عند دراستنا لفقه الإِمام، وأصحاب الطريقتين = ينبغي التمييز بين قولهم: "الأصحاب"، أو "أصحاب الشافعيّ"، وقولهم: "أصحاب الوجوه".
فإذا أطلقوا في الكتب لفظ "الأصحاب" فهذا الإطلاق يعمّ أصحاب
_________________
(١) تتمة "المجموع" لابن السُّبكيّ (١٠/ ٦).
(٢) "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ١٦٥).
(٣) "مقدمة مرشد الأنام لبر أُمّ الإِمام"، أحمد بك الحسيني (٢/ ٦٧٨) وما بعدها (مخطوط)؛ نقلًا عن "نهاية المطلب"، مقدمة المحقّق (ص: ١٤٣).
[ ١ / ١٨٩ ]
الطريقين ومن عاصرهم ومن كان قبلهم من الأئمة العظام ومن كان بعدهم.
ثم بعد أصحاب الطريقين جماعةٌ من الأصحاب ينقلون الطريقين كأبي عبد الله الحَليمي، والروياني صاحب "البحر"، ومجلي صاحب "الذخائر"، وإمام الحرمين، والمتولِّي صاحب "التتمة"، والغزالي، وغيرهم.
وأما "أصحاب الوجوه"، فهم أخصُّ من لفظ الأصحاب لأنَّ كل من كان من أصحاب الوجوه يدخل تحت لفظ الأصحاب ولا عكس، وأصحاب الوجوه معروفون ويدخل فيهم أصحاب الطريقين (١)؛ وأمّا تحديد توصيف "أصحاب الوجوه" فقد جاء من كلام الإِمام ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" قوله: "أن يكون في مذهب إمامه مجتهدًا مقيَّدًا فيستقلّ بتقرير مذاهبه بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلَّته أصول إمامه وقواعده، ومن شأنه أن يكون عالمًا بالفقه، خبيرًا بأصول الفقه، عارفًا بأدلة الأحكام تفصيلًا، بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تامّ الارتياض في التخريج والاستنباط قيِّمًا بإلحاق ما ليس بمنصوص عليه في مذهب إمامه بأصول مذهبه وقواعده، ولا يعرى عن شوب من التقليد له، لإخلاله ببعض العلوم والأدوات المعتبرة في المستقل. مثل أن يخلَّ بعلم الحديث أو بعلم اللغة العربية، وكثيرًا ما وقع الإخلال بهذين العلمين في أهل الاجتهاد المقيد. ويتخذ نصوص إمامه أصولًا يستنبط منها نحو ما يفعله المستقل بنصوص الشارع، وربما مر به الحكم وقد ذكره إمامه بدليله، فيكتفي بذلك فيه ولا يبحث هل لذلك الدليل
_________________
(١) "مقدمة مرشد الأنام لبر أُمّ الإِمام"، أحمد بك الحسيني (٢/ ٦٧٨) وما بعدها (مخطوط)؛ نقلًا عن "نهاية المطلب"، مقدمة المحقّق (ص: ١٤٣).
[ ١ / ١٩٠ ]
من معارض؟ ولا يستوفي النظر في شروطه كما يفعله المستقل، وهذه صفة أصحاب الوجوه والطرق في المذهب" (١).
وقد اعتنى الإِمام النووي بتبيان أصحاب الوجوه من فقهاء الشافعية في تراجمهم في كتابه "تهذيب الأسماء واللغات"؛ فقد ميّزهم بذكر هذه الصفة بهم؛ ولعلّه أوّل من ميّزهم في التراجم؛ والله أعلم (٢).
* * *