرِّمَت عليه مرضِعَتُها؛ لأنَّها أمُّ زوجته مِنَ الرَّضَاع، وهذا ما ذكَرَه في أوَّل النِّكَاح: أنه يَحْرُم على الرجُل بالنكاح الصحيحِ أُمَّهَاتُ الزوجة من الرضاع والنَّسب، ولو نكح صغيرةً ثم طلَّقها، فأرَضعَتْها امرأة حرمت المرضِعة على المُطلِّق؛ لأنها صارتْ أُمَّ مَنْ كانت زوجَتَهُ، ودخَلَتْ تحْت أمهات النساء، ولا نَظَر في ذلك إلى التاريخ، والتقدم والتأخُّر، ولو كانَت تحْته كبيرةٌ، وطلقها، فنكحت صغيرًا، وأرضعته بلبان المطلِّق، حُرِّمت على المطلِّق أبدًا، وكذلك على الصَّغير، أمَّا على المُطلِّق؛ فلأن الصغير صار ابنًا له، وهي امرأةُ الصغير، فيَدْخُل في حلائل الأبْنَاء، وأمَّا على الصغير، فلأنَّها أمه، ولأنَّها زوجةُ أبيه، ولو نكحت صغيرًا، وفَسخت النكاح بعيب وجدته فيه، ثم نَكَحَتْ زوجًا آخر، وأرضعتِ الأوَّل بلبان الثاني، انفسخ نكاحهما،
[ ٩ / ٥٨٨ ]
وتَحْرُم عليهما على التأبيد؛ لأن الأوَّلَ صار ابنًا للثاني فهي زوجةُ ابنِ الثانِي، وزوجة أبي الأول، ولو جاءت زوجةٌ أخرى للثاني، وأرضعت الأول بلبان الثاني يَنْفَسِخ نكاحُ الزوجةِ الَّتي كانَتْ زوجةَ الصَّغير، ولو زوج مستولدته من عبْده الصغير، فأرضعته بلبان السيد، حُرِّمت على السيد والصغير معًا، وانفسخ نكاح الصغير، أمَّا حرمتها على الأوَّل فلأنها زوجةُ ابنه، وأما على الصغير؛ فلأنها موطوءة أبيه، وحكى ابن الحدَّاد أن المزنيَّ رَوَى عن الشَّافعي -﵁- في مسائله: أنها لا تَحْرُم على السيد، وأنه أنْكَرَ ذلك على الشَّافعيِّ -﵁- وعلى ذلك جرى ابن الحدَّاد والأصحاب -﵏-[فجعلوا الرواية غَلَطًا، قال الشيخ أبو عليٍّ] (١): ولكن يُمْكن تخريجُ ما نُقِلَ على قولٍ في أن العبْد الصغيرَ لا يَجُوز إجباره على النِّكاح، أو عَلَى قولٍ في أُمِّ الولد أنه لا يجوز تزويجها بحالٍ، أو على وجْهٍ ذَكَرَ أنه لا يجوز للسيد أن يُزَوِّج أمته من عبْده بِحَالٍ، فإنَّا إذا لم نصحح النكاح على أحَدِ هذه الأوْجُه، لم تكن هي زوجةَ الابْنِ، فلا تحرم على السَّيِّد، ومهما أمْكَنَ تخريج المنقول على تنزيلاتٍ صحيحةٍ، لم يجز الحمل على الغَلَط المُطْلَق، ولو أرضعَتْه بلِبان غَيْر السيد، انفسخ النكاح؛ لكونها أُمًَّا له، ولكنْ لا تَحْرُم على السيد؛ لأن الصغيرَ لم يَصِرِ ابْنًا له، فلا تكون هي زوجة الابن، وكذلك لو أرضعَتِ المطلَّقة الصغيرَ الَّذي نكحته بغَيْر لبن الزوج، ينفسخ النكاح، ولا تَحْرم هي على المطلِّق، ولو كانت تَحْتَه صغيرةٌ، فأرضعتها أَمَةٌ له، قد وَطِئَها بلَبَنِ غيره، بَطَل نكاح الصغيرة، وحُرِّمَتا على التَّأْبيد، أمَّا الأمة، فلأنَّها أُمُّ زوجته، وأَمَّا الصغِيرةُ، فلأنها ربيبة موطوءة، ولو كان تحْت زَيْد كبيرةٌ، وتحت عمرو صغيرة، فطَلَّق كلُّ واحدٍ منهما زوجَتَه، ونكح زوجةَ الآخَرِ، ثم أرضعَتِ الكبيرةُ الصغيرةَ، واللبَنُ من غيرهما، فتَحْرُم الكبيرةُ عليهما على التَّأْبِيد، وينفسخ نكاحُها؛ لأنها أمُّ الصغيرة، وقد كانَتِ الزوجةُ الصغيرةُ زوجةً لكلِّ واحدٍ منهما، وأما الصغيرةُ، فهِيَ بنْتُ زوْجَة كلِّ واحدٍ منهما، فإن كانا قَدْ دَخَلا بالكبيرةِ، فالصغيرةُ محرَّمةٌ عليهما على التأبِيد، وينفسخ نكاحُها أيضًا، وإن لم يَدْخُل [بها] واحدٌ منهما، لم تَحْرُم عليهما، ولم ينفسخ نكاحُها، وكذا لو لم يدخل زيد بها، حين كانت في نكاحِهِ، لا تحرم عليه الصغيرة، ولا ينفسخ نكاحُهَا، وإذا انفسخ نكاحها، فعلى زوجِها نصْف المُسَمَّى، ويرجع بالعزم على الكبيرة، ولا يجِبُ للكبيرة شيْءٌ على زوْجها، إن لم يكن مدخولًا بها؛ لأن الانفساخ جَاءَ مِنْ قِبَلِها، ولو كانَتْ تَحْت زَيْدٍ كبيرة وصغيرة، فطلَّقها فنكحها عمرو، ثم أرضعت الكبيرةُ الصَّغِيرةَ، فحُكْمَ تحريمها عليهما على ما فصَّلناه، وَيَنْفَسِخ نكاحها إذا أرضعت الكبيرة الصغيرةَ وإن لم يدْخُل عمرو بالكبيرة؛ لاجتماع الأمِّ والبِنْتِ في نكاحٍ واحدٍ.
_________________
(١) سقط من: أ.
[ ٩ / ٥٨٩ ]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَتَشَعَّبُ مِنْ هَذَيْنِ الأَصْلَيْنِ فُرُوعٌ الأَوَّلُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَصَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا الكَبِيرَة بِلِبَانِهِ حُرِّمَتَا أَبَدًا لأَنَّ الكَبِيرَةَ أُمُّ زَوْجَتَهُ وَالصَّغِيرَةَ بنْتُهُ، وإنْ كَانَ بِلِبَانِ غَيْرِهِ لَمْ تَصِر الصَّغِيرَةُ بِنْتًَا بَلْ رَبِيبَةً مُحَرَّمَةً إنْ كَانَتِ الكَبِيرَةُ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِنَّمَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا لأَنَّهَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الأُمِّ فِي النِّكَاحِ فَيَنْدَفِعَانِ وَلَهُ تَجْدِيدُ نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وتَحْته زوجَتَانِ صغيرةٌ وكبيرةٌ، فأرضعَتِ الكبيرةُ الصغيرةَ خَمْسَ رضَعَاتٍ، انفسخ نكاحهما؛ لأنَّ الجَمْع بيْن الأمِّ والبنْتِ في النكاح ممتنع، وقد صارَتِ الصغيرةُ بِنْتًا، والكبيرة أُمًَّا دفعةً واحدةً، واندفعتا، ثم إنْ كانَ الإرْضَاع بلَبَنِهِ، حُرِّمَتا عليه على التأبِيد؛ لأن الكبيرة أُمُّ زوجته، والصغيرة بِنْته، وإنْ الإرضاع بلَبَنِ غيره، فالكبيرة كذلك، والصَّغيرة ربيبة، فإن كانت الكبيرةُ مدخولًا بها، فهي محرمةٌ أيْضًا، وإلا، لم تكن الصغيرةُ محرَّمةٌ على التأبيد، ويجب على الزَّوْج للصغيرة نصفُ المسمَّى، وفيما يرجع به على الكبيرة الأقوال التي سبَقَت، ولا مَهْر للكبيرة، إن لم تكن الكبيرة مدخولًا بها؛ لأن الانفساخ حصل بصنعها، وإن كانتْ مدخولًا بها، استحقت المَهْر، قال الأئمة -﵏- ولا نقول: يرجع عليها بمَهْرِها؛ لأنَّها أتلفت عليه بُضْعَها؛ لأن تغريمها وتمكينه من الرجوع إسقاطٌ للمَهْر فيصير كالموهوبة، وذلك من خصائصِ النبيِّ -ﷺ- ولَيْس كما لو وقَعَت الرجعة قبل انقضاء العِدَّة، وأنكرت، وصدَّقناها باليمين، فنَكَحَت زوجًا آخر، ثم صدِّقت الأول في الرجعة، حيث نغرمها للأوَّلِ مهْر المِثْل؛ لأن هناك؛ النكاحُ الأولُ باقٍ بزعمه وزعمها، إلا أنها حالَتْ بينها وبينه باليمين، وكذلك لو طَلَّقها الثاني، عادت إلى الأوَّل من غير تجديد عَقْدٍ، فألزمناها ضمانَ الحَيْلُولة، إلا أنَّها تَرُدُّ المهر عليه، حتى لو طَلَّقها الثاني أو مات عنها وعادت إلى الأول، يلزمه ردُّ المَهْر إليها.
ولو كانت الكبيرة نائمةً، فارتضعت منها الصغيرةُ، فلا مهر لها، وللكبيرةِ نصْفُ المَهْر المسمَّى إن لم يدخل بها، وجميعه إن دخل بها، ويرجع بالغرم في مال الصغيرة على ما سبق، ولو أرضعتْها الكبيرةُ أرْبَعَ مراتٍ، ثم ارتضعت الصغيرةُ، وهي نائمة، مرةً خامسةٍ، قال في "التتمة" إن قلنا: يتعلَّق التحريم بالرَّضَعَات، ولم نحِلْه على الرَّضْعة الخامسة الأخيرة، فيسقُطُ خمْسُ مهْرِ الصغيرة، بسبب فِعْلِها، ونصْفُه بالفُرْقة قبل الدخول، ويجب على الزَّوْج خُمْسٌ ونِصْفٌ، وهي ثلاثةُ أعشار، ويرجع على الكبيرة بثلاثة أعشار مهْرِ المِثْل، على القَوْل الأظْهر، وبأربعة أخماسه على قَوْلٍ آخَرَ، والخُمْس السَّاقِط بفِعْلِها لا رُجُوع فيه، وهذا القول الآخر هو القول الذَّاهِب إلى الرجوع بجميع مهْر المثل، والله أعلم قال: وأما الكبيرة، فيسقط أربعةُ أخماس مهرها بفِعْلِها، والباقي بالفُرْقة قبل الدخول، فإن قضيتها سُقُوطُ النِّصْف، والباقي دون النصف فيسقط، وقياس ما قدَّمنا عن "المهذَّب" و"التهذيب" أن يقال يسْقُط الخُمْس من نِصْف مهْر الصغيرة،
[ ٩ / ٥٩٠ ]
ويجب أربعةُ أخماسِهِ وهو خُمْسَا الكُلِّ، وأن يقال: يسقط أربعة أخماس من نصْف مهْر الكبيرة، ويجب خُمْسُهُ، ولو كانت الكبيرةُ أَمَةً قد نَكَحَها، فأرضَعَتِ الصغيرةَ، تعلَّقَ الغُرْمُ برَقَبَتَها؛ لأنَّ ذلك كجناية منْها على نفْسٍ أو مال، فإن لم يسلِّمْها سيِّدُها لِلبَيْع، واختار الفداءَ، فَدَاها بالأقلِّ من قيمتها، وقدر الغرم في أظهر القولَيْن، وبقدر الغرم في الثاني، وإن أرضَعَتِ الصغيرةَ أمتُه أو أمُّ وَلَدِهِ، فلا غرم عليها للزوج؛ لأن السيد لا يستحق على مملوكه مالًا، ولو كانَتْ أمته أو أُمُّ وَلَدِهِ [مكاتبة] فأرضعته المكاتَبَةُ الصغيرةُ، فعليها للسيد الغُرْم فإن عَجَّزها، سَقَطت المطالبة بالغُرْم، كما في تعجيز النجوم تسقط النجوم، قال الشيخ أبو عليٍّ -﵀- له خَمْسُ أمهات أولاد كاتبهن فأرضعت كلُّ واحدةٍ منْهنَّ زوجته -الصغيرةَ رضْعةً، صارَتِ الصغيرةُ بنتًا له على ظاهر المَذْهَب وانفسخ نكاحُها، وله الرجُوعُ عليهن بالغرم إن أُرْضَعْنَ معًا، وإن أرضَعْنَ على التعاقب، فجمع الغرم على الخامسة، ويُمْكن أن يجيْء فيه خلافٌ، ويحال التحريم على الرضعات كلِّها وحينئذ يكُونُ الحكم كما لو أرْضَعْنَ مَعًا، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: لَوْ كَانَ مَعَ الكَبِيرَةِ ثَلاثُ صَغَائِرَ فَأَوْجَرَتَهُنَّ لَبَنَهَا المَحْلُوبَ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ انْدَفَعَ نِكَاحُ الصَّغَائِرِ لأُخُوَّةِ بَيْنَهُنَّ وَللاجْتِمَاعِ مَعَ الأُمِّ، وَلَهُ تَجْدِيدُ نِكَاحِهِنَّ سِوَى الكبِيرَةِ، فَإِنْ كانَ بِلِبَانِهِ حُرِّمْنَ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَلَوْ أَرْضَعَتِ الأوُلَيَيْنِ مَعًَا ثُمَّ الثَّالِثَةَ لانفَسَخَ نِكَاحَهَا مَعَ المُرْتَضِعَتَيْنِ الأُوَلَيَيْنِ وَلَمْ يَنْفَسِخ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ فَإِنَّهَا أَرْضَعَتْ بَعْدَ انْدِفَاعِ نِكَاحِ أُمِّهَا فَأُخْتَيْهَا، وَلَوْ أَرْضَعَتِ الجَمِيعَ عَلَى التَّوَالِي انْدَفَعَ نِكَاحُ الكبِيرَةِ مَعَ الأُولَى وَلَمْ يَنفَسِخْ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ في الحَالِ وَينْفَسِخُ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ فَقَد أَرْضَعَتهَا وَتَحْتَهُ الثَّانِيَةُ، وَهَل يَخْتَصُّ الانْدِفَاعُ بِالثَّالِثَةِ، أَمْ يُقَالُ: هِيَ وَإِنْ كانَتْ أَخِيرَةً وَسَبَبًَا لِلاجْتِمَاعِ فَلَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنَ الثَّانِيَةِ فَيَنْدَفِعَانِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا لَوْ أَرْضَعَتْ أَجْنَبِيَّةَ صَغِيرَتَيْن تَحْتَ زَوجٍ عَلى التَّوَالِي انْدَفَعَتِ الثَّانِيَةُ وَفِي الأُولَى القَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحْتَهُ كبيرةٌ وثلاثُ صغائِرَ فأرضعتِ الكبيرةُ الصغائرَ خَمْسًَا خمسًا، نُظِر؛ إن كانا للبن منْه أو كانَتِ الكييرةُ مدْخولًا بها، انفسخ نكاحُهُنَّ جميعًا، وحُرِّمِنْ عَلَى التأبِيد، سواءٌ أرضعَتْهُنَّ معًا أو على التعاقُبِ؛ لأنَّ الكبيرةَ أمُّ زوجَاتِه، والصغائر بَنَاتُه أو ربائبُ زوجته المَدْخُولِ بها، وعليه المسمى للكبيرة، ونصف المسمَّى لكل صغيرةٍ وعلى الكبيرةِ الغُرْمُ، وإن لم يكن اللبنَ منْهُ، ولا كانت الكبيرةُ مدخولًا بها، فيُنْظر، إن أرضعَتْهن معًا بأن أوجرتهن معًا الرضعة الخامسة مِنْ لبنها المحلوب، أو ألقمت اثنتين ثدييها وأوجرت الثالثة من لبنها المحلُوبِ، فينفسخ نكاحُهُنَّ جمَيعًا؛ لصيرورتهن أخواتٍ، ولاجتماعهن مع الأم في النِّكَاح، وتحْرُم الكبيرة على التأبيد؛
[ ٩ / ٥٩١ ]
لأنها أمُّ زوجاته، ولا تحرم الصغائر ولأنهن بناتُ امرأةٍ لم يدخل بها، فله أن يجدِّد نكاح واحدةٍ منهن، ولا يَجْمَع بين اثنتين لأنهن أخوات، وإن أرضعتهن على ترتيب فتَحْرُم الكبيرة على التأبيد أيضًا، ولا تَحْرُم الصغائر على التأبيد؛ ثم للترتيب أحوالٌ:
إحداها: أن تُرْضِع اثنتين معًا ثم الثالثةَ، فينفسخ نكاح الأوليين مع الكبيرة؛ لثبوت الأُخُوَّة بينهما، ولاجتماعهما مع الأم في النكاح، ولا ينفسخ نكاح الثالثة؛ لانفرادها، ووقوع إرضاعها بعْد اندفاع نكاح أُمِّها وأُخْتها.
والثانية: أن يرضع واحدةٌ أولًا ثم ائنتين معًا، فينفسخ نكاح الكلِّ، أما نكاحُ الأُولَى مع الكبيرة؛ فلاجتماع الأمِّ والبنت في النكاح، وأما الأخريان فلأنهما صارتا أُخْتَيْن معًا.
والثالثة: أن ترضع جميعَهُنَّ على التعاقُب، فينفسخ نكاح الأُولَى مع الأُمِّ؛ لِمَا ذكرنا، ولا ينفسخ نِكَاحُ الثانية، إذا أرضعَتْها؛ لأنها ليست مُحَرَّمةً، ولم تجتمع معها أمٌّ ولا أخْتٌ، فإذا أرضعت الثالثةَ، انفسخ نكاحُها؛ لأنها صارَتْ أختًا للثانية الَّتي هي في نكاحه، وهل ينفسخ معَها نِكَاحُ الثانية أم يختص الانفساخ بنكاح الثالثة؟ فيه قولان:
أحدهما: أنَّه ينفسخ نكاح الثانية أيضًا؛ لأنهما صارتا أختين معًا، فأشبه ما إذا أرضعْتهما معًا، وأيضًا، فلو أرضعت زوجَتُهُ [الكبيرة زوجَتَهُ] (١) الصغيرةَ، انفسخ نكاحُها؛ لصيرورتهما أمًا وبنتًا [معًا] فكذلك هاهنا.
والثاني: أن الانفساخ يختص بنكاح الثالثة؛ لأن الجمع تَمَّ بإرضاعها، فاختص الفسادُ بها، كما لو نكح أُختًا على أخْتٍ يختص نكاح الثانية بالفَسَاد؛ لأنَّ الجَمْع حَصَل بنكاحِها، وهذا القول ينسب إلى الجديد، وفي تعليق الشيخ أبي حامِدٍ ترجيحه، والأول القديم، وهو الصَّحِيحُ عنْد أكثر الأصحاب، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، واختاره المزنيُّ؛ وعلى هذا، فالمسألة من المسائل التي يُرَجَّح فيها القديم، واحتج بعضهم للقول الذاهب إلى اندفاع نكاحهما جميعًا؛ [بأنه إذا كان تحته كبيرةٌ وصغيرةٌ، فارضَعَتْ أُمُّ الكبيرةِ الصغيرةَ، ينفسخ نكاحهما جميعًا] (٢) ومنهم من طرد فيها القولَيْن، وهو الأشبه [فينفسخ نكاح الصغيرة وتكون الكبيرة على القولين] وبه قال القاضي أبو الطيب، ولو كان تحته صغيرتان، وأرضعتهما أجنبيةٌ، نُظِرَ، إن أرضعتهما معًا، انفسخ نكاحهما، لأنهما صارتا أختين معًا، وحُرِّمت الأجنبية على التأبيد؛ لأنها صارَتْ مِنْ أمهات نسائهِ، وله نكاح واحدةٍ من الصغيرتين، ولا يجمع بينهما، ولو أرضعتهما على التعاقب، لم ينفسخ نكاحُ الأُولَى بإرضاعها، فإذا أرضعَتِ الثانية، انفسخ نكاحها لأنها صارت أختًا
_________________
(١) سقط من: أ.
(٢) سقط من: أ.
[ ٩ / ٥٩٢ ]
للأُولَى، وهل ينفسخ نكاحُ الأُولَى؟ فيه القولان السابقان، والأصَحُّ: الانفساخ.
وقوله في الكتاب "فأوجرتهن لبنها المحلوب في دفعة" يعني في الرضعة الخامسة.
وقوله في الكتاب "وله تجديد نكاحهن سوى الكبيرة" إنما كان يحسن الاستثناء من جهة اللَّفْظ، لو حكم باندفاع نكاحِهِنَّ جميعًا، لكن لفظه لا يتناول إلا نكاح الصَّغَائر، فإنَّه قال: اندفع نكاح الصغائر للأخُوَّة بينهن ولو قال اندفَعَ نكاحُهُنَّ للأُخوَّة بيْن الصغائِرِ، وللاجتماع مع الأم، لَحَسُنَ الاستثناء.
وقوله: "فإن كان بِلِبَانِهِ حُرِّمْنَ على التأبيد" تبيَّن أن ما سبق مفروضٌ فيما إذا كان اللبن مِنْ غيره.
وقوله: "ولو أرضَعَتِ الجميع على التوالي" لفظ "التوالي" مستعملٌ غالبًا في التعاقُب الخَالِي عن الفصْل، ولا فَرْق فيما نحن فيه بين أن يكون هناك فَصْل أوْ لا يكون، فكان الأحْسَنُ أن يقول التعاقب أو الترتيب دون التوالي.
وقوله: "أم يقال هي، وإن كانت أخيرةً وسببًا للاجتماع فليست بأَوْلَى من الثانية" فيه إشارة إلى مأخذ القول المُخصّص للانفساخ بنكاح الثالثة، وإلى الجواب عنه، فإنه، وإن كان كذلك، لكنَّ الأُخوَّة تَحْصُل دفعةً واحدةً، فليست إحداهما بالاندفاع أَوْلَى من الأُخْرَى، وهذه صُوَرٌ تناسب الفرع:
تحته صغيرة وثلاث كبائر أرضعَتْها كلُّ واحدةٍ من الكبائر خَمْسًا، فينفسخ نكاحهن جميعًا، أما التي أرضعت أولًا فينفسخ نكاحُها مع الصغيرةِ؛ لاجتماع الأمِّ والبِنْت في النكاح، وأيضًا، فقد صارت أمُّ الزوجة وأمَّا الأخريان، فينفسخ نكاحُهُما للمَعْنَى الثاني، وتُحَرَّم الكبائر لذلك على التأبيد، وتُحرَّم الصغيرة أيضًا كذلك، إن كان في الكبائر مدخولًا بها، وإلا، فلا تُحَرَّم على التأبيد.
تحته أربع صَغَائر أرْضَعَتْهن أجنبيةٌ واحدةً بعد واحدةٍ، فلا أثر لإرضاع الأُولَى في نكاح واحدة منهن، فإذا أرْضَعَتِ الثانيةَ، صارتْ أختًا للأُولى، وانفسخ نكاحُهَا، [وفي انفساخ الأُولَى القولان، فإن أبطلنا نكاحَهُما، فإذا اْرضعت الثالثةَ، لم ينفسخ نكاحُها، فإذا أرضعت الرابعةَ، انفسخ نكاحُهُما، وإن قلْنا: لا يبطل نكاح الأُولَى، فإذا أرضعت الثالثة، انفسخ نكاحها] (١) لأنها صارَتْ أختًا للأُولى، وكذا الرابعَةُ، لو أرضعتهن معًا، أو أرْضَعَت اثنتين معًا، ثم اثنتين معًا، انفسخ نكاحُ الكُلِّ.
_________________
(١) سقط من: أ.
[ ٩ / ٥٩٣ ]
تحته كبيرتان وصغيرتان، فأرضَعَتْ كلُّ واحدةٍ من الكبيرتين واحدةً من الصغيرتين، فيحرمن جميعًا على التأبيد، إن دخل بالكبيرتين، وإن لم يَدْخُل بهما، تُحَرَّم الكبيرتان على التأبيد، وينفسخ نكاح الصغيرتين في الحال، وله تجْدِيد نكاحهما والجَمْعُ بينهما لعدم الأخوة ولو أرضعتْهُما إحْدَى الكبيرتين على الترتيب، انْفَسَخ نكاحُ الأُولَى والمرضعة؛ لاجتماع الأمِّ والبنت، ولم ينفسخ نكاحُ الثانية، فإن أرضعتهما الكبيرة الثانية بعْد إرضاع الأُولَى على ترْتِيبِ إرْضَاع الأُولَى، انفسخ نكاحُها بإرضاع الصغيرة الأُولَى، ولم ينفسخ نكاحُ الصغيرةِ الثانية؛ لأنه لم يَحْصُل في حقِّها اجتماع الأم والبنت في النكاح، وإن أرضعَتْها على غير تَرْتِيب المرضعة الأُولَى، انفسخ نكاح الكُلِّ، وله تجديد نِكَاحِ كلِّ واحدة من الصغيرتَيْن، إذا لم تكن الكبيرتان مدخولًا بهما، ولا يجوز الجَمْع بينهما.
تحته ثلاثُ نسوةٍ كبيرتانِ وصغيرةٌ فأرضعَتْها الكبيرتان دفعةً واحدةً؛ بأن أوجرتاها لبنها المحْلُوب المخلوط ينفسخ نكاحُهُن جميعًا؛ لاجتماع البنت مع أُمَّيْهَا في النكاح، وتحرمن على التأْبيد، إن دَخَل بالكبيرتين، أو بإحداهما؛ لأن الكبيرتين أُمَّا زوجته، والصغيرة ربيبته مدخولٌ بها، وإن لم يدخل بواحدةٍ منهما، لم تُحَرَّم الصغيرة على التأبيد، وعلى الزوج للصَّغِيرة نصْفُ المسمَّى، ويرجع على الكبيرتين بالغُرْم، وأما الكبيرتان، فإن كان قد دَخَل بهما، فعليه لكلِّ واحدةٍ منهما جميعُ المُسَمَّى ويرجع على كلِّ واحدةٍ منْهما بنِصْفِ مهْرِ [مثل] صاحِبَتِها تفريعًا على القول الصحيح، وهو الرُّجُوع في غرم مهر الكبيرة المَمْسُوسة، وذلك لأَنَّ انفساخ نِكَاح كلِّ واحدةٍ منْهما حصل، بفعلها وفعل صاحبتهما، فسقَطَ النِّصْفُ بفعْلها، ويجب النصف على صاحبتها، وإنْ لم يدخل بواحدة منْهما، فلكلِّ واحدةٍ منهما رُبْع مهرها المُسمَّى لأن الانفساخ حَصَل بفعلهما، فسقط بفعل كل واحدة منهما نصْفُ الشطر الذي الواجب قبل الدخول، ويجب النصْفُ الآخر، ويرجع الزوْج على كل واحدة منهما برُبْع مهْرِ مثْل الأخرَى؛ تفريعًا على قولنا "إن التغريم في حق غير الممسوسة يكون بنصْف مَهْر المثْل" وإن كانت إحداهما مدخولًا بها دون الأخْرَى؛ فللمدخول بها تمام المسمَّى وللأخرى ربْعُ المسمَّى ويرجع الزوج على الَّتِي لم يَدْخُل بها بِنِصْف مَهْرِ المثْل للمَدْخُول بها، وعلى المدْخُول بها بربع مهر المثلُ التي لم يَدْخُلْ بها.
قال الشيخ أبو عليٍّ: لم أر الكلام بالرجُوع بمَهْر المثل للكبيرتين للأصْحَاب، وإنَّما خرَّجته بتوفيق الله تعالى ثم رأيته لأصْحَابنا بعْد ذلك بزمان، وأمَّا أصْل المسألة، فهو من المولَّدات.
ولو كانتِ المسألةُ بحالها، لكن أوجرتها اللَّبَنَ المخْلُوطَ في الخامسة إحدى
[ ٩ / ٥٩٤ ]
الكبيرتين وحْدها، فحُكْم التحريم كما سَبَق، ورجوع الزوجَ بمَهْر الصغيرة عَلَى المُرْضِعَة في الخامسة وَحْدَهَا، وفيما يَرْجع به الأقوال، وأما الكبيرتان، فالَّتي لم تُوجر، إن كانتْ مدخولًا بها، فلها على الزوْجِ تمامُ المسمَّى، ويرجع الزوْجُ بمهر مثلِها على التي أوْجَرَتْ على القول الأصح وإن لم تكن مدخولًا بها، فلها على الزوجِ نصْفُ المسمَّى، ويرجع بالغُرْم على التي أوجَرَتْ كما في الصغيرة، والتي أوجِرَتْ، إن كانت مدخولًا بها، فلها جميع المَهْر، وإن لم تكن مدخولًا بها، فلا شَيْء لها؛ لأنها أفسدَتِ النكاح قَبْل الدُّخُول، وهذا كلُّه فيما إذا كان اللَّبَن من غير الزَّوْج، فإن كان اللَّبَن منْه، والتصوير كما ذَكَرْنا فتصير الصغيرة بنته، وتحرم عليه على التأبيد، ولو تمَّ العدَدُ في حقِّ الزوج، دون الكبيرتين، بأن أرضَعَتْ هذه بعْضَ الخمس وهذه بعض الخمس فيحصل التحريم في حقِّه على ظاهر المذهب، وينفسخ نكاح الصغيرة، وتحرم عليه على التأبيد، ولا ينفسخ نكاح الكبيرتَيْنِ؛ لأن واحدةً منهما لم تَصِر أُمًَّا حتى تَكُونَ من أمهات نسائه، ثم إن حصَلَتِ الرضعات متفرِّقةً مثل أن أرضعت إحداهما ثلاثًا والأُخْرَى رضعتن، فالغُرْم على التي أرضَعَتِ الخامسة، هكذا ذكره الشيخ أبو عليٍّ وقد سبق ما يقتضي مجيء خلاف فيه، وإن اشتركتا في الرضْعَة الخامسة، بأن أرضعت كل واحدة منهما رضعتين، ثم أوجرتاها لبنهما المحْلُوب في إناء واحد دفعةً واحدةً، فالغُرْم عليهما بالسوية، ولو حَلَبَتْ إحداهما لَبَنَها ثلاثَ دفَعَاتٍ في ثلاث أوانٍ، والأخرى دفعتَيْنِ في إناءين، ثم جَمَع الكل، وأوجرت الصبية منه، فإن أوجرتْها إحْداهما، فالغُرْم عليها، وإن أوجرتاها، فيُغرَّمان بالسوية، أو أخماسًا؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الأول.
ولو حلَبَتْ إحداهما [أربعًا في أربع أوانٍ، والأخرى ثلاثًا في ثلاث أوان، ثم خَلَطَتَا الكلَّ فاوجرتاها معًا، فيُغَرَّمان بالتسويَة أو أسْباعًا]، فيه الوجهان:
تحْتَه ثلاثُ صغائِر فجاءت ثلاث خالاتٍ للزوج من الأبوين، وأرضعت كلُّ واحدةٍ صغيرةً منهن يؤثر ذلك في نكاحهن، إذ ليس فيه إلا أنهن صِرْنَ بنات خالاتٍ، ويجوز نكاحُ بناتِ الخَالاَتِ، والجمع بينهن فلو جاءت جدة للزوج بعْد ذلك أم أمه، وأرضعت الصغيرةُ الرابعةَ، بَطَل نكاحُها، وحُرِّمت على التأبيد؛ لأنَّها صارَتْ خالةً للزوج، للصغائر الثَّلاَثُ، واجتمعْنَ معها في النِّكَاح، وفي انفساخ نكاحِ الثَّلاَث القولانِ السابقَانِ، وكذلك الحُكم لو أرضَعَتِ الرابعةَ امرأةٌ [أبي أم الزوج بلبنه ولو كانَتِ الحالَاتُ الثلاثُ متفرقاتٍ، وأرضعن الثلاثَ، ثم أرضعت الرابعة] أم الزوج، انفسخ نكاحها، ولا ينفسخ نكاحُ الصغيرة الَّتي أرضعَتْها خالة الزوج لأب لأن الرابعة لا تَصِير خَالةً لهذه الصَّغِيرَة، وفي الأخريين القولانِ، ولو كُنَّ متفرقات وأرضعت الرابعة امرأة
[ ٩ / ٥٩٥ ]
أبي أم الزوج، فينفسخ نكاحُ الرابِعَةِ، ولا ينفسخ نكاح الصغيرة التي أرضعتها خالَةُ الزوج للأم، وفي الأُخْرَيَيْن القولان، ولو أرضعت الصغائِرُ الثلاثُ ثلاثَ عمَّاتٍ للزوج من الأبوين أو من الأب، ثم أرضعت الرابعة أم أبيه أو أرضعت الرابعة امرأة أبي أبيه بلبنه فالحكم على ما ذكرنا في الخالات.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَثَلاَثُ صَغَائِرَ وَلِلْكَبِيرَةِ ثَلاَثُ بَنَاتٍ أَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَغِيرَةً صَارَتِ الْكَبِيرَةُ جَدَّةَ الصَّغَائِرِ وَحُرِّمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ صِرْنَ رَبَائِبَ فَيُحَرَّمْنَ عَلَى التَّأْبِيدِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالكَبِيرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحْتَهُ كبيرةٌ وثلاثُ صغَائِرَ وللكبيرةِ ثلاثُ بناتٍ مَرَاضِع فأرضعت كلُّ واحدةٍ منهن صغيرةً من الثلاثِ، فإن كانتِ الكبيرةُ مدْخُولًا بها، حُرِّمْنَ على التأبيد أرضعن معًا أو على الترتيب؛ لأن الكبيرة جدَّةُ نسائه والصغائر حوافدُ زوجة المَدْخُولِ بها، وعلى الزوج مَهْر الكبيرة بتمامه، ويرجع بالغُرْم على الصحيح عليْهِنَّ، إن أرْضَعْنَ معًا، لاشتراكهن في إفساد النكاح، وعلى الأُوْلَى إن أرضعْنَ عَلى الترتيب، ولكل واحدة من الصغائر نصْفُ المسمَّى على الزوج، وَيرْجع بالغرم بمَهْر كل صغيرة على مرضِعَتها، وإن لم تكن الكبيرةُ مدخولًا بها، فإن أرضعن معًا في المَرَّةَ الخامسة، انفسخ نكاحُهُنَّ؛ لاجتماع الجَدَّة مع الحوافد، وتحرم الكبيرةُ على التأبِيد دون الصغائر، وعلى الزَّوْج نصْفُ المسمَّى للكبيرة، ولكلِّ واحدةٍ من الصغائر، ويَرْجِع بالغُرْم لِمَهْر كل صغيرة على مرضعتها وبنصف مهر مثل الكبير، على المرضعات الثلاث على كل واحدة سدس؛ لاشتراكهن في إفساد نكاحها، وإن أرضعْنَ على الترتيب، فبإرضاع الأُولَى ينفسخ نكاح الكبيرة وتلك الصغيرة، ولكل واحدة منهما نصْف المسمَّى على الزوج، وَيرْجع بالغُرْم، ولا ينفسخ نكاح الأُخريين أرضعتا معًا أو على الترتيب؛ لأنهما لم يصيرا أختين، ولا اجتمعا مع الجَدَّة في النكاح، ولو أرضَعَتِ اثنتان صغيرتَيْن معًا، ثم أرضعَتِ [الثلاثة] الثالثةَ، لم ينفسخْ نكاحُ الثالثة، وانفسَخَ نكاحُ الكبيرةِ وَالصَّغِيرتيْن الأُولَيَيْن، وعلى الزوج نصْفُ المسمَّى لكل واحدة منهن، ويرجع الزَّوْج بالغُرْم لمهر كلِّ صغيرة على مرضعتها، وبمهر الكبيرة على المرضعتين معًا.
فَرْعٌ: لابْنِ الحَدَّادِ: [إذا] نكح صغير بنت عمه الصغيرة، فأرضعت جدتهما أم أبي كل واحد منهما إحداهما ثبتت الحُرْمة بيْنَهُما، وانْفَسَخ النكاح؛ لأنها إن أرضعت الصغير، صار عمًَّا للصغيرة، وإن أرضعَتِ الصغيرةَ، صارَتْ عمَّةَ الصغير، ولذلك الحكم لَوْ كانت أمُّ أبي الصغيرِ غَيْرَ أمُّ أبي الصغيرة، بأن كان أبواهما أخوَيْن من الأب دون الأم، فأرضعَتْ إحداهما أحْدَ الصغيرين بلبن جدهما، ينفسخ النكاح؛ لأنَّ جَدَّة الصغير إن أرضعَتِ الصغيرة، صارت عَمَّةً للصغير من جِهَة الأَبِ، وكذا، لو أرضعَتْ
[ ٩ / ٥٩٦ ]
جَدَّة الصغيرة أحدهما، ولو نكح صغيرٌ بنْتَ عمته الصغيرةَ، فجاءت الجَدَّة التي هي أمُّ أب الصَّغير، وأم أم الصغيرة، فأرضعت إحداهما، فكذلِكَ يَنْفَسِخ النكاح؛ لأنها إن أرضعَتِ الصغير، صار خالًا للصغيرة، وإن أرضعت الصغيرةَ، صارت عمَّةً للصَّغِير [وكذلك الحكْمُ، لو كانت أمُّ أبِ الصغيرِ غَيْرَ أم الصغيرة، وأرضعَتْ جدتهما أمّ أم كلِّ واحد منهما إحداهما، فكذلك؛ لأنها إن أرضَعَتِ الصغير، صَارَ خالًا للصغيرة، وإن أرضعت الصغيرة صارت خالة للصغير] (١) ولو نكح صغيرٌ بنْتَ خالِهِ الصغيرةَ، فأرضعت جدتهما أُمَّ أُمِّ الصغيرِ، وأم أب الصغيرة أحدهما، فكذلك؛ لأنها إن أرْضَعَت الصغير، صار عمًّا للصغيرة، وإن أرضَعَتِ الصَّغيرة، صارت خالَةً للصغير (٢).