لو كسر واحد بعض ما ظهر، ثم جاء آخر، وكسر الباقي من الظاهر، فعلى كلِّ واحد قسطُ ما كسره من الأرش، ولو قطع الثاني الباقِيَ مع السِّنْخ، فعن نصِّه -﵁- في "الأم" أن عليه قسْطَ الباقي من الأرش، وحكومة للسنخ، وللأصحاب فيه طريقان:
أحدهما: أن فيه وجهين:
أحدهما: الأخذُ بظاهر هذا النصِّ، وإيجاب حكومة للسنخ؛ لأنَّ الباقي بعض السنخ، وإنما يجعل السنخ تابعًا لجميع السن.
والثاني: أنه كما يتبع الجميع يتبع البعض؛ لأنَّه لا فائدة للسنخ إلا حملُ ما عليه مِنْ كلِّ السن أو بعضها.
وأظهرهما؛ وبه قال الشيخ أبوحامد، وعليه جرى ابن الصَّبَّاغ، وصاحب "التهذيب" وغيرهما: أنه ينظر في جناية الأول؛ فإن كسر بعض السن في العرض، وبقي الأسفل بحاله، فليس على الثاني حكومةٌ للسنخ، بل يدخلُ في أرش الباقي من السن، كما لو قطعت أنامل رجُلٍ، ثم جاء آخرُ، وقطع يده من الكوع، لا يلزمه حكومة الكف، بل تدخلُ في دية ما بقي من الأنامل، وإن كسر بعضها في الطول، فحكومة للسنخ بقَدْر ما يجب الباقي من السنِّ تدخل في أرشه، وما لا شيء فوقه من السنخ
_________________
(١) = المنقلة فيجب أن يجب فيه أرش المارن أرش المنقلة وهكذا حكى القاضي ابن كج الجواز فيه عن نصه في الأم ولم أجد لغيره تعرضًا لذلك. انتهى.
[ ١٠ / ٣٦٩ ]
تجبُ حكومته؛ كما ذكرنا، فيما إذا قطع كَفًّا عليها بعض الأصابع دون بعض، ولو ظهر بعض السنخ؛ كخلل أصاب اللثة، لم يلحق ذلك بالظاهر، بل كمال الدية فيما كان ظاهرًا في الأصل.
ولو تناثر بعضُ السنِّ أو تآكل، ففي قلعها قسطُ ما بقي من الدية، فإن اختلفا في قَدْر المتناثر أو المتآكل، فالقولُ قولُ المجنيِّ عليه مع يمينه.
ولو كانت أسنانُهُ من الأعلَى طويلةً ومن الأسفلِ قصيرةً، أوبالعكس، لم يؤثر ذلك، ووجب لكل واحدةٍ كمالُ الأرش، والغالب أن الثنايا من الأسنان تكونُ أطول من الرَّبَاعِيَاتِ بقليل، فإن كانت ثنايا إنسان مثل الرباعيات، أو أقصر منها، ففيما يجب فيها اختلافٌ للأصحاب:
حكى الإِمام عن الأكثرين؛ أنه لا يجب فيها تمام الأرش، ولكن ينقص منه بحسب نقصانها، وهذا ما أورده الرُّويانيُّ، قال: ويخالف هذا ما إذا كانت أسنانُ الصف الواحد بأسرها قصيرةً، فإن الغالب أنَّ مثل ذلك لمعنًى في الخلقة، وتفاوت الأسنان في الصف الواحد يُشْعِر بأنه قد أصاب المنبِتَ خللٌ، وأن النقصان [كان] لذلك، وقال قائلون: يكمل فيها الأرش؛ لوقوع الاسم عليها، ودخولها تحْتَ قوله -ﷺ- (١): "فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإْبِلِ" وهو ما أورده في "التهذيب"، وسَوَّى بين [أن تكون الرَّبَاعِيَاتُ أطْولَ من الثنايا، وَبيْن أن تكون الثنايا أطْوَلَ، إذا تفاحش] (٢) التفاوت بينهما.
ولو كانت إحدى السنين من الأعلَى أو الأسفل أقصرَ من أختها، فقلعت القصيرة ينقص من ديتها بقدر نقصانها؛ لأن العادةَ الغالبة أنهما لا يختلفان، وإذا اختلفا، كانت القصيرة ناقصة، فإن انتهى صغَرُ السن إلى أن بطَلَت منفعته، ولم تصلُحْ للمضغ، ففي قلعها الحكومةُ دون الدية، كاليد الشَّلاَّء.
وقوله في الكتاب: "كالسنِّ من السِّنْخ في أن حكومَتَها تندرجُ عند الاستئصال" وحقُّ النظْم أن يقال: كالسِّنْخِ من السنِّ.
وقوله: "وفيه وجه أنَّه يجبُ لجميعها حكومةٌ، إذا استؤصِلَتْ مع دية"، في اللفظ تقديمٌ وتأخير، والمعنى: يجب لجميعها، إذا استؤصلَتْ حكومةٌ، مع دية أو حكومةٌ مع ديةٌ (٣)، إذا استؤصلَتْ.
قال الْغَزَالِيُّ: وَسِنُّ الصَّبِيَّ فَضْلَةٌ كَشَعْرِهِ فَلَيْسَ فِيهِ أَرْشٌ وَلا قِصَاصٌ إِلاَّ إِذَا بانَ
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
(٣) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٧٠ ]
بالآخِرَةِ فَسادُ المَنْبِتِ، فَإذَا ماتَ قَبْلَ التَّبَيُّنِ فَفِي الأَرْشِ وَجْهَانِ لِتَقابُلِ الأَصْلَيْنِ، والمَثْغُورُ إِذَا عَادَ نَادِرًا فَفِي اسْتِرْدَادِ الأَرْشِ قَوْلاَنِ، والمُوَضِّحَةُ إِذا الْتَحَمَتْ بِلَحْمٍ جَدِيدٍ لاَ يُسْتَرَدُّ أَرْشُها لأَنَّهُ جَدِيدٌ، والبَطْشُ والبَصَرُ إذَا عَادَ يُسْتَرِدَّ لإنَّهُ الأَوَّلُ، وَقَدْ عَادَ، والسِّنُّ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الرَّافِعيُّ: القيد الثالث: أن تكونَ مثغورةً، فلو قلع سن صبيٍّ، لم يثغر، فقد سبق في "كتاب الجراح" أنه لا يستوفى (١) في الحال قصاصٌ ولا ديةٌ؛ لأن الغالب أنها تعود، فهي كالشَّعْرَ يُحْلَق، ولكن ينتظر عودُها، فإن عادت، فلا قصاص ولا دية، وتجب الحكومة، إن بقي شَيْن، وإلا فعلى ما ذكرنا في الحكومات؛ أنه لا يجب شيء، أو يعتبر حال الجناية، وقيام الألم، وإن لم تعد، وفسد المنبت، استوفى القصاص أو الدية (٢)، فإن مات الصبي قبل أن يتقين (٣) الحال، ففي وجوب الأرش وجهان، وقيل قولان (٤):
أحدهما: يجب؛ لأن الجناية قد تحقَّقت، والأصل عدم العَوْد (٥).
والثاني: المنع؛ لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر أنه لو عاش لعادَتْ، وهذا أقوى (٦)؛ على ما قالَهُ القاضي ابن كَجٍّ وغيره؛ وعلى هذا فتجب الحكومة، قال في "التتمة": وذلك على طريقة من يعتبر حالة الجناية، وتواصل الألم.
ولو قلع قالع سنَّ الصغير وجاء آخر وجنَى على منبته جنايةً أبطلت النبات، قال الإِمام: لا وجه لإيجاب الأرش على الثاني ولا عليهما؛ أما الأوَّل، فيجوز أن يقال بوجوبه عليه، ويجوز أن يقتصر على الحكومة، ولو سقطَتْ سنه بنفسها، ثم جنى جانٍ، وأفسد المنبت، فيجوز أن يقال بوجوب الأرش على الثاني؛ لأنه أفسد المنبت، ولم يسبق جناية يُحالُ الفساد عليها.
ولو قلع سنّ مثغور، فأخذ منه الأرش، فعادت السنُّ على ندرة عودها، فهل يسترد الأرش؟ فيه قولان؛ بناء على أن ما يعود يقام مقام الأول، ويجعل كأنه لا فوات،
_________________
(١) في ز: لا يسير.
(٢) يعني يجب القصاص في صورة العمد والدية بالعفو أو في صورة الخطأ، وما جزم به من القصاص هو المعروف ونقل الغزالي فيه قولًا.
(٣) في ز: يتبين.
(٤) ما رجحه من أن الخلاف وجهان مستبعد والصواب الثاني فقد نص عليهما الشَّافعي في الأم. وممن نقلهما قولين الماوردي وغيره، وقال في الذخائر: حكاهما العراقيون قولين والخراسانيون وجهين.
(٥) في ز: القود.
(٦) في أ: أوفق.
[ ١٠ / ٣٧١ ]
أو يجعل العائدُ نعمةٌ جديدةٌ خوَّلها الله تعالى بلا توقُّع وانتظار، وقد ذكرنا في "الجراح" قولين، والحالة هذه، في سقوط القصَاص؛ بناءً على المعنيين، والظاهر أنه لا يسقط، وأن الأرش لا يسترد، والموضِّحة إذا التحمت والتأمتْ بعد ما أخذ أرشها، لم يستردَّ؛ كما ذكرنا أنه لا يؤثر في سقوط القصاص، وحكَيْنا عن صاحب "التقريب" وجهًا في الجائفة؛ أنها إذا التحمت، زالَ حكمها، وأن الإِمام رأى طرده في الموضحة، ورأى تخصيصه بما إذا كان الحاصلُ مجرَّد خرق والتئام (١) من غير أن يزول لحْمٌ، ويحدث بدله.
ولو جنَى على إنسان جناية أذهبتْ بطش يده في الحال، وأخذت الدية؛ لظنِّ الزوال، وحصول الشللِ، ثم قويتَ اليدُ، وصارت تبطش، أو جثَى على عينه، فصار لا يبصر، وأخذت الدية لظنِّ زوال البصر، ثم إنه أبصر (٢)، فالدية مستردة (٣)؛ لان الشَّلَل والعَمَى المحقَّقَيْن لا يزولان، وقد تبيَّن لنا بما جرى أنه لا زوال، وأن ذلك الظنَّ كان خطأً، وكذا القول في السمع وسائر المعاني (٤).
وقوله في الكتاب: "فلَيْسَ فيه أرشٌ ولا قصاصٌ إلاَّ إذا بانَ فَسادُ المَنْبتِ" يعني: إذا مضت المدة التي يتوقَّع فيها العَوْد، فلم يعد يحكم بوجوب الأرش أو القصاص، وهذا هو الظاهر، ولكن ذكر صاحب الكتاب في القصاص قولين، وإن (٥) بان فساد المنبت، فيجوز أن يعلم لذلك الاستثناء هاهنا بالواو، وقوله: "والموضِّحة إذَا التحمَتْ بلحمٍ جديدٍ لا يستردُّ أرشُها؛ لأنه جديد" ذكر اللحم الجديد في التصوير، ثم التعليل بأنه جديدٌ لا يحسن موقعه، ولو قال: إذا التحمَتْ، لا يستردُّ أرشُها؛ لأنَّه جديدٌ، لكان أحسن، والمعنَى الذي التحَمَ، حدث من الغد إلاَّ أنه الأول بخلاف البطْش والبَصَر.
وقوله: "والسنُّ دائرٌ بينهما" أعادَ ذكْر السنِّ بعد ذكر القولين وفي عَوْدها؛ إشارة إلى أن السنَّ تلحق في أحد القولَيْن بالموضِّحة، إذا التحمت، وفي الثاني بالبَطْش، إذا عاد.
واعلم أن الوجْه المنْقُول في التحامِ الجائفَةِ المجرى في الموضِّحة، إن اختصت بما إذا كان الحاصلُ مجرَّد الخرق والالتَئام، وكما ذكره الإِمام، فلا يجوز أن يعلم له قوله: "لا يستردُّ أرشُها"؛ لأنه صوَّر فيما إذا كان الالتحام بلحم جديدٍ؛ لكن، يجوز أن يُعْلَمَ له قوله في الجراح: "وَلَوْ عادَتِ الموضِّحةُ ملتئمةً، لم يسقط القصَاصُ".
_________________
(١) في ز: القيام.
(٢) سقط في ز.
(٣) ما قطع به من الاسترداد في البصر تبع فيه الإِمام وهو عجيب لكن في الحاوي للماوردي والبحر للروياني حكاية.
(٤) في ز: المعالي.
(٥) سقط في ز.
[ ١٠ / ٣٧٢ ]