ذكر في "التهذيب": أنه لو وقَع في ألسن الخاصِّ والعامِّ أنَّ فلانًا قَتَلَ فلانًا، فهو لوث عليه، ولا فرْق في القَسامة بيْن أن يَدَّعِيَ المُسْلِم على المُسْلِم، أو يكون أحدُهما كافرًا، وعن مالك: أنه لا يُقْسِم الكافرُ على المُسْلِم، قال الإِمام: وإذا عايَنَ القاضِي ما هو لَوْث، فله الاعتماد عليه، ولا يخرج على الخلاف في قضائه بعلْمه؛ لأنه يقضي بالأَيْمَان، وفي "التتمة": أن القتيل إذا وُجدَ قريبًا من قرية، وليس هناك عمارة أخرَى، ولا من يقيم في الصحراء، ثَبَت اللوث في حقِّهم، يعني إذا وجدت العداوةُ [وكنا] نحكم باللوث [إذا] وجد القتيل فيها، فكذلك إذا وجد قريبًا منها، قال: ولو وجد قتيلٌ بين قريتَيْنِ أو قبيلتين، ولم يُعْرَف بينه وبين واحدةٍ منها عداوةٌ؛ فلا يجْعَل قُرْبه من إحداهما لوثًا؛ لأن العادة قد جَرَتْ بأن يُبْعِدَ القاتلُ القتيلَ عن فنائه؛ ويثقله إلى بقْعة أخْرَى دفْعًا للتهمةِ عن نفْسِه، وما رُوِيَ في الخبر والأثَر على خلاف ما ذكَرْنا، فإن الشافعيَّ -﵁- لم يثبت إسناده.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا مُسْقِطَاتُ اللَّوْثِ فَخَمْسَةٌ: الأَوَّلُ: أَنْ يَتَعَذَّرَ إِظْهَارُهُ عِنْدَ القَاضِي فَلَوْ ظَهَرَ عِنْدَ القَاضِي عَلَى جَمْعٍ فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُعَيِّنْ، فَلَوْ قَالَ: القَاتِلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَحَلَفُوا إلاَّ الواحِدَ فَلَهُ القَسَامَةُ عَلَى ذَلِكَ الوَاحِدِ لأَنَّ نُكُولَهُ لَوْثٌ، فَلَوْ نَكَلُوا جَمِيعًا فَقَالَ ظَهَرَ لِي الآنَ لَوْثٌ مُعَيَّنٌ وَقَدْ سَبَقَ مِنْهُ دَعْوَى الجَهْلِ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنَ القَسَامَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد توجدُ الأمارةُ المشْعِرةُ بصدْق المُدَّعِي، لكنْ يعارضُها ما يُسْقِط أثرها، ويُبْطِل الظنَّ الحاصل بها عنْد تجريد النَّظَر [إليها]، فتكلم بعْدَ الكلامِ في الأماراتِ في الأمور التي يُسْقِطها، وعدَّها خمسة:
أوَّلُها: أن يتعذر إثباته عند القاضي، ولا يَخْفَى أن تسمية تَعَذُّر الإثباتِ مُسْقِطًا توسُّعٌ وتساهُلٌ، وأنه إذا لم يثبُتِ اللوْث، لم يُمَكَّن المُدَّعِي من القَسَامة، وإذا ظهر اللَّوْث في حقِّ جماعة، فللوليِّ أن يعين بعضَهم منْ واحدٍ أو أكثر، ويدَّعِي عليه؛ لأن اللَّوْث كذلك يظهر؛ وقليلًا ما يتفق اختصاصُه بالشَّخْص الواحد، لكن لو قال الوليُّ: القاتل أحدهم ولست أعرفه، لم يتمكن من القسامة، وله أن يُحَلِّفهم، فإن حلَفوا، إلا واحدًا منْهم، فنكلوه يُشْعِرَ بأنه القاتل، ويكون لَوْثًا في حقِّه، فإذا طلب المدِّعِي أن يُقْسِم عليه، مُكِّن منه، ولو نكل الجميعُ ثم عيَّن المُدَّعِي أحدَهم وقال: قد بَانَ لي أنه القاتِل، وطلب أن يُقْسِم عليه؟ فوجهان:
أحدهما: أنه لا يُمكَّن منه؛ لأنه قد اعترف بالجَهْل أولًا.
وأشبههما: التمكينُ؛ لأن اللوث حاصلٌ في حقِّهم جميعًا، وقد يَظْهَر له بعْد
[ ١١ / ١٨ ]
الاشتباه أنَّ القاتل هو الذي عينه، ويقْرب هذا الخلافُ من الخلاف فيما إذا قال المُدِّعِي: لابينة لي، ثم جاء ببينة.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: إِذَا ظَهَرَ اللَّوْثُ فِي أَصْلِ القَتْلِ دُونَ كَوْنهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا يُمْنَعُ مِنَ القَسَامَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِذْ لَيْسَ بتَعَيَّنُ للْخِطَابِ العَاقِلَةُ وَلا الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ظهر اللوْث في أصل القتل دون كونه خطأً أو عمْدًا، فهل يتمكَّن الوليُّ من القسامة على أصل القتل؟ ذكروا فيه وجهَيْن:
أحدهما: نعم؛ لأنه إذا ظَهَر القاتلُ، خرج الدم عن كونه باطلًا مُهْدَرًا.
وأظهرهما: المنع؛ لأن مطْلَق القتْل لا يفيد مطالبةَ القاتل، بل لا بُدَّ من ثبوت العمْدية، ولا مطالبة العاقلة، بل لا بد وأن يثبت كونُه خطا أو شبْهَ عَمْدٍ، وههنا كلماتٌ.
إحداهما: إنْ مكَّنَّاه من القسامة على أصْل القتْل، فعدمُ ظهور اللوث في صفة القتْل، ليس مانعًا منْ أصْل القَسَامة، ولا مُسْقِطًا أثر اللَّوْث، وإن لم يمكنْه، فاللوث المعتبَرُ لمْ يحْصُل، ففي تسميته مُسقِطًا تساهُلٌ وتوسُّع.
والثانية: قدَّمْنَا أن الدعوَى لا بد، وأن تكون مفصَّلةً، وأشرْنا إلى خلاف فيه، فإن ادَّعَى الوليُّ وفصَّل، وظهرتِ الأمارةُ المُشْعِرة بما يدعيه، فذاك، وإن فصَّل، وظهَرَتْ أمارة أصل القتل دُون الصفة، ففي القسامة على ما ظَهَرت أمارتُه، هذا الخلاف، وإن احتملْنا كونَ الدعوَى مجهولةً، فإذا أطلق الدعوَى، وظهر اللوث في مطْلَقِ القتْل، فيجيء هذا الخلاف، وعلَى هذا التصوير ينطبق ما ذكره صاحب "التهذيب": أنه لو ادعَى على رجُلٍ أنه قتل أباه، ولم يقل (١): عمدًا ولا خطأ، وشهِدَ له شاهدٌ، لم يكن ذلك لوْثًا؛ لأنه لا يمكنه أن يحْلِف مع شاهده، ولو حَلَف لا يُمْكِن الحكم به؛ لأنه لا يَعْلَم صفة القتل، حتى يستوفي موجِبَه، هذا لفظه.
والثالثة: ما ذَكَرْناه في الفصْل يَدُلُّ على أن القسامة على القَتْل الموصوفِ تستدعي ظهورَ اللوث في القتل الموصوف، فقد يُفْهَم ما أطلقه الأصحابُ أن اللوْث في أصْل القتل، إذا ظهر، كَفَى؛ لتمكُّن الوليِّ من القسامة على القتل الموصوف، وما هو ببعيد؛ ألا ترى أنا ذَكَرْنا أنه لو ثبَتَ اللوْثُ في حقِّ جماعة وادَّعى الوليُّ على بعضهم، جاز ويُمَكّن من القسامة، فكما لا يعتبر ظهُور اللوث فيما يَرْجِع إلى الانفراد والاشتراك، جاز ألا يُعْتبر ظُهُور (٢) اللوث فيما يرجع إلى صفتَيِ العمْدِ والخطأ.
_________________
(١) في ز: نقل.
(٢) في ز: ظهوره.
[ ١١ / ١٩ ]
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ أَنْ يَدَّعِيَ الجَانِي كَوْنَهُ غَائِبًا فَإذَا حَلَفَ سَقَطَ بِيَمِينِهِ أَثْرَ اللَّوْثِ، فَإنْ أَقَامَ عَلَى الغَيْبَةِ بِيِّنَةً بَعْدَ الحُكْمِ بِالقَسَامَةِ نُقِضَ الحُكْمُ، وَلَوْ كَانَ وَقْتَ القَتْلِ مَحْبُوسًا أوْ مَرِيضًا وَلَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ قَاتِلًا إِلاَّ عَلَى بُعْدٍ فَفِي سُقُوطِ اللَّوْثِ بِهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أنكر المُدَّعى عليه اللَّوْث في حقِّه بأن قال: لم أكنْ مع القوم الَّذين تفرَّقوا عن هذا القتيل، أو لسْتُ الرجُلَ الذي وُجِد على رأْسه، وفي يده السكِّينَ المتضمخ بالدم أو لَسْت الذي رُئي من بعيد يضربه فعلى المدَّعِي البينةُ على قيام الأمارة التي يدَّعيها، فإن لم تكن بيِّنةٌ، حلف المدَّعَى عليه على نفْيها، وسقَط اللَّوْث، ويبقَى مجرَّد الدعْوَى.
ولو قال: كنت غائبًا يوم القتل أو ادَّعَى على جمع، فقال أحدهم: كنتُ غائبًا، فيصدَّق بيمينه؛ لأن الأصل براءةُ ذمته، وعلى المدَّعِي البينةُ على حضوره يومئذ، أو على إقراره بالحضور، فإن أقام المدَّعِي بينةً على حضوره، والمدَّعَى عليه بينةً على الغَيْبَة، ففي "الوسيط" أنهما يتساقَطَانِ، وقال في "التهذيب": بينة الغيبة مقدَّمة؛ لأنَّ معها زيادةُ عِلْمٍ، وهذا عند الاتفاق على أنه كان حاضرًا منْ قَبْل، ويُعْتبر في بينة الغيبة أن يقولوا: إنه كان غائبًا إلى مَوْضع كذا، أما لو اقتصروا على أنه لم يَكُنْ ههنا، فهذا نفْىٌ محضٌ لا تسمع الشهادة به (١).
ولو أقسم المدَّعِي، وحكم الحاكم بموجِب القسامة، ثم أقام المدَّعَى عليه البينةَ على غيبته يوم القتل، أو أَقَرَّ المُدَّعِي نقض الحُكْم، واسترد المال، وكذا لو قامتِ البينةُ على أن القاتلَ غيْرُهُ، ولو قال الشهود: لم يقتلْه هذا، واقتصروا عليه، لم تُقْبَل شهادتُهم، ولو كان محبوسًا (٢) أو مريضًا يوم القتل، فهل هما كالغيبة، حتى يَسْقُط اللوْث، إذا ثبت الحالُ بالبينة أو بإقرارِ المدَّعي؟ فيه وجهان، وموضع الوجهين ما إذا أمكَنَ أن يكونَ قاتلًا، لكن بضرب حيلة وتصوير بعيد، وبالمعنيَيْنِ يوجَّه الوجهان، والأشبه إلحاقُهما بالغيبة لانخرام الظن بالقتل.
وقوله "أن يدعي الجاني" يعني المدَّعَى عليه سمَّاه جانيًا؛ لأنه تُدَّعَى عليه الجناية، ويجعل (٣) في محل الجَانِينَ (٤).
قال الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَنَّ فُلانًا قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ القَتِيلَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَوْثًا، وَلَوْ قَالَ: قَتَلَ هَذَا القَتِيلَ أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَهُوَ لَوْثٌ لأَنَّ تَعْيِينُ القَاتِلِ يَعْسُرُ، وَقِيلَ: لا لَوْثَ فِي المَوْضِعَيْنِ.
_________________
(١) في ز: عليه.
(٢) في أ: مريضًا أو محبوسًا.
(٣) في ز: ويدعي.
(٤) في ز: الجنابيين.
[ ١١ / ٢٠ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شهِدَ شاهدٌ أو شاهدان؛ بأنَّ فلانًا قتَلَ أحدَ هذَيْنِ القتيلين، لم يكن لوثًا؛ لأن ذلك لا يوقع في القَلْب صدْق وليِّ أحدهما، إذا ادَّعَى القتل عليه، ولو شهِدَ أو شهدا في القتيل الواحد؛ بأنه قتله أحدُ هذَيْنِ الرجلَيْنِ، ثبَتَ اللوْث في حقِّهما، حتى إذا عيَّن الوليُّ أحدهما، وادَّعَى عليه، كان له أن يُقْسِم كما لو تفرَّق اثنان أو جماعةٌ عن قتيل على التصويرات التي سبقت، وفيه وجْه أنه لا لوْثَ في الصورة الثانية أيضًا، للإبهام (١) كما في الأولَى، والظاهر الفرْق، ويُحْكَى ذلك عن القاضي الحُسَيْن.
وقوله "لأن تعيين القاِتل يعسر" (٢) معناه أن القاتِلَ يُخْفِي القتْل ما أمكنه دفْعًا للمحْذُور عن نفْسه فيعسر تعيينه، وإن ظن القتل بأحد الشخصين أو الجماعةِ، والقَتيلُ بخلافه، وعَدُّ المسألةِ من المسقطاتِ ليس بواضح أيضًا؛ فإنَّ الكلام في أنه هل هُوَ لوث أم لا؟
قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ تَكْذِيبُ أَحَدِ الوَرَثَةِ هَلْ يُعَارِضُ اللَّوْثَ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يُبْطِلُ فَلَوْ قَالَ أحَدُهُمَا: قتَلَ أبَانَا زَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ لاَ أَعْرِفُهُ وَقَالَ الآخَرُ: قَتَلَهُ عَمْروٌ وَرَجُلٌ آخَرُ لاَ أَعْرِفُهُ فَلاَ يَتَكَاذَبُ فَلَعَلَّ مَا جَهَلَهُ هَذَا عَلِمَهُ ذَاكَ، ثُمَّ مُعَيَّنُ زَيدٍ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَحِصَّتُهُ مِنْهَا الرُّبُعُ فَلا يُطَالَبُ إلاَّ بِالرُّبُعِ، وَكَذَا مُدَّعِي عَمْرو.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كان للَّذي هلَك وارثان كابنَيْنِ أو أخَوَيْن، فقال أحدُهما: قتل مورِّثَنا فلانٌ، وقد ظهر عليه اللَّوْث، وقال الآخر: إنه لم يقتلْه بل كان غائبًا يوم القتل، وإنما قتلَه فلانٌ أو اقتَصَرَ على نفْي القتل عنه، أو قال: إنه [برأ] من الجراحة، ومات حتف أنْفِه، فهل يُبْطِل تكذيبُه اللوْثَ، ويُمْنَع الأوَّلُ من القسامة؟ فيه قولان منصُوصان في "المختصر".
أحدهما، وهو اختيار المزنيِّ: لا، كما أن في سائر الدعاوَى لا يسقط تكذيب أحدِ الوارثين حقَّ الثاني، وأيضًا، فإن اللوْث دلالةٌ بنقل اليمين إلى جنبة المدعي، فتكذيب أحد الوارثين لا يمنع الآخر من اليمين، كما لو ادعَى أحد الوارثين دَيْنًا للمورِّث، وأقام عليه شاهدًا واحدًا، وكذَّبه الثاني لا يمنعه التكذيبُ من أن يحْلِف مع شاهده، وأيضًا، فلو كان أحد الوارثين صغِيرًا أو غائبًا، كان للبالغ الحاضرِ أن يُقْسِم مع احتمال التكذيبِ من الثاني، إذا بلغَ أو قَدِم.
والثاني: أنه يُبْطِل اللوْثَ؛ لأن إنكار الثاني يَدُلُّ على أنه ليس بقاتِلٍ، فإن النفوس مجبولةٌ على الانتقام من قاتل المورِّث، وإذا انخرم ظنُّ القتل، بَطَلت القسامة، والأصح
_________________
(١) في ز: لإبهام.
(٢) في ز: يعتبر.
[ ١١ / ٢١ ]
من القولين عند صاحب "التهذيب": الأول، وكلام العراقيين وغيرِهِمْ يميل إلى ترجح (١) الثاني، وَفرَّقوا بين الشاهد واليمين، وبين ما نحْنُ فيه؛ بأن شهادة الشاهدِ محقَّقة، وإن كذب الآخر، وهي حجَّة في نفسها، واللوث ليس بحجَّة، وإنما هو ظنٌّ مرجِّح، وتكذيبه يُبْطِل ذلك الظنَّ، وفيما إذا كان أحدُهما صغيرًا أو غائبًا، لم يوجد التكذيبُ الجازم للظنِّ، كما إذا ادعَى أحدهما، ولم يساعد الآخرُ، ولم يكذِّب، كان للمدعي أن يُقْسِم، وفي موضع القولَيْن طريقان:
أحدهما: أن القولَيْن فيما إذا كان المكذِّب عدْلًا، أما إذا كان فاسقًا، فقوله غير معتبر في الشرع، فلا تتعطل (٢) به القسامة.
وأصحُّهما: أنه لا فرق، فإن قول الفاسق فيما يُسْقِط حقَّه مقبولٌ؛ لانتفاء التهمة، ويُحْكَى هذا عن نصه -﵁- في "الأم" فإن قلْنا: لا يبطل اللوث، فللمدعِي أن يُقْسِم ويأخذ حقَّه من الدية، وهو النصف، ولا بد، وأن يحلف خمْسِين يمينًا، فإن أيمان القسامة ما لم تَتِمَّ لا يؤخذ بها شيء، ولا يخرج على الخلاف فيما إذا اتفق الورثة على الدعوَى أن الأيْمان توزَّع أو يحْلِف كلُّ واحد منهم خمسين، وإذا قال أحد الابنين: قتَلَ أبانا زيْدٌ، وقال الآخر: بل عمْرو، وقلنا: لا يبطل اللوثُ بالتكاذب، فيُقْسِم كلُّ واحد منهما على مَنْ عيَّنه، ويأخذ نصْف الدية، وإن قلَّنا: يُبْطِل، فلا قسامة، وكلُّ واحد منهما، يُحلِّف منْ عيَّنه، ولو قال أحد الابنين: قتل أبانا زيْدٌ ورجلٌ آخرُ لا أعرفه، وقال الآخر: قتله عمرو ورجل آخر لا أعرفه، فلا تكاذُبَ منهما؛ لاحتمال أن الذي أبهَمَ هذا، ذكره هو، الذي عيَّنَه الآخر، وكذلكَ بالعَكْس، فلكَلَّ واحدٍ أن يقسم على مَنْ عيَّنه، ويأخذ منْه ربْعَ الديةِ؛ لاعترافه بأن الواجبَ على مَنْ عيَّنه نِصْفُ الدية، وحصَّته منه نصْفُه، ثم إن عاد أو قال كلُّ واحد منهما: قد تبين لي أن الذي أَبهَمتُ ذكْرَه هو الذي عيَّنه الآخر (٣)، فلكلِّ واحدٍ منهما أن يُقْسِم على الآخر، ويأخذ منْه ربُعَ الدية، ويَحْلِفَ خمسين يمينًا أو خمْسًا وعشرين؟ فيه خلافٌ يأتي [في] (٤) نظائره، وإن قال كل واحد منهما: الذي أتهمتُ ذكْرَه ليس الذي عيَّنه أخِي، حصَل التكاذُبُ، فإن قلَّنا: تبطل القسامة، ردَّ كلُّ واحد ما أخَذَ بها، وإلاَّ، أقسم كلُّ واحدٍ منهما على مَنْ عيَّنه ثانيًا، وأخَذَ منْه رُبُعَ الدية، ولو قال الذي عَيَّن زيدًا تبين إلى أن الذي أبهمت ذكْره عمرو الذي عيَّنه أخي، وقال الذي عين عمْرًا تبين لي أن الذي أبهمتُ ذكْره رجُلٌ آخر لا زيد فالذي عيَّن عمرًا لم يكذبه أخوه، فله أن يُقْسِم على
_________________
(١) في ز: ترجح.
(٢) في ز: يبطل.
(٣) في ز: أخي.
(٤) سقط في ز.
[ ١١ / ٢٢ ]
عمرو، ويأخذ منه ربُعَ الدية، والذي عيَّن زيدًا، كذَّبه أخوه، فإن قلْنا: تبطل القسامة بالتكذيب، رَدُّ ما أُخذ، وحلَف المدعَى عليه، وإلا، أقْسَمَ علَى منْ عينه وأخذ منه ربُع الدية، والذي عيَّن زيدًا كذَّبه أخوه، فإن قلْنا: تبطل القسامة بالتكذيب، رَدَّ ما أخذ، وحلفَ المدعَى عليه، وإلاَّ، أقسم على مَن عيَّنه، وأخَذ منْه ربع الدية ولو قال أحد الابنين: قَتَل أبانا زيْدٌ وحده، وقال الآخر: قتله زيدٌ وعمرو بالشَّرِكة، فإن قلنا: إن التكاذب لا يُبْطِل القسامة، فيُقْسم الأولُ على زيْد، ويأخذ منه نصف الدية، ويُقْسم الثاني عليهما، ويأخذ منْ كل واحدٍ ربعَ الدية، وإن قلنا: إنه يبطلها، فالتكاذب ههنا في النصف، قال أبو سعيد المتولِّي: وهل يؤثر في بطلان اللوْث والقسامة في الكلّ ينبني على ما إذا شهِدَ لشخصَيْن، وردَّت شهادته لأحدهما، هل تَبْطُل في حق الآخر؟ إن قلنا: نعم، فكذلك القسامة، وإن بعَّضْنا الشهادة، فكذلك نبعض القسامة، وهذا ما أورده غيره، وقالوا: يقسم الأول على زَيْد، ويأخذ منه ربع الدية؛ لأن ما بقي فيه اللوث من حصة النصف.
والثاني: يُقْسم عليه ويأخذ ربع الدية (١)، ولا يقسم على عمرو؛ لأن أخاه كذَّبه في الشركة، والأوَّل يُحلِّف زيدًا، لَمَّا بطلت فيه القسامة، والثاني يُحَلِّف عمرًا، ولو قال أحدهما: قتل أبانا زيدٌ وعمرو، وقال الآخر: لا بل قتله بكرٌ وخالد، فإنْ أبطلنا القسامة بالتكذيب، لم يُقْسِم واحد منهما، ويُحلِّف كلُّ واحد منهما اللَّذين عيَّنَهما، وإن لم نبطلْها، أقسم كلَّ واحد منهما على اللَّذَيْنِ عيَّنهما، وأخذ من كل واحدٍ ربُعَ الدية، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَيْسَ مِنْ مُبْطِلاَتِ اللَّوْثِ أَلاَّ يَكُونَ عَلَى القَتِيلِ أَثَرُ جُرْحٍ وَتَخْنِيقٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يُشترط في القسامة ظهور الجراحة والدَّم، ولا يَبْطُل اللَّوْث بالخلُوِّ (٢) عنهما؛ لأن [القتل] (٣) قد يحصل بالخنْق وعَصْر الخِصْية والقَبْض على مَجْرَى النفس، فإذا ظهر أثر الخَنْق أو الضرب (٤) أو العصر الشديد؛ قام ذلك مقام الجراحة والدم.
وقال أبو حنيفة: إن لم تكن جراحةٌ ولا دم، فلا قَسامة، وإن وجدت الجراحةُ ثبتت القسامة، وإن وُجِدَ الدمُ دون الجراحة، فإنْ خرج مِنْ أنفه، فلا قسامة، وإن خرج من العَيْن أو الأذن، ثبتتِ القسامة.
وأُعْلِم؛ لمذهبه قولُه في الكتاب: "وليس من مبطلات اللوث ألا يكونَ على
_________________
(١) في ز: الربع.
(٢) في ز: بالخلق.
(٣) في أ: القتيل.
(٤) في ز: أو الضرب الشديد.
[ ١١ / ٢٣ ]
القتيل أثرُ جُرْح أو تخنيق" ولك (١) أن تمحو هذه العلامة؛ [لأنه] (٢)، وإن شرط ذلك في القسامة، فلا نجعله مبْطِلًا لِلَّوْث، بل لا اعتبار باللوث عنده، والقسامة عنده على خلاف ما هي عنْدنا، كما مَرَّ، ولو لم يوجَدْ أثرٌ أصلًا، قال الصيدلانيُّ وصاحبُ التتمة: فلا قسامة، لاحتمال أنه مات فجأةً، والأصل أن غيره لم يتعرَّض له، وقال الإِمام: إذا صودِفَ ميِّتٌ لا أثر [عليه] أصلًا، وقد قيلَ: الأخذ على الأنف إلى انخناق النفَسُ يُسوِّد وجه الميت، ويثور الدم صَعَدًا، فإذا لم يظهر أثرٌ، فالحمل على الموت الوفاقي ممكنٌ، فهذا فيه بعْضُ النظر، وإذا فاضتِ النفْس، فقد ينعكس الدم إلى مقرِّه، والأمرُ محتملٌ، والعلْم عند الله، وهذا السياق يُشْعر بأن الظاهر أنه لا يعتبر ظهور الأثر أصلًا، وكذلك ذكر القاضي الرويانيُّ، والمتوجَّه ما مرَّ.
ولا بد أن يُعْلَم أنه قتيلٌ، ثم يبحث عن القاتل، وإذا وُجدَ بعض الشخْص في المحِلَّة، وتُحقَّق موته، ثبتت القسامة، سواءٌ وجد منه الرأس أو البدَن، وسواءٌ وجدَ الأقل [من البدن] (٣) أو أكثر، فإذا وجِد بعضُه في محِلَّة، والبعض في أخْرَى، فللوليِّ أن يعيِّن، ويقسم. وعند أبي حنيفة: إن وُجِدَ الرأس أو معْظَم البدن، ثبتت القسامةُ، وإلا، فلا قسامة.
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي: كَيْفِيَّةُ القَسَامَةِ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ المُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا مُتَوالِيَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بَعْدَ التَّحْذِيرِ والتَّغْلِيظِ فَلَوْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ المُوَالاةُ فَإِنْ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ يُبْنَى لِلْعُذْرِ، وَلَوْ عُزِلَ القَاضِي اسْتَأْنَفَ، وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ اسْتَأْنَفَ الوَارِثُ، وَلاَ قَسَامَةَ فِي غَيْبَةِ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ بِخِلافِ البَيِّنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أيمانُ القسامةِ خمسونَ على ما روَيْناه في الخَبَر، وكيفية اليمين كما في سائر الدَّعاوَى، ويَذْكُر المدعي في اليمين؛ لقد قَتَل هَذَا، ويشير إليه أو يقول: لقد قتل فلان بنُ فُلان، ويرفع [في] نسبه أو يُعَرِّفه بما يمتاز به من قبيلةٍ أو صناعة أو لَقَبٍ، ويعرِّفه كذلك منفردًا بقتله، وإن ادعَى على اثنَيْنِ، فإن قتلاه منفردَيْن بقتله نصَّ الشافعيُّ -﵁- على ذكر الانْفراد، واختلفَ الأصحابْ فيه، فمنْ قائل إنه تأكيد وإلا فقضية قوْلنا قَتَل فلانُ فلانًا انفرادُه به، ومِنْ قائل؛ إنه شرْطُ، لجواز الانفراد بالقتل في الصورة مع الاشتراك في حكم القتل، كالمكره مع المكره، ويتعرض لكونه عمدًا أو خَطَأً، وذكر الشافعيُّ -﵁- أنه لو ادَّعى الجاني أنه برئ من الجراح، زاد
_________________
(١) في ز: ذلك.
(٢) سقط في ز.
(٣) سقط في ز.
[ ١١ / ٢٤ ]
في اليمين وما برئ (١) من جراحةِ فلانٍ، حتى مات منها، واعترض عليه بوجهين:
أحدهما: أنه إذا ادعَى البُرْء (٢) من الجراحة، فقد اعترف بها، فكَيْف يحْلِف المدَّعِي.
والثاني: [أنه] (٣) قد سبق أن الجانِيَ والوليَّ إذا اختلفا في الاندمال، وقد مضَى زمانٌ يُمْكن فيه الاندمال، فالقولُ قول الجاني على الظاهر، فلم يُجْعَل ههنا القوْل قولَ المجنيِّ عليه، ويحلف عليه.
وأجيب (٤) عن الأوَّل: بأن دعوى البرء من الجراحة تقتضي الاعترافَ بالجراحة في نفسها، لا الاعتراف بجراحة نَفْسه، ويجوز أن يريد أن الجراحةَ التي ينسبها إليَّ كان قد برئ منها، ثم مات، ويكون غرضُه من ذلك إبطالِ اللَّوْث.
وعن الثاني بوجوه، فعن أبي إسحاق أن المسألة مفروضةٌ فيما إذا كان للمدَّعي بينة على أنه لم يزل ضمنًا متألمًا، حتى مات أو اعترف المدَّعَى عليه بذلك لكنه ادعَى أنه مات بسبب حدثٍ، فيحلف المدعي، ويُصدَّق؛ لأن الظاهر معه، وقيل: إنها مفروضةٌ فيما إذا اختلفا في أنه هل مضَتْ مدة يُمْكِن فيها الاندمال، فالقولُ قول الوليِّ؛ لأن الأصل أنها لم تمض، وقيل: إن صورة تصْديق الجاني ما إذا لم يكُنْ هناك لَوْث، فأما إذا وُجِدَ اللوث، فيصدق الوليُّ كما يجعل اليمين في جانبه احتياطًا للدم.
وفي الفصْل مسائلُ:
إحداها: يُستحَبُّ للقاضي أن يحذِّر المدعِيَ، إذا أراد أن يحْلِف، ويعظَهُ، ويقول: اتَّق الله تعالى، ولا تحْلِف إلاَّ عن تحقُّق، ويقرأ عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية.
والقول في التغليظ في اليمين بالزَّمان والمكان واللَّفظ منه ما مرَّ في اللعان، ومنه ما هو مؤخرٌ إلى الدعاوَى والبينات.
الثانية: هل يُشْترط أن تكون متواليةً؟ (٥) فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن للموالاة وقعًا في النفُوس وأثرًا في الزجْر والردْع.
وأظهرهما، وهو الذي أورده أكثرهم: أنها لا تُشْترط؛ لأن الأيمان من جنْس
_________________
(١) في ز: فما يرى.
(٢) في ز: أكبر.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: وأجب.
(٥) وعلة الوجه الثاني أن الموالاة لها أثر في الزجر والردع وهذا هو الأشبه في اللعان وفرق الأول بينهما بأن اللعان أولى بالاحتياط لانه تتعلق به العقوبة البدنية ويختل به النسب وتشيع الفاحشة.
[ ١١ / ٢٥ ]
الحُجَجِ، والتفريقُ مع الحجج لا يَقْدَح كما إذا شهد الشهودُ متفرِّقين، وعلى هذا فلو حلَّفه القاضي الخمسينَ في خمْسين يوْمًا، جاز.
وعن نصِّه -﵁- في "الأم" (١) أنه لو حلَفَ بعْضَ الأيمان، ثم استنظر القاضي، أنْظَرَه، وإذا عَادَ اعْتَدَّ له بما مضى، والوجهان قريبان من الوجهَيْنِ في اشتراط الموالاة في كلِمَات اللعان، لكن ذكرنا هناك أن الأشبه الاشتراطُ، ويُمْكن أن يفرق بأن اللعان أولَى بالاحتياط؛ من حيث إنَّه يتعلَّق به العقوبة البدنية، ومن حيث إنه يختلُّ به النسب وتشيع الفاحشة.
الثالثة: إذا جُنَّ المدعي في خلال الأيْمان أو أُغْمِيَ عليه، ثم أفّاق، فيُبْنَى، ولا يجب الاستئناف، أما إذا لم نَشْترط الموالاةَ، فظاهر، وأما إذا شرطْناها، فلقيام العذْر، ولو عُزِلَ القاضي، أو ماتَ في أثنائها، وولَّى غيره، فالذي أورده في الكتاب، وهو الجواب في "التهذيب" وغيرهما: أن القاضي الثاني يستأنف: الأيمان، كما لو عُزِل القاضي أو ماتَ بعْد سماع البيَّنة، وقبل الحُكْم، وكما إذا أقام شاهِدًا واحدًا، وأراد أن يحْلف معه، فعُزِل القاضي، وولي غيره (٢)، لا بُدَّ من استئناف الدعْوَى والشهادة، وحُكِيَ قول عن نصه -﵁- في "الأم": أن القاضي الثاني يَعْتَدُّ بما سبق من الأيمان، وذكر الرويانيُّ: أنه الصحيح، لكن "صاحب التتمة" حمل النص على ما إذا حلَفَ المدَّعَى عليه بعْض الأيمان تفريعًا على التعدُّد ثم مات القاضي أو عُزِلَ، وولِّي غيره، فإنه يَعْتدُّ بالأيمان السابقة، وفَرَق بأن يمين المدعَى عليه على النفي، فتقع نافذةً بنفسها، ويمين المدَّعِي للإثبات فيتوقَّف على الحكم، والقاضي الثاني لا يَحْكُم بحجة أقيمتْ عند الأول كما في الشهادة، وذكر أن عَزْل القاضي وموْتَه بعد تمام الأيمان كالعَزْل في أثنائها في الطَّرَفَيْن، وأنه لو عزل القاضي في أثناء الأيمان من جانب المدَّعِي أو المدعَى عليه، ثم وُلِّيَ ثانيًا فيبني على أن الحاكم هلْ يحكم بعلم نفسه؟ إنْ قلنا: لا، فيستأنف، وإن قلنا: نعم، فيبنى، ولو أن الولي المُقْسِم ومات في أثناء الأيمان، فقد نص في "المختصر": أن وارثه يستأنف، ولا يبنى؛ لأن الأيمان كالحُجَّة الواحدة، ولا يجوز أن يستحق أحد شيئًا بيمين غيره، [ليس كما إذا جُنَّ ثم أفاق؛ فإنَّ الحالف واحدٌ قال الرويانيُّ] (٣) وليس كما إذا أقام شطْر البينة ثم ماتَ حيْث يضُمُّ وارثه إليه الشطْر الثاني، ولا يستأنف؛ لأن شهادة كلِّ شاهد بها مستقلةٌ منفردةٌ عن شهادة الآخر، ألا ترى أنه إذا انضمت اليمين إليها قد يحكم بها، وأيمان القسامة لا استقلال لبعضها، ألا ترى أنه لو انضم إليه شهادة شاهدٍ، لا يحكم بهما، وعن الخضريِّ: أن الوارث يبني على
_________________
(١) في ز: الآخر.
(٢) في ز: آخر.
(٣) سقط في ز.
[ ١١ / ٢٦ ]
أيمان الموروث (١)، وبنى الشيخ المتولِّي ذلك على أن أيمان القسامة توزَّع على أولياء الدم أو يَحْلف كل واحد منهم خمسين يمينًا؟ فإن قلنا: يحلف كلُّ واحدٍ خمسين يمينًا استأنف الوارث؛ لأن مَنْ يقسم لا ينقص على هذا القول عن خمسين، وإن قلنا بالتوزيع، فيبني الوارث؛ لأنا نقول: الحقُّ على هذا القولِ يَثْبُت للمقتول، والورثةُ يحلفون بحكُمْ الخلافة عنه وإذا ضممنا يمينَ بعْض الورثة إلى بعْضِ لإثبات الحق للموروث (٢) فأولى أن يكمل يمين المورث في إثبات حقِّه بيمين الوارث، قال: ولو ماتَ بعْد تمام الأيمان، حُكِم لورثته، كما لو أقام البيِّنة على الدعْوَى، ثم مات، ولو ماتَ المدَّعَى عليه في أثناء الأيمان، إذا كنا نحلِّفه في غير صورة اللَّوْث، أو لنُكُول المدَّعِي في صورة اللوث، فيبني وارثه على أيمانه.
الرابعة: هل تجوز القَسَامة في غيبة المدَّعَى عليه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، كما يجوز إقامةُ البيِّنة.
والثاني: لا؛ لأن اللوث ضعيفٌ لا يعوَّل عليه، إلا إذا سلم عن قدح الخصْم، ولا يمنع من القسامة كوْنُ المدَّعِي غائبًا عنْ موضع القتْل، كما لا يمنع كونُه صبيًا أو مجنونًا (٣) وذلك لأنَّه قد يَعْرف الحالَ مِنْ بعْدُ بإقرار المدعَى عليه أو بالسماع ممَّن يثق به، ويدل عليه أن النبي -ﷺ- عرَضَ في قِصَّة عبْد الله بن سهْلِ -﵁- اليمينَ على الأنصار مع أن القَتْل كان بخيبر وهم كانوا بالمدينة (٤).
وقوله في الكتاب: "وهو أن يَحْلَف المدعِي خمْسين يمينًا"، ليعلَمْ بالحاء، لما ذكرنا أن عنده لا يَحْلِف المدَّعي.
وقوله: "متوالية في مجلسٍ واحدٍ" الخلاف في الموالاة قد عَرَفَتْهُ، ولا يُشْتَرط مع الموالاة كونُها في مَجْلِسٍ واحدٍ، وذكر المجْلِس والمجلسَيْن يكنى (٥) به عن الموالاة وعَدَمِها، وهذا (٦) الذي عناه بقَوْلِهِ: "فلو كان في مجلسين فوجهان على ما هو مبين في "الوسيط" ولم يجمع هناك بين ذكر الموالاة وإيجاد المجلس.
وقوله "استأنف في مسألة عزل القاضي" مُعْلَم بالواوَ، وكذا (٧) في التي بعْدها، والله أعلم.
_________________
(١) في ز: المورث.
(٢) في ز: للمورث.
(٣) في ز: جنيا.
(٤) تقدم.
(٥) في ز: بكى.
(٦) في ز: وهو.
(٧) في أ: ولذلك.
[ ١١ / ٢٧ ]
قال الغَزَالِيُّ: فَإنْ كَانَ الوَارِثُ جَمَاعَةً فَفِي تَوْزِيع الخَمْسِينَ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يُوَزَّعُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ سَهْمِهِ مِنَ المِيرَاثِ، فَالثُّمُنْ والسُّدُسُ يَنْكَسِرُ فَيُتَمِّمُ اليَمِينَ المُنْكَسِرَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما يُسْتَحِقُّ بالقسامة (١) يُسْتَحِقُّ بخمسين يمينًا؛ على ماقال -ﷺ- "تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صاحِبِكُمْ أَوْ قاتِلِكُمْ"، فإن كان الوارث واحدًا، وهو جائز [التصرف] (٢) حلف خمسين [يمينًا] (٣) وأخذ الدية، وإن لم يكنْ جائزًا، فكذلك يحلف خمسين؛ لأنه لا يمكنه أخْذُ شيْء من الدية، إلا بعد تمام الحُجَّة، فإذا حلفْ أخَذَ قدْر حقِّه، [والباقي لا يثبت بيمينه بل يكون الحُكْم فيه حكم من مات، ولا وارث له، وسيأتي إن شاء الله تعالى] وإن كان للقتيل وارثان فصَاعِدًا فقولان:
أحدهما: أنَّ كل واحد منهم يَحْلِف خمْسين يمينًا؛ لأن اليمينَ إذا توجَّهت على جماعة لَزِمَ كل واحدٍ منهم ما كان يلْزم الواحِدَ، لو انفرد باليمين الواحدة في سائر الدعاوى ولأن الاستحقاق معلَّق بالخمسين، وكلّ واحد يأخُذُ ما يأخذ بيمين نفسه، فعليه إتمام الخمسين، وكذلك، لو نَكَل [كل] (٤) واحدٍ كانَ على الآخر أن يحْلِف تمام الخمسين، حتى يأخذ شيئًا.
وأصحُّهما، وبه أجاب ابنِ الحدَّاد: أن الأيمان توزَّع عليهم على قدْر مواريثهم، لأن النبي -ﷺ- قال: "يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا لم يوجِبْ على الجماعة إلا خَمْسيِن، والقوْلان فيما ذكَر أبو سعْد المتولِّي مبنيان على أنه تجبْ الدية للوارثِ ابتداءً، أو تجب للقتيل ثم يتَلقَّاها الوارث منهُ إن قلنا بالأول، حَلَف كلُّ واحد خمسين، ولم يستحق بعضُهم شيئًا بيمين بعض، وإن قلْنا بالثاني، فيوزَّع عليهم؛ لأن المستحِقَّ واحدٌ، وهم خلفاءه، فيَحْلِف كل واحدٍ منهم بقَدْر خلافته.
وعن الماسرجسي أن النصَّ في المدعين أنهم يَحْلِفون على قدْر مواريثهم، وفيما
_________________
(١) اختلف أهل العلم في وجوب القصاص بالقسامة فذهب قوم إلى وجوب القصاص فيها لقوله -ﷺ-: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم" روي ذلك عن ابن الزبير وهو قول عمر بن عبد العزيز وإليه ذهب مالك وأحمد وأبي ثور هذا كما لو لم يكن هناك لوث ونكل المدعى عليه عن اليمين يحلف المدعي ويستحق القود. وذهب جماعة إلى أنه لا يجب به القود بل تجب الدية مغلظة في ماله روي ذلك عن ابن عباس وبه قال الحسن البصري والنخعي وهو قول الثوري وقول الشَّافعي في الجديد وأصحاب الرأي وإسحاق وتأولوا قوله: دم صاحبكم "أي ديته".
(٢) سقط في ز.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
[ ١١ / ٢٨ ]
إذا ادَّعى على جماعة، نصَّ على قولَيْن، فمنهم مَنْ قال: فيهما قولان على سبيل النَّقْل، وبه قال القاضي أبو حامد، ومنْهم مَنْ خصَّص القولين بجانب المدعَى عليهم، لما سيأتي من الفرق، وقطَع في المدعين بالتوزيع، فحَصَلت طريقةٌ قاطعة بالتوزيع.
ويجوزُ أن يُعْلَم؛ لها قولُه في الكتاب: "قولان" بالواو.
التفريعُ: إن قلْنا: يحلف كلُّ واحد منهم خمسين، فذاك، ولا إشْكَال، وإن قلْنا بالتوزيع فتوزَّع الأيمان عليهم على قدْر أنصبائهم، سواةٌ كانوا أصحاب فروض أو عصَباتٍ أو اجتمع (١) الصنفان (٢)، وإذا وقع كَسْرٌ تمْمنا المنكسر، فإذا كان له ابنان، حَلَف كل واحد خمسًا وعشرين، وإن كانوا ثلاثةً، حلف كل واحد سبْع عَشْرةَ، وإن كانوا أربعةً، حلَفَ كلُّ واحدٍ ثلاثَ عشْرَةَ، وحصَّةُ كلِّ واحد عنْد التوزيع اثنتا عشْرةَ ونصْفٌ.
وإذا خلف زوجة وابنًا، فحصَّة الزوجة من الخمسين ستَّةٌ وربْعٌ، وحصة الابن ثلاثةٌ وأربعونَ، وثلاثة أرباع، فتَحْلِف هي سبعًا، والابنُ أرْبعًا وأربعين.
وإن خَلَّف أُمًَّا وابنًا، فحصَّتها ثمانيةٌ وثلْثٌ فتحلف تسعًا، والابنُ اثنين وأربعين أيضًا. وإن خلف زوجة وبنتًا، جُعِلت الأيمان بينهما على خمسةٍ، فتحلف الزوجة عشرًا، والبنت أربعين؛ لأن نصيب البنْت كنصيب الزوجة أربعَ مرَّات.
وفي زوجِ وبنْتٍ، تجعل الأيمانْ بينهما أثلاثًا؛ لأنَّ نصيبهما ضعْفُ نصيب الزوج.
وإذا خَلَّفَ أكثر من خمسين ابنًا أو أخًا، حَلَف كلُّ واحد يمينًا واحدة، وإن كانوا تسعةً وأربعينَ، حلَف كلُّ واحد منهم يمينَيْنِ؛ لأن الواحدة التي تبقى تُقَسَّم بينهم، ويتمَّم. وفي صورة الجَدِّ والإخوة تقسَّم الأيمان كما يُقَسَّم المال، وفي المعادة لا يحلف ولدُ الأب، إن لم يأخذ شيئًا، وإن كان يأخذ شيئًا حَلَف بقَدْر حقّه، ففي جدٍّ وأخ من الأبوَيْن أو من الأبِ، تُجْعل الأيمان بينهما نصفَيْن.
وفي جَدٍّ وأخٍ من الأبوين وآخر من الأب يحْلِف الجدُّ ثلثَ الأيمان، وهو مع جبر المنكسر سبعةَ عَشَرَ، ويأخذ ثلُثَ الدية، ويحْلِف الأخُ أربعةَ أتْسَاعِ الأيمان، وهو مع جبر المنكسر ثلاثةٌ وعشرون يمينًا ويحلف الأخ من الأبوَيْن أربعةً وثلاثين، ولا يَحْلِف الأخُ من الأبِ؛ لأنه لا يأخذ شيْئًا فلا يَحْلِف لغيره.
وفي جَدٍّ وأخٍ من الأبوَيْنِ وأخْتٍ من الأبِ يحْلِف الجدّ خُمْسَي الأيمان، ويأخُذْ خمْس الدية، وَيحْلِف الأخُ ثلاثةَ أخماس الأيْمَان، ويأخُذْ ثلاثةَ أحْماس الدِّيَةَ.
_________________
(١) في ز: أجمع.
(٢) في ز: الصفات.
[ ١١ / ٢٩ ]
وفي جَدٍّ وأخٍ وأخت من الأبوَيْنِ وأخْتٍ من الأبِ، يَحْلِف الجدُّ ثلُث الأيمان، وهو معَ جَبْر المنْكَسِر سبْعة عشرَ، ويأخُذُ ثلُثَ الدية، ويحْلِف الأخُ أربعةَ أتْسَاع الأيمانِ، وهي معَ جَبْر المنْكَسِر ثلاثةٌ وعشْرون، وبلا جَبْر اثنان وعشرون وتُسْعان، وتحلف الأخت للأبوين تُسْعَا الأيمان، وهي اثنتا عشْرة يمينًا وتُسْعا الخمسين أحدَ عَشَرَ وتُسْعٌ، ولا تحْلِف الأختُ للأب.
وفي جدٍّ وأختٍ من الأبوين، وأخ من الأب يَحْلِف الجدُّ خُمْسَي الأيمان، ويأخذ خُمْسَي المال، وتحْلف الأخت نصف الأيمان، وتأخُذُ نصْف المال، ويحْلِف الأخ عُشْر الأيمان، وهو خَمْس، ويأخذ عُشْر المال، وعلى هذا القياس، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: فَإِنْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ أَوْ كَانُوا غِيَابًا فَلا يَأْخُذُ الحَاضِر حِصَّتَهُ مَا لَمْ يُتِمَّ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِنْ كَانُوا ثَلاثَةً حَلَفَ الأَوَّلُ خَمْسينَ يَمِينًا وَأَخَذَ الثُّلُثَ، وَإِذَا قُدِّمَ الثَّانِي حَلَفَ ثُلُثَ الأَيْمَانِ وَأَخَذَ الثُّلُثَ، وَإِذَا قُدِّمَ الثَّالِثُ حَلَفَ نِصْفَ الأَيْمَانِ، وَلَوْ خَلَّفَ وَلَدًا خُنْثَى وَأَخًا لأَبٍ حَلَفَ الخُنْثىَ خَمْسِينَ لاحْتِمَالِ أنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ وَأَخَذَ نِصْفَ الدِّيَةِ لاِحْتِمَالِ أنَّهُ أُنْثَى، فَإنْ أَرَادَ الأَخُ أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وفَائِدَتُهُ أَنْ يَنْتَزِعَ النِّصْفَ مِنْ يَدِ الجَاني وَيُوقِفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخُنْثَى فَإِذَا ظَهَرَ الحَالُ سُلِّمَ بِحُكْمِ اليَمِينِ السَّابِقَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل قاعدتانِ تتفرَّعان على أصحِّ القولَيْن، وهو التوزيعُ.
إحداهما: إذا نَكَلَ أحدُ الوارثين، ولا فَرْقَ في نكول النَّاكِل بيْن أن يَنْكُل عن جميع حصَّته من الأيمان أو عن بعْضِها، ولو كانَ بعْضُهم غائبًا، فالحَاضِر يتخيَّر بين أن يصبر إلى أن يحْضُر الغائبُ، فيَحْلِف كلُّ واحدٍ بقَدْر حصَّته، وبين أن يحْلِف في الحال خمْسين يمينًا، ويأخُذ قدْر حَقِّه، فلو كان الورثة ثلاثة بنِينَ؛ أحدُهم حاضرٌ، وأراد أن يحلِف حلف خمسين يمينًا، ويأخُذ ثلث الدية، فإذا قَدِم ثانٍ، حلَفَ نصف الأيمان خمسًا وعشرين، كما لو كانا حاضرَيْنِ في الابتداء، ويأخذ ثلُث الدية، فإذا قدم الثالثُ، حلَف ثلث الأيمان، وهو مع جبْر ما انكسر سبعَ عشرةَ، ويأخذ الباقِيَ من الدية.
ولو كانوا أربعة؛ أحدهم حاضرٌ، [فيحلف] (١) خمسين، ويأخذ ربع الدية، وإذا قدِمَ آخَرُ، حلَف خمسًا وعشْرين، وإذا قَدِمَ ثالثٌ، حلف سبعَ عشرةَ، فإذا قدِمَ الرابع، حلف ثلاثَ عشْرَةَ، وإن فُرِضَ خامس، فإذا قدِمَ، حلَف عشْرًا، ولو كان اثنان من الأربعة حاضرَيْنِ، واثنان غائبَيْنِ، حلَف كلُّ واحد من الحاضرَيْنِ خمسًا وعشرين، وإذا قدِمَ الثالث والرابع فالحُكْم على ما ذكَرْنا، وإن قدم الغائبان معًا، حلَف كلُّ واحد منهما
_________________
(١) في أ: فليحلف.
[ ١١ / ٣٠ ]
ثَلاثَ عشرةَ، ونظير (١) المسألة ما إذا حَضَر أحدُ الشركاء يأْخُذ جميع المَبيع بالشُّفْعة، فإذا قَدِم آخر شاركه، وجُعِلَ بيْنَهما نصفَيْنِ، وإذا حضر ثالث شاركهما وجُعِلَت (٢) بينهم أثلاثًا، ولو قال الحاضر: لا أحلِفُ إلا بقَدْر حصَّتِي، لا يبطل حقُّه من القسامة، حتى إذا قَدِم الغائب، بحلف معه، بخلاف ما إذا قال الشفيع الحاضر، لا آخذ إلا قَدْر حصتي حيْث يَبْطل حقه من الشُّفْعَةِ، والفَرْق أن الشُّفْعة إذا تعرَّضت للأخذ، فالتأخير تقصير مفوِّت، واليمين في القسامة لا تَبْطُل بالتأخير، ولو كان في الورثة صغيرٌ أو مجنون، فالبالغُ العاقل كالحاضر، والصبيُّ والمجنونُ كالغائب في جميع ما ذَكَرْنَا، ولو حَلَف الحاضر أو البالغُ خمسين، ثم مات الغائب أو الصبيُّ فورثه الحالفُ، لم يأخُذْ نصيبه إلا بَعْد أن يَحْلِف [بقَدْر] (٣) حصته، ولا يُحْتَسَبُ ما مضَى؛ لأنه لم يكن مستحِقًا له حينئذ.
الثانية: إذا كان في الورثة خنْثَى مشكِلٌ، أُخِذَ بالاحتياط والبناء على اليقِين في الأيمان وفي الميراث جميعًا، فلو خلَّفَ القتيلُ ولدًا خُنْثَى، حلف خمسين يمينًا؛ لاحتمال أنه ذَكَرٌ، ولأنه لا يؤْخَذ بل تمام الأيمان شيْء، ولا يأخُذ إلا النصْف لاحتمال أنه أنثَى، ثم إن لم يكن معه عصبةٌ، لم يأْخُذِ القاضي الباقيَ من المدعَى عليه، بل يوقَفُ الأمر إلى أن يتبين حال الخنثَى، فإن بَانَ ذَكرًا، أخذه، وإن بان أنثَى، حلف القاضي المدعَى عليه للباقي، وإن كان معه عصبة؛ كالأخ والعم، فيتخيَّر بين أن يَصبِرَ إلى أن يبين حال الخنثَى، وبين أن يَحْلِف، فإن صبر، توقَّفنا، وإن أراد أن يحْلِف حلف خمسًا وعشرين، وأخذ القاضي النصْفَ الآخر، ووقَفَه بين الأخ والخنثَى، فإذا تبين المستحِقُّ منهما، دفَعه إليه باليمين السالفة (٤)، ولو خلَّف ولد ابْنِ خنثيَيْنِ، حلفَ كلُّ واحد منهما ثلُثَي الأيمان أربعًا وثلاثين، مع الجَبْر؛ لاحتمال أنه ذكر، وأن الآخر أنثَى، ولا يأخذانِ إلاَّ الثلثَيْنِ؛ لاحتمال أنهما أنثيان، ولو خلَّف ابْنًا وولَدًا خنْثَى فيحلف الابْنُ ثلُثَي الأيمان؛ لاحتمال أن الخنثَى أنْثَى، ولا يأخُذْ إلا النصْف من الدِّية؛ لاحتمال أنه ذكَرٌ. ويحْلِف الخُنْثَى نصف الأيمان، لاحتمال أنه ذكَرٌ، ولا يأخذ إلا ثُلُثَ الدية، لاحتمال أنه أنثَى، ويوقف السدس بينهما.
ولو خلَّف بنتا وولدًا خنثَى؛ حلَفت البنْت نصف الأيمان والخنثَى ثلثيها، ويأخُذان ثلُثَيِ الدية، ولا يؤْخَذ الباقي من المدعَى عليه إلى أن يتبين حال الخنثَى.
ولابن الحدَّاد صورٌ من هذه القاعدة:
منها: جدٌّ وولدُ أبٍ مشْكِلٌ، فالحكم فيها كالحكم فيما إذا خَلَّف ابنًا وولدًا
_________________
(١) في ز: ونظر.
(٢) في ز: وجعل.
(٣) سقط في ز.
(٤) في ز: السابقة.
[ ١١ / ٣١ ]
خنثَى، والطريق فيهما أن يقال: إن كان المشكِلُ ذكرًا، فالمسألة من اثنين، وإن كان أنثَى، فمن ثلاثة؛ يُضْرَب أحدهما في الآخر [يحْصُل] سنةٌ، منها تصح المسألة، فيجعل المشكِلُ أنثَى في تحليف الجدِّ حتَّى يحْلِف ثلثَي الأيمان، وذكرًا في ميراثه، حتى لا يأخُذَ إلاَّ نصْفَ الدية، ويُجْعَل ذكرًا في تحْليف نفسه، حتى يحْلِف نصْفَ الأيمان، وأنثَى في الميراث حتَّى لا يأخذ إلاَّ الثُّلُث.
ومنها: بنْتٌ وجَدٌّ وولدُ أبٍ مشكِلٌ، فإن كان المشكِلُ ذكرًا، فالمسألة من أربعةٍ، سهمان للبنْتِ، وسهمانِ للجَدِّ والأخ، وإن كان أنثَى، فهي من ستة؛ ثلاثةٌ للبنْتِ، والباقي بين الجد والأخت بالأَثْلاَث، والمسألتان متوافقتان بالنِّصْف، فيضْرِب أحد العددين في نصف الآخر، يحْصُل اثنا عشر، فتحلِف البنْتُ نصف الأيمان بكلِّ حالٍ؛ لأن نصيبها لا يختلفُ بذكورة المشكِل وأنوثته، وتأخذ نصْف الدية، ويحْلِف الجدُّ ثلث الأيمان؛ لاحتمال أنوثة المشكِل، ولا يأخُذُ إلاَّ ربع الدية؛ لاحتمال ذكورته، ويحْلِف المشكِلُ ربع الأيمان؛ لاحتمال الذكورة، ولا يأخذ إلاَّ سُدُسَ الدية؛ لاحتمال الأنوثة.
ومنها: جدٌّ وأختٌ من الأبويْنِ ومُشْكِلٌ من الأب إما أخ أو أخت، إن كان المشكِلُ ذكرًا، فالمسألة من خمسة، وتصحُّ من عَشرة؛ لأن الأخ من الأَب يَرُدُّ على الأخت من الأبوين ما يَتِمُّ لها به النصْفُ، وهو سهْمٌ ونصفِ، فتضرب الخمسة في مخرج النصف، تصير عشرة، وإن كان أنثى، فالمسألة من أربعة، وتصح من اثنين؛ لأن الأختَ من الأب تَردُّ ما معها إلى الأخْت من الأبوين، فيصير المالُ بينهما وبين الجَدِّ نصفين، فيحلف الجدُّ نصف الأيمان؛ لاحتمال أنوثة المشكل، ولا يأخذ إلاَّ خُمْسَي الدية؛ لاحتمال ذكورته، وتَحْلِف الأخت من الأبوَيْنِ نصْفَ الأيمان، وتأخُذ نصْفَ الدية؛ لأن نصيبها لا يتغيَّر بذكورة المشكل وأنوثته، ويحْلِف المشكِلُ عُشْرَ الأيمان، ويوقَفُ عشْر الدية بينه وبيْن الجدُّ، إن بَانَ ذكرًا، دُفع إليه، وإن بَانَ أنثَى، دُفِع إلى الجَدِّ.
وعن بعْض الأصحاب؛ أنه لا يحْلِفُ المشكِل، لجواز أن يتبين [أنه] (١) أنثَى، فلا يكون له شيْء من الميراث، ولكن يوقَفُ فإن بَانَ أنثَى، فقد حلفَ الجدُّ والأخت المستحِقَّان تمام الأيمان، وإن بَانَ ذكرًا، حلف عُشْر الأيمان، ودُفعَ العُشْر إليه قال الشيخ أبو عليٍّ: والصحيح عند الجمهور ما قال ابن الحدَّاد؛ لأنا وإن حَلَّفنا الجدَّ والأخت تمام الأيمان، فلا يتيقن أنهما مستحِقَّان لجميع الدية، فكيف نأخذ من الجاني الديةَ بتمامها، ولم يوجَدْ تمام الأيمان ممَّنُ يتيقَّن أنه مستحقٌّ تمام الدية، بل يَحْلِف المشكِلُ عُشْر الأيمان، وحينئذ، فقد تمَّتِ الأيمان ممَّنُ يُتيقَّن له الاستحقاق.
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١١ / ٣٢ ]
واعلم أن صاحبَ ذلك الوجْه، إنْ كان يقول: لا يجُوز أن يحلِف المشكِل، لاحتمال أنه لا يَرِث شيئًا فحقه أن يقول فيما إذا خلَّف ولدًا خنثَى وأخًا: لا يحلف الأخُ، لِمِثْل هذا الاحتمال، وإن كان يقول: لا يكلَّف أن يحْلِف، ويؤخذ تسعة أعشار الدية، ويُوقَفُ العشر باقيًا على مَنْ عليه الدية، فهذا قويم، وهو قياسُ ما تقدَّم هناك، ولو كان بَدَلَ الأخت مِن الأبوين أخٌ من الأبوين، فيحلِفُ الجدُّ خُمْسَي الأيمان؛ لاحتمال أنوثة المشْكِلِ، ويأخُذ ثلُثَ الدية، لاحتمال ذكورته، ويحلِفُ الأخ ثلثَيِ الأيمان، ويأخُذُ ثلاثة أخْماس الدية وبالعكس وتصح من خمسة عشر.
ومنها: جدٌّ وأختٌ من الأبوين ومشْكِل من الأبوين أيضًا، فالمسألة على تقدير الذُّكورة من خمسة، وعلى تقدير الأنوثة من أربعةٍ، فبضَرْب أحد العَدَدَيْن في الآخر، يَبْلُغ عشرين، منْها تصحُّ فيحلف الجدُّ نصف الأيمان؛ لاحتمال أنوثة الخنثَى، ولا يأخُذْ إلاَّ خُمْسَي الدية؛ لاحتمال ذكورته، وتحلِف الأختُ ربعَ الأيمان، ولا تأخُذ إلاَّ خمسي الدية، ويحلِف الخنثَى [المشكِلُ] (١) خُمْسَي الأيمان؛ لاحتمال الذكورة، ولا يأخُذُ إلاَّ ربُعَ الديةِ؛ لاحتمال الأنوثة، فمبلغ الأيمان ثمانيةٌ وخمسون، وما أخَذُوه سبعةَ عشَر منْ عشرين من الدية، ويُوقَف ثلاثة أسهم، فإن بَانَ الخنثَى ذكرًا، فهي له، ليتم له الخمسان، وإن بَانَ أنثى، فسهمان من الثلاثة للجدِّ؛ ليتم له النصْف، وسهْمٌ للأخت؛ ليتم لها الربع.
قال القاضي أبو الطيِّب لو أراد الجدُّ والخنثَى أن يصْطَلِحا في السهمَيْن من الثلاثة الموقُوفَيْن سهمًا قبل أن يتبين حال الخنثَى، جاز أو يصطلحا على التساوي أو التفاضُل، ولكن بشَرْط أن يُجْعَل السهْم الثالثُ للأخت، ولا يوقَفُ؛ لأن الوقْف إنما يكون لحَقِّ الجميع، فلا يجُوز أن يُمَكَّنَا من التصرُّف في السهمين، ويبقى الثالث على الوقْف، وتوقَّف ابن الصباغ فيما ذَكره، وقال: السهمان اللَّذان اصطَلَحا عليهما لا حقَّ للأخت فيهما، فلا يلزم إسقاطُ حقِّ الخنثَى من السهْم الذي يحتملُ أن يكونَ له، ويُحْتَمل أن يكون للأخْتِ.
صورةٌ أخرَى للشيخ أبي عليِّ: جدٌّ ومشكِلانِ من الأبوَيْنِ، إن كانا ذكرَيْنِ، فالمسألة من ثلاثة، وإن كانا أنثَيَيْنِ فمن أربعةٍ، وإن كان أحدُهما ذكَرًا، والآخَرُ أنثى، فمن خمسة، فَبِضَرْبِ ثلاثة في أربعة تَبْلُغ اثنَي عشر ثم نضربها في خمسة تَبْلُغ ستين، منْها تصحُّ فيحلِف الجدُّ نصفَ الأيمان؛ لاحتمال أنوثتهما، ولا يأخُذ إلاَّ ثلُثَ الدية؛ لاحتمال ذكورتهما، وكلُّ واحد من المشكِلَيْن يحلِفَ خمسي الأيمان؛ لاحتمال ذكورته
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١١ / ٣٣ ]
وأنوثة الآخر، ولا يأخذ إلاَّ خمس الدية لاحتمال العكس، فمجموع الأيمان خمسة وستُّونَ، ومجموع ما يأخذونه أربعةٌ وأربعونَ من ستِّين من الدية، ويوقَفُ ستة عشر، فإن بانا ذكَرَيْن، قُسِّم الموقوف بينهما بالسوية، ليتم لِكُلِّ واحد منهما الثلُث، كما أخذه الجدُّ، وإن بَانَا أُنْثَيَيْنَ، دفع من الموقوف عَشَرَةٌ إلى الجد؛ ليتم له النصف، وإلى كلِّ واحدة منهما ثلاثةُ أرباع؛ ليتم لها الربع، وإن بَانَ أحدهما ذكرًا، والآخرَ أنثَى، دُفِعَ من الموقوف أربعةٌ إلى الجَدِّ، واثنا عشر إلى الذي بَانَ ذكرًا؛ ليتم لكل واحدٍ منهما الخمسان، وعند الأنثى الخُمُسُ الكامل.
صورة أخرى: أوردَها يحيى اليمنيُّ في "البيان": جدٌّ ومشكلان، أحدهما من الأبوين، والآخر من الأب، إن كَانا ذَكَرَيْن، فالمسألة من ثلاثة؛ سَهْمٌ للجدِّ، وسهمان للذي هو من الأبوين، وإن كَانَا أنْثَيَيْنِ، فَمِنْ أربعةٍ سهمان للجَدِّ، وسهمان للَّتي هي مِنَ الأبوَيْن، وإن كان أحدُهما ذكرًا والآخَر أنْثَى، فمِنْ خمسةٍ سَهمان للجدِّ، ثم إن كان الذي هو من الأبوين ذكرًا، فالسِّهام الثلاثة له، وعلى التقديراتِ الثلاثةِ، فلا شيء للَّذي هو من الأب، وإن كان الذكر الذي هو من الأب، فللذي هو من الأبوَيْنِ سهْمان ونصْفٌ، والذي هو من الأب سهْم ونصف من عشرة، فبضرب المخارج بعْضها في بعض تَبْلُغ ستين، فيحلف الجدُّ نصْفَ الأيمان، ويأخُذُ ثُلُثَ الدية، وهو عشْرُون من سِتِّين منها، ويحْلِف المُشْكِل من الأَبَوَيْنِ ثلُثَي الأيمان، ويدفع إلَيْه نصْف الدية، وهو ثلاثُون من ستِّينَ، ويحلف الآخَرُ الذي عساه يستَحِقُّ عُشْرَ الدية، ولا يُصرف إليه شيْء، والأنصباء متوافقةٌ بالنصْف، فتردُّها، والستين إلى الأنصافِ، ويدفع إلى الجدِّ عشرة من ثلاثين من الدية، وإلى المشكِلِ من الأبوين خمسةَ عشرَ، ويوقف خمسة، فإن بَانَا ذكَرَيْنِ، دُفِعَتْ إلى الذي هو مِنَ الأبوين، وإنْ بَانَا أنثيَيْنِ، دُفِعَتْ إلى الجَدِّ، وإن بَانَ الذي هو من الأبوَيْنِ ذكرًا والآخرُ أنثَى، دُفِعَ سهمانِ من الخمسة إلى الجدِّ، ليتم له الخمسان، وثلاثة أسهم إلى الذي هو من الأبوين؛ ليتم له ثلاثة أخماس، وإن بَانَ الَّذي هو من الأب (١) ذكرًا، دُفِع إلى الجَدِّ سهمان، وإليه ثلاثة أسهم.