التفضيل بين الطريقتين، تفضيلٌ في المنهج والتأليف والتفريع، فطريقةُ العراقيين أثبتُ، وطريقة الخراسانيين أحسنُ تأليفًا؛ قال النوويُّ ﵀: "واعلم أنّ نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسن تصرفا وبحثًا وتفريعًا وترتيبًا غالبًا: ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين، وقد أشار الأصحاب إلى الترجيح به، أن يكون الشافعي ذكره في بابه ومظنته وذكر الآخر في غير بابه بأن جرى بحث وكلام جرَّ إلى ذكره، فالذي ذكره في بابه أقوى؛ لأنَّه أتى به مقصودًا وقرّره في موضعه بعد فكر طويل، بخلاف ما ذكره في غير بابه استطرادًا فلا يعتنى به اعتناؤه بالأول.
_________________
(١) "أدب المفتي والمستفتي" لابن الصلاح (ص: ٩٥).
(٢) انظر فقرة (معجم مصطلحات رجال المذهب وكتبهم المذكورين في الغاية في اختصار النهاية) من هذه المقدّمة.
[ ١ / ١٩١ ]
وقد صرح أصحابنا بمثل هذا الترجيح في مواضع لا تنحصر" (١).
وأوّلُ من جمع بين طريقتَيْ العراق وخراسان الإِمام أبو علي السِّنْجِيُّ: الحسين بن شعيب بن محمد (ت: ٤٣٠ هـ)؛ قاله تاج الدين السُّبكيّ في أوّل ترجمته (٢).
وقال أيضًا عن الفوراني (ت: ٤٦١ هـ) عبد الرحمن بن محمد بن أحمد: إنه ذكر في خطبة الإبانة أنَّه بَيَّن الأصحَّ من الأقوال والوجوه، قال التاج السُّبكيّ: وهو من أقدم المبتدئين لهذا الأمر (٣).
وهكذا انتهى فقه الشافعيّ إلى هاتين الطريقتين، وأصبحت الكتب المعتبرة لا تعدوهما، فمتى اتفقت الطائفتان على فرع من الفروع، كان هذا القول المعتمد في المذهب.
ثمّ ظهر بعد ذلك عدد من العلماء ممّن لم يتقيّدوا بالنقل عن مدرسة واحدة منها، بل نقلوا عن هذه وتلك، مثل الرُّوياني (ت: ٥٠٢ هـ) صاحب "البحر"، وأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي (ت: ٥٠٧ هـ)، صاحب كتاب
_________________
(١) "المجموع" (١/ ٦٩).
(٢) "طبقات الشافعية الكبرى" (٤/ ٣٤٤).
(٣) قال ابن السُّبكيّ في "طبقات الشافعية الكبرى" (٥/ ١١٠): "وكان كثير النقل، والناس يعجبون من كثرة حط إمام الحرمين عليه، وقوله في مواضع من النهاية: إن الرجل غير موثوق بنقله. والذي أقطع به أنَّ الإِمام لم يرد تضعيفه في النقل من قبلِ كذبٍ؛ معاذ الله، وإنما الإِمام كان رجلًا محققًا مدققًا، يغلب بعقله على نقله، وكان الفوراني رجلًا نقَّالًا، فكان الإِمام يشير إلى استضعاف تفقهه، فعنده أنه ربما أتي من سوء الفهم في بعض المسائل، هذا أقصى ما لعل الإِمام يقوله".
[ ١ / ١٩٢ ]
"حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" المسمّى بالمستظهري، وابن الصبّاغ: عبد السيد بن محمد البغدادي (ت: ٤٧٧ هـ)، صاحب كتاب "الشامل شرح مختصر المزني"؛ هم عراقيون ينقلون عن الطريقتين.
والمتولّي: عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري (٤٧٨ هـ)، صاحب "التتمة"، وإمام الحرمين: عبد الملك بن عبد الله (ت: ٤٧٨ هـ)، صاحب "نهاية المطلب"، والإمام الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، صاحب "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز"، خُراسانيُّون ينقلون عن العراقيين.
وربما يعتمد كل غير طريقته في الفروع، فدوّنوا الفقه وجمعوا بين الطريقتين.
ثم قام إمام الحرمين بجمع طرق المذهب ووجوه الأصحاب المتقدمين في عمله العظيم "نهاية المطلب في دراية المذهب"، وقام بالترجيح فيما اختلف فيه الأصحاب، في ضوء قواعد المذهب، وسار تلميذه الغزالي من بعده على نهجه وأكمل ما بدأه وهذبه، وفتح المجال لتهذيب المذهب وتنقيحه، ذلك الغرض الذي خُدم وخُتم بجهود الإمامين الرافعي والنووي، ولهذا استحقَّا لقب الشيخين عند أئمة المذهب.