الثياب، كذلك حكاه ابن الصبَّاغ والرويانيُّ وغيرهما، ثم فيه فروع:
الأول: إن كان على الغصْن مائةُ فرْعٍ، ضرب به دفعةً واحدةً، وإن كان عليه خمسونَ، ضُرِب به مرتين، وعلى هذا القياس.
والثاني: لا يكفي الوضع عليه، بل؛ لا بُدِّ مما يسمى ضربًا، وينبغي أن تَمَسَّه الشماريخ، أو [ينكبس] بعْضُها على بعْض [ليثقل الغصن] ويناله الألم، فإن لم يَمَسَّهُ، ولا انْكَبسَ (١) بعضُها على بعض، أوشَكَّ فيه، لم يَسْقط الحدُّ، وفي "النهاية" ذكْر وجْه ضعيف: أنه لا يُشْتَرط الإيلام.
والثالث: لا تُفَرَّقُ السياطُ على الأيام، وإن احتمل التفريق، بل يقام عليه الحدُّ الممكِنُ، ويُخَلَّى سبيله.
والرابع: سيأتي في "حد الشرب" الكلام في صفة السوْط الذي يُجْلَد به، فإن كان لا يحتمل الضرْبَ بها، وأمكن ضربه بقضبان وسياط خفيفة، فقد تردَّد فيه الإِمام، وقال: ظاهر كلام الأصحاب: أنه يُضْرب بالشماريخ، والذي أراه أنه يُضْرَب بالأسواط الخفيفة؛ لأنه أقرب إلى صورة الحدِّ.
والخامس: لو بَرأَ قبل أن يُضْرب بالشماريخ، أقيم عليه حد الأصحاء، وإن بَرَأ بعده، لا يعاد عليه الحدُّ بخلاف المعضوب، إذا حُجَّ عنه، ثم اتَّفق برؤه؛ لأن الحدود مبنية على الدرء، وفي إقامة الضرب بالشماريخ مُقَامَ الضرباتِ والجَلْدِ بالسياط مزيدُ كلام يُذْكر في "الأيمان"، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "رجم" بالواو، وكذا قوله "أُخِّر إلى البُرْء"
وقوله "فَيُضْرَبُ بعُثْكَال" بالحاء والميم، وقوله "ضربًا مؤلمًا" يتعلق بقوله "فيُضْرَبُ بعثكال" لا بقوله "ضُربَ مرتين" خاصة، ويجوز أن يُعْلَم قوله "مؤلمًا" بالواو، وقوله "ولا تُفَرَّق" بالميم؛ لما قدَّمنا.
وقوله "فالقياس أنه أولَى من الشماريخ" أراد به الرأْيَ الذي [رآه] (٢) الإِمام، وليس المعنى أنَّه يجوز الضربُ بها والضرَّبُ بالشماريخ [والضرب بها] أولَى، ولكن المعنى أنه أقرَبُ إلى صورة الحدِّ؛ فيتعيَّن.
فُرُوعٌ: يؤخَّر القطْع بالسرقة إلى البرء أيضًا، ومَنْ لا يرجى زوال مرضه، إذا سَرَق، هل يُقْطَع؟ حكَى صاحب "البيان" فيه وجهين:
المذْهَبُ منهما، وهو المذكور في "التهذيب"، أنه يُقْطَع، وإلا، ففيه إهمال
_________________
(١) في ز: انكسر.
(٢) في أ: يراه.
[ ١١ / ١٥٩ ]
الحدِّ، وإذا وجب حَدُّ القذف على مريض، قال القاضي ابن كج: يقال للمستحِّق: إما أنْ تَصْبر إلى البرء أو "يَقْتَصِر على الضَّرْب بالعُثْكال"، وفي "التهذيب": أنه يجلد بالسياط سواءٌ كان المرضُ مما يرجَى زواله أو مما لا يرجَى؛ لأن حقوق العباد مبنية علَى التضييق (١)، وجلْدُ الشُّرْب كَجلْدِ الزنا.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُقَامُ الجَلْدُ فِي فَرْطِ الحَرِّ وَالبَرْدِ، وَكَذَا الرَّجْمُ (و) وإنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ سُقُوطُهُ برُجُوعِهِ أَوْ تَوْبَتِه بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى اعْتِدَالِ الهَوَاءِ، وَهَذَا التأْخِيرُ مُسْتَحَبٌّ وَلَكِنْ إنْ تَرَكَهُ فَهَلَكَ فَالنَّصُّ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ، وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ خَتَنَ المُمْتَنِعَ عَنِ الخِتَانِ فِي الحَرِّ فَسَرَى ضَمِنَ، وَقِيلَ قَوْلانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: إِنَّ الخِتَان فِي الأَصْلِ لَيْسَ إلَى الإِمَامِ فَلِذَلِكَ ضَمِنَ، فَإنْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ احْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ التَّأْخِيرُ وَاجِبٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وكما لا يقَام الجلْدُ في المرض خشيةَ الهلاك بِتَعَاوُنِ الجَلْدِ والمرض، لا يقام في الحَرِّ والبَرْدِ المُفْرِطَيْنِ خشيةَ الهلاك بتعاون الجَلْد والهواء، ولكن يؤخَّر إلى اعتدال الهواءِ، وكذلك القَطْع في السرقة بخلاف القصاص وَحَدِّ القَذف. وأما الرجْم، فإن ثبت بالبينة، لم يؤخَّر؛ لأنه مقتولٌ، وإن كان الزمان معتدلًا، وإن ثبت بالإقرار، فوجهان:
أحدهما: أن الحكْمَ كذلك؛ لثبوت ما يوجب الهلاك.
والثاني: يؤخَّر؛ لأن الرجوع عن الإقرار مقْبولٌ، وقد يَرْجِع بعد تأثير الرميْ فيه، فيُعينُ الهواء على إهلاكه، وفَرقَ صاحب "التهذيب" بينه وبين ما إذا ثبت الرجْم على امرأة بلعان الزوْج، حيث لا يؤخَّر، وإن كان قد يَسْقط بلعانها؛ لأن الرجوع عن الإقْرار مستحبُّ، وإن كان صادقًا في الإقرار ولعان المرأة، بعْد امتناعها عنْه، وهي محقة في الامتناع، غير مستحبٍّ بل غير جائز، فصار كما لو ثبتَ بالبينة، لا يؤخَّر، وإن كان يُتوهَّم سقوطه برجوع الشهود؛ لأنهم إذا كانوا صادِقِينَ، لا يجوز لهم الرجوع، والذي يميل إلَيْه كلامُ أكثرهم أنَّه لا يؤخَّر، وقد صرَّح به مُصرِّحون، والذي أورده صاحب الكتاب: أنه يؤخَّر، وفي المريض قال: يُرْجَم في الحال من غير فَرْق بين أن يثبت بالإقرار أو بالبينة، والخلافُ في الصورتين واحدٌ فَلْيَكُنِ الجوابُ فيهما واحدًا.
وقوله "إن كان يُتوهَّم سقوطه برجوعه" يَعْني عن الإقرار، إذا ثبت بالإقرار، وأما قوله "أو بثوبته" فالمقصود منه أنَّا إذا قلْنا: إن الحد يسقط بالتوبة، فقياس التأخير لتوقُّع
_________________
(١) قال في المهمات: الصحيح ما قاله في "التهذيب" فقد جزم به المصنف في باب استيفاء القصاص.
[ ١١ / ١٦٠ ]
الرجوع أن يُؤخَّر لتوقُّع التوبة، وهذا ينساق إلى التأخير أبدًا، وهو بعيدٌ، ولم يتعرَّض لذلك في "الوسيط"، ويجوز أن يُعْلَم قوله "أو بثوبته" [بالواو؛] (١) للخلاف في أنه هل يَسْقُط بالتوبة؟ وقوله "بل يؤخَّر إلى اعتدال الهواء" أي كلّ واحد من الجَلْدِ والرَّجِمْ؛ حيث يُتوهَّم سقوطه؟
وإذا جَلَدا الإمامُ في المَرَض أو في شدَّة الحرِّ أو البَرْدِ، ولم يؤخِّر، فهلك المجلُودُ بالسراية، فالنص أنه لا يَضْمَنُ، وعن نصه في موضعٍ آخرَ أنه لو [خَتَنَ] (٢) الأَقْلَفَ (٣)، في شدةِ الحَرِّ أو البَرْدِ، فَسَرَى إلى نفْس، أنه يَضْمَنُ، وفيها طريقان:
أحدهما: [أن] (٤) في المسألَتَيْنِ قولَيْن بالنقل والتخريج.
أحدُهما، أنه لا ضمان فيهما، لأن التلَفَ حَصل مِنْ واجبٍ أقيم عليه.
والثاني: يجب، لتقصيره بترك التأخير.
والثاني: تقرير النصَّيْن، وفُرِقَ بأن الحدَّ ثبت نصًّا، والختانُ ثبَتَ بالاجتهاد، وبأن استيفاء الحدود إلى الإِمام، فلا يؤاخَذُ بما يتولَّد منها، ويقضي إليه عاقبتها، والختانُ لا يتولاَّه الامامُ في الأصْل، بل يتولاَّه الإنسان مِنْ نَفْسِه، أو يقوم به وليُّه في صِغَره، فإذا تولاَّه الإمامُ بالنيابة، شَرَط عليه سلامة العاقبة، والظاهر في إقامة الجَلْد: أنه لا يَضمْن، وإن أثبتثا الخلافَ، ثم إذا قلنا: [بوجوب] (٥) الضمان، فيجب جميعه أو نصْفه، وكأن الهلاك حَصَل مِنْ مباح ومحظور؟ فيه (٦) وجهان، وهل الضمان على عاقلة الإِمام، أو في بيت المال؟ فيه خلاف قد سَبَقَ في نظائره، وسيأتي أيضًا، وللإمام مباحثةٌ هاهنا، وهي (٧) أَنَّا، إن لم نوجب الضمان، فالتأخيرُ مستحبٌّ لا محالة، وإلا، لوجب الضمان بالتعدِّي، وإن أوجبنا الضمانَ، فوجهان:
أحدهما: أن التأخير واجبٌ، وإنما ضَمَّناه لِتَعَدِّيهِ بترك الواجب.
والثاني: أنه يجوز التعْجيل، ولكن بِشَرْط سلامة العاقبة، كما في التعزيرات، وقد يُفْرَق بأن التعزيرَ غير مقدَّر، فيمكِنُ أن يقال: التعزير المأمور [به] هو الذي لا يُهْلِك، فإذا هَلَك، تبيَّن أنه لم يقتصر على المأمور به، والحدُّ مأمور به مع كونه مهلِكًا، فإنه لو والَى متعدٍّ بضرب مائة سَوْط، لوجب عليه القصاص، وقوله في الكتاب "فإن أوجبنا
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
(٣) في ز: إلا تلف.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: يوجب.
(٦) سكت الشيخ عن الترجيح. قال في المهمات: الأصح في باب ضمان البهائم أنه يضمن النصف.
(٧) في ز: وهو.
[ ١١ / ١٦١ ]
الضمان، احْتُمِلَ أن يقال: التأخير واجبٌ بَعْد ما ذكر أوَّلًا أنه مستحبٌّ إشارةً إلى هذه المباحثة،. والنظْم يُشْعِر بأن الظاهر الاستحبابُ، وفي "المهذَّب" وغيره إطلاقُ القولِ بأنه لا يجوزُ التعجيلُ في شدة الحَرِّ والبردِ، ويجوز أن يقال بوجوب التأخير مع الاختلاف في وجُوب الضمانِ، لو لم يؤَخَّر، كما نقول: يوجب الآحاد تفويضَ إهلاك [الزاني] (١) المحْصَن إلى الإِمام مع الخلاف في وجوب الضمان، لو قتله قاتلٌ، ولم يفوِّض إلى الإِمام، وقوله "ولكن إن تَرَكه" أي ترك الإمامُ التأخير.
والخلافُ في وجوب الضمان، إذا لم يؤخِّر إلى اعتدال الهواء يَجْرِي فيما إذا لم يؤَخِّر جلْدَ المريض إلى أن يَبْرَأَ، فهلَك منه بلا فَرْق.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا مُسْتَوفِي الحَدِّ فَهُوَ الإِمَام في حَقِّ الأَحْرَارِ وَالسَّيِّدُ فِي حَقِّ الرَّقِيقِ الْقِنِّ دُونَ المُكَاتَبِ (و) وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ (و)، وَالمُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ قِنٌّ، ثُمَّ لِلإِمَامِ الاسْتِيفَاءُ أَيْضًا، فَإنِ اجْتَمَعَ السَّيِّدُ وَالسُّلْطَانُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى فِيهِ احْتِمَالٌ، وَللسَّيِّد أَيْضًا التَّعْزِيرُ، وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ وَالفَاسِقِ وَالمُكَاتَبِ اسْتِيفَاءُ الحَدِّ مِنْ عَبِيدِهِمْ فِيهِ خِلاَفٌ مَبنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ بِطَرِيقِ الوِلاَيَةِ وَاسْتِصْلاحَ المِلْكِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ اسْتِصْلاَحًا لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ القَتْلُ فِي الحَدِّ، وَفِي القَطْعِ خِلاَفٌ، ثُمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا شَاهَدَ السَّيِّدُ زِنَاهُ أَوْ أَقَرَّ، فَإنْ قَامَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ فَفِي سَمَاعِ البَيِّنَةِ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يَسْتَقِلُّ بِالحُكْمِ فَلاَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بأحْكَامٍ الحُدُودِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَعْنَا مِن أحدِ الفصْلَيْن؛ وهو القول في كيفية الاستيفاء، والفصل الثاني: في المستوفِي والمحدودِ، إمَّا حُرٌّ أو غيره.
أما الحُرُّ، فقد قدَّمنا أن استيفاء حدِّه إلى الإِمام أو مَنْ فوض إليه الإِمام؛ وذلك، لأنه لم يُستوْفَ حدٌّ في عهد رسول الله -ﷺ- إلاَّ بإذنه، وفي عهد الخلفاء الراشدين -﵃- أجمعين إلاَّ بإذْنهم، وفي "تتمة التتمة" أن الشيخ أبا سعد المتولِّي حَكَى عن رواية القفَّال قولًا: إنه يجوز استيفاؤه [للآحاد] على سبيل الحسبة؛ كالأمر بالمعروف، وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿فَاَجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وهذا الخطاب عامٌّ، ويجوز أن يُعْلَم؛ لهذا قوله في الكتاب " [فهو] الإِمام في حقِّ الأحرار" [بالواو] (٢) وأما غيره، فللسيد أن يقيم الحدَّ على مملوكه، وأن يفوِّضه [إلى غيره]، ولا يحتاجُ فيه إلى مراجعة الإمَام، ولا فَرْقَ في ذلك بين العبد والأمة، وقال ابن القاضي في "المفتاح": في العبد قولان قلته تخريجًا، وكأنه ألحق ذلك بالإجْبار على النِّكَاح، ولم
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
[ ١١ / ١٦٢ ]
يساعدْه الأصحاب على ذلك، وقطَعُوا بأنَّ له إقامة الحدِّ عليهما، وبه قال مالك وأحمد، إلا أن مالكًا شَرَطَ في الأَمةَ ألاَّ تكونَ مزوَّجة، وقال أبو حنيفة: ليس للسيد ذلك بَلْ هو إلى الإِمام، كما في الأحرار.
لنا: ما رُوِيَ أنه -ﷺ- قال: "أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (١).
وعن أبي هريرةَ -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا، وَلاَ يُثرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلاَ يُثْرِبْ، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ" (٢).
قوله: "ولاَ يُثَرِّبْ عَلَيْهَا" قيل: لا يوبِّخْها، ولا يُعَيِّرْهَا، وقيل: لا يبالغْ في جَلْدِها، بحيث يدْمِيهَا، وكما يجوز للسيد إقامةُ الحدود على مملوكه، يجوز للإمام إقامته أيضًا، ومن ابتدر إليه منها، وقع الموقع، ونقل الشيخ أبو خَلَفٍ الطبريُّ وجهين، في أن الأولَى للسيد أن يقيم الحدَّ بنفسه، ليكون أستر، ولئلا ينقص قيمة العبْد بظهور زنَاهُ أو الأَوْلَى أن يفوضه إلى الإِمام ليخرج من الخلاف.
وإذا تنازع في إقامته الإمامُ والسيِّدُ، فمن الأَوْلَى منهما؟ فيه احتمالان للإمام:
أحدهما: أن السيد أولَى؛ لغرض استصْلاَح المِلْك.
وأظهرهما: أن الإِمام أولَى، لولايته العامة، وإقامةُ الحدودِ من آثار الولاية، وهذا كما أنه أولى بالإمامة في الصلواتٍ، وذكر احتمالًا ثالثًا، وهو، أن يُفْرِقَ بين الجَلْد، فيُجْعَلَ السيِّدُ أَوْلَى به، وبيْن القطْع والقتْل؛ فيُجْعَل الإمامُ أولَى بهما؛ لأن إعمال السلاح لصاحب الأمر أليقُ، والعبد المشترَكُ، يقيم الحدَّ عليه مُلاَّكُه، وتُوزَّع السياط على أقْدار المِلْك، فإنْ وقَع كسْرٌ، فوَّضوا المنْكَسِر إلى أحَدِهم، وهل يُغَرِّب السيدُ، كما يجلد تفريعًا على أن العبْدَ يغرَّب؟ فيه وجهان:
أحدهما: ويحكَى عن ابن سريج: لا؛ لأنه -ﷺ- قال: "فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ" ولم يتعرض للتغريب.
وأصحُّهما: نعم؛ لأنه بعض الحدِّ، وقد ورد "أقيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ".
[والمدَبَّر وأم الولد]، والمعلَّق عتقه بصفة، كالقِنِّ لبقاء الرقٌ وقيام ولاية السيد
_________________
(١) أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي، من حديث علي، وأصله في مسلم موقوف من لفظ عليّ في حديث، وغفل الحاكم فاستدركه.
(٢) الحديث متفق عليه.
[ ١١ / ١٦٣ ]
عليهم، والمكاتَبُ كالحرِّ، لخروجه عن قبضة السيد، وعن ابن القطَّان تخريج وجه: أنه كالقِنِّ؛ لأن المكاتب عبْد ما بقي عليه درهمٌ، ومَنْ بعضُه حرٌّ، لا يقيم [الحد عليه] إلا الإمامُ؛ لأنه لا ولاية للسيد على [الجزء] (١) منُه، والحدُّ متعلِّق بجملته، قال في "النهاية": ورأيت في النسخة عن الصيدلانيِّ إلحاقَهُ بالمدَبَّر، وأم الولد، وهو خطأ صريحٌ وأحْسَبُه من خلل النسخة، ثم ما سبيل إقامة السيدِ الحَدَّ على مملوكه؟ فيه وجهان للأصحاب، فيُخرَّج عليهما أكثرُ صُوَرِ الفَصْل:
أحدهما: أنهُ يُقيمُه بالولاية على المِلْك، كما يلي أمر تزويج المملوك.
والثاني: يُقيمُه تأديبًا واستصلاحًا للمِلْك، كما يعالج بالقصد والحِجَامة، وفي الفصْل بعد هذا مسائل:
إحداها، فيما يقيمه السيد على المَمْلُوك من العقوبات؛ أما التعزير، فله ذلك في حقوق الله تعالى، كما يؤدِّب المملوك، لَحَقِّ نفسه، وفيه وجهٌ؛ لأن التعزير غير مضبوط، فيفتقر إلى نَظَرٍ واجتهادٍ، وأما الحدود، فله الجلْدُ في الزنا، وألحق به الجلْد في الشرب، وفي حدِّ القذْف، ورَوَى أبو خَلَف الطبريُّ عن رواية القفَّال وجهًا، أنه لا يقيم الجلْدَ في الشرب، وفَرَّقَ بينه وبين الزنا؛ بأن للسيد في بُضعِ الأمة حقًا، وكذلك في بُضْع العَبْدِ؛ ألا ترى أنه لا ينكح إلا بإذْن السيدِ، فيمكن من جَلْد المملوك؛ لجنايته على محلِّ حقه، والشربُ بخلافه، وقياس هذا الفرْقِ مجيْءُ الوجهِ المذكور في جلْد القذف. وفي قطْع السرقة والمحاربة وجهان:
أحدهما، ويُحكَى عن ابن سريج: أنه لا يتمكَّن منه؛ لأن ما يقطع به السارق مختلفٌ فيه، فيحتاج إلى نَظَر واجتهادٍ، وفَرَق بينه وبيْن الجلْد بأنَّه يملك جنس الجَلْد في التعزير بخلاف القطْع، وبأن له في إقامة الحد غَرَضًا، وهو أن يَخْفَى الحال، فلا ينتقص قيمته، والقطْعُ يظهر لا محالة.
وأصحُّهما، وهو ينسب إلى نصِّه في البويطي، يتمكن لإطلاق الخبر، ورُوِيَ أن ابن عُمَر -﵄- قَطَع عبْدًا لَهُ سَرَقَ، وأنَّ عائشةَ -﵂- قَطَعَتْ أمَةً لَهَا سَرَقَتْ، والوجهانِ جاريانِ في القَتْل بالرِّدَّةِ واستدلَّ لجوازه، بأن حفصة -﵂- قتَلَت أمَةً لها سَحَرَتْهَا، وإنما يقتل الساحر [بكفْره]، وبنى بعضهم الخلافَ على أن إقامة الحدِّ بالولاية على الملْك أو بطريق الاستصلاح، وقال: إن قلنا: إنه يقيم الحدَّ استصلاحًا، لم يكن له القطْع بالقتْل؛ لأن فيهما استهلاكَ المَحَلِّ دون الاستصلاح، وفَرَقَ بعضُهم بين القطْع؛ لأنه قد ينتفع بالأقطْع ويرى القطْع استصلاحًا،
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١١ / ١٦٤ ]
وبين القتْل؛ فإنه استهلاك محضٌ وهذا يشير إلى طريقةٌ قاطعةٌ بأنه [يَتمكَّن] (١) من القطْع، وقد صرَّح بنقلها القاضي الرويانيُّ وأجرى جماعةٌ منهم ابن الصباغ الخلاف المذكور في [القطْع والقتْل] هاهنا في القتْل والقطْع قصاصًا، وفي "التهذيب" أن الصحيح أن القطْع والقتْل إلى الإِمام، وقَدْ يخرج من هذا خلاف في حَدِّ القَذْف.
المسألة الثانية، في أحوال السيد، فإن كان مستجمعًا لصفات الولاية، أقام الحدَّ، وفي المرأة وجهان:
أصحهما: لها إقامة الحدِّ؛ بناءً على أن سبيلها سبيلُ الاستصلاح، ويدل عليه إطلاقُ الخَبَر، وأيضًا ما روينا عن عائشة وحفصة -﵄- ورَوي عَنْ فَاطمةَ -﵂-[أنَّها] (٢) جَلَدَتْ أمةً لَهَا زَنَتْ.
والثاني: المنع، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأن إقامة الحد، ولايةٌ على الغَيْر فلا يثبت للمرأة: كولاية التزويج، وعلى هذا فوجهان:
احدهما: يقيمه وليُّها، كما يزوِّج معتقها.
وأظهرهما: أنه يقيمه الإِمام؛ لأنه الأصل في إقامة الحدِّ، فإذا لم يكن المالكُ أهلًا، عاد الأمر إليه، والوجهان في المرأة يجريان في الفاسِقِ والكافِر والمكاتب في وجْه، لا يقيمون الحدَّ نظرًا إلى معنى الولاية، ويُحْكَى ذلك عن أبي إسحاق، والأظهر: أنهم [يقيمون الحد] (٣)، ويقال: إنه منصوص عليه في القديم في حق الفاسق، ورجَّح صاحب "التهذيب" في المكاتَبِ المنْع، وفي كتاب القاضي ابن كج: أن السيد لا يقيم الحد على عبيد مُكاتَبِهِ على المذهب، وإن قلنا: إنه يقيم الحد عليهم؛ لأنه لا يَملِكُ إعتاقهم، والتَّصرف فيهم، وفيه أنه ليس للكافر إقامة الحدِّ على عبده المُسْلِم بحال، ورقيق المجنون والصبي ذُكر فيه طريقان:
أحدهما: أن أباه وجَدَّه يقيمان الحدَّ عليه، وفي الوصيِّ والقيِّم وجهان.
والثاني: [أن] في الكلِّ وجهين، وربما يبنى (٤) على الخلاف في أن وليَّ الطفْل، هل يزوِّج رقيقه؟ ويشبه أن يقال: إن جعلْنا الحد استصلاحًا، فلهم إقامته، وإن قلْنا: يقام بطريق الولاية، ففيه الخلاف، وفي "البيان" وغيره ذكر وجهين في أنَّه هل يجوز أن يكون السيد جاهلًا، بناءً على أنه استصلاحٌ أو ولايةٌ؟ وخرج على معنى الولاية أن الجَهْل يَمْنَع منها كولاية الحاكم، ولا بدَّ وأن يكون عالمًا بمقدار الحد وكيفيته.
_________________
(١) في ز: ممكن.
(٢) سقط في ز.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
[ ١١ / ١٦٥ ]
المسألة الثالثة: العقوبة التي يقيمها السيِّد على عبْده يقيمُها إذا أقرَّ عبده بموجبها، ولو شاهَدَه السَّيِّدُ منه، فهل يقيم الحدَّ عليه؟ فيه وجهان بناء على القاضي هلْ يَقْضِي بعلمه في الحدود؟ والأظهر، نعم، وهو الذي ذكَره في الكتاب، وإن كانتْ عليه بينة، فهل يسْمَعُها السيد؟ فيه وجهان.
أصحُّهما: نعم؛ لأنه يمْلِكُ إقامةَ الحدِّ، فيملِك سماع البينة كالإمام، وعلى هذا، فيُنْظر في تزكية الشهود، أيضًا، ولا بد وأن يكون عالمًا بصفات الشهود وأحكام الحدود.
والثاني: لا تُسْمع البينة، فإنه من مناصب القضاة، فلا يزاحمهم فيه بخلاف الضرب في الحدِّ، فهو تأديبٌ، فعلى هذا إذا سمع الحاكمُ البينة، وأثبت الحدَّ، كان للسّيِّد إقامته، وبنى بعضُهم الخلافَ في سماع البيِّنة على أن الحدَّ استصلاحٌ أو ولايةٌ؟ إنْ قلنا: استصلاح، لم يكن له سماعها، وإن قلنا: ولاية، فوجهان، ويجوز أن يُعْلَم لما بيَّنَّا قوله في الكتاب "والسيد في حق الرقيق" مع الحاء بالواو، ولا يبعد أن يضاف إليهما بالميم، وقوله "دون المكاتَبِ" بالواو، وكذا قوله "وللسيد أيضًا التعزير".
وقوله "إذا شاهد السيِّد زناه" وقوله "وفي القطع خلاف" يجوز إعلامه بالواو أيضًا؛ للطريقة القاطعة التي تقدَّمت.
فروع عن "التهذيب": لو قذف المملوكُ زوجَتَه المملوكة، هل يُلاَعِنُ السيد بينهما، كما يقيم الحد؟ فيه وجهان، ولو قذَف العبْد سيِّده، فله إقامة الحدِّ عليه، ولو قذف السيد عبده فَلَه رفْع الأمر إلى القاضي؛ ليعزِّره، وإذا زنَى ذميٌّ، ثم نقض العهْد، فاسترقَّ، لم يسقط عنه الحدُّ، ويقيمه الإِمام لا السيد؛ لأنَّه لم يكن مملوكًا يومئذ، ولو زَنَى عبْدٌ فباعه سيده، فإقامة الحدِّ إلى المشتري اعتبارًا بحال الاسْتيفاءِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَكُلُّ مَنْ قُتِلَ حَدًّا أَوْ لِتَرْكِ صَلاِةٍ غُسِّلَ وكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ المُسْلَمِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من قُتِل حدًّا بالرجم وغيره غُسِّل، [وكُفِّن] (١) وَصُلِّيَ عليه، ودُفِنَ في مقابر المسلمين، وكذلك تارِكُ الصلاة، إذا قُتِل على ما بين في موضِعه، وفي "البيان" أن مالكًا قال لا يُصلَّى على المرجوم. لنا: أنه -ﷺ- أمر بالغامِديَّة، فَرُجِمَتْ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ، وَأَمَرَهُمْ أن يُصَلُّوا عَلَى الجُهَنِيَّة، وَيَجُوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "أو لترك صلاة" بالألف، وقوله "غُسِّل، وكُفِّن وصُلِّيَ عليه" بالواو.
وقوله "وصُلِّي عليه" بالحاء أيضًا؛ لما ذكرنا في قاطع الطريق في الجنائز، وفي
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١١ / ١٦٦ ]