رجلانِ قطع من أحدهما نصفُ لسانه، فذهب ربع كلامه، ومن الآخر نصْفُ لسانه، وذهب نصف كلامه، فقطع الأوَّل النصف الباقي من لسانِ الثانِي، لم يقتص منْه، وإن أجرينا القصاصَ في بعض اللسان؛ لنقصان المجنيَّ عليه.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: قوة.
(٣) في ز: الباقي.
[ ١٠ / ٤٠٠ ]
قطع نصف لسانه، وذهب نصف الكلامِ، فاقتص من القاطع، ولم يذهب منه إلاَّ ربع الكلام، يأخذ المجنيُّ عليه ربع الدية؛ ليتم حقُّه، وإن ذهب من المقتصِّ منه ثلاثةُ أرباع الكلامِ، فلا شيء على المجنيِّ عليه؛ لأن سراية القَوَدِ مُهْدَرة.
عود الكلامِ بعد ما ظُنَّ زواله، وأخذت الديةُ كعَودِ السمْع (١) والبَصَر.
من لا يتكلَّم بحرفِ من الحروف، إذا ضرب لسانه، فانطلق ذلكَ الحرفُ، وفات حرفٌ آخر، وجب قسطُ الحرفِ الفائتِ من الديةِ، ولم ينجبر الفائتُ بما انْطلق، وذلك مثل أنْ كان لا ينطقُ (٢) لسانه بالتاء، وكان ينطقُ بالسينِ، فانطلق لسانه بعد الجناية بالتاءِ، وذهب مُكْنَة النطق بالسين، قال الإمامُ: والتوزيعُ يقع على الحروف، وفيها التاء (٣) المستفادةُ، أم على الحروف التي كانتْ في اللسان قبل الجناية، هذا موضع النظر.
ولك أن تقولَ: ليبن هذا عَلَى أنَّ مَنْ يحسن بعض الحروفِ، وله كلامٌ مفهومٌ، إذا أبطل بالجناية بَعْضَ ما يحسنه يكونُ التوزيع عَلَى ما يحسنه، أو على جميع الحروفِ، فإن قلنا بالأول، فالتاء المستفادةُ لا تدخلُ في التوزيع، وإن قلنا بالثاني، فهما داخلان جميعًا فيه.
ومن في كلامه عجلة واضطرابٌ (٤) إذا ضرب ضاربٌ لسانه، فانطلق واستقامَ لسانُه، لم يلزم الضاربَ شيءٌ؛ لأنه لم ينتقص (٥) جرم ولا منفعة.
قطع فلقة من لسانه، ولم يبطل به شيءٌ من الكلامِ، قال الإِمام: من (٦) راعى الكلامَ، لم يوجبْ على القاطع إلاَّ الحكومةَ، ومن راعى الجرم، أوجب قسْطًا بالنسبة إلى اللسان، لكن في هذا إيجاب المقدَّر من غير تفويتِ الكلامِ، ولو صحَّ ذلك، لزم إيجاب الدية الكاملةِ في لسانِ الأخْرَس، وبوجوب الحكومة، أجاب في "الوسيط"
قال الغَزَالِيُّ: السَّادِسَةُ: الصَّوْتُ وَفِي إبْطَالِهِ كُلُّ الدِّيَةِ فَإِنْ بَطَلَ مَعَهُ حَرَكَهةُ اللِّسَانِ فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ واحِدَةٌ لأنَّ الصَّوْتَ يُقْصَدُ لِلنُّطْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو جَنَى عَلَى إنسان، فأبطل صوته، واللسانُ على اعتداله، ويمكنه
_________________
(١) وقضيته القطع به كما سبق في الكلام على السن وصرح به في البحر فقال: وإذا ذهب الكلام ثم عاد بعد أخذ الأرش لزمه رده قولًا واحدًا لأنه لما رجع تبينًا أنه لم يكن ذهب وإنما لم ينطق لعارض بخلاف عود اللسان ففيه قولان لأنه قطع بالمشاهد فلا يقال تبينًا أنه لم يقطع.
(٢) في أ: ينطلق.
(٣) في ز: الثاء.
(٤) سقط في ز.
(٥) في ز: ينقص.
(٦) في ز: في.
[ ١٠ / ٤٠١ ]
من التقطيع والترديدِ، فعليه لإبطال الصوت الديةُ؛ لأنَّه من المنافع المقصودةِ في غرض الإعلام والزجْرِ، وغيرهما، وإنْ أبطل مع ذلك حركَةَ اللسانِ؛ حتى عجز عن الترديد والتقطيع، فوجهان:
أرجحهما، على ما يقتضيه نَظْم الكتاب: أنَّه يلزمه ديتانِ (١)؛ لأنهما منفعتانِ مختلفتانِ، وفي كل واحدةٍ منهما إذا أفردتْ بالتفويت كمالُ الديةِ، فإذا فوتتا، وجب ديتان.
والثاني: لا يلزم إلاَّ ديةٌ واحدةٌ؛ لأن المقصودَ الكلامُ، لكنه يفوَّت بطريقين: انقطاع الصوت، وعجز اللسان عن الحركة، وقد يجتمع الطريقانِ، وقد يوجَدُ أحدهما خاصَّة، وإذا قلنا: يجب ديتان، وكانت (٢) حركة اللسانِ باقيةً، فقد تعطَّل النطق بسَبَب فواتِ الصوْتِ، فيجيء الخلافُ المذكورُ في أن تعطُّل المنفعةِ، هل هو كزوالها، فإن جعلناه كزوالها، وجبت ديتانِ أيضًا، وإلا لم يلزم إلا ديةٌ (٣)، ومثل هذا الخلافِ الخلافُ في أنَّ من أزال سمع الصبي قبل أنْ يبلغ مظِنَّة النطق، وتعطَّل لذلك نطقه لم (٤) يلزمه لذلك (٥) ديةٌ أو ديتان؟ وهو مبنيٌّ على الخلافِ الذي مَرَّ في أنَّه، هلْ يجب عَلَى قاطع لسانِهِ الديةُ أم لا؟ إنْ قلنا: يجبُ، فليس على مزيلِ السمعِ إلاَّ ديةٌ واحدةٌ، وإنْ قلْنا: لا يجبُ، فعليه ديتان، وكذلكَ في كاسِرِ الفَقارِ، مع قاطع الرِّجْلِ المعطَّلة بكَسْر الفَقارِ، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: السَّابِعَةُ: الذَّوْقُ: وَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَيُجَرَّبُ بِالأَشْيَاءِ المُرَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في إبطالِ الذوقِ الديةُ؛ كما في إبطال السمْعِ والبصرِ وسائِرِ الحواسِّ، وقد يفرض ذلك بالجنايةِ على اللِّسان، وعلى الرقبة وغيرهما، واختلف كلام الأئمة؛ أن إيجاب الدية في الذوقِ منصوصٌ عليه للشافعيِّ -﵁- أوْ مقيسٌ بما نصَّ عليه. والمُدْرَك بالذوْقِ خمسةُ أشياءَ: الحلاوةُ، والحموضةُ، والمرارةُ، والملوحةُ، والعُذُوبة.
_________________
(١) قيل قضيته أن المسألة شهيرة بالوجهين وإنما هذا من كلام الإِمام وتصرفه وقد سبق أن الصواب وجوب دية الكلام خاصة والامام لم يجزم بأن الوجهين فيه وإن أشار إلى ذلك لكن الغزالي فهم من كلامه الوجهين وصرح بهما وتابعه الرافعي وليس ذلك بموجود في كلام الأصحاب. قاله في الخادم.
(٢) في ز: وفاتت.
(٣) تسويته بن الصورتين في الخلاف فيه نظر لأن الكلام صوت مخصوص ومتى زال الصوت زال الكلام فليس عدم الكلام تعطل حيننذ بل زوال ولا اعتبار بحركة اللسان لأن الكلام ليس فيه حقيقة وإنما هو متصرف في الصوت ويخرجه على صفة مخصوصة فلا ينبغي أن يجب إلا دية واحدة.
(٤) سقط في ز.
(٥) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٠٢ ]
والديةُ تتوزَّع عليها (١)، فإن أبطل إِدراكَ واحدٍ منْها، فعليه خُمْسُ الدية.
ولو انتقص الإحساسَ، فَلَمْ يدركِ الطعومَ على كمالِها، فالواجبُ الحكومة، ولو اختلفا في ذهاب الذوقِ، جرب بالأشياء المرَّة المقزَّة (٢)، أو الحامضة الحادَّة، فإن ظهر منه تعبُّس وكراهةٌ، صدقنا الجاني بيمينه، وإلا فنصدقه باليمين، قال في "التتمة": ولو ضربه ضربةً، أزال بها نطْقَه وذوْقَه، فعَلَيْه ديتَانِ؛ لأنهما منفعتان مقصودتان، فلا تتبع إحداهُما الأخرى؛ لأن محلهما مختلفٌ، فالنطق في اللسان، والذوقُ في طرف الحَلْقِ، والذي ذكر في "التهذيب": أنه لو قطَع لسانَهُ، وذهب ذوقه، فعليه ديتان، والمرادُ منْه هذه الصورة، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الثَّامِنَةُ: المَضْغُ فَإذَا صَلُبَ مَغْرَسُ لَحْيَيه فَعَلَيْهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلَوْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ فَتَعَذَّرَ المَضْغُ فَكَمَالُ الأَرْشِ، فَإنِ اسْوَدَّ وَأَمْكَنَ المَضْغُ فَحُكُومَةٌ لإِزَالَةِ الجِمَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في إبطال المضغ الديةُ، وقد يحتجُّ له بأنَّ المنفعة العظْمَى للأسنان المَضْغ، والأسنان مضمونةٌ بالديةِ، فكذلك منافعُها، كالبَصَر مع العين، والبَطْش مع اليد، وذكر في الكتاب لتفويتِ المَضْغ طريقين:
أحدهما: أن تصلب مغرس اللَّحْيَيْن؛ حتى تمتنع حركتهما مجيئًا وذهابًا.
والثاني: أن يجني على الأسنان، فيصيبها خَدَرٌ، وتبطل صلاحيتهما للمضْغ (٣)، وحكم بوجوب الديةِ بالطريقين، والوجوب بالجناية على السَّنِّ شائعٌ في كلام الأصحابِ، وبتصليب مغرس اللَّحْيَينِ، ذكره الفُوَرَانِيُّ، وعلى ذلك جرى الإِمام وصاحبَ الكتاب وغيرهما -﵏- وأعلم أنَّ تعذُّر المضغِ بالخَلَل الَّذي يصيب الأسنان؛ كتعذُّر البطْشِ لشَلَلِ اليدِ، والتعذُّر لتصليب المغرسِ شبه بتعذر المشي بكَسْر (٤) الصلب، ويشبه أن يجيء في تكميلِ الديةِ في السِّنِّ المعطَّلة بتصليب المغرسِ الخلافُ المذكورُ في تكميل الديةِ في الرِّجْل المعطَّلة بكسر الصَّلْبِ، ولو جنى على أسنانِهِ، فاسودَّتْ، ولم تبطل منفعةُ المضغ، فلا يجب إلا الحكومة، وقد مرَّ ذلك، ويجوز أن يُعْلَم؛ لما مر قوله في الكتاب: "فحَكُومة" بالحاء والميم، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: التَّاسِعَةُ قُوَّةُ الإِمْنَاءِ والإِحْبَالِ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي قُوَّةِ الإِرْضَاعِ
_________________
(١) قضيته أنه لا خلاف في الدية وإنما اختلفوا في مأخذه وبه صرح في المطلب فقال: لا خلاف في إكمال الدية وإنما اختلفوا هل نص عليه الشَّافعي أو هو مقيس بما نص عليه فقال القاضي أبو الطيب نص عليه وقال الماوردي: ليس للشافعي فيه نص والذي يقتضيه مذهبه إكمال الدية فيه. انتهى.
(٢) في ز: المقرة.
(٣) في ز: صلاحيتها المصغ.
(٤) سقط في ز.
[ ١٠ / ٤٠٣ ]
حُكُومَةٌ لأنَّهَا عَارِضَةٌ، وَإِبْطَالُ الالْتِذَاذِ بِالجِمَاعِ أَوْ بِالطَّعَامِ إِنْ أَمْكَنَ فِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَكَذَا لَوِ ارْتَتَقَ مَنْفَذُ الطَّعَامِ بِجِنَايَةٍ عَلَى عُنُقِهِ وَبَقِيَ مَعَهُ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَحَزّ غَيْرِهِ رَقَبَتَهُ فَكَمَالُ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا جنى عَلَى إنسان، فكَسِرَ صُلْبَهُ، وأبطل قوَّة إمنائِهِ، وجب عليه الديةُ؛ لأن الماء مقصودٌ للنَّسْل، ولو قطع أنثييه، فذهب ماؤُه، لزمه دية الأُنْثَيَيْنِ، وديةٌ لذهاب الماء، وكذا لو أبطلِ مِنَ المرأة فوقَ الإحْبَالِ، وجب عليه ديتُها، ولو جنى على ثَدْيها، فانقطع لبنُها، فعليه الحكومةُ، فإن انتقص، أخذت حكومة ما يليق به، وإن لم يكن لها لبنٌ عنْد الجنايةِ، ثم ولدت، ولم يدرَّ لها لبنٌ، وامتنع لذلك الإِرضاع، وجبت الحكومة، إذا قال أهل البَصَر: إن الانقطاع بسببِ الجنايةِ، أو جوَّزوا أن يكون بسببها، وفُرِّق بين إبطال الإرضاع وإبطالِ الامناءِ؛ حيث أوجب الدية؛ بأن استعدادَ الطبيعةِ للمَنِيِّ صفةٌ لازمةٌ للفُحُولِ، والإرضاع شيء يطرأ ويزول، هذا هو المشهور، وعن الإِمام احتمالُ أنه يجبُ الدية بإبطال منفعةِ الإرضاع، ولو جنى على صُلْبه، فذهب جِماعُهُ، لزمه الدية؛ لأن المجامعة من أصول المَنَافع، وورد الأثر فيه عن أبي بَكْرٍ وعمر وعليٍّ (١) -﵃ أجمعين (٢) -.
ولو ادعَى المجنُّى عليه ذَهَابَهُ، وأنكر الجاني، صُدَّق المجنيُّ عليه بيمينه؛ لأنه لا يُعْرَفُ إلاَّ منه، كما إذا قالت المرأة: حِضْتُ، إلا أن يقول أهلُ البَصَر: إنه لا يمكن أن يذْهَب الجماعُ من هذه الجناية.
واعلَمْ أنهم صوَّروا صورة ذهابِ الجماعِ بهذه فيما إذا لم ينقطع ماؤه، وبقى ذكره (٣) سليمًا، وذكروا أنه لو كسر صُلْبه، وأشلَّ ذكره، فعليه ديةُ الذَّكَر، وحكومةٌ لكسر الصلب، وإن كان الذكرُ سليمًا، كان الشخص قادرًا على الجماع حسًّا؛ فأشعر ذلك بأنهم أرادوا بذهاب الجماعِ بطلانَ الالتذاذِ به والرغبةِ فيه، وكذلك صوَّر الإِمام وصاحبُ الكتاب في إبطال شَهْوة الجماعِ على أنَّ الإِمام استبعد ذهابَ الشَّهْوة مع بقاء المنَّي، ثم قال: "إنْ أمكنَ ذلكَ، فيجب أن يُقَالَ: إذا ذهب بالجنايةِ شَهْوته للطَّعام، تجب الدية بطريق الأَوْلَى، إنْ صح تصورُّه (٤) وأُدْرِكَ تأثير الجناية فيه.
ولو جنَى على عنقه، فلم يمكنه ابتلاعُ الطعام إلاَّ بمشقَّة لالتواء العُنُق، أو غيره، فعليه الحكومة، ولو لم ينفذ الطعامُ والشرابُ أصلًا، لارتتاق المنفذ، فلا يعيش المجنيُّ عليه، والحالة هذه، ولم تزد طائفةٌ من النَّقَلَةَ على أنه ساغ الطعامَ والشرابَ، فذاك،
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: عنهما.
(٣) في ز: ذلك.
(٤) في ز: تصويره.
[ ١٠ / ٤٠٤ ]
وعليه حكومةٌ، وإنْ مات فعلَيْهِ الديةُ، ونقل الإمامُ وتابعه صاحبُ الكتابِ؛ أن نفْسَ الجناية المفضيَةِ إلى الارتتاق توجب الديةَ، حتى لو حزَّ غيرُه رقبتَهُ، وفيه حياةٌ مستقرةٌ، تجب الدية على الأول، ولو مات بامتناع نفوذِ الطعامِ والشراب، قال الإِمام: إن قلْنا: إنَّ من قطع يدَيْ إنسان أو رجلَيْه، ثم حَزَّ رقبته، لا يجب عليه إلا ديةٌ واحدةٌ، فكذلك ههنا، وإن قلنا هناك: يجب ديتانِ، ولا تداخل، فيجوز أن يقال ههنا: الموتُ بسبب الجوعِ والعطشِ، كسرايةِ الجراحاتِ؛ حتى لا يجبَ إلا ديةٌ واحدةٌ، ويجوز ألا يعدَّ من قبيل السرايات، بل يجعل كالحزَّ، فيجب بإبطال هذه المنفعة أو كسر الرقبة دية، وبإزهاق الرُّوح أخرَى (١)، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَفِي الإِفْضَاءِ كَمَالُ الدِّيَةِ عَلَى الزَّوْجِ والزَّانِي جَمِيعًا وَهُوَ أَنْ يتَّحِدَ مَسْلَكُ الجِمَاعِ وَالغَائِطِ، وَلا يَنْدَرجُ تَحْتَهُ المُهُرُ، وَلا يَنْدَرجُ أَرْشُ البَكَارَةِ تَحْتَ المَهْرِ، وَلَوْ أَزالَ الزَّوْجُ بَكارَةَ زَوْجَتِهِ بِأُصْبُعِ فَفِي أَرْشِ البَكَارَةَ خِلاَفٌ، وَمَهْمَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ لاَ تَحْتَمِلُ الوَطْءَ إلاَّ بِالإِفْضَاءِ فالْوَطْءُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، فَإنْ كَانَ سَبَبُهُ ضِيقَ المَنْفَذِ فَهُوَ كَالرَّتْقِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرَ الآلَةِ فَهُوَ كالْجَبِّ فِي إِثْبَاتِ الخِيارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل:
احداها: نصَّ الشافعيُّ -﵁- عَلَى أن في إفضاء المرأة ديتَهَا، وذلك لما فيه من فواتِ منْفعةِ الاستمتاعِ أو اختلالِه: وقد رُوِيَ عن زيدِ بنِ ثابتٍ -﵁- أنَّ في الأفضاءِ الديةَ.
واختلفوا في حقيقته، فقال قائلونَ: الإفضاء أن يرفع الحاجزُ بين مدخل الذَّكَر، وهو في أسفلِ الفرج، ومنه يخرُجُ الولد، وبين مخْرَج البول، وهو ثقبةٌ في أعلاه، وقال آخرون: هو رفع الحاجزِ بين مَسْلَك الجماعِ ومخْرَج (٢) الدبر.
واحتجَّ للأول؛ بأنهم صوَّروا الإفضاءِ بالوطء، ومدخلُ الذكرِ ومخرجُ البولِ متقاربانِ، فقد يفضي الوطء إلى رفع الحاجِز بينهما، والقبل والدبرُ متباعدان، وبينهما حاجزٌ قويٌّ من الأعضاء (٣) الغليظة فلا يكاد يزولُ بالوطء، وبأنهم تكلَّموا في استمساك البَوْل واسترساله، إذا حصل الإفضاء عَلَى ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، وذلك يشعرُ بانخراق ثقبة البولِ، إذا وجد الإفضاء، وبهذا قال الشيخ أبو حامد، وتابعوه، وهو الذي رجَّحه صاحبُ "التهذيب" وغيره.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
(٣) في أ: أعصاب.
[ ١٠ / ٤٠٥ ]
وللوجه الثاني؛ بأن الدية لا تجبُ إلاَّ بتفويت المنفعة، وذلك برفعِ الحاجِزِ بين السبيلَيْن، فأما رفع الحاجزِ بين ثُقْبة البول ومدخلِ الذَّكَر، فإنه لا يفوِّت المنفعة، وإنما يَنْقُصُهَا، ويحكَى هذا الثاني عن ابْن أبي هريرة، والقاضي أبي الطيِّب، والشيخ أبي محمَّد، والشريف ناصر، وهو الذي أورده الرويانيُّ في "الحِلْيَة".
وصاحب "التهذيب" في الكتاب (١).
قال الشيخُ المتولِّي: والصحيحُ أن كلَّ واحد منهما إفضاءٌ موجبٌ؛ للدية؛ لأن الاستمتاعَ يختلُّ بكلِّ واحدٍ منهما؛ ولأن كل واحد منهما يفوِّت إمساك الخارج من أحد (٢) السبيلين وعلى هذا، فلو أزال الحاجزَيْن، فعلَيْه ديتان، والديةُ الواجبةُ بالإفضاء تختلفُ غلظًا وخفة باختلاف حالِ الإفْضاء، فقد يكون عمدًا محضًا؛ بأن تكون المرأة ضعيفة (٣) أو نحيفةً، والغالبُ إفضاء وطْئها إلى الإفضاء، وقد يكون عمدًا خطأ؛ بألاَّ يتضمن وطؤُهَا الإفضاءَ غالبًا وقد (٤) يكونُ خطأً محضًا؛ بأن يجد امرأة على فراشه، فيظنها امرأته التي عَهِدَها، فيطأها فيفضيها، وهذا إذا حصل الإفضاء بالوطء، ولا فرق في الدية بينه وبين أن يحصُلَ بأصبع أو خشبة، أو شيء محدَّد، وإذا أفضاها، وكان يسترسلُ بَوْلُها، ولا يستمسكُ، فعليه مع الديةِ حكومةٌ للشَّيْن الحاصلِ باسترسال البولِ، وفيه وجه أنه لا يجب إلاَّ الدية لأن زوال الحاجزِ يتضمَّن الاسترسال غالبًا، فلا يفرد بحكومة، ولا فرق في وجوب الديةِ في الإفضاء الحاصلِ بالوطء بين أن يوجد من الزوجِ أو الواطئِ بالشبهةِ أو الزاني، ويستقرُّ المهر على الزوج بالوطء المتضمِّن للإفضاء، ويجب به مهرُ المثلِ على الواطئ بالشبهة، وكذلك على الزانِي، إن كانت مكرهةً، وعليه الحدُّ، وقال أبو حنيفةَ: لا يجبُ على الزوج ضمانُ الإفضاء، ويجب على الواطئ بالشبهةِ المهْرُ، وثلثُ الدية، إنْ كان البولُ مستمسكًا، وإن كان مسترسلًا، وجبت الديةُ دون المهر، قال: ولا مهر على الزانِي المكْرَهِ؛ بناءً عَلَى أن الحدَّ والمهر لا يجتمعانِ، وتجب الدية إنْ كان البول لا يستمسكُ، وإن كان يستمسكُ، فعليه ثلثُ الدية، وإن كانتْ مطاوعةً؛ قال: لا يجبُ على الزانِي ضمانُ الإفضاء لتولُّده من الوطء المأذون فيه، ووافق أحمدُ أبا حنيفة في جميع ذلك، واحتجَّ الأصحابُ بأن المهر وديةَ الإفضاءِ بَدَلًا منفعتين مختلفتَيْن، فلا يدخل أحدُهُما في الآخر، وقالوا: إنَّها وإن طاوعَتْ، فإنما رضيت بالوطء، لا بالإفضاء، وقوله في الكتاب: "على الزوج" معْلَم بالحاء والألف؛ لما تبيَّن، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الزَّانِي" بالعلامتين أيضًا؛ لأنهما لا يوجبانِ الضمانَ عليه، إن كانت المرأة مطاوعةً، وأيضًا فلو كانت مكرهةً، والبول
_________________
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: إحدى.
(٣) في ز: صغيرة.
(٤) في ز: فقد.
[ ١٠ / ٤٠٦ ]
مستمسكٌ، فإنهما لا يوجبانِ عليه كمالَ الدية، وإنَّما يوجبان الثلث.
وقوله: "وهو أن يتحد مسلَكُ الجماعِ والغائطِ" معلَمٌ بالواو.
وقوله: "ولا يندرجُ تحته المهر"، أي تحت كمال الدية.
المسألة الثانية: أن إزالة بكارةِ المرأةِ توجَدُ تارةً ممَّن لا يستحقُّ الافتضاض (١)، وأخرى من يستحقُّه، وهو الزوج.
القسم الأول: إذا كان مزيلُ البكارةِ ممن لا يستحقُّ الافتضاضَ، فينظرُ؛ إنْ أزالها بغير آلة الجماع: كالأصبع والخشبة، فعليه أرشُ البكارة، والمرادُ منه الحكومةُ المأخوذةُ من تقدير الرقِّ على ما بيَّنا في فصل الحكومات، وذكر في "التهذيب" وجهين في أن جنس الواجبِ يكون من الإبل، أو من نقد البَلَد، والأصحُّ الأول؛ عَلَى ما هو قاعدةُ الجناية على الأحْرار، ولو أزالت بكْرٌ بكارة أخْرَى، اقتص منها، وإن أزالها بآلة الجماعِ، فإن طاوعته المرأة، فلا أرش؛ كما لا مهر، وإن كانت مكرهةً، أو هناك شبهة نكاحٍ فاسدٍ أو غيره، فوجهان:
أظهرهما، وهو الذي أورده في الكتاب، وينسب إلى النصِّ: أنه يجب مهر مثلها ثيِّبًا، وأرش البكارة (٢)، ولا يندرج أرشُ البكارة في المَهْر؛ لأن المهْر يجب للاستمتاعِ، واستيفاء منفعة البَضْع، والأرش يجب لإزالة تلك الجلدة، والجهتان (٣) مختلفتان، فيفرد موجبُ كلِّ واحدة عن موجب الأخرى.
والثاني: يجبُ مهر مثلها بكرًا؛ لأن القصد من هذا الفعْلِ الاستمتاع، وإزالة تلك الجلدة يحصل في ضمْن الاستمتاع، وإذا أوجبنا مهْر مثلها بكرًا، فقد وفَّينا حقَّ البكارة؛ لأن مهر مثل المرأة بكرًا يزيد عَلَى مهر مثلها ثيِّبًا، وإذا قلنا يفرد بالأرش، فيعود الوجهان في أن جنسه الإبل أو النقد؟
القسم الثاني: إذا كان المزيلُ مستحقَّ الافتضاضِ (٤)، وهو الزوج، فإن أزالها بآلةِ الجماعِ، فقد استوفَى حقه، وإن أزالها بغيرها، فوجهان:
أصحهما: لا شيءَ عليه؛ لأن المستوفَى حقُّه، وإن أخطأ في طريق الاستيفاءِ.
_________________
(١) في ز: الافتضاض.
(٢) عبارة المصنف تنسب إلى النص وهي أخف في الخروج عن العهدة، فإن ابن الصباغ والمتولي والروياني وغيرهم لما حكوا النص ورددوه بلفظ يجب المهر وأرش البكارة وهو محتمل لإرادة مهر بكر أو مهر ثيب فلا يجوز الجزم بأحدهما عن النص.
(٣) في ز: والختان.
(٤) في ز: مستحق القصاص.
[ ١٠ / ٤٠٧ ]
والثاني: أنه يلزمه الأرشُ؛ لعدوله عن الطريقِ المستحَقِّ له.
ومن افتضَّ، وألزمناه أرشَ البكارة، فلو أفضى المرأة مع الافتضاض، ففي دخول أرش البكارةِ في دية الإفضاء (١) وجْهان:
أحدهما: لا يدخل، كما لا يدخلُ المهر في الدية.
وأصحهما: الدخولُ (٢)؛ لأن الدية والأرشَ يجبانِ للإتلافِ، فيدخل أقلهما في أكثرهما، والمهر (٣) إنما يجبُ بسبب الاستمتاعِ، فلا يدخل في بدل الإِتلافِ، كما لو تحامل على الموطوءة، حتى كسر رجلها لا يدخلَ المَهْر في دية الرِّجْل.
الثالثة: إذا كانت الزوجةُ لا تحتملُ الوطء، إلا بالإفضاء، لم يجز للزوج وطؤُها، ولم يكن عليها (٤) [التمكين، ثم الذي أورده صاحبُ الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" أنه إن كان سببه ضيقَ المنفذ؛ بحيث يخالف العادة، فللزوج خيارُ الفسخ، كالرَّتْق، وإن كان سببه كبر الآلةَ؛ بحيث يخالف العادة، فلها الخيار؛ كما في الجَبِّ، والمشهور من كلام الأصحاب، وقد تقدَّم ذكره في "كتاب الصداق"؛ أنه فسْخَ بمثل ذلك، بخلاف الرتْقِ والجَبِّ؛ فإنهما يمنعان الوطء على الإطلاق، والضيق والكبر لا يمنعانه على الإطلاق، وليسا من جملة العيوب ويشبه، أن يفصَّل، فيقال: إن كانت المرأة نحيفةً، لو وطئها الزوج، لأفضاها لكنها تحتمل وطء نحيفٍ مثلها، فلا فسخ، وإن كان ضِيقَ المَنفَذِ، بحيث يفضي وطؤها من أي شخص فرض إلى الإفضاء، فهذا كالرَّتْق، وينزل ما قاله الأصحاب على الحالة الأولَى، وما في الكتاب على الثانية، والله أعلم.