قال الغَزَالِيُّ: والنَّظَرُ فِي ثَلاثَةِ أُمْورٍ: الأَوَّلُ: الدَّعْوَى وَلَهَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ: الأَوَّلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِشَخْصٍ مُعَيَّنِ أَوْ بأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ، فَلَوْ قَالَ: قَتَلَ أَبِي وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلاَءِ العَشَرَةِ، وَلا أَعْرِفُ عَيْنَهُ، وَأُرِيدُ يَمِينَ كُلِّ وَاحِدٍ، فالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجَابُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالمَنْعِ، وَهَؤلاَءِ لا يَتَضَرَّرُونَ بِاليَمِينَ، وَكَذَا فِي دَعْوَى الغَصْبِ والسَّرِقَةِ، بِخِلاَفِ القَبْضِ والبَيْعِ في المُعَامِلاَتِ، فَإنَّهُ بِالنِّسْيَانِ مُقَصِّرٌ، وَقِيلَ: يُسْمَعُ فِي المُعَامَلاَتِ، وَقِيلَ: لاَ يُسْمَعْ إلاَّ فِي الدَّمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تكلَّم الشَّافعي -﵁- والأصْحَابُ في القِصَاصِ والدِّيَةِ والكَفَّارَةِ التي هي من مُوجِباتِ القَتْلِ، تكلموا فيما يُرْجَعُ إليه عند التَّنَازعُ بأَن يَدَّعِيَ الوَلِيُّ القَتْلَ على إِنْسَانٍ، فَيُنْكِرُ.
والذي يُعْتَمَدُ عليه عند الإِنْكَارِ قَوْلُ الشهود أو اليَمِينُ، إما من جهة المُدَّعِي، أو من جِهَةِ المُدَّعَى عليه، وذلك يُحْوِجُ إلى النظر في الدَّعْوَى واليَمِينِ والشهادة، فلذلك قال: "والنَّظَرُ في ثلاثة أُمُورٍ".
ثم اليمين تَنْقَسِمُ إلى: يمين القَسَامَةِ وغيرها.
ومعظم الغَرَضِ في الباب القَوْلُ في يمين القَسَامَةِ، فإنها [التي] (١) تَخْتَصُّ بالدم، فأما القول في الدَّعْوَى، والبَيِّنَةِ، وسائر الأَيْمَانِ، فلا اختصاص لهما بما إذا كان المُدَّعَي دَمًا، ولهما أبواب مُفْرَدَةٌ في مواضعهما، ولهذا المعنى تَرْجَمَ الشَّافعي -﵁- وأَكْثَرُ الأَصحاب البابَ بـ"كتاب القَسَامَةِ"، لا بـ"دَعْوَى الدَّمِ"، وترجم في "الوسيط" الكِتَابَ بـ"كتاب دَعْوى الدم والقَسَامَةِ والشهادة"؛ لاشْتِمالِهِ على الأمور الثلاثة، واقْتَصَرَها هنا على ذِكْرِ الدعوى؛ لأنها الأَمْرُ الأول، وعليه يَتَرَتَّبُ الأمران الآخران.
_________________
(١) سقط في ز.
[ ١١ / ٣ ]
ومن الأصحاب من يُؤَخّرُ البَابَ إلى كتاب الدَّعَاوَى (١)، وعليه جَرَى الشيخ أبو إِسْحَاقَ الشيرازي -﵀- فاعتبر فيه.
إذا عرف ذلك، فالأَمْرُ الأول: الدَّعوَى، والمعتبر (٢) في الدعوى خمسة شروط:
أحدها: تَعْيِينِ المُدَّعَى عليه بأن ادُّعِىَ القَتْلُ على وَاحِدٍ، أو على جماعة مُعَيَّنينَ، فهي مَسمُوعَةُ، وإذا طلبهم للقاضي، وطلب إحضارهم أَجابَهُ، إلا إذا ذَكَرَ جَماعَةً لا يُتصَوَّرُ اجْتِمْاعُهُم على القَتْلِ، فلا يحضرون، ولا يُبَالَي بقوله: فإنه دَعْوَى مُحَالٍ.
وإن قال: قَتَلَ أبِي أَحَدُ هَذَيْنِ أو وَاحِدٌ من هؤلاء العشرة وطلب من القاضي أن يسألهم، ويُحَلِّفَ كُلّ واحد منهم فهل يُجِيبُهُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لما في هذه الدَّعْوَى من الإِبْهَامِ، وصار كما لو ادَّعى دَيْنًا على أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ.
والثاني: نعم؛ لأنه طَرِيقٌ يُتَوَصَّلُ به إلى مَعْرِفَةِ القاتِلِ واسْتِيفَاءِ الحَقِّ منه.
ولأن القَاتِلَ يسعى في إِخْفَاءِ القَتْلِ كي لا يقصد، ولا يطالب، وتَعْسَرُ مَعْرِفَتُهُ على الوَلِيِّ لذلك. فلو لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ هكذا لَتَضَرَّرَ، وهم لا يَتَضَرَّرُونَ باليمين الصَّادِقَةِ، والأَصَحُّ من الوجهين على ما ذكر صاحب "التهذيب" الأول، ولم يورِدُ جماعة من الأصحاب غَيْرَهُ. وذكر في الكتاب أن الصَّحِيحَ أنه يُجَابُ إليه، ولم يذكر ذلك في "الوسيط"، بل سَكَتَ عن الترجيح.
ويجري الخِلاَفُ في دعوى الغَصْبِ، والإتْلاَفِ، والسَّرِقَةِ، وأخذ الضَّالَّةِ على أحد الرجلين أو الثلاثة، ولا يَجْرِي في دعوى القَرْضِ، والبيع، وسائر المعاملات؛ لأنها تَنْشَأُ باختيار المُتَعَاقِدَيْنِ، وحَقُّها أن يضبط كل واحد من المُتَعاقِدَيْنِ صاحبه، هذا هو الأَظْهَرُ، وفيه طريقان آخران:
أحدهما: إجراء الخِلاَفِ في المُعامَلاَتِ أيضًا؛ [لأن] الإنسان عُرْضَةُ النِّسْيَانِ، وهم لا يَتَضَرَّرُونَ باليمين. والثاني: قَصْرُهُ على دَعْوَى الدَّمِ لِعِظَمِ خَطَرِهِ.
وقوله: "قتل أَبِي أَحَدُ هؤلاء العشرة"، تَصْوِيرٌ فيما إذا كان القوم حاضِرِينَ، فإن لم يكونوا حاضرين، والتمس إحضارهم فهل يجاب؟ فيه الوجهان، ولو ذكر أنه قتله أحدهم، ولم يطلب إحضار جميعهم؛ ليسألوا، ويُعْرَض عليهم اليَمِينُ، فلا يحضرهم القاضي، ولا يُبَالِي بكلامه؛ لأن القاضي يعمل بِحَسَبِ طَلَبِ المُسْتَحِقِّ، ذكره في "التتمة"، وذكر أن الوَجْهَيْنِ فيما إذا تَعَلَّقَتِ الدَّعوَى بِوَاحِدٍ من جماعة مَحْصُورِينَ.
_________________
(١) في ز: الدعوى.
(٢) في ز: واعتبر.
[ ١١ / ٤ ]
وأما إذا قال: قَتَلَهُ واحِدٌ من أهل القَرْيَةِ أو المَحِلَّةِ، وهم لا يَنْحَصِرُونَ، وطَلَبَ إِحْضَارَهُمْ فلا يُجَابُ؛ لأنه يَطُولُ فيه العَنَاءُ على القاضي، وَيتَعَطَّلُ زَمَانُهُ في خُصُومَةٍ واحدة، وتَتَأَخَّرُ حُقُوقُ سائر الناس، ولأن في إحضار الجَمْع الكَبِيرِ إِضْرارًا بهم لِقَطْعِ مَعايِشِهِمْ، وتَعْطِيلِ زمانهم، وقد يفهم هذا من التصوير في العشرة.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِي أنْ تَكُونَ مُفَصَّلَةً فِي كَوْنِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ مُشْتَرِكَةً، فَإنْ أَجْمَلَ اسْتَفْصَلَ القّاضِي، وَقِيلَ: يُعْرَضُ عَنْهُ لِأَنَّ الاسْتِفْصَالَ تَلْقِينٌ، وَلَوْ قَالَ: قُتِلَ أَبِي خَطَأً مَعَ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَحْصُرُهُم لَمْ يُسْمَعْ إِذْ حِصَّتُهُ مِنَ الدِّيَةِ لا تَتَبَيَّنُ، وَلَوِ ادَّعَى العَمْدَ وَقُلْنَا: مُوجِبُهُ القَوْدُ المَحْضُ سُمِعَ، وَإِنْ قُلْنَا: أَحَدٌ لا بِعَيْنِهِ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لتكن الدَّعْوَى مُفَصَّلَةً (١)، أَقَتَلَ عَمْدًا، أو خَطَأً، أو عَمْدَ خَطأٍ، مُنْفَرِدًا أو بِشَرِكَةِ غيره، فإن الأحكام تَخْتَلِفُ باختلاف هذه الأَحْوَالِ، والواجب تَارَةً يَتَوَجَّه على القاتل، وأُخْرَى على عَاقِلَتِهِ، فلا يمكن فَضْلُ الأمْرِ ما لم يُعْلَمْ مَنْ يُطَالَبُ؟ وبم يُطَالَبُ؟ وفيه وجه سنذكر مَأْخَذَهُ: أنه يجوز أن تكون الدَّعْوَى مَجْهُولَةً.
وإذا منعنا -وهو المذهب المشهور- فلو أجمل الوَلِيُّ دَعْوَى القَتْلِ، ففيه وجهان:
أحدهما: أن القاضي يُعْرِضُ عنه، ولا يَسْتَفْصِلُ؛ لأن الاسْتِفْصَالَ ضَرْبٌ من التَّلْقِينِ.
وأصحهما: أنه يَسْتَفْصِلُ، والقول بأن الاسْتِفْصَالَ تَلْقِينٌ ممنوع، بل التلقين أن يقول له: قُلْ: قَتَلَهُ عَمْدًا أو خَطَأً، والاسْتِفْصَالُ أن يقول: كيف قُتِلَ؟
وهذا الوجه الثاني هو الذي أَوْرَدَهُ الجمهور، ونَصَّ عليه الشَّافعي -﵁- في "المختصر"، حيث قال: ينبغي لِلْحَاكِمِ أن يقول له: من قَتَلَ صاحِبَكَ؟، فإن قال: فُلاَنٌ، قال: وَحْدَهُ؟، فإن قال: نعم، قال: عَمْدًا أو خطأ؟، فإن قال: عَمْدًا، يسأله (٢): ما العَمْدُ؟.
وربما يُوجَدُ في إِيرَادِ الأئمة ما يُشْعِرُ بوجوب الاسْتِفْصَالِ هكذا قال القاضي الروياني بعد ما نَقَلَ نَصَّ الشَّافعي -﵁- أنه يَسْتَفْصِلُ في الأشياء الأربعة.
وقال الماسَرْجَسِيُّ: لا يجب على الحَاكِمِ أن يُصَحِّحَ دَعْوَاهُ، ولا يلزمه أن يسمع
_________________
(١) قال في القوت: يستثنى من اشتراط التفصيل السحر فإنه مما يخفى فعله من الساحر وفعله من المسحور فلا يمكن الوصف في الدعوى على الساحر، فإذا ادعى على ساحر أنه قتل وليه بالسحر لم يستوصف بل يسأل الحاكم الساحر ويعمل ببيانه، ونقله عن الماوردي.
(٢) في ز: سأله.
[ ١١ / ٥ ]
إلا في دعوى محَرَّرَةٍ، وإنما ذَكَرَ الشَّافعي -﵁- هذا إذا أَرادَ أن يَسْتَثْبِتَهُ احْتِيَاطًا، فأشعر هذا السِّيَاقُ بأن غيره يقول بوجوب الاسْتِفْصالِ المُصَحِّحِ للدعوى.
والأوجه ما نَسَبَهُ إلى المَاسَرْجِسِيُّ ثم إذا قال: إنه قتله مُنْفَرِدًا عَمْدًا، ووصف العَمْدِيَّةَ، أو خَطَأً طالب المُدَّعَى عليه بالجواب.
فإن قال: قتله بِشَرِكَةٍ، سئل عمن شَارَكَهُ، فإن ذَكَرَ جَمَاعَةً لا يُتَصَوَّرُ اجتماعهم على القتل، لُغِيَ قوله ودَعْوَاهُ. وإن ذكر جَمَاعَةً يُتَصَوَّرُ اجتماعهم، ولم يحضرهم، أو قال: لا أعرف عَدَدَهُمْ، فإن ادَّعَى قَتْلًا يوجب الدِّيَةَ لم تُسْمَعْ دعواه؛ لأن حِصَّة المُدَّعَى عليه من الدِّيَةِ لا تَتَبَيَّنُ إلا بِحَصْرِ الشركاء، وذلك مثل أن يَدَّعِيَ الخَطَأَ أو شِبْهَ العَمْدِ، أو يقول: إنه تَعَمَّدَ، وفي شركائه مُخْطِئٌ.
نعم، لو قال: لا أعْرِفُ عَدَدَهُمْ على التحقيق، ولكن أعلم أنهم لا يزيدون على عشرة، فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى، وَيتَرَتَّبُ على تحقيقها المُطَالَبَةُ بعُشْرِ الدية، فإن ادعى ما يوجب القَوَدَ بأن قال: قَتَلَ عَمْدًا مع شركاء مُتَعَمِّدِينَ، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يسمع دَعْوَاهُ؛ لأنه إذا حَقَّقَهَا، تمكَّنَ من مُطالَبَتِهِ بالقِصَاصِ، ولا يختلف ذلك بِعَدَدِ الشركاء.
والثاني: المنع، ويحكى عن أبي إِسْحَاقَ؛ لأنه قد يختار الدِّيَةَ، فلا يدري حَقَّهُ منها، ومنهم من قال: إن قلنا: إن مُوجِبَ العَمْدِ القَوَدُ، فالمصير إلى سَمَاعِ الدعوى أَظْهَرُ، وربما أُشِيرَ إلى القَطْعِ [به] (١). وإن قلنا: مُوجِبُ العَمْدِ أَحَدُهُما اتَّجَهَ الوجهان؛ لأن أَحَدَ الموجبين غير معلومَ، وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ المُدَّعِي مُكَلَّفًا مُلْتَزِمًا، وَلا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ جَنِينًا حالَةَ القَتْلِ إِذْ يُعرَفُ ذَلِكَ بِالتَّسَامُعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنما تُسْمَعُ الدَّعْوَى من المُكَلَّفِ دون الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، ومن المُلْتَزِمِ، وهو المسلم، والذِّمِّيُّ (٢).
فأما الحَرْبِيُّ فلا يستحق قِصَاصًا، ولا دِيَةً، فليس له دَعْوَى الدَّمِ، ولا يَقْدَحُ كَوْنُ
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) وقول الغزالي في الشرط الثالث: أن يكون المدعي مكلفًا الخ متعقب، فقد قال الشيخ البلقيني: هذا الشرط متعقب، فإن المعاهد ليس بملتزم ولهذا لا يقطع بالسرقة على أظهر الأقوال ولا توقف في سماع دعواه بماله الذي استحقه على مسلم أو ذمي ولا في دعواه دم قريبه الذمي بحيث يرثه.
[ ١١ / ٦ ]
المُدَّعِي صَبِيًّا، أو مَجْنُونًا، أو جَنينًا حالَةَ القَتْلِ إذا كان بصفة الكَمَالِ عند الدَّعْوَى، فإنه قد يعرف الحال بالتَّسَامُعِ، ويمكنه أن يحلف في مَظَنَّةِ الحَلِفِ إذا عرف ما يحلف عليه بإقْرَارِ الجاني، أو بالسماع ممن يَثِقُ به، ولذلك نقول: من مَلَكَ عَبْدًا هو أكبر سِنًّا منه، ثم باعه فجاء (١) المشتري يَرُدُّهُ بِعَيْبِ الإِبَاقِ، له أن يَحْلِفَ بالله تعالى: ما هو آبِقٌ، وإنما يعرف ذلك بِسَماعِ حاله (٢) من غيره.
وكذلك لو اشترى عَيْنًا وقَبَضَهَا، فجاء من يَدَّعَي أنها مِلْكُهُ، ويطالب بالتَّسْلِيمِ، له أن يحلف أنه لا يَلْزَمُهُ التسليم؛ اعْتِمادًا على قول البائع.
والمَحْجُورُ عليه بالسَّفَهِ، تُسْمَعُ منه دَعْوَى الدَّمِ، وله أن يَحْلِفَ ويحلّف، وأن يستوفي القِصَاص.
وإذا آلَ الأَمْرُ إلى المَالِ، فيأخذه الوَلِيُّ، كما في دَعْوَى المال، يدعي السَّفِيهُ، وَيحْلِفُ ويحلَّف، والوَليُّ يأخذ المَالَ.
قال الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ أنْ يَكُونَ المُدَّعَى عَلَيْهِ مُكَلَّفًا، فَإنْ كَانَ سَفِيهًا صَحَّ فِيما يُقْبَلُ إِقْرَارُ السَّفِيهِ فِيهِ، وإن لَمْ يُقْبَلْ إِقْرارُهُ صَحَّ لِأَجْلِ إِنْكَارِهِ حَتَّى يُسْمِعَ البَيِّنَةَ وَيُعْرَضَ اليَمِينُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذْ يَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِحَلِفِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من شَرْطِ صِحَّةِ الدعوى أن يكون المُدَّعَى عَلَيْهِ مُكَلَّفًا، فلا يُدَّعَى على صَبِيٍّ ولا مجنون، ثم هاهنا مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: إذا ادَّعى القَتْلَ على المَحْجُورِ عليه بالسَّفَهِ، نظر إن كان هناك لَوْثٌ على ما ستعرفه، فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى، سواء ادَّعَى قَتْلًا عَمْدًا أو خَطَأً، أو شِبْهَ عَمْدٍ، ويقسم المدعي، ويكون الحكم كما في غير السَّفِيهِ، وإذا كان اللَّوْثُ قول شَاهِدٍ واحِدٍ، فيحلف المُدَّعِي معه، ويثبت المَالُ بالشاهد واليمين، وإن لم يكن لَوْثٌ. فإن ادعى قَتْلًا يوجب القِصَاصَ تُسْمَعُ دَعْواهُ؛ لأن إِقْرارَهُ بما يوجب القِصَاصَ مَقْبولٌ، فإن أَقَرَّ أُمْضِيَ حكمه [عليه] (٣)، وإن [أنكر] (٤) حلف، فإن نَكَلَ حَلَفَ المُدَّعِي، وكان له أن يقتصَّ.
وإن ادَّعى خَطأً أو شِبْهَ عَمْدٍ، فهذا ينظر [فيه] (٥) إلى أن إِقْرَارَ المَحْجُورِ بالإتلاف هل يقبل ويُؤاخَذُ [بها]؟ وفيه وجهان مذكوران في كتاب الحَجْرِ.
وسواء قلنا: يُقْبَلُ أو لا يُقْبَلُ، فَيُسْمَعُ أَصْلُ الدعوى.
_________________
(١) في ز: فجاءه.
(٢) في أ: ناله.
(٣) سقط في ز.
(٤) سقط في ز.
(٥) سقط في ز.
[ ١١ / ٧ ]
أما إذا قبلنا إِقْرارَهُ، فليمض عليه الحُكْمُ وإن أَقَرَّ، ولتقام عليه البينة إن أنكر.
وأما إذا لم نَقْبَلهُ، وهو الصحيح، فلتُقَام عليه البَيِّنَةُ إن أنكر، ثم إذا أنكر، فهل تُعْرَضُ اليمين عليه؟ يبني ذلك على أن يكون المُدَّعَى عليه، ويمين المدعي كَبَيِّنَةٍ يقيمها المُدَّعِي، أو كإقرار المُدَّعى عليه، إن قلنا كالبَيِّنَةِ، فتعرض، فإنه قد ينكل، فيحلف المدعي، ويكون كما لو أقام البَيِّنَةَ.
ويحكى هذا عن أبي مَنْصُورِ بن مَهْرَانَ. وإن قلنا: كالإِقْرَارِ، ففيه وجهان:
أَوْفَقُهُما لكلام أكثرهم: أنها لا تعرض؛ لأن العَرْضَ للحمل على الصِّدْقِ بالإقرار، والإقرار غير مَقْبُولٍ على الصحيح.
وأصحهما عند صاحب الكتاب: العَرْضُ؛ لأنه قد يَحْلِفُ، فتنقطع الخُصُومَةُ في الحَالِ، هكذا، أَوْرَدَهُ الشيخ أبو حَامِدٍ وغيره، وعليه يَنْطَبِقُ إيراد صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط"، إلا أنهم لم يذكروا أوْجُهَ عَرْضِ اليمين؛ تَفْرِيعًا على أن اليمين المَرْدُودَةُ كالإقرار. ومنهم من يُطْلِقُ الخِلاَفَ في سَمَاعِ الدعوى بالخَطَأِ، وشِبْهِ العَمْدِ من أصلها، ويَبْنِيهِ على الخلاف في أن إقراره بالإتْلاَفِ، هل يقبل؟ إن قلنا: نعم سمعت، وإلا فينبني على أن اليمين المردودة كالبينة أو كالإقرار، فليحمل هذا علي ما ذكره الأولون، فإنهم جميعًا مُتَّفِقُونَ على أنه لو أقام البَيِّنَةَ تسمع، وسَماعُ البينة مَسْبُوقٌ بِسَماَعِ الدعوى.
المسألة الثانية: تُسْمَعُ دَعْوَى القَتْلِ على المَحْجُورِ عليه بالفَلَسِ، ثم إن قامت بَيِّنَةٌ أو كان هناك لَوْثٌ، وأقسم المدعي، فهو كغيره، ويُزاحِمُ المُسْتَحِقُّ بالمال الغُرَمَاءَ، وَإِنِ لم تكن بَيِّنَةٌ، ولا لَوْثٌ، فيحلف المُفْلِسُ، فإن نَكَلَ حلف المدعي، واسْتَحَقَّ القِصَاصَ إن كان المُدَّعَى قَتْلًا يوجب القِصَاصَ.
قال القاضي الروياني: فإن عَفَا عن القِصَاصِ على مَالٍ، ثَبَتَ [المَالُ]، وهل يشارك به الغُرَمَاء؟ يُبْنَى على أن اليمين المَرْدُودَةَ بعد النُّكُولِ كالبينة فنعم، وإن قلْنا كالإقْرَار، فقَوْلان، كما لو أقرَّ المُفْلِس بعَيْن (١) في يَدِه أو بدَيْنٍ نسبه إلى ما قبل الحَجْر، وإن كان المدَّعَى قتل خطَأً أو شبْهَ عمْد، ثبت باليمين المردودة الدية، وتكون على العاقلة، إنْ جعلْناها كالبينة، وإن جعلْناها كالإقرار، فتكون على الجاني، وهل يزاحِمُ المدَّعِي بها الغرماء؟ فيه القولان، ومنْهم مِنْ يُطْلِق وجهَيْن من غير بناء على الأصْل المذكور وُيوجه الوجوب [على العاقلة بأنَّها تثبت بيمين المدَّعِي، فأشبه مَا لَوْ ثبت بالقَسَامة والوجوب في مالِهِ] (٢)؛ بأنَّ اليمينَ بالمردودةِ نُقِلَتْ إلى المدَّعَى، بنكول المفْلِسْ فأشبه مَا لَوْ أَقَرَّ.
_________________
(١) في ز: يعني.
(٢) سقط في ز.
[ ١١ / ٨ ]
ومسألة ثالثة: وهي دعْوى القَتْل على العبْد، قال في "التهذيب": إن كان هناك لوْثٌ، فتُسْمع، ويقسم المُدَّعي، ويقتص إن ادَّعى قتل عمد، وأوجبنا القِصَاصَ بالقسامة، وإلاَّ، إذا كان يَدَّعِي قتل خطأ، فتتعلَّق الدية برقية العبد، وإن لم يكن لوْثٌ، فدعوى القتل الموجِب للقِصاص تكونُ على العبد، ودعْوى القتْل الموجب للمَال تكون على السيد، وتمام المسألة يأتي في "باب الدعاوَى والبَيِّنَات".
وقوله في الكتاب "صح" أي صحت الدعوى عليه.
وقوله: "على الصحيح" يمكن ردُّه من جهة اللفْظ إلى قوله "صح" لأجل إنكاره؛ ويوافق ذلك قول "مَنْ أطلَقَ الخِلافَ في سماع الدعْوَى"، ويلزم منه [بيانُ] (١) إجراءِ الخلافِ في سماع البيِّنة، والذي يوافِقُ نظم "الوسيط" وما حكَيْناه عن الأصحاب أن يعلَّق قوله "على الصحيح" بقوله "وتُعْرَض اليمين عليه"، لا بما قبله [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ ألاَّ تَتَنَاقَضُ دَعْوَاهُ فَإنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالقَتْلِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ الشَّرِكَةَ لَمْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى الثَّانِيَةُ لِأَنَّ الأُولَى تكَذِّبُهُ، فَلَوْ صَدَّقَهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ ثانِيًا كَانَ لَهُ المُؤَاخَدَةُ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ الحَقَّ لا يَعْدُوهُما، وَلَوِ اسْتَفْصَلَ في العَمْدِ فَفَصَلَهُ بِمَا لَيْسَ بِعَمْدٍ لَمْ تُبطِلْ دَعْوَاهُ أَصْلَ القَتْلِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: ظَلَمْتُهُ بِأَخْذِ المَالِ وَفسِّرَ بِأنَّهُ كَذَبَ فِي الدَّعْوَى اسْتُرِدَّ، وَلَوْ فُسِّرَ بأَنَّهُ حَنَفِيُّ لا يَرَى القَسَامَةَ وَقَدْ أَخَذَ بِهَا لَمْ يُسْتَرِدُّ لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى رَأْيِ الحَاكِمِ لاَ إِلَى الخِصْمَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن شروط الدعوى سلامتها عما يناقضها وُيكَذِّبها، فلو ادَّعَى على شخْص أنه منفردٌ بالقتل، ثم ادعَى على آخر أنَّه شريك في القَتْل، أو منفردٌ به، لم تُسْمع دعواه (٢) الثانية؛ لأن الأُوْلَى تكذِّبها، وتناقضُها، ولو لم يقسم على الأُولَى، ولم يمض حكْمٌ، فلا يُمكَّن من العَوْد إليها أيضًا؛ لأن الثانية تكذبها، ولو أن الثانيَ صدَّقه في دعواه الثانيةَ، فوجهان:
أحدهما: أنه ليس له أن يؤاخِذَه بموجب تصديقه لأن في الدعْوى الأُولَى اعترافًا ببراءة غير المدَّعَى عليه.
وأصحَّهما: أن له المؤاخذة؛ لأن الحقَّ لا يعدوهما، ويحتمل أن يكون كاذبًا في الدعوى الأُولَى قصْدًا أو غَلَظًا، صادقًا في الثانية. ثم في الفصْل صورتان:
إحداهما: لو ادعَى قتلًا عمدًا، فاستُفْصِلَ، ففصَّله، ووصَف ما ليس بعمد، نقل
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: الدعوى.
[ ١١ / ٩ ]
المزنيُّ، أنه لا يقسم، ونقل الربيع أنه يقسم، وذكر الأصحاب طريقَيْن:
أشهرهما: أن في بطلان أصْل الدعوَى قولَيْن:
أحدهما: أنه يبطل، فلا يقسم، ولا يلتفت إلى قوله؛ لأن في دعْوى العمد به اعترافًا ببراءة العاقلة، فلا يتمكَّن من مطالبتهم آخرًا، ولأنَّ في دعوى العمْد به اعترافًا بأنّه ليس بمخطئ، فلا يمكنه الرجوع عنه
وأصحُّهما: المنع؛ لأنه قد يَظُنُّ ما ليس بعمْد عمْدًا، فيتبيَّن بتفسيره أنه مخطئ في اعتقاده وأيضًا، فقد يكْذِب في الوصف، وَيصْدُق في الأصل، وعلى هذا، فيُعْتمد على تفسيره، ويمضي حكمه.
والثاني: القطْع بالقول الثاني، وتأويل ما نقله المزنيُّ على أنه لا يقسم على ما ذكره أولًا، ويجري الطريقان فيما لو ادَّعَى الخطأ، وفسَّره بما هو عمْد، ولو ادعَى شبْه عمد، ثم فسَّره بما هو خطأ محْضٌ، وقلْنا: هناك بطريقة القولَيْن، فمنهم مَنْ أجراهما هاهنا، ومنْهم من قَطَع بأنه لا يُبْطِل الدعْوى؛ لأن قوله الأول يَقْتَضي زيادةً على العاقلة، ومن ادعَى زيادة، ثم رجع إلى قدْر الحقِّ لا تبطل دعواه فيه.
ويجوز أن يُعْلم؛ للطريقة القاطعة قوله في الكتاب: "عَلَى أصحِّ الوجْهَيْن" بالواو، والتعبيرُ عن الخلاف بالوجهَيْن خلافُ المشهورِ.
الثانية: لو ادَّعى القتلَ، وأخذ المال، ثم قال: ظلمتُه بأخذ هذا المال أو أخذتُه باطلًا، أو ما أخذتُهُ حرامٌ لي، سُئِلَ عنه، فإن قال: كذَبْتُ في الدعْوَى وما هو بقاتل، اسْتُرِدَّ منه ما أخَذَ، وإن قال: أردتُّ أني حنفيٌّ، لا أرى أخْذ المال بيمين المدَّعي عَلَى ما سنَحْكِي مذهب أبي حنيفة لم يُسْتَرَدَّ؛ لأن النظرَ إلى رأي الحاكم واجتهادِهِ لا إلى مذْهب الخصمَيْن واعتقادهما وذكروا للصورة نظائرَ:
منها: ما إذا ماتَ إنسان، فقال ابنه: لسْتُ أرثه؛ لأنه كان كافرًا، فاستُفْصِل عن كُفْره، فقال: كان معتزليًا أو رافضيًا، فيقال له: لك ميراثه وأنْتَ مخطئٌ في ظنِّك، والاعتزالُ والرفض ليس بكفْرِ، هكذا حكى القفَّال، وعليه جَرَى القاضي الرويانيُّ وصاحب "التهذيب" وغيرهما، قال الفورانيُّ: مِنْ مشايخنا مَنْ يقول بتكفير أهْل الأهواء، فعلى قوْل مَنْ قال به؛ يَحْرُمُ الميراث (١).
ومنها: إذا قضى الحنفيُّ للشافعيِّ بشفعة الجار، فأخذ الشِّقْصَ، ثم قال: أخذتُه
_________________
(١) قال النووي في زياداته: هذا الوجه خطأ، والصواب المنصوص، والذي قطع به الجمهور: أنَّا لا نكفرهم.
[ ١١ / ١٠ ]