من مولدات ابن الحَدَّادِ وغيرها.
منها: الجارِيةُ المشتركة بين اثنين بالسَّوِيَّةِ، إذا حَبلَتْ من زَوْج، أو زِنًا، وجَنَى عليها جَانٍ، فالقت الجَنِينَ مَيّتًا، فعليه عُشْرُ قيمة الأُمِّ للسيدين لأن الولد مشترك بينهما كالأم.
_________________
(١) في ز: فعتقت.
(٢) في أ: كاملة.
[ ١٠ / ٥١٦ ]
ولو جَنَى عليها أَحَدُ الشريكين، فألْقَتْ جَنِينًا مَيتًا، فعليه نِصْفُ عشر قيمة الأم للآخر، ويُهْدَرُ نَصِيبُهُ، ولو أنه أَعْتَقَهَا بعد ما جَنَى، ثم ألقت جنينًا، نظر: إن كان مُعْسِرًا، ووقف العتق على نصيبه من الأُمِّ والجنين، فعليه نِصْفُ عُشْرِ قيمة الأم لشريكه، وهل يَلْزَمُهُ نِصْفُ الغُرَّةِ للنصف الحر؟
فيه وجهان:
قال ابْنُ الحدَّادِ: لا؛ لأن وَقْتَ الجِنَايَةِ كان مِلْكًا له، وجِنَايَةُ الإنسان على مِلْكِهِ لا تُوجب ضَمَانًا. وقال آخرون: نعم، وحكوه عن نَصِّهِ في "الأم"؛ لأن الجِنَايَةَ على الجنين إنما تَتَحَقَّقُ عند الإِلْقَاءِ، وهو حُرٌّ حينئذ. والخِلاَفُ مَبْنِيٌّ على طريقين ذِكْرًا في أن المُوجِبَ لِلضَّمَانِ هو الضرب، أو الإِجْهَاضُ:
أحدهما: أن المُوجِبَ الضَّرْبُ؛ لأنه يُؤَثِّرُ في الجَنِينِ، أَلاَ تَرَى أنه يُرَى أَثَرُهُ عليه عند الإِجْهَاضِ، والانْفِصَالُ هو نهاية الجِنَايَةِ؟ فكان الضَّرْبُ كَقَطْعِ اليَدِ نحوه، والإِجْهَاضُ كالسِّرَايَةِ.
والثاني: أن المُوجِبَ الإجْهَاضُ؛ لأن الرَّحَمِ مَحِلُّ نَشْئِ الطِّفْلِ وتَرْبيته، وسبب الهَلاَكِ مُفَارَقَتُهُ دون الضَّرْب، لكن الضرب لما فيه من الإيلاَمِ يفضي إلى المُفَارَقَةِ، فيكون الاعْتِبَارُ بوقت المُفَاَرَقَةِ، وهذا كَحَفْرِ البئر في الطريق مَع التَّرَدِّي، فإن الحَفْرَ سَبَبُ مُفَارَقَةِ موضع السَّلَامَةِ، والتَّرَدِّي هو المُوجِبُ لِلهِلاَكِ، فكان الاعْتِبَارُ بوقت التَّرَدِّي. فإن قلنا: الموجب الضَّرْبُ، فهو مَمْلِوكٌ له حينئذ.
وإن قلنا: المُوجِبُ الإجْهَاضُ، فيجب. واعلم أن كَلَامُ أكثر الناقلين للمسألة يَمِيلُ إلى وجوب نِصفِ الغُرَّةِ، كَما حكى عن النص، وهو النص الذي نَقَلْنَاهُ عن "عُيُونِ المسائل" في فصل تَغَيُّرِ الحال بين الجُرْحِ والمَوْتِ.
والأوْلَى بالترجِيح ما رَجَّحَهُ الشيخ أبو عَلِيٍّ وجماعة (١)، وهو أنه لا يَجِبُ نِصْفُ الغُرَّةِ، وأن المُوجِبَ الضَّرْبُ، لِتَاْثِيرِهِ في الجَنِينِ، كتأثير القَطْعِ في البَدَنِ، بخلاف الحَفْرِ الذي لا يُؤَثِّرُ في البَدَنِ.
وإذا قيل بِوُجُوبِ نِصفِ الغُرَّةِ، فلمن يكون ذلك؟
يبني على الخِلاَفِ في أن من بعضه حُرٌّ، وبعضه رَقِيقٌ، هل يورث؟ (٢)
إن قلنا: نعم، فهو لِوَرَثَتِهِ، ولا تَرِث الأمُّ منه شيئًا؛ لأن بَعْضَهَا رَقِيقٌ، ولا السيد؛ لأنه قَاتِلٌ.
_________________
(١) في ز: في سماعه.
(٢) في ز: يرث.
[ ١٠ / ٥١٧ ]
وإن قلنا: لا، فهو لمالك النِّصْفِ، أو لبيت المَالِ؟ فيه خلاف.
وإلى الثاني ذهب الإِصْطَخْرِيُّ.
هذا إذا كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا، فإن كان مُوسِرًا، فإن قلنا: السِّرَايَةُ (١) تَحْصُلُ بنفس الإِعْتِاقِ، أو قلنا: تَحْصُلُ بأداء القيمة، وأداؤها (٢) قبل الإِجْهَاضِ، فعلى الجاني الغُرَّةُ، وتصرف إلى وَرَثَتِهِ. وإن قلنا: تَحْصُلُ بأداء القِيمَةِ، ولم يُؤَدِّهَا حتى أَجْهَضَتْ، فالحكم كما ذَكَرْنَا فيما إذا كان مُعْسِرًا.
فإن قلنا: إن العِتْقَ موْقُوفٌ، فإن أَدَّى القِيمَةَ تبين حُصُولُ العتق من وقت اللفظ، فيكون الحُكْمُ على ما إذا فَرَّعْنَا على أن السِّرَايَةَ تحصل بنفس اللَّفْظِ، وإن لم يُؤَدِّ، فكما ذَكَرْنَا فيما إذا كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا ولو كانت الصُّورَةُ بحالها لكن أعتق أحدهما نَصِيبَهُ، ثم جَنَى عليها، فألقت جَنِينًا ميتًا.
فأما إن جَنَى عليها المُعْتِقُ، أو الشَّريكُ الآخَرُ، أو غيرهما، وإن جَنَى عليها المُعْتِقُ، نظر إن كان مُعْسِرًا بَقِيَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ مِلْكًا له، فعليه للشَّرِيكِ نِصْفُ عشر قيمة الأُمِّ، وعليه النصف الذي عتق نِصْفُ الغُرَّةِ بلا خلاف، ولمن يكون ذلك؟
ينبني على الخِلاَفِ في أن من بَعْضُهُ حُرٌّ، وبعضه رقيق، هل يورث كما مَرَّ؟ وإن كان مُوسِرًا، فإن قلنا: إن السِّرَايَةَ تَحْصُلُ بأدَاءِ القِيمَةِ أو قلنا بالتوقف وأَدَّى القيمة، فَيُغَرَّمُ المُعْتِقُ لشريكه نِصْفَ قيمة الأَمَةِ حَامِلًا، ولا يفرد الجنين بالقيمة، بل يَتبَعُ الأُمَّ في التَّقْوِيم، كما يَتْبَعُهَا في البَيْعِ، ويلزمه بالجناية الغُرَّةُ؛ لأن الجَنِينَ حُرٌّ، وتورَّث الأمُّ منها؛ لَأنها حُرَّةٌ، والباقي بعد نصيبها لِلْعَصَبَةِ، ولا شَيْءَ للمعتق؛ لأنه قَاتِلٌ.
وإن جَنَى الشَّرِيكُ الآخَرُ، فإن كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا، فَنِصْفُ الجنين مَمْلُوكٌ للجاني، ونصْفُهُ حُرٌّ، وإتْلاَفُهُ مِلْكَهُ مُهْدَرٌ، ويجب نِصْفُ غُرَّةٍ للنصف الحر.
ويعود الخِلاَفُ في أنه لمن يَكُونُ؟
فإن قلنا: مِنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ يُورَثُ، فالغُرَّةُ لِعَصَبَتِهِ، ولا شَيْءَ للأم؛ لأن بعضها رَقِيقٌ، فإن لم يكن له عَصَبَةٌ من الأَقَارَبِ، فهي لِلْمُعْتِقِ.
وإذا قلنا: لا يُورَثُ، فيكون لمالك البَعْضِ الآخَرِ، فلا يَجِبُ هاهنا شَيْءٌ؛ لأنه لو ثَبَتَ لثَبَتَ له، فإنه إنما يَأْخُذُ بحق المِلْكِ بالميراث، فلا يصير القَتْلُ مَانِعًا.
وإن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، فإن قلنا: لا تَحْصُلُ السِّرَايَةُ إلا بأَدَاءِ القيمة، أو قلنا: بالتَّوَقَّفِ، ولم تزد القِيمَةُ، فالحكم كما إذا كان مُعْسِرًا وإن قلنا: يُعْتَقُ باللفظ، أو قلنا:
_________________
(١) في ز: البراءة.
(٢) في ز: وأداها.
[ ١٠ / ٥١٨ ]
بالتَّوَقُّفُ وأداء (١) القيمة، فللجاني على المُعْتِقِ نِصْف قيمتها حَامِلًا، وعلى الجِاني الغُرَّةُ، وتَرِثُهَا الأم والعَصَبَةُ. وإن كان الجاني أَجْنَبِيًّا، فإن كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا، فقد أَتْلَفَ الأَجْنَبِيُّ جَنِينًا نِصْفُهُ حُرٌّ، ونصفه رقيق، فعليه نِصْفُ غرة، ونصف عشر قيمة الأم.
وإن كان المعتق مُوسِرًا، وعتقَ كُلّه، فقد أَتْلَفَ الأجنبي جنينًا حُرًّا، وحُكْمُهُ بَيِّنٌ.
ولو كانت الجَارِيةُ كما وَصَفْنَا، وجَنَى عليها الشَّرِيكَانِ معًا، فأجْهَضَتْ، فعلى كل وَاحدٍ منهما للآخر رُبُعُ عُشْرِ قيمة الأم.
لأن كل واحد منهما جَنَى على مِلْكِهِ ومِلْكِ صَاحِبهِ، ونَصِيبُ كُلِّ واحد منهما تَلِفَ بفعليهما جميعًا، فَتُهْدَرُ جِنَايَتُهُ على مِلْكِهِ.
والحقَّانِ من جِنْسٍ وَاحِدٍ، فيكون على خِلَافِ التَّقَاصِّ.
وإن أَعْتَقَاهَا معًا بعد مَا جَنَيَا، أو وَكَّلاَ وَكِيلًا، فَأعْتَقَهَا بكلمة واحدة، ثم أَجْهَضَتْ، فقد عتق الجَنِينَ مع الأم قبل الإجْهَاضِ، فيضمن بالغرة، ولا تعتبر قِيمَةُ الأُمِّ، وفيما يجب على كُلِّ واحد منهما؟ وَجْهَانِ:
قال ابْنُ الحَدَّادِ: يجب على كُلِّ وَاحِدٍ منهما ربع الغُرَّةِ، اعْتِبَارًا بحال الجِنَايَةِ، فكل واحد منهما مَالِكٌ للنصف حينئذ.
وقال غيره: يجب على كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهَا؛ اعْتِبَارًا بحال الإِجْهَاضِ، وهو حُرٌّ حينئذ، وللأم ثُلُثُ الوَاجبِ، والباقي لِلْعَصَبَهَ، ولا يَرِثُ السَّيِّدَانِ منها شيئًا؛ لأنهما قَاتِلاَن. ولو جَنَى عليهاَ أحدهما، ثم أَعْتَقَاهَا، ثم أَجْهَضَتْ، فعلى قول ابن الحَدَّادِ، على الجاني نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنه جَنَى، ونصفه له، وللشريك الأَقَلُّ من نِصْفِ الغُرَّةِ، ونصف عشر قيمة الأُمِّ. وعلى قول غيره: عليه غُرَّةٌ كاملة؛ اعْتِبَارًا بيوم الإجْهَاضِ.
ومنها: إذا وَطِئَ الشريكان الجَارِيَةَ المشتركة، فَحَبِلَتْ، ثم جَنَى عليها جَانٍ، فَألْقَتِ الجَنِينَ مَيِّتًا، فإن كانا مُوسِرَيْنِ، فالجنين حُرٌّ، وعلى الجاني الغُرَّةُ، وهي لمن يُلْحِقُ القَائِفُ الجَنِينَ به.
فإن كانا مُعْسِرَيْنِ، فكل الولد حُرٌّ أو نِصْفُهُ؟ فيه قولان:
أصحهما: الثاني.
وإذا قيل به، فعلى الجَانِي نِصْفُ الغُرَّةِ، ونِصْفُ عُشْرِ قيمة الأُمِّ، ونِصْفُ الغُرَّةِ لمن يُلْحِقُهُ القَائِفُ به، ونِصْفُ عُشْرِ القيمة للآخر.
_________________
(١) في ز: وأدنى.
[ ١٠ / ٥١٩ ]
ومنها: قال ابْنُ الحَدَّادِ: المُسْتَوْلَدَةُ الحَامِلُ من السَّيِّدِ، إذا جَنَتْ على نفسها، فأَلْقَتِ الجَنِينَ ميتًا، فلا ضَمَانَ، إن لم يكن لِلْجَنِيْنِ وارِثٌ سوى السيد؛ لأن جِنايَةَ المستولدة على سَيِّدِها، كَما سَبَقَ، وبدل الجنين [له] (١)، فلو وَجَبَ الضَّمَانُ لوجب عليه لنفسه، فصار كما لو جَنَتْ (٢) على مال السَّيِّدِ.
وإن كان له وارِثٌ آخر بأن كان لِلْمُسْتَوْلَدَةِ أم حُرَّةٌ، فعلى السيد أن يُغَرَّمَ لها الأَقَلَّ من قيمة المُسْتَوْلَدَةِ، أو سُدُسَ الغُرَّةِ.
قال الشيخ أبو عَلِيٍّ: ويحكي قول أنَّ عليه سُدُسَ الغُرَّةِ، إن زاد على قيمتها؛ بناء على أن أَرْشَ جِنايَةِ المُسْتَوْلَدَةِ على السيد بَالِغًا ما بَلَغَ.
ومنها: مات رَجُلٌ عن زَوْجَةٍ حَامِلٍ، وأخ من الأبوين، أو من الأب، وفي التركة عَبْدٌ، فَجَنَى العَبْدُ على الزَّوْجَةِ، فألقت الجَنِينَ مَيّتًا، ففيه الغُرَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَةِ العَبْدِ، ويكون للأم ثُلُثُهَا، وللعم ثُلُثَاهَا، لكن العَبْدَ مَلَكَهُمَا بالأرباع، والجَنِينُ بانْفِصَالِهِ مَيِّتًا خَرَجَ عن أن يكون له إِرْثٌ، والمالك لا (٣) يَسْتَحِقُّ على مِلْكِهِ شَيْئًا، فيقابل ما يتعلّق بِمِلْكِ كل وَاحدٍ منهما بما يَسْتَحِقُّهُ بالإِرْثِ، والأخ يَمْلِكُ ثَلاَثَةَ أَرْباَعِ العَبْدِ، فيتعلق به ثلاثة أرباع الغُرَّةِ، وَيستَحِقُّ ثلثي الغُرَّةِ، فيذهب الثُّلُثَانِ بالثلثين، فيبقى نِصْفُ سُدُسِ الغرة متعلِّقًا بما يَمْلِكُهُ من العَبْدِ، والزوجة تَمْتَلِكُ رُبُعَ العبد، وَيتَعَلَّقُ به رُبُعُ الغُرَّةِ، وَيَسْتَحِقُّ ثلث الغُرَّة، فيذهب الرُّبُعُ بالربع، يبقى لها نِصْفُ سُدُسٍ مما يَتعلَّقُ بنصيب الأخ، فيفدي الأخُ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعٍ العَبْدِ بنصف سُدُسِ الغُرَّةِ، ويصرف ذلك إلى الزوجة والفرع لابن الحَدَّادِ (٤) أيضًا قد يُورَدُ جَوابُهُ بغير هذا الإِيرَادِ، ولا يَكادُ يختلف المقصود.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: حنث. في ز: لم.
(٣) في ز: متعلقة.
(٤) قال الشيخ البلقيني: وقع الخلل في هذا الفرع في مواضع من الشرح والروضة: أحدهما: قولهما فالأخ يملك ثلاثة أرباع العبد فيتعلق به ثلاثة أرباع الغرة ووجه الخلل في هذا أن ثلاثة أرباع الغرة المستحقة شيوعًا وإن تعلقت بثلاثة أرباع العبد شيوعًا لكن لا يذهب الثلثان بالثلثين ويلزم منه أن لا يقى للأخ شيء يتعلق بنصيب الزوجة ولا يجوز أن يكون الضمير في به يعود لأن الغرة كلها متعلقة بالعبد فثلاثة أرباعها متعلقة بثلاثة أرباعه. الثاني: قولهما يبقى نصف سدس الغرة متعلقًا بحصته هذا لا يمكن لأن السيد لا يثبت له على عبده دين. الثالث: قوله والزوجة تملك ربع العبد فيتعلق به ربع الغرة شيوعًا. الرابع: قوله يبقى لها نصف سدس الغرة هذا أوهم فالباقي لها ربع الغرة متعلقًا بحصة الأخ. الخامس: قوله فيفديه بأن يدفع نصف سدس الغرة إلى الزوجة صوابه أن يدفع ربع الغرة لكن إنما ذكر ذلك لقضية التقاص ولم ينبه عليه ثم قال الشيخ أيضًا: قوله تبعًا لأصله يبقى نصف سدس =
[ ١٠ / ٥٢٠ ]
وقال الشيخ أبو علي -﵀-: وعلى قِيَاسِهِ لو كانت المَسْأَلَةُ بالأثْلاَثِ أيضًا، والعبد بينهما بالأثْمَانِ، فيملك الابن سَبْعَةَ أَثْمَانِ العَبْدِ، وَيتَعَلَّقُ به سبعة أثمان الغُرَّةِ، فيذهب الثُّلُثَانِ بالثلثين، ويبقى ما بين ثُلُثَيِ الغُرَّةِ، وسبعة أثمانها، والتَّفَاوُتُ بخمسة أَسْهُم من أربعة وعشرين سهمًا، وذلك بأن يُضْرَبَ مَخْرَجُ الثلثين في مَخْرَج الثُّمُنِ، فيحصل أربعة وعشرة وثلثا أربعة وعشرين ستة عشر وسبعة أثمانه أحد وعشرون، فالتَّفَاوُتُ بينهما بخمسة.
والزَّوْجَةُ تَمْلِكُ (١) ثَمَنَ العَبْدِ، وَيتَعَلَّقُ به ثَمَنُ الغُرَّةِ، وهو ثلاثة أَسْهُمٍ، ويستحقُّ ثلثها، وهو ثَمَانِيَةُ أسهم، فيذهب ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ بثلاثة أسهم، يبقى خمسة أسهم، فَيَفْدِي الابن سَبْعَةَ أَثْمَانِ العَبْدِ بخمسة أسهم من أربعة وعشرين سَهْمًا من الغُرَّةِ، ويُصْرَفُ ذلك إلى الزوجة.
ومنها: قال ابن الصباغِ: إذا جَنَى حُرٌّ أُمُّهُ عَتِيقَةٌ، وأَبُوهُ رقيق على امْرَأَةٍ حامل، ثم أُعْتِقَ أبوه، فانْجَرَّ وَلاَؤُهُ من مُعْتِقِ الأُمِّ إلى مُعْتِقِ الأب، ثم أَجْهَضَتِ الحَامِلُ، فعلى قياس قول ابن الصَّبَّاغ (٢) يتحمل بَدَلَ الجنين مَوْلَى الأم؛ اعتبارًا بحال الجِنَايَةِ، وعلى قياس قَوْلِ غَيْرِهِ: يَتَحَمَّلُ مَوْلَى الأب؛ اعتبارًا بحالة الإجهاض.
ومنها: إذا أَحْبَلَ المُكَاتَبُ أَمَتَهُ، فَجَنَى عليها، فأَجْهَضَتْ، وجب في الجنين عُشْرُ قيمة الأُمِّ؛ لأنها مَمْلُوكَةٌ بَعْدُ.
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ في صِفَةِ الغُرَّةِ وَهُوَ رَقِيقٌ سَلِيمٌ مِنْ عَيْبٍ يَثْبُتُ الرَّدُّ فِي البَيْعِ سِنُّهُ فَوْقَ سَبْعٍ وَدُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ إنْ كَانَ غُلامًا، وَدُونَ العِشْرِينَ إِنْ كانَتْ أُنْثَى، وَقِيلَ: تُؤْخَذُ الكَبِيرَةَ مَا لَمْ تَضْعُفْ بِالهَرَمِ، وَفِي نِفَاسَةِ قِيمَتِهَا وَجْهَانِ: (أحَدُهُمَا): أنَّهُ لاَ تَقْدِيرَ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ السِّنِّ والسَّلاَمَةِ (والثَّانِي): أنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُنْقَصَ عَنْ قِيمَةِ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ لِأَنَّا عِنْدَ العَقْدِ نَرْجِعُ إلَى خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ فِي القَوْلِ الجَدِيدِ، وَفِي القَدِيمِ نَرْجِعُ إلَى قِيمَةِ الغُرَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يَتَعَيَّنُ لِلْغُرَّةِ نَوْعٌ من الرقيق، بل يُجْبَرُ المُسْتَحِقُّ على قَبُولِهِ من أَيِّ
_________________
(١) = الغرة متعلقًا بحصته من العبد هذا ليس بمستقيم وإنما يبقى سدس الغرة ويتعلق ذلك بحصة الزوج من العبد، وقد قال في الزوجة: يبقى لها نصف سدس الغرة، وقد وقع الخلل في هذا الفرع في مواضع نبهت عليه في مواضعها والصواب أن يقال نصف سدس الغرة أو يبقي حصته من الغرة متعلقا بنصيب الزوجة وكذا قال أبو الطيب: وقد بسطته في الفوائد. انتهى وأخذ في الخادم كلام شيخه وزاد عليه، واعتذر عن الشيخين بشيء فيه نظر.
(٢) في ز: تمتلك.
(٣) في ز: الحداد.
[ ١٠ / ٥٢١ ]
نَوْعٍ كان، ويُجْبَرُ على قُبُولِ الذَّكَرِ والأُنْثَى؛ لما رُوِيَ أنه -ﷺ-: "قَضَى في الجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ" (١).
والنظر في ثلاث صِفَاتٍ:
إحداها: تُعْتَبَرُ السَّلاَمَةُ عن العُيُوب التي تُثْبِتُ الرَّدَّ في البَيْع، بخلاف الإعْتَاقِ (٢) في الكَفَّارَةِ، حيث يُجْزِئُ إِعْتَاقُ المعيب (٣) بِعَيْبٍ لا يَضُرُّ بالعمل؛ لأن الكَفَّارَةَ حَقُّ الله تعالى، والغُرَّةُ حَقُّ الآدَمِيِّ، وحقوق الله تعالى [مبيِنَّةٌ] (٤) على المُسَاهَلَةِ:
وأيضًا، فإنه وَرَدَ لفظ "الغرة"، والغُرَّةُ الخِيارُ، والمَعِيبُ ليس من الخِيَارِ.
ولا يُجبَرُ المُسْتَحِقُّ على قَبُولِ الخَصِيِّ والخُنْثَى والكَافِرِ.
ولو أوصى (٥) بِقَبُولِ المَعِيبِ، وسامح، جَازَ.
ويجوز أن يُعْلَمَ لفظ "السَّلِيم" فيِ الكتاب بالحَاءِ؛ لأن عند أبي حَنِيْفَةَ يُجْبَرُ على قُبُولِ المَعِيبِ، إذا لم تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عن خَمْسٍ من الإِبِلِ، أو خمسين دينارًا.
الثانية: لا يُجْبَرُ على قَبُولِ من لم تَبلُغ سِنُّهُ سَبْعًا؛ لأن الغُرَّةَ الخِيَارُ، وأنه ليس من الخِيارِ لِحاجَتِهِ إلى من يَتَعَهَّدُهُ، وعدم استقلاله.
ويخالف الكَفَّارة، حيث يُجْزِئُ فيها إِعْتِاقُ الصَّغِيرِ؛ لأن الوارد هناك لفظ "الرقبة"، والرَّقَبَةُ تشمل الصَّغِيرَ والكَبِيرَ.
واعلم أن لفظ الشَّافِعِيِّ -﵁- في "المختصر" ولمن وَجَبَتْ له الغُرَّةُ ألا يَقْبَلَها دون سَبْعِ سنين أو ثمان، فمن الأصحاب من يُتابِعُهُ في اللفظ، ومنهم من اقْتَصَرَ على أنه لا يُجْبَرُ على قَبُول من سَنُّهُ دون سبع سنين، ولا يتعرض للثمان؛ لأن من هو دون سبع، فهو دون ثَمَانٍ وليست كلمة أو للترديد (٦) في أن الذي لا يقبل من نقص عن سبع، أو ثمان بالاتِّفَاق ويمكن أن يُقَالَ: المَقْصُودُ أنه لا يقبل من هو دون سن التَّمْيِيزِ، وسن التمييز سبع أو ثمان، ويختلف باخْتِلاَفِ حَالِ الصِّبْيَانِ، ولا يُجْبَرُ على قبول من بَلَغَ سِنَّ التمييز، ولا تَمْيِيزَ له؛ لأنه مَعِيبٌ، وأَمَّا في طَرَفِ الكِبَرِ، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يُؤْخَذُ الغُلاَمُ بعد خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً؛ لأنه لا يدخل على النِّسَاءِ بعد ذلك، ولا الجَارِيَةُ بعد عشرين سَنَةً؛ لأنها تَتَغَيَّرُ (٧) وتنقصُ قيمتها بذلك.
_________________
(١) تقدم.
(٢) في أ: الفتاق.
(٣) في أ: المعيوب.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: رمني.
(٦) في ز: للتردد.
(٧) في ز: وتنتقص.
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
ويروى هذا عن ابن أبي هُرَيْرَةَ. وفي "البيان": أن بعض الأَصْحَابِ جعل الحَدَّ، العِشْرِينَ في الغُلاَمِ، والجَارَيَةِ جميعًا.
والثاني: أنهما يُؤْخَذَانِ، وأن جاوز السِّتِّينَ ما لم يَضْعُفَا، ولم يَخْرُجَا عن الاستقلال بالهَرَمِ؛ لأن كَمالَ المَنْفَعَةِ والقوة إنما يكون بعد الستين.
ونَظْمُ الكتاب يُشْعِرُ بترجيح (١) الأَوَّلِ من الوجهين. وإليه ذهب أبو الفرج الزَّاز، والقاضي الروياني، وجَمَاعَةٌ، والأصح عند صاحب "التهذيب" الثاني، وبه قال الشيخ أبو حَامِدٍ، والقاضي أبو الطيب وغيرهم، وحَكَوْا ذلك عن النَّصِّ.
الثالثة (٢): هل يَتَقَدَّرُ لِلْغُرَّةِ قِيمَةٌ؟ فيه وجهان أَوْرَدَهُمَا في الكتاب:
أحدهما: لا، بل إذا وجدت السَّلاَمَةُ والسن، وَجَبَ القَبُولُ، قَلَّتْ قيمتها أو كَثُرَتْ؛ لإطلاق من لفظ العَبْدِ والأمَةِ في الخَبَرِ.
وأصحهما: الذي أَورَدَهُ المُعْظَمُ أنه ينبغي أن تَبْلُغَ قيمتها نِصْفَ عُشْرِ الدية، وهي خَمْسٌ من الإبِلِ. روي ذلك عن عُمَرَ، وزَيْدِ بن ثابتٍ -﵄- وذكروا أنه لا مُخَالِفَ لهما.
ووَجَّهَ أيضًا بأنه لا سَبِيلَ إلى تكميل الدِّيَةِ؛ لأنه لم تَكّمُلْ له الحَيَاةُ، ولا وَجْهَ للإهدار، فَقُدِّرَ واجِبُهُ بِأَقَلِّ ما ورد الشَّرْعُ بإيجابه في الديات والأروش، وهو خمس من الإبل، أوجبها الشرع في المُوضِحَةِ، وفي السن، واعتذروا عن الأنملة حيث يجب فيها ثَلاَثَةُ وثلث بأن الشرع لم يَرِدْ بذلك في الأَنْمَلَةِ برأسها، ولكن بين ما يجب في الأصبع، فوزع الواجب على أجزائها.
ومهما وجدت الغُرَّةُ بالصفات المعتبرة لم يُجْبِرَ المُستَحِقُّ على قَبُولِ غيرها، كما إذا وجدت الإبِلُ في الدية [الاعْتِياضُ عنها بالتَّرَاضِي كالاعتياض عن إبل الدِّيَةِ] (٣)، وإذا لم توجد الغرة (٤)، فطريقان:
أظهرهما: أن فيه قولين:
أصحهما: أنه يجب خَمْسٌ من الإِبِلِ؛ لأنها مُقَدَّرَةٌ بخمس من الإِبِلِ، فإذا فقدت أَخَذَتْ ما هي مُقَدَّرَةٌ به.
ويُروَى ذلك عن زَيْدِ بن ثَابِتٍ -﵁ (٥) -.
_________________
(١) في ز: ترجيح.
(٢) في ز: والثالث.
(٣) في ز: الإبل.
(٤) سقط في ز.
(٥) قال الحافظ في التلخيص: لم أجده.
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
ولَأَنَّا لو أَوْجَبْنَا قِيمَةَ الغُرَّةِ، لم نَأْمَنْ أَنْ تَبْلُغَ دية كاملة، وتزيد عليها.
والثاني: أن المَعْدُولَ إليه عند الفَقْدِ القِيمَةُ، كما لو غَصَبَ عَبْدًا، فأَبقَ أو تَلِفَ، ويقال: إن هذا مُخَرَّجٌ من تَقْوِيمِ الإِبِلِ في الدية إذا فقدت، وكذلك حُكِيَ عن الشيخ أبي حَامِدٍ وغيره أنه القول الجَدِيدُ، وأن مُقَابِلَهُ، وهو التقدير بخمس من الإِبِلِ القَدِيمُ، وعن الفَوْرَانِيِّ عَكْسُهُ.
والطريق الثاني: القَطْعُ بوجوب خَمْسٍ من الإِبِلِ، وإذا قلنا به، وفقدت الإبل، فكان (١) كما لو فُقِدَتِ الإبِلُ في الدية، فعلى الجَدِيدِ يجب قِيمَتُها، وعلى القديم يجب خَمْسُونَ دينارًا، أو ستمائة درهم (٢).
وقوله في الكتاب: "ودون خمس عشرة" يجوز أن يُعلَمَ لفظ "خمس عشرة" بالواو لِلْوَجْهِ الذي ذكرناه (٣) في التَّحْدِيدِ بالعِشْرِينَ في حَقِّ الغُلاَمِ أيضًا.
وقوله: "لأنا عند الفَقْدِ نرجع إلى خمس من الإبِلِ في القول الجديد" يشير إلى بِنَاءِ الوَجْهَيْنِ في أنه هل تُعْتَبَرُ نَفاسَتُهُ بالقيمة؟ على القولين في أنه هل يُرْجَعُ عند العَقْدِ (٤) إلى بَدَلٍ (٥) مُقَدَّرٍ، وهو متوجّه، وجعل الرجوع إلى خَمْسٍ من الإِبِلِ القول الجديد يوافق ما ذكرناه (٦) عن الفَوْرَانِيِّ.
[وذكرنا] (٧) أن منهم من يَقُولُ: إنه القول القَدِيمُ، كما أن الرُّجُوع إلى المقدر عند فِقْدانِ الإبِلِ هو القول القديم، وفي الجديد يرجع إلى القِيمَةِ من غير تَقْدِيرٍ، وعلى هذا، فالمسألة مما يرجح فيه القديم؛ لأنهم جعلوا الأظْهَرَ الرُّجُوعَ إلى خمس من الإِبِلِ [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ تُصْرَفُ الغُرَّةُ اِلَى الجَنِينِ وَهُوَ الأُمُّ والعَصَبَةُ، وَتَلْزَمُ عاقِلَةُ الجَانِي إِذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَتْلُ الجَنِينِ عَمْدًا إِذْ لا تُتَيَقَّنُ حَيَاتُهُ بِحَالٍ، وَأَرْشُ أَلَمِ الأُمِّ يَنْدَرجُ تَحْتَ الغُرَّةِ إِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْنٌ، فَإنْ بَقِيَ وَجَبَ حُكُومَةُ الشَّينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقية مسألتان:
_________________
(١) في أ: كان.
(٢) ما ذكره من خمسين دينارًا هو المذكور في "الشامل" و"التهذيب" وغيرهما، لكن في "اللباب" للمحاملي قدره العلماء بسبعين دينارًا.
(٣) في أ: ذكره.
(٤) في أ: العقد.
(٥) في ز: بدر.
(٦) في ز: نقلناه.
(٧) سقط في ز.
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
إحداهما: فيمن يصرف إليه الغُرَّة، وفيمن تُؤْخَذُ منه.
أما من تُصْرَفُ إليه فَوَرَثَةُ الجَنِينِ، فتأخذ الأُمُّ نَصِيبَها إن كانت حَيَّةً عند انْفِصَالِ الجَنِينِ وحرة، والباقي للأب، فإن لم يكن، فلسائر العَصَباتِ.
ولو كان قد مات مورثٌ للجنين، وَوَقَفْنَا له شَيْئًا، فلا يجعل المَالُ المَوْقُوفُ لِوَرَثَةِ الجنين، بل يكون لِوَرَثَةِ ذلك المُوَرّثِ بخلاف الغُرَّةِ، تقدر فيها حياته تَغْلِيظًا على الجاني.
ولو جَنَتِ الحَامِلُ على نفسها بشُرْبِ دَواءٍ وغيره، فلا شَيْءَ لها من الغُرَّةِ المَأْخُوذَةِ من عاقلتها؛ لأنها قَاتِلَةٌ، وإنما هي لسائر وَرَثَةِ الجنين.
وأما من تُؤْخَذُ منه، فالجِنايَةُ على الجنين قد تكون خَطَأً مَحْضًا بأن يقصد غير الحامل فيصيبها، وقد يكون عَمْدَ خَطَأٍ، بأن يَقْصِدُ ضَرْبَها، ويضربها بما لا يُؤَدِّي إلى الإِجْهَاضِ غالبًا، فأَدَّى إليه، ولا يكون عَمْدًا مَحْضًا؛ لأنه لا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ وحَيَاتُهُ، حتى يقصد، هذا هو الظَّاهِرُ المَشْهُورُ.
وفي "المهذب" أنه قد يكون عَمْدًا مَحْضًا إذا قصد الإِجْهَاضَ، ونحا (١) صاحب "التهذيب" نحوه.
وذكر ابن الصَّبَّاغِ أن أبا إِسْحَاقَ قال: إنه وإن قَصَدَهَا بالضَّرْبِ يكون خَطَأً في حَقِّ الجنين؛ لأنه لا يباشر بالجناية.
وإذا قلنا بالظاهر، فسواء كانت الجِنايَةُ خَطَأً أو عَمْدَ خَطَأٍ، فالغرة على العاقلة، كما وَرَدَ في الخَبَرِ.
قال في "الشامل": والغرة بَدَلُ نَفْسٍ، فلا يَجِيءُ فيها القَوْلُ القديم فيما دون النفس، لكن في "جمع الجَوَامِعِ" للقاضي الروياني أن بَعْضَهُمْ أَثْبَتَ فيها القَوْلَ (٢) القديم في أن ما دُونَ ثلث الدِّيَةِ لا يُضْرَبُ على العَاقِلَةِ. والمذهب الأول. وإذا فُقِدَتْ الغُرَّةُ، وقلنا بالانْتِقَالِ إلى خَمْسٍ من الإبِلِ، فيغلظ إذا كانتِ الجِنايَةُ عَمْدَ خَطَأً بأن تُؤْخَذُ حِقَّةٌ ونصف وجَذَعَةٌ ونصف، وخَلَفَتَانِ، حُكِيَ ذلك عن الأُسْتَاذِ أبي طَاهِرٍ الرّيَادِيِّ، وتابعه الأَئِمَةُ، ولم يَتَكَلَّمُوا في التَّغْلِيظِ عند وجود الغُرَّةِ، إلا أن الرُّويانِيَّ قال: ينبغي أن يُقَالَ: تجب غُرَّةٌ قيمتها نِصْفُ عُشْر الدِّيَةِ المُغَلَّظَةِ، وهذا حَسَنٌ.
_________________
(١) في ز: ويحكى.
(٢) لم يتعرض لمجيء القول الآخر السابق هناك أن العاقلة لا تتحمل ما دون ثلث الدية وهذا لا بد من مجيئه.
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
ويجوز أن يُعْلَمَ؛ لما بينا قوله في الكتاب: "ويلزم عاقِلَة الجَاني" بالواو.
وكذا قوله "إذ لا يُمْكِنُ أن يكون قَتْلُ الجنين عَمْدًا".
وذكر صاحب الكتاب في "الوسيط" أنه لو كان عدد العاقلة لا يَفِي إلا بالنِّصْفِ، فعليهم نِصْفُ قِيمَةِ الغُرَّةِ، لا قيمة نصف الغرة، وبينهما فَرْقٌ، إذ الغُزَّةُ ربما تُسَاوِي أَلْفًا، والنصف يُوجَدُ بأربعمائة، فالوَاجِبُ عليهم نِصْفُ قيمة الكل، وهو خمسمائة.
ولك أَن تقول: نعم بينهما فَرْقٌ، لكن هذا كلام قَلِيلُ النَّوْلِ (١)؛ لأن الذي يحمله كُلُّ واحد منهم مَعْلُومٌ مَضْبُوطٌ، وجملة ما يحملونه تَخْتَلِفُ باختلاف عَدَدِهِمْ، فإن لم يَفِ عَدَدُهُمْ إلا بقيمة النِّصْفِ، لم يحملوا أكْثَرَ من قيمة النِّصْفِ، وإن وَفَّى بنصف القيمة أو أكثر، حملوا ذلك. هذا كُلُّه في الغُرَّةِ.
أَما بَدَلُ الجنين الرَّقِيقِ، فَيُصْرَفُ إلى السَّيِّدِ، وهل يتَحملهُ العَاقِلَةُ؟ فيه القولان المذكوران في بَدَلِ العَبْدِ.
المسألة الثانية: إذا جَنَى على الحامل بقطع طَرَفٍ أو جِرَاحَةٍ أخرى، فأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، يجب مع ضَمانِ الجنين ضَمانُ الجِنايَةِ حُكُومَةً كان أَو أَرْشًا مقدرًا، ويكون ضَمانُ الجِنايَةِ لها.
ولو تأَلَّمَتْ [بالضرب] (٢) وألقت الجَنينَ، فإن لم يَبْقَ شَيْنٌ لم يجب لِلألَمِ شَيْءٌ، وإن [بقي] (٣) شَيْنٌ، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يَجِبُ مع الغُرَّةِ شَيْءٌ، كما لا يجب لِلألَمِ.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه يجب حُكُومَةُ الشَّيْنِ مع الغرة، كما يجب ضَمَانُ الجِرَاحَةِ.
وقوله: "وأَرْشُ أَلَم الأم يَنْدَرجُ تحت الغُرَّةِ"، وهذه اللفظة إنما تَنْطَبِقُ على قولنا بوجوب الحكومة في الجِرَاحَةِ التي تعقب شَيْنًا، أو نُقْصَانًا.
والمَقْصُودُ أنه لا يَجِبُ مع الغُرَّةِ شَيْءٌ على ما بَيَّنَّا.
"خاتِمَةٌ": إذا سقط "الجَنِينُ مَيّتًا" وادْعَى وَارِثُهُ على إِنْسَانٍ أنه سَقَطَ بِجِنايَتهِ، فأنكر أَهْلَ الجناية، فهو المُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وعلى المُدَّعِي البَيَّنَةُ، ولا تُقْبَلُ فيه إلا شَهَادَةُ الرِّجَالِ.
_________________
(١) في ز: النزل.
(٢) سقط في ز.
(٣) سقط في ز.
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
وإن أَقَرَّ بِالجَنَايَةِ، وأنكر إِسْقَاطَهَا الجَنِينِ وَحَمْلَها، وقال: إِنَّ السَّقْطَ مُلْتَقَطٌ، فكذلك وهو المُصَدَّقُ، وعلى المدعي البَيِّنَةُ، وتقبل فيه شَهادَةُ النساء، فإن الإسْقَاطَ كالوِلاَدَةِ لا يَطَّلِعُ عليه غالبًا إلا النِّسَاءُ.
وإن أَقَرَّ بِالجِنَايَةِ والإسقاط، وأنكر كَوْنَ السُّقُوطِ بسبب الجناية، فينظر: إن أسقطت عَقِيبَ الجِنَايَةِ، فهي المُصَدَّقَةُ باليمين، سواء قال: إنها شَرِبَتْ دَوَاءً، أو ضرب بَطْنَها إِنْسَانٌ آخر، أو قال: حَانَ وَقْتُ وِلاَدَتِهَا، ولذلك انْفَصَلَ الوَلَدُ؛ لأن الجِنايَةَ سبب ظَاهِرٌ في الإسْقَاطِ، والأصل أنه لم يوجد سَبَبٌ آخر، والوِلاَدَةُ قد تَتَقَدَّمُ، وقد تَتأَخَّرُ، فلا يصرف السُّقُوط عن الجِنايَةِ الظاهرة بِأَمْرٍ محتمل.
وإن أَسْقَطَتْ بعد مُضِيِّ مدة في وَقْتِ الجِنَايَةِ، فهو المُصَدَّقُ باليمين؛ لأن الظاهر معه، إلا أن تُقِيمَ بَيِّنَةً على أنها لم تَزَلْ ضَمِنَةً مُتَأَلِّمَةٌ حتى أَسْقَطَتْ.
ولا تُقْبَلُ هذه الشَّهَادَةُ إلا من رَجُلَيْنِ.
وضبط صاحب "التتمة" المدة المُتَخَلِّلَة بما يَزُولُ فيه ألَمُ الجِنَايَةِ. وأَثَرُها غالبًا.
وإن اتَّفَقَا على أن الجَنِينَ سَقَطَ بجنايته، وقال الجاني: إنه سَقَطَ مَيِّتًا، وقال الوارِثُ: بل حَيًّا، ثم مات، فالواجِب الدِّيَةُ، فعلى الوارِثِ البَيِّنَةُ على ما يَدَّعِيهِ من الحَيَاةِ والاسْتِهْلاَلِ وغيره، ويقبل فيه شَهَادَةُ النساء؛ لأن الاسْتِهْلاَلَ حينئذ لا يَطَّلِعُ عليه إلا النِّسَاءُ غالبًا كالوِلاَدَةِ.
وعن حكايته الرّبيع أنه لا يُقْبَلُ إلا من رَجُلَيْنِ، وإن أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً على ما يقوله، فَبَيِّنَةُ الوارِثِ أوْلَى؛ لأنها تَخْتَصُ بزيادة عِلْمٍ، وهي الحياة.
ولو اتَّفَقا على أنه انْفَصَلَ حيًا بِجنايَتِهِ، وقال الوارِثُ: مات بالجناية، وقال الجاني: بل بِسَبَبٍ آخر، فإن لم يَمْتَدَّ الزَّمَانُ، فالمُصَدَّقُ الوارث بيمينه؛ لأن الجِنايَةَ سَبَبٌ صَالِحٌ، ولم يظهر سَبَبٌ آخر، فكان المَوْتُ مُحَالًا عليه.
وإن امْتَدَّ الزَّمَانُ، فالمُصَدَّقُ الجاني بيمينه، إلا أن يقيم الوارِثُ بَيِّنَةً على أنه لم يَزَلْ مُتأَلِّمًا إلى أَن مات.
ولو أَلْقَتْ جَنِينَيْن، وادَّعَى الوَارِثُ حَيَاتَهُمَا، وأنكر الجاني حَياتَهُمَا فأقام (١) الوارث بَيِّنَةً (٢) على اسْتِهْلالِ أحدهما.
قال في "التتمة": الشهادة مَسْمُوعَةٌ، ثم إن كانا ذَكَرَيْنِ، فتجب ديَةُ رَجُلٍ وغُرَّةٌ، وإن كانا أنثيين فَدِيَةُ امْرَأَةٍ؛ وغرة، وإن كان أحدهما ذَكَرًا والآخر أُنْثَى، فيوجب
_________________
(١) في أ: وأقام.
(٢) في ز: شاهدين.
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
المتيقن (١)، وهو دِيَةُ امرأة وغُرَّةٌ. ولو سلم الوارث اسْتِهْلاَلَ أَحدهما، وكان أَحدهما ذَكَرًا، والآخر أُنْثَى، فقال الوارث: إنما اسْتَهَلَّ الذَّكَرُ، وقال الجاني: بل الأُنْثَى، فالمُصَدَّقُ بيمينه الجانِي (٢)، وَيحْلِفُ على نَفْي العلم باسْتِهْلاَلِ الذَّكَرِ، ويحكم بِدِيَةِ امرأة وغرة فإن صدق الجَانِي الوارِثَ على اسْتِهْلاَلِ الذَّكَرِ، وكذبت العَاقِلَة، فعلى العَاقِلَةِ دِيَةُ أُنثى، وحكومة (٣)، والباقي في مَالِ الجَانِي.
ولو أَلْقَتْ جنينين حَيَّيْنِ وَمَاتَا، وماتت الأُمُّ بينهما، ورثت الأمُّ من الأول، ووَرِثَ الثاني من الأُمِّ، فقال وارث الجنينين، ماتت الأُمُّ أوَّلًا، فَوَرِثَها الجَنِينُ، ثم مات الجَنِينُ فورثته، وقال وَارِثُ الأُمِّ: مات الجَنِينُ أوّلًا، وورثت الأُمُّ الوَاجِبَ بالجناية، ثم ماتت، فَوَرِثَتْ مِنها، فإن كان لأحدهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها، وإلا فإن حلف (٤) أحدهما ونَكَلَ الآخر حُكِمَ بيمين الحالِفِ، وإن حَلَفَ أو نَكَلاَ لم نورث أَحَدَهُمَا من الآخر؛ لأنه عَمِيَ مَوْتُهُمَا، وما تَرَكَهُ كُلُّ واحدٍ منهما لِوَرَثَتِهِ الأَحْيَاء، والله أعلم.